التراث العربي المخطوط الضائع سلوك العلماء نموذجاً

د. أشرف صالح محمد سيد
جامعة ابن رشد، هولندا

الملخص:

كان المسلمون أصحاب تراث معرفي ضخم نتيجة لانتشار حركة التأليف والترجمة التي ملأت أرجاء الدولة الإسلامية، إلا أن نسبة ما وصلنا من ذلك الرصيد هو نسبة ضئيلة للغاية، حيث هلك الباقي بسبب تعرض العالم العربي والإسلامي إلى الحروب والغزوات والفتن الداخلية والخارجية. غير أن هذه النكبات لم تكن هي العامل الوحيد، إذ ساهمت بعض العوامل الأخرى في اندثار جانب كبير من تراثنا العربي والإسلامي والتي كان من أهمها سلوك العلماء أنفسهم. فقد تخلص العلماء من كتبهم وأتلفوها بوسائل عدة: كحرقها عمدًا مع سبق الإصرار، أو غسلها بالماء، أو دفنها في باطن الأرض، أو تطييرها في الهواء، أو تمزيقها ورميها في الهواء، أو تركها في الصحراء، أو إلقائها في الأنهار والآبار أو البحار، أو إعدامها والتخلص منها بطريقة أو بأخرى، وهذا ما سوف تتناوله هذه الدراسة.

الكلمات الدالة:

المخطوط، التراث العربي، التأليف، الترجمة، سلوك العلماء.

***

النص:

أقام المسلمون نهضة علمية وثقافية كبرى كان من أهم نتائجها ذلك التراث الثقافي والفكري الضخم الذي عكف على إنتاجه تأليفًا وترجمةً العلماء العرب والمسلمون على مر التاريخ والذي كانت تزخر به خزائن الكتب العربية في العصور الوسطى. فلقد كان للكتاب أهمية ومكانة كبيرة في نفوس المسلمين، مما كان له أكبر الأثر في انتشار المكتبات في طول البلاد وعرضها، حيث حرص الحكام والخلفاء المسلمون على تزويد تلك المكتبات بالكتب والمخطوطات القيمة، وتوفير المخصصات المالية لهذا الغرض.

في الحقيقة، إن تاريخ الكتاب الإسلامي والمكتبة الإسلامية هو في الواقع شيء واحد يعبر عن تاريخ الفكر الإسلامي في مختلف عصوره، فقد لعب الكتاب والمكتبة الإسلامية دور هام في نشر الثقافة بين المسلمين مما ساهم في تقدم وازدهار الحضارة العربية الإسلامية في القرون الوسطى. إلا أنه هناك عدد من العوامل التي أثرت على مصير ذلك التراث كان من أهمها الحروب والغزوات الداخلية والخارجية التي تعرض لها العالم الإسلامي، حيث دُمرت الكثير من المكتبات، كما كان للمحن والبلايا مثل المجاعات وحالات الغلاء والفقر والتي كانت كثيرًا ما تعصف بالبلاد الإسلامية، أثر كبير على مصير الكتاب الإسلامي الذي تعرض للسلب والنهب والتدمير. أضف إلى ذلك السرقة، والجهل، والتعصب، والفتن، والإهمال، وعدم أمانة المشرفين على المكتبات.

لكن المصادر التاريخية وكتب التراجم ذكرت لنا أخبار بعض العلماء والمؤلفين وجامعي الكتب الذين أقدموا على إتلاف كتبهم الخاصة، وذلك ندمًا عن الانشغال بها عن عبادة الله، أو خوفًا من أن تضل تلك الكتب غيرهم، أو خوفًا من أن توضع الكتب في غير موضعها بعد وفاتهم، أو ضنًا بها على مَنْ لا يعرف جدواها، أو مَنْ لا يستحقها، أو لنقصٍ بدا فيها، أو لأي عارض آخر بدا له(1). وأيًا كانت المسوَّغات، فمما لا شك فيه؛ أن مثل هذا الصنيع ومثل هذه العادات أضاعت علينا ثروة كثيرة من التراث الفكري المخطوط في مختلف مجالات المعرفة.

لقد تخلص العلماء من كتبهم وأتلفوها بوسائل عدة(2)، كحرقها عمدًا مع سبق الإصرار، أو غسلها بالماء، أو دفنها في باطن الأرض، أو تطييرها في الهواء، أو تمزيقها ورميها في الهواء، أو تركها في الصحراء، أو إلقائها في الأنهار والآبار أو البحار، أو إعدامها والتخلص منها بطريقة أو بأخرى. وسوف نعرض بعض الأمثلة التوضيحية عن سلوك العلماء في التخلص من كتبهم وفقًا لما ذكرته المصادر التاريخية وكتب التراجم.

1 - حرق الكتب:

وهي أشهر طرق إتلاف الكتب، حيث استعملت في الساحات العامة، وغالبًا هي طريقة السلطة في التعبير عن رفضها العلني لكتب وأفكار معينة(3). وقد بدأت ظاهرة حرق الكتب بصفة متعمدة في العالم العربي والإسلامي منذ أواخر القرن الهجري الأول، ومن الأمثلة على ذلك:

عروة بن الزبير (ت 93هـ) الذي حرق كتبًا له فيها فقه سنة 63هـ، ثم ندم على ذلك فقال: "لأن تكون تلك الكتب عندي أحب إلي من أن يكون لي مثل أهلي ومالي"(4). والحسن البصري (21 - 110هـ) إمام التابعين في زمانه، روى ابن سعد في طبقاته عن موسى بن إسماعيل قال: حدثنا سهل بن الحصين الباهلي قال: بعثت إلى عبد الله بن الحسن البصري: ابعث إلي بكتب أبيك، فبعث إلي أنه لما ثقل قال لي: اجمعها لي، فجمعتها له، وما أدري ما يصنع بها، فأتيت بها فقال للخادمة: "اسجري التنور، ثم أمر فأحرقت"(5).

أما أبو عمر بن العلاء بن عمار المازني (ت 154هـ) أحد القراء السبعة المشهورين، وإمام أهل البصرة في القراءات والنحو واللغة، فقد قام بإحراق دفاتره التي ملأت بيته إلى السقف بسبب تنسكه(6). وذكر ياقوت الرومي (ت 626هـ) قول أبي سليمان الدرني (ت 215هـ)، أنه "جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك"(7).

وأوصى محمد بن عمر، أبو بكر الجعابي الحافظ (ت 355هـ)، بأن تحرق كتبه بعد موته، فأحرقت. قال الأزهري إن ابن الجعابي لما مات أوصى أن تحرق كتبه فأحرقت وكان فيها كتب للناس(8). فقال: حدثني أبو الحسين بن البواب أنه كان له عنده مائة وخمسون جزءًا فذهبت في جملة ما أحرق. وروى عن الدارقطني قوله: "أخبرت بعلة الجعابي فقمت إليه فرأيته يحرق كتبه فأقمت عنده حتى ما بقى منه شيء"(9).

أما أبو سعيد السيرافي (ت 385هـ) الذي يعدّ من كبار العلماء فقد أوصى ولده محمد بقوله "قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الأجل فإذا رأيتها تخونك، فاجعلها طعمه للنار"(10). لقد ذكر ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" أن إسماعيل بن حماد الجوهري (ت 398هـ) أحد علماء اللغة وصاحب كتاب اللغة وصحاح العربية، عرضت له في آخر حياته وسوسة قهرية فحرق كتبه كلها، ثم صعد على سطح الجامع في نيسابور فقال: أيها الناس إني قد عملت في الدنيا شيئًا لم اسبق إليه (يقصد مجمعه الصحاح) وزعم أنه يطير، ثم قفز من أعلى الجامع فمات(11).

وقد أحرق أبو حيان (ت 400هـ) كتبه النفيسة، وكتب لصديق له مفسرًا ذلك بقوله: "إن العلم حاطك الله يرد للعمل، كما أن العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصرًا عن العلم، كان العمل كلا على العالم، وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلا وأورث ذلا - علمك الله الخير - أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته، فأما ما كان سرًا فلم أجد له مَنْ يتحلى بحقيقته راغبًا، وأما ما كان علانية فلم أصب مَنْ يحرص عليه طالبًا، على أني جمعت أكثرها للناس ولطلب المنالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولمدة الجاه عندهم، فحُمرت ذلك كله، وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة علىَّ لا لي"(12).

ومن ذلك أيضًا ما فعله الشاعر أبو سعيد بن أبي الخيرات (ت 467هـ) وكان يحفظ عن ظهر قلب ثلاثين ألف بيت لشعراء الجاهلية، وعندما بلغ السادسة والعشرين سمع درسًا لأحد المشايخ يدور حول قوله تعالى: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ" (سورة الأنعام، الآية 91)، فما كاد يسمع هذه الآية حتى جمع كتبه كلها وأحرقها، ثم آوى إلى ركن في بيته وجلس فيه سبع سنين يذكر فيها اسم الله(13).

ومن العلماء المشهورين الذين أحرقوا كتبهم أبو الفرج بن الجوزي (ت 510هـ) فقد كان يملك كتبًا كثيرة أُحرقت بإشارة منه(14). والبعض أحرق كتبه خوفًا من الاستيلاء عليها، فقد ذُكر أن الحسين بن الحسين بن عبد الله، أبو الحكم الكلبي، ابن حسون (ت 547هـ) وهو قاض في الأندلس أيام ملوك الطوائف، وكان في جواره بعض المرابطين فواصلوا الغارات عليه، كما اتفق عليه أهل البلد فثاروا عليه وقتلوا أخًا له كان قائد جيشه، فضاع رشده، وقتل بعض بناته غيرة عليهن من السبي، وأطلق النار في كتبه فأحرقها(15).

وممَنْ أحرق كتبه تغري برمش بن يوسف (ت 820هـ)(16). وكذلك أوصى جعفر البرساوي (ت 950هـ) بإحراق كتاب له ألفه في الهزل سماه "دافع الغموم" حيث ندم على تأليفه، ولزم أن يشتريه ممَنْ لقيه عنده ويحرقه بالنار(17).

2 - إغراق الكتب:

إن المتصفح للمصادر التاريخية يجد أخبار عن لجوء بعض العلماء إلى رمي مصنفاتهم وكتبهم في البحار والأنهار، وذلك للتخلص منها، ومن أمثلة هؤلاء: داود بن نصير الطائي (ت 165هـ)، كانت له مكتبة خاصة ضمت العديد من الكتب الفقهية واللغوية والأدبية، إلا أنه عمد إلى تفريغها في مياه نهر الفرات، وقال يناجيها: "نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل عند الوصول، عناء وذهول، وبلاء وخمول". وفي ذلك ضياع ثروة فكرية كبيرة(18). وذكر السلمي نقلاً عن محمد بن عبد الله الطبري قوله: إنه سمع يوسف بن الحسين يقول: طلب أحمد بن أبي الحواري (ت 240هـ) العلم ثلاثين سنة، ثم حمل كُتُبه كلَّها إلى البحر، فغرَّقها(19). وممَنْ تخلص من مصنفاته في النهر؛ أحمد بن محمد بن الخلال (ت 311هـ)، فقد رمى بجملة من سماعاته القديمة في نهر دجلة(20).

وجاء في ترجمة ابن العريف الصنهاجي المقرئ (ت 539هـ)، صحاب المقامات والإشارات أنه "ممَنْ ضرب عليه الكمال رواق التعريف، فأشرقت بأضرابه البلاد، وشرقت به جماعة الحسَّاد، حتى سعوا به إلى سلطان عصره، وخوفوه من عاقبة أمره، لاشتماله القلوب عليه، وانضواء الغرباء إليه، فغرَّب إلى مراكش... فاستوحش، فغرَّق في البحر جميع مؤلفاته، فلم يبق منها إلا ما كُتب منها عنه"(21).

وفي ترجمة صفي الدين أبي السرور القاضي أحمد بن عمر المزجد الزبيدي (ت 930هـ)، وهو ممَنْ اشتغل بالفقه وأصوله والحديث وعلومه والحساب والفرائض، وبرع في علوم كثيرة، وتميز بفقه الإمام الشافعي. قال حفيده أبو الفتح بن حسين المزجد عنه: "كان جدي شرح جامع المختصرات للنسائي في ستة مجلدات، ثم لما رآه لم يستوف ما حواه الجامع المذكور من الجمع والخلاف ألقاه في الماء فأعدمه"(22). وذكر المحبي، أن عبد الله الكردي (ت 1003هـ)، "اشتغل بالعلوم أولا وفاق أقرانه، ثم غلب عليه الحال، ورمى كتبه في الماء"(23).

3 - تمزيق وإتلاف الكتب:

ومن الطرق الأخرى التي لجأ إليها بعض العلماء للتخلص من مصنفاتهم وكتبهم، القيام بتمزيقها وبعثرتها في الهواء، وممَنْ قام بذلك: سفيان الثوري (ت 161هـ)، حيث أقدم على تمزيق ألف جزء وتطييرها في الريح وقال: "ليت يدي قُطعت من ها هنا بل من ها هنا ولم أكتب حرفًا"(24). وقد أدى الجفاء بين العلماء إلى إتلاف الكتب، فقد ذُكر أن الإمام الحافظ مسعود بن أحمد بن زيد العراقي (ت 71هـ) عمد إلى إعدام مسودة كتاب "الإمام لابن دقيق العيد"، بعد أن كان أكمله، فلم يبق منه إلا ما كان بيض في حياة مصنفه(25). ومن العلماء الذين قاموا بإتلاف كتبهم، التبرباج (ت 855هـ)، نظم ديوان شعر، ثم قام بإتلافه وهو حي يرزق ضنًا بكرامته وإعلاء لشأن الأدب على زعمه(26).

وممَنْ أتلف كتبه، أبو ذر الحافظ، أحمد بن إبراهيم (ت 884هـ)، يقول السخاوي عنه: "فنون الأدب برع فيها، وجمع فيها تصانيف نظمًا ونثرًا ثم أذهبها حسبما أخبرني به عن آخرها، ومن ذلك: عروس الأفراح فيما يقال في الراح، وعقد الدرر، واللآل فيما يقال في السلسال، وستر الحال فيما قبل في الخال، والهلال المستنير في العذار المستدير، والبدر إذا استنار فيما قيل في العذار"(27). وسعيد بن أحمد العدني (ت 884هـ)، قدم إلى عدن واستوطنها واقتنى كُتبًا نفيسة، وكان ضنيًا بها، واستولى على عدة خزائن فأعدمها(28). وأبو عبد الله شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد أبو بكر السخاوي (ت 902هـ)، أمر بإحضار كتبه وإتلافها فأتلفت(29).

4 - غسل الكتب:

من الأساليب التي أدت إلى ضياع الكثير من كتب التراث العربي الإسلامي المخطوط قيام بعض العلماء بغسل مؤلفاتهم أو مؤلفات غيرهم، وقد يقوم بهذا العمل بعض النُساخ وغيرهم من الوراقين، وذلك بأن يضعوا الكتب أو أوراق المخطوطات في الماء لمدة معينة من الزمن؛ مما يؤدي إلى تحلل الحبر، وطمس الكتابة وضياعها بهدف التخلص مما فيها من أقوال وآراء لا يرغب صاحبها في الإبقاء عليها، متبرئًا مما كتب، وتائبًا إلى الله مما صنع، أو لدواع أخرى مختلفة. وقد يلجأ البعض منهم إلى محو الكتابة مستخدمًا قطعة من القماش المبلولة لإزالة الكتابة، وكان غسل الكتابة يعبر عنه أحيانًا بلفظ "محو الكتابة"(30).

ومن الأخبار الواردة في غسل الكتب أو محوها، ما أورده الذهبي في ترجمة الفقيه المرادي الكوفي (ت 72هـ)، الذي طلب إحضار كتبه قبل وفاته فمحاها(31). ومن العلماء الذي أقبلوا على غسل كتبهم، شعبة بن الحجاج (ت 160هـ)(32)، وأبو غالب الذهلي "فارس بن الحسين بن بشير الذهلي" (403 - 507هـ)(33)، وعلي بن طلحة بن كردان النحوي (ت 424هـ)(34)، والمبارك بن المبارك أبو طالب الكرخي (ت 585هـ)(35). ومن الشعراء؛ محمد بن علي بن المطلب (ت 478هـ)(36)، وعاصم بن الحسن الكرخي (ت 483هـ)(37)، وشجاع بن فارس السهروردي (ت 507هـ)(38)، وأبو بكر السمعاني التميمي (ت 510هـ)(39)، وعلي بن الحسن المعروف بشميم الحلي (ت 601هـ)(40)، وصدر الدين بن الوكيل (ت 716هـ)(41)، وابن أبي السعود أحمد بن إسماعيل (ت 870هـ)(42).

5 - دفن الكتب:

من الظواهر الغريبة التي حدثت في التاريخ العربي الإسلامي قيام بعض المؤلفين والعلماء بدفن كتبهم، أو الزج بها في إحدى المغارات، وهذا الفعل يُعَدّ من المصائب التي ابتلى بها التراث العربي الإسلامي المخطوط، نتيجة التعصب، أو قلة التدبير. ومن العلماء الذي فقدنا مخطوطاتهم نتيجة هذا التصرف نذكر: أبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ)(43)، وعلي بن سليمان (من علماء القرن 2هـ)(44). وممَنْ دفن خزانة كتبه: علي بن مسهر القرشي (ت 189هـ)(45)، وعطاء بن مسلم الخفاف (ت 189هـ)(46)، وأبو كريب محمد الهمداني (ت 248هـ)(47).

ودفن يوسف بن أسباط (ت 199هـ) كتبه(48)، ودفن الإمام الشافعي (ت 204هـ) ما عنده من كتب في علم النحو(49)، وقام مؤمل أبو عبد الرحمن بن إسماعيل العدوي (ت 306هـ) بدفن كتبه(50)، وأوصى ابن الحذاء القرطبي، محمد بن يحيى بن أحمد (ت 416هـ) أن يدفن كتابه "الإنباه عن أسماء الله" على صدره. وجاء في ترجمة الحافي، بشر بن الحارث بن عبد الرحمن، ابن عطاء أبو نصر المرزوي (ت 667هـ)، قول الخطيب عنه: "كان كثير الحديث، إلا أنه لم ينصب نفسه للرواية، وكان يكرهها، ودفن كتبه لأجل ذلك". وذكر ابن حجر أن ابن أبي حجلة، أحمد بن يحيى ابن أبي بكر التلمساني (ت 776هـ) أمر عند موته أن يوضع مصنفه الذي عارض فيه قصائد ابن الفارض في نعشه، بل يدفن في قبره(51). وقد ذكر السخاوي أن من العلماء مَنْ ترك كتبه في البرية وهو أبو بكر بن محمد بن شادي الحصني الشافعي (ت 881هـ)(52).

ويبقى لنا أن نوضح أن تلك الظاهرة الغريبة لم تكن قاصرة على العلماء المسلمين فقط، وإنما كانت تحدث عند الغربيين في القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وذلك عندما كان الرهبان في الأديرة يحرقون كتبهم ربما لنفس الأسباب التي كان المسلمون يحرقون كتبهم من أجلها(53). كذلك ينبغي لنا أن نؤكد أنه لم يكن هذا هو حال العلماء المسلمين بصفة عامة، فكم منهم مَنْ كانت كتبه أعز شيء لديه، وخير دليل على ذلك قول الجاحظ (150 - 255هـ): "(الكتاب) نعم الذّخرُ والعُقدة هو، ونعم الجليس والعُدَّة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونِعْمَ الأَنِيسُ لِسَاعةِ الوَحْدَة، ونعم المعرفةُ ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخِيل، ونعم الوزير والنزيل"(54).

إن الباحث عن التراث العلمي الضائع للأمة سوف يجد جملةً من العوامل أثرت على مصيره، ولكنه سوف يقف مشدوهًا أمام سلوك العلماء أنفسهم الذي قضى على جانب كبير من تراثنا العربي والإسلامي والذي كان بمثابة المكتبة الإسلامية في القرون الوسطى، أي أنه كان من أهم معالم الحضارة العربية الإسلامية في ذلك الوقت.

انعكس ضياع ذلك التراث سلبًا على استكمال موضوعات وعناوين يحتاجها طالب العلم والعالم معًا فضلاً عن مثقفي الأمة، فهناك عناوين لمؤلفات لدى ابن النديم، والقفطي، وابن أبي أصيبعة، وغيرهم من أصحاب كتب الفهارس والتراجم، إلا أننا لا نجد لتلك المؤلفات أثرًا سوى ذكر اسمها في سياق ترجمة أعمال هذا المؤلف أو ذاك، مما يجعل من إمكانية التواصل الثقافي في حياة أي أمة منقوصًا.

الهوامش:
1 - شعبان خليفة: الكتب والمكتبات في العصور الوسطى، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة 1997، ص 252. أحمد بن عبد الله الباتلي: علماء احترقت كتبهم أو دفنت أو أغرقت أو مُحيت، دار طويق للنشر والتوزيع، الرياض 2002، ص 7.
2 - راجع، نوفل محمد نوري: إتلاف الكتب في الحضارة العربية الإسلامية: دراسة تاريخية في أسبابها في العصر العباسي (132 - 656هـ)، مجلة التربية والعلم، جامعة الموصل، المجلد 17، العدد 4، 2010، ص 30 - 51.
3 - راجع، علي عفيفي علي غازي: حرق الكتب في التراث العربي الإسلامي، مجلة أدب ونقد، العدد 336، فبراير 2014.
4 - ابن سعد، محمد بن مَنِيع: الطبقات الكبرى، مطبعة بريل، ليدن 1904، ج7، ص 183. الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان: تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام، مطبعة السعادة، القاهرة 1368هـ، ج4، ص 32.
5 - الذهبي: سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت 1988، ج4، ص 584.
6 - ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت 1968، ج1، ص 414 - 415. ابن العماد، عبد الحي بن أحمد: شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذهب، المكتبة التجارية، بيروت 1966، ج1، ص 237.
7 - ياقوت الرومي، أبو عبد الله: معجم الأدباء، إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، دار الكتب العلمية، بيروت 1991، ج3، ص 345 - 348.
8 - الذهبي: ميزان الاعتدال في نقد الرجال، علي محمد البجاوي، دار المعرفة، بيروت 1963، ج5، ص 117.
9 - الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، دار الكتب العلمية، بيروت 1997، ج3، ص 31.
10 - ياقوت: معجم الأدباء، ج15، ص 21 - 22.
11 - المصدر نفسه، ج6، ص 157.
12 - عابد سليمان المشوخي: أثر العوامل البشرية في ضياع التراث العربي الإسلامي، تراثيات يصدرها مركز تحقيق التراث، دار الكتب والوثائق القومية، ع9، القاهرة 2007، ص 34.
13 - وسام منير عبد الرحمن: مصائر الكتب الإسلامية، أطروحة ماجستير، جامعة الأزهر، القاهرة 2007، ص 191.
14 - الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج21، ص 377.
15 - خير الدين الزركلي: الأعلام، ط5، دار العلم للملايين، بيروت 1980، ج2، ص 235.
16 - ابن تغري بردي: المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي، تحقيق نبيل محمد عبد العزيز، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1985، ج4، ص 57.
17 - الغزي، محمد بن محمد: الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة، دار الآفاق الجديدة، بيروت 1979، ج2، ص 133.
18 - ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج15، ص 21.
19 - الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج12، ص 88.
20 - الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد، ج5، ص 155.
21 - الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج20، ص 111 - 113.
22 - العيدروس، عبد القادر بن شيخ بن عبد الله: النور السافر عن أخبار القرن العاشر، دار الكتب العلمية، بيروت 1985، ص 127.
23 - المحبي، محمد أمين: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، دار صادر، بيروت، (د.ت)، ج2، ص 85.
24 - ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج15، ص 22.
25 - ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، دار الجيل، بيروت، (د.ت)، ج4، ص 347.
26 - محمد راغب بن محمود الطباخ: إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، المطبعة العلمية، حلب 1925، ج5، ص 254.
27 - السخاوي، محمد بن عبد الرحمن: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، دار مكتبة الحياة، بيروت، (د.ت)، ج1، ص 198.
28 - السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج3، ص 254.
29 - العيدروس: النور السافر عن أخبار القرن العاشر، دار الكتب العلمية، بيروت 1985، ص 16.
30 - عابد سليمان المشوخي: أثر العوامل البشرية في ضياع التراث، ص 39.
31 - الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج4، ص 40 - 43.
32 - المصدر نفسه، ج7، ص 202.
33 - ابن الجوزي، جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن: المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت 1992، ج17، ص 134.
34 - ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج7، ص 13.
35 - المصدر نفسه، ج6، ص 230.
36 - ابن الجوزي: المنتظم، ج9، ص 24.
37 - اليافعي، عبد الله بن أسعد بن علي: مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يُعتبر من حوادث الزمان، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت 1390هـ، ج3، ص 134.
38 - الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج9، ص 355.
39 - اليافعي: مرآة الجنان، ج3، ص 29.
40 - ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج5، ص 132.
41 - ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ضبط وتصحيح عبد الوارث محمد علي، دار الكتب العلمية، بيروت 1997، ج4، ص 72 - 77.
42 - السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج1، ص 231.
43 - ياقوت الحموي: معجم الأدباء، ج15، ص 21.
44 - الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج8، ص 428.
45 - المصدر نفسه، ج8، ص 426 - 428.
46 - الرازي، عبد الرحمن بن محمد: الجرح والتعديل، دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن 1952 - 1953، ج6، ص 336.
47 - ابن طاهر القيسراني: تذكرة الحافظ، تحقيق حمدي السلفي، دار الصميعي، الرياض 1415هـ، ج2، ص 497.
48 - ابن الجوزي، جمال الدين أب الفرج عبد الرحمن: صيد الخاطر، تحقيق السيد محمد سيد، دار الحديث، القاهرة 1996، ص 36.
49 - أبو الفدا، عماد الدين إسماعيل: المختصر في أخبار البشر، تاريخ أبي الفدا، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت 1968، ج2، ص 26 - 27.
50 - ابن حجر العسقلاني: تهذيب التهذيب، دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن 1327هـ، ج10، ص 380.
51 - ابن حجر العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، ج1، ص 329.
52 - السخاوي: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، ج11، ص 76.
53 - عبد الستار عبد الحق الحلوجي: لمحات من تاريخ الكتب والمكتبات، دار الثقافة، القاهرة 1991، ص 42 - 43.
54 - الجاحظ: الحيوان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2004، 38/1.
الإحالة إلى المقال:

* د. أشرف صالح محمد سيد: التراث العربي المخطوط الضائع سلوك العلماء نموذجا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الخامس عشر 2015. http://annales.univ-mosta.dz

تحميل المقال ar

ملخصات العدد الخامس عشر