الضوابط العلمية الحديثة لتحقيق المخطوط العربي

التجاني مياطة
جامعة الوادي، الجزائر

الملخص:

تتطلب عملية تحقيق المخطوط جملة من العمليات التي تستهدف معالجة جزئيات ضبط النص وتحقيقه بما يتوافق مع المراحل العلمية لتوخي الصحة والدقة في الحصول على المعرفة التاريخية الصحيحة، ولن تتأتى إلا بانتهاج ضوابط علمية تتعلق بالباحث والمخطوط المعني بالدراسة. يحتاج التحقيق إلى أمور علمية عديدة بعضها يتعلق بالمحقق ذاته وبعضها يتعلق بالمخطوط وأسلوب التحقيق، ومن الصفات التي يجب أن تتوفر في المحقق الالتزام والرغبة بتحقيق المخطوط الذي ينوي القيام بتحقيقه، لأن عدم الرغبة وعدم الاقتناع لن يؤديا إلى تحقيق دقيق ثم إن الالتزام الحضاري بالتراث الثقافي هو من العوامل الهامة في التحقيق لأن هدف التحقيق لا يكمن فقط في نشر المخطوطات، وإنما يهدف أيضاً لإحياء هذا التراث ونشره والاستفادة من علومه ودرجاته.

الكلمات الدالة:

المخطوطات، خزائن الكتب، تحقيق النصوص، التراث، النشر.

***

النص:

يحتاج التحقيق إلى أمور علمية عديدة بعضها يتعلق بالمحقق ذاته وبعضها يتعلق بالمخطوط وأسلوب التحقيق، ومن الصفات التي يجب أن تتوفر في المحقق الالتزام والرغبة بتحقيق المخطوط الذي ينوي القيام بتحقيقه لأن عدم الرغبة وعدم الاقتناع لن يؤديا إلى تحقيق دقيق ثم إن الالتزام الحضاري بالتراث الثقافي هو من العوامل الهامة في التحقيق لأن هدف التحقيق لا يكمن فقط في نشر المخطوطات، وإنما يهدف أيضاً لإحياء هذا التراث ونشره والاستفادة من علومه ودرجاته. فدقة الملاحظة وامتلاك علوم أخرى وسعة المعارف هي من الصفات الواجب توفرها في المحقق، ثم إن سعة معارفه وعلومه تسهل له مهمته، لأن تحقيق المخطوطات يحتاج إلى علوم عديدة تؤدي إلى تحقيق متكامل، ولا بد من أن يمتلك ملكة النقد.

أولا: تعريف تحقيق النصوص والمخطوطات: تحقيق النصوص والمخطوطات مركب إضافي من مضاف وهو تحقيق ومضاف إليه وهو النصوص والمخطوطات، وتعريف المركب الإضافي يتوقف على تعريف جزئيه ولهذا ينبغي تعريف التحقيق والنصوص والمخطوطات.
1 - تعريف التحقيق: أصل التحقيق من حق وهو يدل على إحكام الشيء وصحته ويقال أحققت الأمر إحقاقا إذا أحكمته وصححته(1).
2 - تعريف النصوص: أصل النصوص من النص ومنه قول نص الحديث ينصه نصا رفعه وكل ما أظهر فقد نص(2). وفي الاصطلاح أقوال المؤلف الأصلية لتمييزها عما يكتبه المحقق الهامش من شروح وتعليقات(3).
3 - تعريف المخطوطات: المخطوطات جمع مخطوط وفي اللغة من خط الرجل الكتاب بيده خطا كتبه، وخط القلم أي كتب وخط الشيء يخطه خطا كتبه بقلم أو غيره والخط الذي يخطه الكاتب(4). وفي الاصطلاح هو المكتوب بالخط لا المطبعة والمخطوطة النسخة المكتوبة باليد.
4 - تعريف تحقيق النصوص والمخطوطات: هو بذل عناية خاصة بالمخطوطات حتى يمكن التثبت من استيفائها لشرائط معينة(5). فالكتاب المحقق هو الذي صح عنوانه واسم مؤلفه ونسبة الكتاب إليه وكان متنه أقرب ما يكون للصورة التي تركها المؤلف. وعلى هذا فإن جهود التي تبذل في كل مخطوط يجب أن تتناول البحث من الزوايا التالية: تحقيق عنوان الكتاب وتحقيق اسم المؤلف وتحقيق نسبة الكتاب لمؤلفه، وتحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقاربا لنص مؤلفه(6).

ثانيا: صفات المحقق ينبغي على المحقق أن يتصف بصفات حتى يتمكن من بلوغ رتبة عالية من الدقة في تحقيق المخطوط وضبط النص ويامن من الخلل في التحقيق وخلط النص(7)، وهذه الصفات هي كما يلي:
1 - الإخلاص على نشر العلم ونفع الأمة به ولا يكون أكبر همه الحصول على الشهادة أو المتاجرة بالتحقيقات للحصول على الأرباح والشهرة والسمعة.
2 - الإحساس بقيمة التراث الإسلامي وأهمية إحيائه وتحقيقه ورغبة الباحث في ذلك لأنه إذا لم تكن لديه رغبة في التحقيق لا يتمكن من خدمة النص(8).
3 - الأمانة العلمية والدقة في تحقيق النص فيجب على المحقق أن يحافظ على لأصل النسخة التي تركها المصنف ولا يكثر بالتصرف في ألفاظه وعبارته بالتغيير والتبديل(9).
4 - التحلي بالصبر فالمحقق يحتاج إلى جهد وعناية كبيرين في ضبط النص وإصلاحه وتحقيقه لما سيبذل المحقق أثناء التحقيق من أمور كثيرة مثل كلمات غير مفهومة أو مطموسة أو توثيق النصوص.
5 - المكانة العلمية فينبغي على المحقق أن يكون متخصصا في الفن الذي وضع فيه الكتاب عارفا بلغة أهله وذلك ليتمكن من فهم الكتاب وتوثيق نصوصه.
6 - معرفة المنهجية السليمة في تحقيق المخطوط ومراعاة قواعد التحقيق ومعرفة أنواع الخطوط العربية وتطورها ومعرفة خطوط النسخ ورموزهم واصطلاحاتهم حتى يتمكن المحقق من ضبط النص ضبطا محكما يجنبه الوقوع في الخطأ(10).

ثالثا: الخطوات العلمية في تحقيق المخطوط: يمر المحقق بمراحل علمية مهمة في تحقيق المخطوط وهي:
1 - اختيار المخطوط: هذه المرحلة مهمة في التحقيق وهناك خطوات يجب على المحقق أن يراعيها وهي كالتالي:
أ - أن يكون المخطوط موافقا لرغبة الباحث واختصاصه وخبراته.
ب - أن يكون المخطوط لم يسبق نشره أو طبعه محققا وذلك بالرجوع إلى الفهارس أو المراجع المتخصصة في ذلك(11).
جـ - أن يكون للمخطوط نسخ خطية عدة أو على الأقل نسخة واحدة حتى يتم المقابلة بينهما شرط أن تكون سالمة من العيوب والأخطاء(12).
د - أن يكون المخطوط قد ثبت نسبته إلى مؤلفه.
هـ - أن يكون المخطوط ذا قيمة علمية حتى يقدم المحقق عملا مشرفا يضيف به شيئا جديدا للباحث والقارئ.
و - أن يكون المخطوط حجمه مناسبا للمرحلة التي يقدم فيها البحث.
2 - جمع النسخ: بعد اختيار المخطوط يقوم الباحث بجمع النسخ بغية الحصول على نسخة قديمة وصحيحة ولمعرفة مدى توفرها لابد من الأخذ بعين الاعتبار ما يلي:
- تصفح الكتب الموسوعية التي اعتنت بذكر المخطوطات وأماكن وجودها وأرقام حفظها ومؤلفيها(13).
- الرجوع إلى فهارس المخطوطات الموجودة في المكتبات مثل فهرس المكتبة الوطنية في الجزائر.
- مراجعة أهل الخبرة والاختصاص في مجال تحقيق المخطوطات من علماء ومحافظي المكتبات.

وإذا توفر لدينا نسختان لابد من عرض واحدة وفي هذه الحالة يعتبر ما أثبت في الهامش كأنه نسخة ثانية(14)، وقد يجتهد المحقق في جمع النسخ ولا يتوفر إلا على نسخة واحدة فإن كانت قد عورضت وقوبلت وصححت وكان نسخها من أهل الضبط والتقييد فإننا نستغني عن بقية النسخ(15).
3 - دراسة وترتيب النسخ: بعد جمع النسخ يقوم المحقق بدراستها والمقارنة بينها حتى يوضح التباين في العصر الذي كتبت فيه والخط المستخدم... الخ، ثم يقوم بترتيبها وتحديد منازلها بغية اختيار النسخة التي تكون هي الأصل في التحقيق، ويكون الترتيب على النحو التالي:
- نسخة المؤلف هي النسخة التي كتبها المؤلف بخط يده وتسمى بالنسخة الأم أو الأصل، فبعض المؤلفين قد كتب مؤلفه على عدة أشكال فمثلا التبريزي شرح النصوص بيتا بيتا ومرة شرح النصوص شرحا مطولا ومرة شرح كل النص على حدا(16). وقد تكون النسخة المسودة هي المتقدمة والنسخة المتأخرة هي المبيضة وهي الأصل الأول والمسودة هي أصلا ثانويا مثل كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر له نسختان القديمة في سبع وخمسين مجلدا ونسخة متأخرة في ثمانين مجلدا(17). وكتاب فتح المغيث للحافظ السخاوي وله نسخ كثيرة عليها خطوط المؤلف وتوجد منه آخر نسخة كتبها المؤلف عليها استدراكات وزيادات بمكتبة الحرم المكي(18)، ولهذا تعد أصل النسخ آخرها سماعا فقد كانت رواية يحيى بن يحيى الليثي لـ"موطأ مالك" أفضلية على غيرها من الروايات لأن آخرها سماعا قال ابن عبد البر: "ويحيى آخرهم عرضا وما سقط من روايته فعن اختيار مالك وتمحيصه"(19).
- نسخة المؤلف أملاها أو قرئت عليه وأجازها أو أثبت بخطه أنها قرأت عليه أو أثبت ذلك الناسخ.
- نسخة بخط أحد تلاميذه والمؤلف قرأها وأجازها.
- النسخة التي نقلت عن النسخة الأم أو عرضت بها أو قوبلت عليها.
- نسخة كتبت في عصر المؤلف عليها سماعات العلماء.
- نسخة كتبت في عصر المؤلف ليس عليها سماعات.
- نسخة متأخرة من عصر المؤلف لكن نقلت عن الأصل مباشرة.
- نسخة بعد عصر المؤلف قد تكون مجهولة سلسة النسب وعليه فالمحقق يجب أن يراعي الترتيب التالي في اختيار النسخة الأصل كما يلي: تقديم النسخة ذات التاريخ الأقدم وتليها النسخة التي عليها خطوط العلماء، وتقديم النسخ الكاملة على الناقصة والسالمة من العيوب كالأخطاء أو السقط أو التحريف والواضح التي يسهل قراءتها والمقروءة على أحد العلماء والتي يوجد عليها تملكات مع العلم بتاريخ نسخها واسم الناسخ، فمن هنا ينبغي على الباحث تقديم النسخة الكاملة والواضحة والمضبوطة على غيرها(20). وعلى ذلك يجب مراعاة المبدأ العام وهو الاعتماد على قدم التاريخ في النسخ المعدة للتحقيق، لها صحة المتن ودقة الكاتب وقلة الإسقاط عليها إيجازات من شيوخ موثقين(21).
4 - قراءة المخطوط: قد يواجه المحقق تتعرض سبيله عند قراءة المخطوط من أبرزها رداءة المخطوط من حيث نوع الخط الذي كتب به فقد يكون غير واضح النقط أو مكتوبا بخط تتصل فيه الحروف اتصالا مبالغا فيه، ورداءة المخطوط من التحريف والتصحيف والأسقاط الكثيرة التي تحيل فهم النص أحيانا، بالإضافة إلى غرابة موضوع المخطوط وخاصة إذا لم يجد المحقق نظيرا لمخطوطه في الموضوع، مع العلم إن المخطوط غريب في لغته فبعض قدماء المؤلفين لهم أساليب خاصة وألفاظ تلزمهم ويلزمونها وتفهمهم ويفهمونها(22).

ولمواجهة هذه الصعوبات ينبغي على الباحث أن يقرأ النص أولا قراءة دقيقة متأنية قبل بداية التحقيق حتى يتمكن من ضبط النص ضبطا دقيقا وسليما، وذلك يكون عن طريق التمرن على قراءة النص حتى يصبح مألوفا عند المخطط والتمرس على أسلوب المؤلف والإلمام بالموضوع الذي يعالجه المخطوط بالإضافة إلى معرفة خط النسخ والرموز ومعرفة مدلولاتها.
5 - نسخ المخطوط: بعد قراءة المخطوط يشرع المحقق في نسخة وينبغي أن يتبع المراحل التالية وهي:
أ - الكتابة بما يوافق الرسم الإملائي الحديث ككتابة الحروف المعجمة بالنقط، وكتابة الألف وسط الكلمة والهمزة في آخر الكلمة مع التسهيل وفصل الأعداد وتكميل الاختصارات والرموز وضبط الشكل ووضع علامات الترقيم(23).

رابعا: تحقيق المخطوط: وتكون عملية التحقيق في العناصر التالية وهي:
1 - تحقيق عنوان الكتاب: وهو من أهم الأمور التي ينبغي أن يعتني بها المحقق وذلك بسبب فقدان الورقة الأولى التي تحمل العنوان أو انطماسه سهوا من المؤلف أو الناسخ عن ذكر العنوان وقد يثبت العنوان على المخطوط ولكنه قد صحف أو زيف أو لفق فيه اسم كاتب آخر كما يجب على المحقق أن يثبت عنوان المخطوط كما وضعه مؤلفه ولا يتصرف في تغيير ألفاظه وأن يتحرى ويتحقق من العنوان من خلال مقارنته ومفاضلته بين النسخ(24).
2 - تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه: إن التحقق والتأكد من صحة نسبة الكتاب إلى صاحبه من الأمور المهمة حتى لا يلفق الكتاب إلى عالم آخر وذلك من خلال عدة مراحل هامة وهي:
أ - معرفة تاريخ النسخ واسم الناسخ لأنه يسهل على الباحث معرفة اسم المؤلف وزمن التأليف.
ب - معرفة خط النسخ والورق والحبر المستخدمين في المخطوط إذ يساعد ذلك المحقق على تحديد فترة نسخ المخطوط(25).
جـ - قراءة المخطوط وتحديد موضوعه للوقوف على دلائل تساعد المحقق على معرفة المؤلف.
د - معرفة الطبقة التي أخذ عنها الراوي الذي يروي عنه المصنف.
هـ - تحديد لغة الكتاب لمعرفة أسلوب وخصائص المؤلف فقد يهتدي المحقق إلى شخص المؤلف(26).
3 - تحقيق النص: يعتبر هذا القسم من أهم مراحل التحقيق إذ الغرض منه إخراج الكتاب كما تركه عليه المؤلف، سالما من أي خلل أو خطأ، وليس معنى تحقيق الكتاب أن نلتمس للأسلوب النازل أسلوبا أعلى منه، أو نحل كلمة صحيحة محل أخرى صحيحة بدعوى أن أولهما أولى بمكانها أو أجمل أو أوفق أو ينسب صاحب الكتاب نصا من النصوص إلى قائل وهو مخطئ في هذه النسبة فيبدل المحقق ذلك الخطأ ويحل محله الصواب، أو أن يخطئ في عبارة خطأ نحويا دقيقا فيصحح خطأه في ذلك، أو أن يوجز عباراته إيجازا مخلا فيبسط المحقق عباراته بما يدفع الإخلال أو أن يخطئ المؤلف في ذكر علم من الإعلام فيأتي به المحقق على صوابه(27).

ليس تحقيق المتن تحسينا أو تصحيحا وإنما هو أمانة الأداء التي تقتضيها أمانة التاريخ، فإن متن الكتاب حكم على المؤلف وحكم على عصره وبيئته، وهي اعتبارات تاريخية لها حرمتها كما أن ذلك الضرب من التصرف على حق المؤلف الذي له وحده حق التبديل والتغيير(28).

ولتحقيق النص لابد من إتباع الخطوات التالية وهي كما يلي:
أ - المقابلة بين النسخ: ينبغي على المحقق أن يثبت النص كما ورد في المخطوط ولا يتصرف فيه بالتغيير أو التبديل وإذا أعتمد في التحقيق على نسختين فأكثر فيجب معارضة النسخ على النسخة الأم(29) وتوضع رموز لتلك النسخ الفرعية فيرمز لكل نسخة بحرف معين، وعند المقابلة بين النسخ يجب إثبات الفروق بين النسخ وإذا كان النص المراد تحقيقه يتكون من نسختين فما فوق فإن المحقق يقوم بمقابلة هذه النسخ فيما بينها لإثبات هذه الفروق، وإذا وجدت هذه الفروق كأن يقول في نسخة كذا ينبه له في الحاشية لأن ذلك بمثابة نسخة ثانية(30).
ب - إكمال السقط: قد يصادف المحقق وقوع سقط في النص إما كلمة أو عبارة بسبب تشابه في الكلمات أو السهو ويكون السقط بسبب التآكل والرطوبة فيؤدي إلى طمس بعض الكلمات في النص(31).
جـ - تصحيح التصحيف والتحريف: قد يجد المحقق خلل في ضبط حروف النص أو استبدالها بأخرى فينبغي عليه أن يصوب هذه العيوب بأن يثبت الخطأ في المتن ويشير الصواب في الحاشية، وقد كشف عبد السلام هارون عن تحريفات كثيرة وقعت في آيات القرآن أثناء تحقيقه لكثير من الكتب(32).

كما أن الجهل بالقواعد الإملائية وعدم معرفة أسلوب الناسخ في رسم الحروف وأشكالها الكتابية قد يؤدي بالمحقق إلى تحريفات وتصحيفات تشوه الكتاب وتفسده(33).

ولابد من تصويب الأخطاء فيجب إصلاحها في النص وقد يقتضي التحقيق أن يلفق بين الروايتين تحمل كل منهما نصف الصواب ونصف الخطأ فهو جدير أن يثبت من ذلك ما يراه على ألا يغفل الإشارة إلى الروايات كلها ففي ذلك أمانة وإشراك القارئ في تحملها(34).
د - حذف المكرر: قد يقع أحيانا تكرار في النص في حرف أو كلمة أو اسم وينبغي على المحقق إصلاح ذلك بحذف المكرر مثل حذف الزيادة مع التنبيه إلى المحذوف(35).
هـ - التغيير والتبديل: إن إحداث التغيير والتبديل قد يخرج النص عن الوصف المحدد في النسخة الأم فلا بد من أن يستعين المحقق بمراجع التحقيق التي تعنيه على توجيه النصوص وتصحيح أخطائها مما وقع في النساخ مع التنبيه على الأصل في الحاشية(36).
و - التقديم والتأخير: قد يصادف المحقق في الكتاب تقديم وتأخير في كلمات أو أسماء بسبب اختلاف الروايات ولذلك ينبغي على المحقق إصلاح النص(37).
4 - تخريج النصوص: ينبغي على المحقق إخراج النصوص في الآيات فإنه يصحح في المتن ولا ينبغي أن يجامل فيه أو يحفظ فيه حق مؤلف لم يلتزم الدقة فيما يجب عليه بخلاف نصوص الحديث لكثرة رواياتها مع أن تُصَحّحَ الكلمةُ في النص (متن الكتاب) وتُرَقَّم وتُذكَر في الهامش على هيئتها من التصحيف، ومن الأفضل الإشارة إلى نوع الغلط في الهامش. بقي أن أنبه على أمر مهم وهو: إذا وجد المحقق إضافات في حواشي الكتاب مثلاً فلا يضيفها للمتن بل يكتبها في الهامش ويشير إلى ذلك لأنه قد يكون من عمل النُسّاخ لا مؤلف المخطوط(38).

أما تخريج الشعر: فإذا ورد في الكتاب المحقق شعرٌ أو كان الكتاب في الشعر والأدب فإنه يتطلب من المحقق أن يخرّج الأشعار ويعزوها إلى مصادرها المعتمدة، فإذا كان لواحد من الشعراء الذين وصلت إلينا دواوينهم اكتفينا بالعزو إلى ديوانه ولا ضرورة للاستكثار من المصادر في مثل هذه الحالة إلا إذا اقتضى الأمر ذلك، وعلى المحقق أن يحاول الوصول إلى قائله إذا لم يكن مذكوراً في الأصل وقد يزيد بعض المحققين فيسرد القصيدة أو يكمل الأبيات الشعرية التي قد يكتفي منها المؤلف ببيت أو أكثر، مع التعريف بالأعلام والأماكن والمواضع والبلدان والمصادر التي يذكرها المؤلف في مخطوطه، وتكون الترجمة للأعلام المغمورين دون المشهورين فالاشتغال بترجمة الصحابة، رضي الله عنهم، والأئمة الأربعة ونحوهم من المشهورين تطويل لا داعي له وتحشية لا فائدة منها وإثقال للحواشي، على أنه لو ترجم للكل لا يعد نقصا أو زيادة على التحقيق(39).

وعلى المحقق أن يُعَرِّفَ بما يحسبه أنه مُستَغلَقٌ ومبهم لا يفهمه القارئ، كشرحِ للكلمات الغريبة؛ لتفاوت فَهمِها عند القراء، لذلك فالمطلوب من المحقق شرح الكلمات بحسب مستوى القارئ، ويعتمد في ذلك على المعاجم العربية المعتمدة مثل "لسان العرب" لابن منظور، و"تاج العروس" للزبيدي، و"المصباح المنير" للرافعي، وغيرها من كتب التعريف بالمصطلحات وكتب التراجم قبل الاعتماد على المعاجم الحديثة التي ليست لها هذه الصفة مثل المنجد وغيره، وليبذل وسعه في توضيح المكان ونسبته إلى بلده الحالية بذكر الأبعاد كما وصفها الجغرافيون بالمقاييس المترية لا بالمقاييس القديمة مثل الفرسخ ومسيرة يوم وليلة... إلخ. كما ينبغي معرفة ما يُشتَبَهُ من أسماء المواضع مثل "البصرة" المعروفة في العراق حيث توجد مدينة أخرى تحمل الاسم نفسه بين طنجة وفاس. بالإضافة إلى تحديد مصادر التحقيق التي يعِدُّ المحقق قائمة في آخر الكتاب تتضمن المصادر والمراجع التي استعان بها مع بيان مؤلفيها وناشريها ودور نشرها وطباعتها وسنوات الطبع والنشر ومحققيها ومترجميها(40). كما أن صنع الفهارس الفنية المختلفة هي أهم مرشد للباحث في الكتاب المُحقَّ فهي التي تُظهر مكنونات الكتاب وجواهره وتدلُّهُ على مواضع يصعب تحصيلها أحياناً إلا بقراءة الكتاب كله، لذلك تفنن المتقنون من المحققين في تنويع الفهارس نظراً لفائدتها، ولا وجه لحصر أنواع الفهارس الممكن عملها وإنما يحكم ذلك طبيعة الكتاب وحاجة المستفيدين منه.
5 - نشر الكتاب ومقدمة المحقق: والتي تُسمّى بالدراسة الخاصة بالمؤلف والكتاب، وهي آخر ما يحرره المحقق، والمعالم الرئيسة للمقدمة تكون بالترجمة للمؤلف، والحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية التي عاشها، وذكر آثاره العلمية وقسما من معاصريه، ثم يذكر المحقق سنة وفاته، بعد ذلك يقدم دراسة موجزة للكتاب، وتوثيق نسبته إلى المؤلف والتأكد من صحة العنوان، وأسلوبه ومنهجه في كتابه، والمصادر التي اعتمدها في كتابه، ثم يذكر المصطلحات التي يستخدمها صاحب المخطوط، ووصف لنسخ المخطوط وقيمة كل منها مشفوعة بالرمز الذي يصطلحه لكلِّ منها، وبعد ذلك يوضح المحقق منهجه الذي سار عليه في تحقيقه للكتاب(41).

ولا بد أن يشفع ذلك بصور لأوائل وأواخر أوراق المخطوطات المعتمدة توثيقاً لعمل المحقق ولاسيما إذا كانت هناك حواشِ وتعليقات جانبية عليها(42).

الهوامش:
1 - انظر، معجم مقاييس اللغة، ص 2 - 15، ولسان العرب، مادة حقق.
2 - انظر، لسان العرب، مادة نصص.
3 - إياد خالد الطباع: منهج تحقيق المخطوطات، دار الفكر، دمشق 2003، ص 19.
4 - عبد المجيد جمعة: تحقيق المخطوط وتوثيق النصوص، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، قسنطينة 2001، ص 4.
5 - عبد السلام هارون: تحقيق النصوص ونشرها، مكتبة الخانجي، ط7، القاهرة 1998، ص 34.
6 - نفسه.
7 - فهمي سعد وطلال مجذوب: تحقيق المخطوطات بين النظرية والتطبيق، عالم الكتاب، ط1، بيروت 1993، ص 56.
8 - عباس هاني الجراخ: مناهج تحقيق المخطوط، مكتبة الثقافة الدينية، ط1، القاهرة 2010، ص 65.
9 - بشار عواد معروف: ضبط النص والتعليق عليه، مؤسسة الرسالة، بيروت 1982، ص 83.
10 - رمضان عبد التواب: مناهج تحقيق التراث، مكتبة الخانجي، ط1، القاهرة 1985، ص 78.
11 - فهمي سعد وطلال مجذوب: المرجع السابق، ص 67.
12 - نفسه.
13 - أحمد شاكر: تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة، مكتبة السنة، ط2، القاهرة 1995، ص 87.
14 - صلاح الدين المنجد: قواعد تحقيق المخطوطات، دار الكتاب الجديد، ط7، بيروت 1987، ص 17.
15 - موفق بن عبد الله بن عبد القادر: توثيق النصوص وضبطها عند المحدثين، المكتبة المكية، ط1، 1993، ص 84.
16 - محمد التونجي: مناهج تأليف الكتب وتحقيق المخطوطات، عالم الكتاب، بيروت 1986، ص 163.
17 - إياد خالد الطباع: المرجع السابق، ص 27.
18 - موفق بن عبد الله بن عبد القادر: المرجع السابق، ص 83.
19 - الصادق عبد الرحمان الغرياني: تحقيق التراث العربي، دار المعارف، ط2، مصر 1993، ص 31.
20 - موفق بن عبد الله بن عبد القادر: المرجع السابق، ص 82.
21 - عبد السلام هارون: تحقيق النصوص ونشرها، ص 38.
22 - المرجع نفسه، ص 100.
23 - المرجع نفسه، ص 85.
24 - عبد المجيد دياب: تحقيق التراث العربي، دار المعارف، ط2، مصر 1993، ص 67.
25 - عباس هاني الجراخ: المرجع السابق، ص 30.
26 - موفق بن عبد الله بن عبد القادر: المرجع السابق، ص 46.
27 - عبد السلام هارون: تحقيق النصوص ونشرها، ص 46.
28 - نفسه.
29 - موفق بن عبد الله بن عبد القادر: المرجع السابق، ص 125.
30 - عبد المجيد جمعة: تحقيق المخطوط وتوثيق النصوص، ص 26.
31 - نفسه.
32 - عبد السلام هارون: المرجع السابق، ص 48 - 50.
33 - موفق بن عبد الله بن عبد القادر: المرجع السابق، ص 155.
34 - عبد السلام هارون: المرجع السابق، ص 73.
35 - المرجع نفسه، ص 30.
36 - نفسه.
37 - نفسه.
38 - د. محمد نبهان إبراهيم الهيتي: المنهج العلمي لتحقيق المخطوطات، كلية العلوم الإسلامية، جامعة الأنبار، العراق 2010، ص 5.
39 - نفسه.
40 - الصادق عبد الرحمان الغرياني: المرجع السابق، ص 54.
41 - عبد السلام هارون: المرجع السابق، ص 93.
42 - عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان: تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل، مكتبة الملك فهد، الرياض 1994، ص 245.
الإحالة إلى المقال:

* التجاني مياطة: الضوابط العلمية الحديثة لتحقيق المخطوط العربي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الخامس عشر 2015. http://annales.univ-mosta.dz

تحميل المقال ar

ملخصات العدد الخامس عشر