المخطوط العلمي في أقصى الجنوب الجزائري
شرح الأحاديث المقرية نموذجا

د. رمضان حينوني
المركز الجامعي بتامنغست، الجزائر

الملخص:

يحاول هذا المقال الكشف عن الثروة العلمية الكامنة في المخطوط العلمي بمنطقة تمنراست وضواحيها، هذه الكتب التي يحتفظ بها الأهالي في بيوتهم، معترفين بقيمتها التاريخية ولكنهم يجهلون في الغالب قيمتها العلمية. ولقد تضمن المقال عرضا لهذه الخزائن التي تحتوي المخطوط، وعددها في كل خزانة، كما حوى تصنيفا لهذه المخطوطات بحسب مجالاتها، وموضوعاتها، وركزت على الطابع الديني الذي ميزها لأسباب موضوعية تتعلق بارتباط المنطقة في القرون السابقة بالتأليف والتعليم الدينيين، كما وقفت عند أهمية الحواضر العلمية التي استفادت منها المنطقة، خاصة حاضرة توات في الشمال وحاضرة تمبكتو وجنى في الصحراء الكبرى جنوبا. أما النموذج فقد تطرق إلى واحد من المؤلفات الكبرى في مجال الحديث النبوي الشريف، ويتعلق الأمر بكتاب (السنن المبين من كلام سيد المرسلين) أو شرح الأحاديث المقرية للشيخ محمد بن عمر المعروف بباي الكنتي.

الكلمات الدالة:

المخطوطات، المكتبات، الجنوب، خزانات الكتب، الحديث.

***
The scientific manuscript in the far south of Algeria
Sharh al Ahadith al Maqarria as a model

Dr Ramadane Hinouni
University Center of Tamanrasset, Algeria

Abstract:

This article attempts to reveal the scientific wealth inherent in the scientific manuscript in Tamanrasset and its environs. These books are kept by the people in their homes, acknowledging their historical value, but they are mostly ignorant of their scientific value. The article included an overview of these libraries that contain the manuscript, and their number in each library, as well as a classification of these manuscripts according to their fields and topics, and focused on the religious character that distinguished them for objective reasons related to the region’s interest in previous centuries in religious authorship and education. I also stood at the importance of the scientific centers that benefited the region, especially the metropolis of Touat in the north and the capital of Timbuktu and Jana in the Sahara Desert in the south. As for the model, it dealt with one of the major books in the field of the noble prophetic hadith, and it is related to the book (As-Sunan al-Mubin min Kalam Sayed al-Morsalin) or the explanation of the hadiths of the Qur’an by Sheikh Muhammad bin Omar, known as Bay al-Kenty.

Keywords:

manuscripts, libraries, South, bookcases, Hadith.

***

النص:

في أقصى الجنوب الجزائري، وفي صحراء شاسعة، وحواضر صغيرة متباعدة، يخيل للمرء أن الكتاب آخر شيء يهتم به، لكن الظاهر أحيانا يخفي حقائق ومفاجآت لا تكون في الحسبان؛ ذلك أن حركية الكتاب العلمي في بيئة كهذه أشبه بتلك التي جمع فيها الحديث النبوي في القرون الهجرية الأولى، حين كان العالم يتنقل من مكان إلى آخر، يعاني مشقات السفر ومخاطره بحثا عن حديث أو رواية مطابقة له، الأمر الذي يعطي للحركة العلمية زخما مميزا، ويضفي على جهود القائمين عليها نكهة خاصة. فليس من الضروري أن تكون في حضرة بنايات شاهقة وجامعات كبرى لتنتج الفكر، ولتنشط الحياة العلمية في الوسط الذي تعيش فيه.

وإذا كان المخطوط أبدا يحمل الماضي بين دفتيه كما يحمل العلم والمعرفة، فإنه في البيئة التي وصفنا يكاد يكون علامة مميزة لأجيال سخرت حياتها له، تأليفا ونسخا ونقلا، عن طريق القوافل، وفي صحبة البضائع التجارية من مكان إلى آخر. فالصحراء إذن لا تفرض على ساكنها تدبير العيش فحسب، بل تغريه أيضا بطلب العلم والتضحية في سبيله، خاصة إذا تعلق الأمر بالعلوم الدينية واللغوية التي كان لها الحظ الأوفر من الاهتمام.

وبما أن أقصى الجنوب الجزائري هو بوابة الصحراء الكبرى، فإن الحركة العلمية به لم تكن منفصلة عما شهدته الحواضر العلمية الشمالية (مصر وتونس والجزائر وتلمسان ومراكش وفاس)، والجنوبية (توات وتمبكتو وجنى وجاو) وغيرها من المناطق التي وحدها الدين الإسلامي وحب اللغة العربية، فحظي العلم كما التجارة بحظ وافر من الاهتمام، فلقد كانت "الكتب من أهم أصناف التجارة في السودان الغربي، وأثمانها مرتفعة، ويجني التجار منها فوائد عظيمة، وكانت هذه الكتب تأتي من المشرق والمغرب"(1).

ويؤكد الدكتور يحيى بوعزيز هذه الأهمية الكبرى للكتاب في الصحراء، فيقول: "شاع رواجها بكثرة في الصحراء بسبب انتشار الثقافة والعلوم العربية الإسلامية، والإقبال الشديد على تعلمها في المراكز العمرانية الهامة مثل: تمبكتو وتوات وورقلة وتقرت وغدامس وغات وجنى وغيرها، وكثيرا ما يذهب علماء الشمال إلى هذه المراكز للتعليم والتدريس، كما يذهب الطلاب من الصحراء إلى عواصم الشمال لتلقي العلم والمعرفة"(2).

1 - الهقار والحواضر العلمية القديمة:

يبدو أن الهقار لم يحظ بما حظيت به المراكز السالفة الذكر، على عكس التيديكلت التي عدت جزءًا من إقليم توات فكانت معبرا للحركة العلمية بين حواضر الشمال وبين حواضر جنوب الصحراء، خاصة حاضرتي تمبكتو وجنى، لكنها استفادت من حركة الكتب والمخطوطات التي بقي جزء منها عند بعض الأسر تتوارثه كنزا علميا شاهدا على اهتمام أهل المنطقة بالعلم.

وربما يعود بعد الهقار نسبيا عن النشاط التأليفي إلى أن أهله (الملثمين) كانوا بدوا رحلا منتشرين في الرمال، حتى أن المؤرخين يذكرون اقتصارهم في معاشهم على اللحوم واللبن، مما يجعل الحياة التجارية عندهم ضعيفة مقارنة بما كانت تعج به الصحراء من حولهم من قوافل وتبادلات لمختلف البضائع، فهم يعيشون مع إبلهم ومنها يقتاتون، فلا يحتاجون إلى تبادل تجاري ذي بال مع غيرهم. وإذا كان العلم كما رأينا مصاحبا للتجارة فلا غرابة أن تضعف الحركة العلمية بضعف التجارة.

وفي شمال الهقار كانت توات مركزا علميا هاما، تعج بالأحداث والحركة على أصعدة شتى، فسايرتها حركة علمية غاية في النشاط، فقد ظهر بها الشيخ محمد المغيلي التلمساني فأدى دورا أساسيا في نهوض التعليم والفقه والقضاء، كما ظهر بها الكنتيون الذين ملأت مؤلفاتهم آفاق المنطقة، وعرفوا في حقول التعليم ونشر اللغة العربية والتأليف في العديد من المصنفات اللغوية والفقهية والأدبية، وإن كانوا قد انتشروا جنوبا، ومنهم الشيخ المختار الكبير الكنتي، ومحمد بن بادي الكنتي، والشيخ محمد باي بن عمر الكنتي، وعبد الرحمن بن عمر التواتي، وغيرهم ممن تركوا مخطوطات عدت من المراجع الهامة لطلاب العلم، ودلت على اجتهادهم وإخلاصهم لدينهم ولثقافتهم الإسلامية.

ويرى الدكتور عز الدين كشنيط أن الغالب على مؤلفات حاضرة توات وجهتان: "الوجهة التدريسية المفيدة لطلبة العلم، كنظم المتون المنثورة، أو شرح المشكل من الكتب المشهورة والتفريع على أصول المذهب، والوجهة النوازلية التي تفيد المجتمع في العموم دلالة على استحكام الملكة الفقهية في تلك البقاع، وترقي فقهائها من مجرد نقل الفتوى والأحكام إلى استنباطها بأنفسهم"(3).

أما في الجنوب فلا يختلف اثنان في أن تمبكتو التي تأسست على نهر النيجر عام 1100م، وجاو عاصمة سلطنة سنغي المؤسسة عام 1067م قد حظيتا بكثير من الذكر بوصفهما حاضرتين علميتين وتجاريتين، وكلتاهما ازدهرت في ظل مملكة سنغي، إضافة إلى جنى التي توضح رواية السعدي أنها كانت تزخر بالعلماء الذين وفدوا إليها من المغرب ومن تنبكتو، وكانوا يدرسون في مساجدها(4). وشنقيط التي أنجبت علماء أفذاذا انتشروا في كامل الصحراء الكبرى متعلمين ومعلمين، ومن علماء هذه الحواضر المبرزين: أحمد بن أبي الأعراف التنبكتي ولمين بن أحمد القلادي التكروري، والإمام القصري الشنقيطي، وأحمد بابا بن أحمد بن عمر بن محمد اقيت، وآخرون.

وبما أن الحركة العلمية في الصحراء الكبرى كانت قائمة على الدين الإسلامي بالدرجة الأولى، فإن العرب الوافدين أو العرب الذين استوطنوا الصحراء هم من حملوا على عاتقهم مهمة العلم والتعليم، ويحضرنا مثال واضح لتلك القبائل التي عاشت في جنوب الصحراء، وعايشت كثيرا من أمجاد هذه المراكز العلمية فاشتغلت بالعلم وكان لها صيت كبير في ميدانه، وهي قبيلة (كل السوك)(5) التي تتواجد في النيجر ومالي وبوركينا فاسو كما يتواجد قسم منها في ولاية تامنغست، دون أن ننسى جالياتها في أماكن عدة منها مكة المكرمة.

(وكل السوك) اسم لجيل من سكان تلك المنطقة، وترجع سلاسل أنسابهم إلى الأصول العربية، فهم سلالة الفاتحين من الصحابة والتابعين، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأشراف، وتنتهي سلسلة نسبهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ والأنصار، وتنتهي سلسلة نسبهم إلى سعد بن عبادة رضي الله عنه؛ والفهريون، وتنتهي سلسلة نسبهم إلى عقبة بن نافع رضي الله عنه، وقد اختلطوا بسكان المنطقة، وتحدثوا لغتهم، وانصهروا في المجتمع حتى صار لسانهم تارقيا، ولا يجدون مانعا من انتمائهم إلى التوارق، ونالوا مكانة رفيعة في قلوب الناس؛ بسبب ارتباطهم الوثيق بالعلم والتعليم ومحاسن الأخلاق والدعوة إلى الله تعالى.

وبعد تدهور الأوضاع في المنطقة، الذي أدى إلى خراب المدينة - وذلك في القرن التاسع الهجري- تفرقوا في المنطقة، ولكنهم ظلوا متمسكين بالعلم حتى صار صفة لصيقة بهم أينما حلوا، كما كان لهم حظ كبير من الاحترام أثناء الحكم السنغاوي للمنطقة، حيث تولى كثير منهم القضاء والإفتاء، وشهد لهم القاصي والداني بالعلم والصلاح حتى قال فيهم الشيخ سيد المختار الكنتي(6):

لكل أناس حرفة عرفوا بها وحرفتكم نشر العلوم كما يدرى
ولو كنت بوابا على باب جنة لقلت لأهل السوق أنتم بها أحرى
حووا كل فضل عن كرام أجلة رووه عن آباء مداولة دهرا
إذا قيل أي الناس خير قبيلة فأنتم خيار الناس ما ارتفعوا قدرا

وترتبط قبائل (كل السوك) بالعلم من خلال تأسيس المدارس القرآنية التي ظلت الحارس الأمين للثقافة الإسلامية وللغة العربية، على الرغم من انتشار اللسان البربري بينهم كلغة للتخاطب والمعاملات العامة، واحتل المخطوط عندهم مكانة متميزة بوصفه المتن المرجع في أخذ العلوم وحفظها من الضياع. ومن أعلامهم: الشيخ العتيق بن سعد الدين السوقي، والشيخ ابن تلاماني الكيلسوقي، وغيرهما.

غير أن هذه الأنساب المختلفة من توات إلى تمبكتو وجنى لم تمنع عيشهم وتعايشهم في بيئة واحدة، يجمعهم هدف واحد هو نشر العلم المرتبط بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إن الأنساب في ذاتها تداخلت بروابط الزواج، وانصهرت في نسب واحد هو الإسلام.

2 - المخطوطات العلمية في ولاية تامنغست:

نظرا لصعوبة الوصول إلى المخطوط، فقد اعتمدت هذه الدراسة على دليل المخطوطات الخاص بمنطقتي الأهقار والتدكيلت(7)، على الرغم من وجود ملاحظات عليه نوردها فيما يأتي حرصا على الأمانة العلمية:
- هو دليل غير مطبوع طبعة رسمية ترقى به إلى درجة المرجعية الأكاديمية.
- تتداخل أسماء بعض المؤلفين فيه نتيجة لطريقة ضبط الأسماء، خاصة إذا كانوا من قبيلة واحدة كما هو الشأن بالنسبة للكنتيين مثلا.
- إدراج سنة التأليف أو إعادة النسخ في خانة واحدة، مما يجعل الدارس لا يعرف أي منهما المعتمدة.
- هناك فراغات كثيرة بالجداول لا يدري المراد منها، هل الجهل بالمؤلف أو تاريخ التأليف مثلا، أم صعوبة قراءة الخط أم غير ذلك؟ فالأحرى التوضيح والحسم.

ومع ذلك، فهو دليل لا غنى عنه لأنه يتيح لنا التعرف على الخزائن المحلية التي حوت المخطوط في مجالات كثيرة.

أ - مكتبات المخطوط:

يحصي الدليل خمس عشرة خزانة تحتوي على 319 مخطوطا موزعة كالتالي(8):
1 - القائم محمد بن سليمان (بحي سرسوف).
2 - خي علي ( بحي سرسوف).
3 - سلامة أحمد (بحي تهقارت).
4 - أولاد البكاي الحاج محمد عابدين ( بحي موفلون).
5 - اقمامة عيسى ( بلدية أبلسة).
6 - بلميلود عبد الصادق بن أبابة (عين صالح).
7 - المغربي محمد (عين صالح).
8 - بلقاسم محمد عبد الرحمن (عين صالح).
9 - أحمد وانس بن بلال (عين صالح).
10 - القائم محمد بن سليمان (بحي سرسوف).
11 - السيد بن مالك (أبلسة).
12 - أولاد البكاي الحاج محمد عابدين (بحي موفلون).
13 - أولاد البكاي الشيخ (تهقرت الغربية).
14 - زاوية الشيخ عابدين بن سيدي محمد الكنتي (تهقارت).
15 - زاوية الشيخ أحمد البكاي الكنتي (حي أمشوان).

هذه المكتبات إذن هي في الحقيقة خزانات للمخطوط، ويصعب الحصول عليها، لأن أصحابها وخوفا من ضياعها يمنعونها عن كثير من طالبيها، أو طالبي تصويرها للاشتغال عليها، فقيمتها التاريخية - عند بعضهم - تفوق قيمتها العلمية أحيانا(9)، كما أنها خزائن تتوزع على مناطق متفرقة من ولاية تمنراست، مما يدل على كثرة المهتمين بها.

وعلى الرغم من أن ثلاثمائة وتسعة عشر مخطوطا ليست بالعدد الكبير مقارنة بخزائن المخطوطات في مناطق أخرى، إلا أنه عدد كاف لينتج دراسات وتحقيقات تستخرج كنوزه، وتظهر علومه إلى الطلاب والدارسين والمهتمين بحقوله المعرفية، لو يجد من يقوم بهذه المهمة النبيلة؛ فالمخطوط ليس كتابا قديما نتباهى باقتنائه فقط، بل هو إرث الأجداد العلمي إلى الأبناء، وعليهم مسؤولية نشره ودراسته.

ب - تصنيفها:

تختلف المخطوطات في الخزائن السالفة الذكر في حجومها ومجالاتها وقدم كتابتها، وهذه أهمها:
فقه العبادات والمعاملات: محمد باي بن عمر الكنتي.
أصول الفقه: محمد يحيى بن محمد المختار الولاتي الشنقيطي.
السياسة الشرعية: محمد بن بادي الكنتي، والشيخ المختار بن أحمد الكنتي.
الفتاوى: الإمام القصري الشنقيطي، والشيخ لمين بن أحمد القلادي التكروري.
علوم الحديث: الشيخ المختار الكنتي الكبير.
شرح الحديث: محمد باي بن عمر الكنتي.
تفسير القرآن: الشيخ المختار بن أحمد الكنتي.
علوم القرآن: الشيخ بن علي الجكني الشنقيطي.
النحو والصرف: أبو عبد الله محمد بن أب التجاني، والشيخ محمد بن بادي.
قصائد شعرية: ابن تلاماني الكيلسوقي، والمختار بن أحمد الكنتي.
القراءات: عبد الله بن أحمد بن الحاج حمى الله الشتقيطي.
الرسائل الفقهية: هي في أغلبها مجهولة المؤلف.
رسائل النصح: محمد باي بن عمر الكنتي.
السيرة والترجمة: سيدي محمد بن بادي، وأحمد بابا بن عمر بن محمد أقيت.
حياة الشيوخ وطرقهم: عبد الرحمن بن عمر التواتي، والمختار بن أحمد الكنتي.
تاريخ قبائل الصحراء: الشيخ العتيق بن سعد الدين السوقي.
التصوف: الشيخ البكاي بن الشيخ سيدي محمد.

ونخرج من قراءتنا لهذا النماذج إلى جملة ملاحظات أهمها:
1 - وجود نسبة كبيرة من المخطوطات تعود إلى مؤلفين كونتيين في الفقه والحديث ومجالات أخرى، مما يدل على نشاط علماء هذه القبيلة في التأليف والتدريس ونشر العلم، ولا غرابة في ذلك خاصة أنهم انتشروا في الأمصار واختلطوا بالعلماء من حضائر أخرى، فظهر فيهم أمثال الشيخ المختار الكنتي، كبير علماء كنتة.
2 - جميع هذه المخطوطات، مع استثناءات قليلة جدا، تصب في المجال الديني بفروعه المختلفة، أما ما يبدو مجالا مستقلا فمرتبط بالمجال الديني الأوسع أيضا، كالتاريخ والنحو والرسائل. فالتاريخ مثلا في مخطوطاتهم مخصص في أغلبه لسير الرسول صلى الله عليه وسلم، وسير شيوخ العلم وشيوخ الزوايا، أما النحو فلا تخفى أهميته في العلوم الدينية لأن فهمها يتطلب التحكم في هذا العلم لتفادي الزلل في التفاسير والأحكام وغيرها. وأما الرسائل فهي إما نصائح موجهة إلى أفراد أو قبائل لإصلاح أمور المعاش والمعاد، وإما رسائل فقهية تعتمد البسط والتدليل والتحليل. وبهذا يكاد يكون العلم والتأليف في هذه الرقعة الجغرافية التي حددنا دينيا خالصا، لارتباطه ببيئة قدمته على سائر العلوم منذ الفتوح الإسلامية لبلاد المغرب.

وقد عبر شاعرهم(10) عن ذلك فقال:

ألا ليت شعري في اجتماع تداوله قبائل (سوق) والعلوم تماثله
علوم الحديث والتفاسير ترتقي مراقي عز طرزته أنامله
كذا الفقه والأصول والمنطق الذي تخالف فيه سادة وتنازله
وجاء المعاني والبيان وما حوى وجاء البديع صافيا ووسائله
وأخيرا النحو وليس بآخر له حصة الليث إذا جاء سائله
إذا صح غرس الشتل طابت ثماره وتجري عليه في المساء جداوله
3 - تتضمن المخطوطات في خزائن تمنراست نسبة لا بأس بها من المخطوطات المشرقية الشهيرة، وهذا دليل على أن الحركة التأليفية في هذه المنطقة كان لها ارتباط بالعلوم التي أتت من المشرق عبر القوافل التجارية، مع بعض إضافة خاصة بالمذهب المالكي الذي اعتمد في المغرب العربي على نطاق كبير.
4 - إن نسبة هامة من هذه المخطوطات قد تم إعادة نسخها بالطريقة التي كتبت بها، لأن كثرة تداولها، والاعتماد الكلي عليها في التعلم والتعليم كان يعرضها باستمرار لتلف أجزاء منها؛ بل إنه من المألوف الآن أن تجد افتقادا لورقات أو لجزء من هذا الكتاب أو ذاك، فيضطر الباحث إلى البحث عنها في نسخ أخرى قد تكون في صحاري النيجر ومالي، كما حدث بالنسبة لكتاب السنن المبين لباي الكنتي مثالا.

ويعود الفضل في الحفاظ على هذا الموروث الثقافي الهام إلى مجموعة من الخطاطين المهرة الذين عملوا على إعادة نسخ المخطوطات، بل والبحث عن النسخ المشابهة لضبطها ومقارنة بعضها ببعض للتأكد من نسبتها إلى صاحبها وكمال نسختها، ومن القلة الباقية منهم اليوم في تامنغست الشيخ المحمود صديقي بن حما السوقي، الذي أبان عن قدرة بالغة في فك رسم المخطوط وإعادة نسخه بخط ومقروء.

جـ - قيمتها العلمية:

ما من شك في أن كل كتاب في العلوم النافعة له قيمة علمية قلت أو كثرت، خاصة إذا كانت في العلوم الشرعية بفروعها المختلفة، وإذا أضفنا إلى ذلك عامل البيئة القاسية، ووجود الإنسان الإفريقي المسلم في محاذاة العقائد الفاسدة التي كان يحملها الوثنيون وأهل الكتاب في الأزمنة الماضية، علمنا أن هذه المصنفات كانت من الأهمية بمكان بحيث وطدت قدم التوحيد في هذه الأرض، وعلمت أجيالا متلاحقة أمور دينها ولغته، إن على المستوى الجماعي ممثلا في المدارس الدينية أو على مستوى الجهود الفردية، في سبيل الحفاظ على الدين ولغة الدين.

أما في الوقت الحاضر فإن المخطوط، لا يزال محط اهتمام الدارسين والمحققين، ليس فقط بهدف إخراجه إلى الوجود طباعة، بل أيضا تحقيقا ودراسة من أجل استخراج فوائده الكامنة فيه، فالعلوم لا تنقص قيمتها بتقادمها، بل ربما وجدنا في القديم العلم الأصيل المتأصل، الذي على أساسه بنيت العلوم الحديثة، وربما وجدنا فيها ما يدفع إلى البحث والنظر والمقارنة، ولا يخفى ما لذلك كله من الفوائد.

وللتدليل على هذا، نأخذ النوازل على سبيل المثال، تلك المصنفات الفقهية التي تعالج الأمور النازلة الآنية المستجدة في حياة الناس، وفي بيئتهم التي لا شك أن لها ميزات تميزها عما سواها، وتتطلب اجتهادا فقهيا خاصا. والنوازل التي نجدها في خزائن المخطوط بتامنغست هي:
- نوازل الشيخ محمد بن بادي الكنتي.
- نوازل الشيخ باي بن عمر الكنتي.
- نوازل الإمام القصري الشنقيطي.
- نوازل الشيخ محمد لمين بن بادي بن عمر الكنتي.
- نوازل الإمام العلوي.
- جزء من نوازل ابن متالي الشنقيطي.
- جزء من نوازل أحمد بن يحيى الونشريسي.

ويعتقد أن هذه النوازل ظلت مراجع الناس في الفقه والأحكام الشرعية حتى وقت قريب، لتميزها بمراعاة الحال والبيئة والمتغيرات، مما يمنحها السبق في اهتمام طلاب العلم بها وتداولها عبر حلهم وترحالهم في الصحراء، يستنسخون منها ويعلمون منها في ثقة بمؤلفيها العظام، خدمة العلم والدين.

أما باقي المصنفات فلكل منها قيمته العلمية، إذ إنها غطت ميادين علمية عدة، يجعلها متكاملة وكافية للعالم والمتعلم على حد سواء، خاصة أن أغلبها بني على المذهب المالكي الذي اعتمد في الإفتاء مرجعية فقهية أولى.

3 - كتاب السنن المبين من كلام سيد المرسلين لمحمد الكنتي:

أ - المؤلف:

هو علامة الصحراء الكبرى الشيخ محمد باي بن عمر الكنتي الوافي العقبي، من أعلام كنتة، ينتمي إلى أسرة علم ودين؛ فجد والده هو المختار بن أحمد الكنتي الملقب بالكنتي الكبير، وعمه أحمد البكاي، حفيد المختار، وكلاهما من أهل العلم الكبار، ولمحمد باي كتب عدة أشهرها (النوازل) وهي فتاوي فقهية في زمانه، و(السنن المبين من كلام سيد المرسلين) وهو في شرح الحديث النبوي الشريف، و(شرح مبطلات خليل) في العبادات والمعاملات، وله (قواعد الدين الخمس)، توفي سنة (1348هـ-1929م).

ب - الكتاب:

هو أحد المخطوطات المهمة في ميدان الحديث النبوي الشريف، وهو شرح للأحاديث المقرية. يقع في ثلاثة أجزاء كبيرة الحجم، أكبرها الجزء الأول الذي حوى مقدمة مطولة وشرحا وافيا لخمسين حديثا نبويا شريفا، وقد وصلت صفحات الجزء الأول لوحده 701 صفحة مخطوطة.

وتوجد أربع نسخ منه في خزائن المخطوط بولاية تامنغست، ولكن يشوبها النقص في بعض الصفحات أو في شرح بعض الأحاديث، وتوجد نسخة أصلية كاملة عند قبائل الجنوب. ويضطر الباحث إلى الحصول على هذه النسخة الأصلية أو أن يقابل بين النسخ المتواجدة ليضبط المخطوط كاملا.

جـ - منهج تأليفه:

سلك فيه المؤلف طريقة منهجية منظمة، فقد بدأه بمقدمة وافية من جزأين: الأول مقدمة في منهج التأليف والترجمة للأعلام، ومجموعة نصائح موجهة للقائمين على حقل العلوم الدينية، وتفسير الحديث الشريف، والثاني مدخل للشرح من ثلاثة فصول؛ الأول في فضل الحديث والاشتغال به، والثاني في حد الصحيح والحسن والضعيف وما يحتج به من ذلك في الفروع الفقهية والأصول الدينية، والثالث في التعريف بهذه الكتب التي نقل منها المؤلف هذه الأحاديث وبمؤلفيها. وتكاد تكون هذه المقدمات كتابا قائما بذاته، لإطنابه وكثرة تفسيره وتحليله فيها وتبلغ بالكتابة الآلية حوالى المائة صفحة.

وقد فصل المؤلف بين الترجمة للأعلام، والتعريف بالمؤلفات وأصحابها، ذلك أن الأعلام المترجم لهم في بداية الكتاب، هم من أصحاب الآراء والشروح ووجهات النظر الذين اعتمد كتبهم في شرح الأحاديث، من أمثال ابن عبد البر، والباجي، والنووي، وابن أبي جمرة، والسيوطي وغيرهم، أما الفئة الثانية فهي التي اشتملت على أصحاب الكتب المعتمدة في أخذ الحديث الشريف بلفظه، وهم الستة: الإمام مالك وموطئه، والبخاري وصحيحه، ومسلم وصحيحه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. غير أنه خص مالكا بحديث مستفيض لأنه صاحب المذهب، وأكثر الآراء المعتمدة له.

وتكشف هذه المقدمات عن فكر موسوعي للمؤلف، لكثرة معارفه وإحاطته المحمودة بالمنهج العلمي الموصل إلى النتائج الموثوق بها، إضافة إلى عدم تعصبه لشيوخه أو مذهبه إذا كان الحق مع غيرهما، ومن بين ما يلفت الانتباه اعتماده في شرح الحديث على ثلاثية (التثبت والمقارنة والترجيح)؛ فأما التثبت فإنه لا يأخذ الحديث إلا من أصوله، يقول في ذلك: "وما نقلت من الأحاديث فما كان منها معزوا لأحد الستة والموطأ ونوادر الحكيم وشمائل الترمذي فاعلم أني نقلته من أصوله ولا أتكل على نقل الثقاة عنهم، إذ القدرة على اليقين تمنع التقليد في النقل أو تكاد، وما عزوته لغير هذه الأصول فاعلم أني إنما نقلته بواسطة، وقد التزمت ذكر الواسطة في الغالب خروجا من عهدة ذلك"(11).

وأما المقارنة فمقابلة الآراء بعضها ببعض كما علمها من العلماء من مختلف البقاع الإسلامية، بغرض الخروج برؤية واضحة للمسألة التي يطرحها الحديث الشريف، وأما الترجيح فهو النتيجة التي يخرج بها من فهمه الحديث، وهي غالبا ما تكون لأحد الشراح الذين اطمأن إلى تفسيرهم بعد طول تمعن ومقارنة، على أن يكون أساسها الدليل، وإن كان يعترف بأنها طريقة انتهجها قبله شيوخ يثق بعلمهم وأمانتهم فيقول: "ثم إني ألتزم فيما أذكره من الفروع بيان ما هو المشهور، وإن كان الراجح حيث الدليل غيره أبينه وأرجحه وأذكر من قال به من علمائنا، وهذه هي طريقة ابن عبد السلام والشيخ خليل في التوضيح وشيخ شيوخنا جد الوالد رضوان الله عليهم، وقد نصوا على أن الأقوى دليلا مقدم على المشهور في العمل كما أوضح ذلك القرافي وغيره"(12).

أما المتن فهو المشتمل على الأحاديث التي يشتغل على شرحها ويبدأها بحديث (إنما الأعمال بالنيات)، ويعمد فيها إلى المعنى اللغوي أولا للكلمات التي يرى أن شرحها أو إعرابها ضروري، وأكثر ما يعتمد الإعراب في المسائل التي يتوقف عليها فهم الحديث، أو ترجيح أحد أوجهه، ثم يدخل في الشرح وبيان الأحكام المستنبطة من الحديث بالمنهج الذي سبقت الإشارة إليه، مع كثير من الإسهاب والإطناب الذي رآه لازما للتوضيح والبيان، مؤكدا أن "المقصد الأسنى تحصيل المعاني وتحقيق المباني"(13).

ولكثرة الحرص على سلامة الحديث معنى ومقصدا، يقرر المؤلف أن سلامة الحديث أولى من صلاح المذهب، وهي دعوة طيبة منه للابتعاد عن التعصب للمذهب، والتركيز على ما اعتمد الدليل، لأن الأولى الحرص على إصابة المعاني الصحيحة ليستقيم أمر الدين، ويسلم كلام سيد المرسلين من التحريف والتغيير، لهذا يقول محذرا: "لا أصلح الله المذهب بفسادها ولا رفعه بخفض درجاتها، فكل كلام يؤخذ منه ويرد إلا ما صح لنا عن محمد صلى الله عليه وسلم، بل لا يجوز الرد مطلقا لأن الواجب أن ترد المذاهب إليها كما قال الشافعي، لا أن ترد هي إلى المذهب"(14).

وإذا أردنا أن نجمل خصائص هذا المؤلف المهم وصلنا إلى ما يأتي:
- تواضع المؤلف فيما يقول ويرى، فهو يرجع إلى شيوخه وإلى علماء الإسلام في المسائل الكبرى، كما يقر بقلة باعه في بعض الأمور، كتنميق الكلام وقوة البيان.
- انفتاحه على الحق أينما كان دون تعصب لمذهب، أو شيخ أو طريقة، ويرى التعصب تقليدا يمكن أن يؤدي إلى تحقير الدين وإيثار للهوى على الهدى.
- إكثاره من إيراد الآراء في مواضع الخلاف، وتتبعها بالرد والبيان قبل الترجيح والاعتماد، لفتح المجال أمام انكشاف الصواب وجلائه، إذ لو اكتفى بالرأي والرأيين، لربما كان الصواب في غيرهما، فلا يبلغ المؤلف المراد، ولا ينفع القارئ أو المتعلم.
- رؤيته للعلاقة التكاملية بين تفسير الكتاب والسنة وبين علوم الفقه، فيؤكد أنه "من لم يفسر الكتاب والسنة بعلوم الفقه لم يحصل على تفسيرهما أبدا، ومن لم يحقق علوم الفقه بالكتاب والسنة لم يقع على تحقيقهما أبدا"(15).
- التزامه الأمانة العلمية بإرجاع القول إلى صاحبه فإن علم لفظه قال: قال فلان، وإن لم يحفظه أو كان الكلام طويلا مستفيضا لخص معناه وقال عبارة مثل: انتهى المراد من كلامه. ويبرر ذلك بقوله: "وأما عزو الأقوال لأربابها وإيراد كلام الأشياخ ونقل ألفاظ الشراح برمتها، وإن أدى ذلك إلى التكرار فلطلب السلامة من التحريف"(16). كما يورد أسماء الكتب التي يأخذ منها، وله رأي في قيمتها العلمية، وفي نسبة بعضها إلى أصحابها، وهذا كله دليل على تبحره في العلم وتمكنه من صناعته.
- إيراده كثيرا من الأشعار في مقدمة الكتاب الطويلة دلالة على عناية المؤلف بالنظم والشعر لارتباطه بالعلوم الدينية، سواء من نظمه هو أو من نظم غيره من العلماء والشعراء الذين استعانوا بالشعر على سبيل الاستئناس أو ولكونه مجالا للحجة والاستشهاد والإقناع.

د - أهميته العلمية:

لا شك في أن أي مصنف في العلوم النافعة له قيمته العلمية، ولسنا في هذا المقام في موقف التقييم، ولكن في موقف التنويه، فهذا المصنف أكبر من أن نصدر له أحكاما، لأن الجهد الذي بذله المؤلف لا يخفى على المطلع خصوصا إذا كان من أهل الاختصاص.

وبالنظر إلى ما قلناه حول هذا المخطوط، وما عرضناه من خصائص لمؤلفه، وما حوى من الشروح المستفيضة، ومن المعلومات الثرية في مجال الحديث والفقه وما يتصل بهما من علوم أخرى، وبالنظر أيضا لكون المؤلف من هذه البلاد النائية عن ديار الإسلام الأصلية، فإن القارئ له لا يجد إلا الثناء عليه والشكر له على هذه الإضافة العلمية للمكتبة الإسلامية التي تكونت عبر العصور الإسلامية المتلاحقة.

وما يميز هذا العمل الكبير جمع المؤلف فيه بين ثلاثة أمور مهمة هي (الأخذ من الموثوق به، والنظر في المسائل بمعية التدبر وإعمال الفكر، والنصيحة لطلاب العلوم الشرعية)، وأعطى لكل أمر من هذه حقه واستوفاه مما يجعل منه صرحا علميا مهما في بابه، بحيث تكثر الفائدة وتحدث الإحاطة بالحديث الشريف من جوانبه المختلفة، فينعكس كل ذلك إيجابا على المستوى العملي التطبيقي للمسلم.

وإذا أضفنا كتاب (النوازل) الذي ألفه الشيخ محمد باي الكنتي في الفقه وأحكامه، إلى (السنن المبين) هذا أدركنا أن المؤلف قد حاز الفضل الكبير بأمداده بيئته المتعطشة للعلم بمصنفين يحتاج إليهما المسلم في عقيدته وسلوكه، ولا غرابة أن يكون بهما واحدا من العلماء الأفذاذ في هذه المنطقة التي برهنت على أنها أرض إسلامية منتجة مثلها مثل باقي الأمصار الإسلامية الأخرى.

وإذا كان الخليفة العباسي قد قال حين اطلاعه على العقد الفريد لابن عبد ربه: "هذه بضاعتنا ردت إلينا"، فلا نخال أحدا في المشرق أو في المغرب يقول مثل تلك العبارة في (السنن المبين) لكون صاحبه استطاع أن يترك فيه بصمة علمية إفريقية تدل على أن علماء الإسلام في الغرب الإسلامي، وفي جنوب الصحراء قد خاضوا في العلوم التي خاض فيها المشارقة السباقين إلى هذا المجال، يقودهم في ذلك حبهم للعلم الذي بني عليه هذا الدين الحنيف.

إن الحواضر العلمية التي ازدهرت في المغرب الإسلامي، والعلوم التي عملت أجيال على تنشيطها وترسيخها قد تضررت أيما ضرر بفعل الاحتلال الأجنبي لهذه المنطقة، فإضافة إلى ما تقوله تقارير من أن الأوروبيين استولوا على عدد كبير من الكتب والمخطوطات التي وجدوها في مستعمراتهم هذه، لأغراض مختلفة، فإن السياسات التمييزية والتضييقات التي كان السكان في مختلف الأمصار يعانون منها قد أثرت دون شك على المسيرة العلمية، وإن لم تنجح في الحد منها. كما تضررت أيضا من التقلبات السياسية التي كانت تحدث بين الفينة والأخرى بسقوط ممالك ونشوء أخرى، مما أدى إلى خراب حواضر كانت منارات للعلم تعليما وتأليفا.

ولقد حاولت بعض الزوايا أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من هذا الإرث الكبير، ونجحت نسبيا في ذلك، غير أن مأساة العلم والتعليم التي خلفها الاحتلال كانت أقوى من جهودها، وأكبر من إمكاناتها، لذا بات من الضروري أن يلتفت - وقد بدئ في ذلك فعلا - إلى إرث الأجداد لإخراجه للناس قصد تعميم الفائدة، فالعلوم كما نعرف تراكمية يزيد بعضها على بعض، ويعود بعضها إلى بعض، كما أن العلوم القديمة في بعض حقول العلم والمعرفة كعلوم الدين واللغة أولى بالاهتمام، لكونها أصولا ومصادر لا يستغنى عنها.

الهوامش:
1 - الشيخ الأمين عوض الله: تجارة القوافل بين المغرب والسودان الغربي وآثارها الحضارية حتى القرن السادس عشر الميلادي، ضمن مجموعة أبحاث بعنوان: تجارة القوافل ودورها الحضاري حتى نهاية القرن التاسع عشر، معهد البحوث والدراسات العربية، بغداد 1984، ص 87.
2 - المصدر نفسه، ص 135.
3 - انظر، عز الدين كشنيط: قراءة في بعض الخصائص العلمية لحاضرة توات، مجلة آفاق علمية (تامنغست)، العدد 5، جانفي 2011، ص 222-223.
4 - انظر، عبد الرحمن السعدي: تاريخ السودان، تحقيق هوداس، باريس 1981، ص 16.
5 - هذا المركب في اللغة الترقية يعني أهل السوك، وتنطق بالقاف بدل الكاف أيضا فيقال: (أهل السوق)، وينسب إليها بقولهم (سوقي)، فكلمة (كَلْ) معناها أهل، وكلمة (السوك) اسم لمدينة تقع شمال غرب مدينة كدال، وهي المعروفة في كتب التاريخ بتادمكة، وقد قامت فيها حضارة أشاد بها المؤرخون والكتاب، وكانت ممرا تجاريا بين الشمال والجنوب، وسكانها الأصليون هم البربر، وصل إليها الإسلام في القرن الأول الهجري.
6 - هذا التعريف بقبائل (كل السوك) مأخوذ بتصرف بسيط من ورقة قدمت في الملتقى الثقافي الأول لقبائل كل السوك، المنعقد يومي 14-15 يناير 2010 في تناهما بمالي، حصلت عليها من أحد المدعوين في الملتقى وهو الشيخ المحمود صديقي بن حما السوقي، الساكن بتمنراست، وهو فقيه وخطاط ومهتم بتراث كل السوك.
7 - دليل في نسخة مزيدة أعدته مديرية الشؤون الدينية والأوقاف لولاية تامنغست، أوت 2005.
8 - المقصود هنا هو عدد العناوين التي تتوفر عليها الخزانة، مع ملاحظة أن بعضها يوجد في خزانات أخرى.
9 - ومع ذلك فإنه يلتمس لهم العذر، لأن كثيرا من المخطوطات ضاعت من أصحابها ولم تر النور بعد ذلك لا مخطوطة ولا مطبوعة أو محققة.
10 - محمد الدغوغي السوقي: أحد أفراد قبائل (كل السوك) في مكة المكرمة.
11 - محمد باي بن عمر الكنتي: السنن المبين من كلام سيد المرسلين، مخطوط، (خزانة السيد عيسى إقمامة - أبالسة - تامنغست)، ص 6.
12 - المصدر نفسه، ص 7.
13 - نفسه.
14 - نفسه.
15 - المصدر نفسه، ص 8.
16 - المصدر نفسه، ص 6.
References:
1 - Al-Kantī, Mohammad Bey ben Omar: As-sunan al-mubīn min kalām Sayyid al-Mursalīn, Manuscript, Personal library of Sayed ‘Aissa Iqmamah in Abalessa, Tamanrasset.
2 - Al-Sa‘dī, ‘Abderraḥmān ibn ‘Abd Allah: Tārīkh es-Soudān, édité et traduit par O. Houdas, Paris 1981.
3 - Awaḍ Allah, Shaykh al-Amīn: Tijārat al-qawāfil bayna al-Maghrib wa as-Sūdān, Institute for Arab Research and Studies, Baghdad 1984.
4 - Kachnit, Azzeddine: Qirā’a fī ba’ḍ al-khaṣā’iṣ al-‘ilmiyya li-ḥaḍirat Touāt, Majallat Afāq ‘Ilmiyya, N° 5, Tamanrasset 2011.
الإحالة إلى المقال:

* د. رمضان حينوني: المخطوط العلمي في أقصى الجنوب الجزائري، شرح الأحاديث المقرية نموذجا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الخامس عشر، سبتمبر 2015. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

الكلمة والنغم والحركة وسيادة المرأة التارقية
حوليات التراث، العدد 11، 2011.

***