أسلوب الاستغراق والشمول
مغني اللبيب نموذجا

د. سميرة حيدا
جامعة وجدة، المغرب

الملخص:

تعد اللغة العربية من أغنى اللغات تنوعا وتشعبا في الأساليب والمفردات، فهي لغة شريفة كرَّمها الله تعالى بأن أنزل هذا القرآن العظيم بها، فكان هذا الإنزال خير حافظ لها من تقادم العصور ومرِّ الدهور اللذين أبليا جُلَّ اللغات وغيَّراها. وقد هيأ الله لها منذ القديم رجالا مخلصين يبذلون الغالي والنفيس من أجل خدمتها، فلم تخل حقبة مرَّت بها اللغة من علماء أفذاذ يدرسون اللغة ويقفون على مواطن إعجازها وخصائصها وفضلها، فأناروا بأعمالهم اللغوية المختلفة دروب الباحثين وطلاب العلم، والباحثين عنه في موارده الحقيقية، بما قدموه من زاد فكري لهم. فأثروا بذلك المكتبة العربية بمصنفات ثرّة نزرة ترفد أجيالاً وأجيالا، وتلهمهم تراثنا اللغوي والأدبي. ومن جملة مؤلفاتهم: كتب الأدوات النحوية ومعانيها، فقد صرف علماء العربية همهم إلى تحصيل الأدوات النحوية، ومعرفة جملتها وتفصيلها، والوقوف على معانيها المتشعبة والمتنوعة، لكثرة دورانها في الكلام، ولأهمية ما تفيده من معان لا يستغني عنها الإنسان العربي.

الكلمات الدالة:

أسلوب الاستغراق، الشمول، اللغة العربية، ابن هشام الأنصاري.

***
The style of absorption and inclusiveness
Mughni al Labib as a model

Dr Samira Hida
University of Oujda, Morocco

Abstract:

The Arabic language is one of the richest languages in terms of diversity and divergence in styles and vocabulary, for it is an honorable language that God Almighty honored to have revealed this great Qur’an in it. God has prepared for her since ancient times sincere men who will spend dearly and precious for the sake of its service. No era passed by the language was not without the outstanding scholars who study the language and stand on its miracles, characteristics and virtues, so by their various linguistic work they have illuminated the paths of researchers, students of knowledge, and those looking for it in its real resources, with what they have provided them with intellectual extra. In this way, they enriched the Arab library with abundant works that support generations and generations and inspire our linguistic and literary heritage. Among their books: Books of grammatical tools and their meanings. Arab scholars have been interested in collecting grammatical tools, knowing their sentences and detailing them, and standing on their complex and varied meanings, due to their large turnover in speech, and the importance of what they benefit from meanings that are indispensable to the Arab person.

Keywords:

absorption, inclusiveness, Arabic, style, grammar.

***

النص:

الاستغراق والشمول من المعاني التي يقصد إليها المتكلم قديما وحديثا، العالم وغير العالم، لأنَّه من الأساليب التي لا يستغني عنها الكلام. والاستغراق لغة، معناه: "الاستيعاب، واغتراق النَّفس، أي: استيعابه في الزَّفير، ويقال: أَغْرَقَ النَّازِعُ في القوس، أي: استوفى مَدَّها"(1). وفي الذكر الحكيم، قال تعالى: (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً)(2)، قال الفرَّاء: "ذكر أنَّها الملائكة، وأنَّ النَّزع نزع الأنفس من صدور الكفَّار... كما يغرق النازع القوس"(3).

وجاء في تفسير ابن كثير أنَّ "الملائكة تقبض نفوس البشر جميعا، فتنزعها نزعا من أجزاء الجسم ولاسيَّما نفوس الضالين"(4). وترد كلمة الاستغراق في المعاجم العربية بمعنى الشمول، تقول: "شَمِلُهُمْ الأمر (بالكسر) شُمُولا: عَمَّهُم، وأمرٌ شاملٌ، وجمع الله شَمْلَهُ، أي: ما تَشَتَّتَ منْ أمره، وفرَّق الله شَمْلَهُ، أي: ما اجتمعَ من أمره"(5). وترد بمعنى الإحاطة والعموم، إذ تطلق على "كُلِّ ما وُضِعَ عَامّاً واسْتُعْمِلَ عَامّاً"(6).

وفي الاصطلاح: الاستغراق هو الشمول وإفادة العموم والإحاطة، وهو غرض من الأغراض التي تُؤدَّى بواسطة أدوات معينَّة تُعَبِّر عن مراد المتكلِّم التعبير عن معنى الشمول والعموم، فـ"الأساليب الدالة على الاستغراق ذات دلالة علمية عالية، وذلك لأنَّها تفتح المجال واسعا أمام اللسان العربي، ليستطيع التعبير عن الكليات والجزئيات المتعلقة بالعلوم والمعارف وأحداث الحياة المتباينة وإصدار الأحكام العامة في تقرير القواعد المطلقة والأصول المطردة التي تعد دعائم للعلوم والمعارف"(7).

ومن الأدوات التي تفيد معنى الاستغراق في العربية، "أَلْ" الجنسية، و"كُلّ"، و"كِلاَ وكِلْتَا"، و"لا" النافية للجنس. كما ذكر العرب ألفاظا أخرى أفادت هذا المعنى، حملا على معنى "كل"، منها:
- جميع: وهي لتوكيد العموم، والجميع ضد المُتَفَرِّق(8)، ومنه قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ)(9).
- عامة: تتبع عامة لفظ جميع، وقد استعمله العرب للتوكيد على وزن "فَاعِلَه"، وهي مثل "كل" معنى واستعمالا، وتصلح للمذكر والمُؤنَّث، لكن لا بدَّ لها من الإضافة إلى الضمير.
- أَكْتَع وأخواتها وهي: كَتْعَاء، وأَكْتَعُون، وكُتَع.
- أَبْصَع وأخواتها وهي: بَصْعَاء، وأَبْصَعُون، وبُصَع.

وزاد الكوفيون بعد "أكتع" و"أبصع"، كلمة "أَبْتع" وأخواتها: بَتْعَاءُ، وأَبْتَعُون، وبُتَع(10).
- كافَّة: والكافة: الجميع من الناس(11)، تقول: لَقِيتُهُمْ كَافَّةً، أي: كُلُّهُمْ، ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً للنَّاسِ)(12).
- قاطبة: وهي من الفعل "قَطَبَ"، أي: جَمَعَ.
- طُرّاً: ذكرها سيبويه في الكتاب، قال: "وجعلوا قاطبة وطُرّاً إذا لم يكونا اسمين بمنزلة الجميع وعامة"(13).

1 - مفهوم الاستغراق في المغني:

جاء اختيار كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب موضوعا لهذه الدراسة، لأنه وإن ضمَّ أبوابا مُختلفة من أبواب النَّحو، إلاَّ أَنَّ نصفه الأوَّل أفرد لحروف المعاني أو للأدوات النحوية. ونال الكتاب شهرة واسعة، واعْتُبِر من المراجع الأساسية في هذا الباب، وتجاوزت شهرته الكتب التي صنَّفت في هذا المجال، فقد التزم صاحبه فيه منهجا واضحا، حيث "رتَّب الأدوات النحوية على حروف المعجم، لِيَسْهُلَ تناولها"(14).

ويعد الاستغراق من المعاني التي ذكرها ابن هشام في المغني مقترنا بعدد من الأدوات أو المفردات كما سماها. ويفيد الاستغراق في المغني مفهوم الشمول والإحاطة والعموم، ويبدو ذلك واضحا في حديثه عن "مِنْ" الاستغراقية، وهو وصف لـ"مِنْ" التي تفيد التنصيص على عموم الجنس، أو التوكيد على العموم(15)، و"أَلْ" الجنسية، وهو وصف "أَلْ"، التي تدخل على لفظ الجنس، فتكون لاستغراق الجنس، أو استغراق خصائص الجنس(16).

2 - أدوات الاستغراق في المغني:

أ - ألْ:

تُستعمل الأداة "ألْ" في العربية على ثلاثة أوجه، وهي: "أن تكون اسما موصولا بمعنى "الذي" وفروعه، وهي الداخلة على أسماء الفاعلين والمفعولين"(17)، وأن تكون زائدة، كالتي في الأسماء الموصولة وبعض الأعلام، كاللاتِ، والعُزَّى، والنعمان وغيرها(18)، وأن تكون حرف تعريف، وهي نوعان: عهدية، وتكون للعهد الذهني أو الذكري أو الحضوري، وجنسية تكون لاستغراق الجنس، وهي التي تعنينا في هذا المقام.

وتنقسم "ألْ" الجنسية الدالة على العموم والإحاطة والشمول إلى قسمين:
- القسم الأوَّل: حقيقي، وهو الذي ترد فيه "أَلْ" لاستغراق أفراد الجنس، ويَصحُّ أن تخلفها كلمة "كُل" حقيقة، وتدخل على واحد من الجنس، فتجعله يفيد الإحاطة بجميع أفراده، إحاطة حقيقية، وذلك نحو قوله تعالى: (وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً)(19)، أي: كُلُّ فرد من أفراد المجموعة البشرية في ضعف.
- القسم الثاني: مجازي، وهي التي تَخْلُفها "كلّ" مجازا، وترد لشمول خصائص الجنس وصفاته(20)، فهي تدخل على واحد من الجنس، فلا تجعله يفيد الشمول بجميع أفراده، ولكن يتحقق معنى الإحاطة بواحدة من الصفات الشائعة بين الأفراد على سبيل المجاز والمبالغة لا الحقيقة، نحو: "زَيْدٌ الرَّجل عِلْماً"، أي: الكامل في صفة العلم(21)، والجامع لخصائص هذا العلم، فزيد جَمَعَ من العلم ما تفَرَّق بين الرجال، إذ أحاط بهذه الصفة إحاطة شاملة لم تتهيَّأ للرجال كلِّهم مجتمعين.

ومنه قوله تعالى: (ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً للُمُتَّقِينَ)(22)، أي: "الكتاب الكامل في الهداية، وكأنَّه كُلُّ كِتاب لاشتماله على ما فيها من الهداية على الوجه الأكمل"(23).

وأضاف ابن هشام في المغني قسما ثالثا، وهو الذي تكون فيه "ألْ" لتعريف الماهية أو الحقيقة، فلا تخلفها "كُل" لا حقيقة ولا مجازا(24)، ومنه قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)(25)، أي: جعلنا من جنس الماء أو حقيقة الماء الأحياء.

ويبدو الفرق بين هذه الأنواع واضحا، فـ"ألْ" الجنسية يُرادُ بمصحوبها كل الأفراد حقيقة أو مجازا، بينما "أَلْ" التي تجيء لتعريف الماهية، يراد بمصحوبها الحقيقة نفسها.

واختلف النحاة حول "أَلْ" التي لتعريف الماهية اختلافا بيِّنا، فمنهم من ألحقها بـ"أَلْ" العهدية، ومنهم من أرجعها إلى "أَلْ" الجنسية، ومنهم من جعلها قسما مستقلا بنفسه.

ب - كل:

هي اسم موضوع للاستغراق، أي أنَّها تفيد الشمول والعموم، بحسب ما تضاف إليه "كل"، وفي ذلك ثلاث صور:
- الصورة الأولى(26): أن تضاف إلى نكرة، فتفيد بذلك استغراق جميع أفراد المُنَكَّر، ومنه قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ)(27)، فالآية الكريمة وردت فيها كلمة "كل"، وقد أُضيفت إلى نكرة وهي كلمة "نَفْس"، فأفادت بذلك استغراق وعموم جميع أفراد هذه النكرة.
- الصورة الثانية(28): أن تُضاف إلى معرفة فيها معنى الجمع، فتفيد معنى استغراق أفراد المُعَرَّف المجموع، وذلك نحو قوله تعالى: (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْداً)(29)، فـ"كلّ" في هذه الآية أُضيفت إلى الضمير المتصل "هم".
- الصورة الثالثة(30): أن تضاف "كل" للمفرد المُعرَّف، فتفيد استغراق أجزاء المفرد المُعَرَّف باللام أو بالإضافة، نحو: " كُلُّ زَيْدٍ حَسَنٌ"، أي: كُلُّ جُزْءٍ من أجزاء زَيْدٍ.

وتختلف مواقع "كلَّ" الإعرابية من جملة لأخرى، وذلك باعتبار ما قبلها وما بعدها، فبحسب ما قبلها على ثلاثة أوجه:
- أن تكون صفة لنكرة أو معرفة، فتجب إضافتها إلى اسم ظاهر، يماثل الموصوف بـ"كلُّ" لفظا ومعنى، لتدلَّ على كماله في جنسه، نحو: "رَأَيْتُ رَجُلاً كُلَّ رَجُلٍ"، فـ"كلّ": مؤوَّلة بالمشتق، أي: الكامل؛ و جاءت نعتا للنكرة، والمعنى: رَأَيْتُ رَجُلاً كَامِلاً، أو كامل صفات الرجولة(31).
- أن تكون توكيدا لمعرفة، فيجب أن تُضاف إلى ضمير يعود على المُؤَكَّد(32)، ويطابقه في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، نحو قوله تعالى: (فَسَجَدَ المَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)(33).

وجاء في المغني أنَّ الأخفش والكوفيين قالوا بجواز توكيد "كلّ" للنكرة المحدودة(34)، بينما جَوَّز ابن مالك إضافة "كل" إلى ظاهر، وهو رأي انتصر له ابن هشام(35).
- أن تكون تالية للعوامل(36)، فتتأثر إعرابيا بالعوامل، فتعرب مبتدأ أو فاعلا أو مفعولا أو مجرورة، فتقع مضافة إلى الظاهر، نحو قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إلاَّ أَصْحَابَ اليَمِينِ)(37)، وغير مضافة نحو قوله تعالى: (وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ)(38)، فـ"كُلاًّ" في هذه الآية مفعول به لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور.
وباعتبار ما بعدها، ثلاثة أمور أيضا:
- الأول: أن تضاف إلى الظاهر، وفي هذه الحالة يعمل فيها جميع العوامل(39).
- الثاني: أن تكون مضافة إلى ضمير محذوف، حكمها حكم التي قبلها، من حيث عمل العوامل فيها(40).
- الثالث: أن تُضافَ إلى ضمير ملفوظ، وحكمها أن لا يعمل فيها في الغالب غير الابتداء؛ لأنَّ الابتداء عامل معنوي، فهو بمنزلة العدم(41).

جـ - كلا وكلتا:

وهما اسمان مُفردان لفظا(42)، مُثَنَّيَانِ معنى، فـ"كِلاَ" وُضِع للدلالة على الاثنين، فيُؤَكَّدُ بها المثنى المذكر، و"كِلْتَا" يُؤَكَّدُ بها المُثَنَّى المُؤَنَّث.

و"كِلاَ" و"كِلْتَا" كلمتان مُضافتان لفظا ومعنى إلى كلمة واحدة دالة على اثنين، ويكون ذلك إمَّا على سبيل الحقيقة، بأن يكون الواضع قد جعلهما للدلالة على معنى الاثنين فعلا، كما في قوله تعالى: (كِلْتَا الجَنَّتَيْنِ أَتَتْ أُكْلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئا وفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرا)(43)، أو أن تدل على اثنين أو اثنتين على سبيل الاشتراك، "نحو: "كِلانَا"؛ فإنَّ "نَا" مُشتركة بين الاثنين والجماعة"(44)، أو أن تفيد معنى التثنية من باب التوسع والمجاز، نحو قول ابن الزبعري(45):

إِنَّ للخيْرِ وَللشّرِ مَدى وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وقَبَلْ

والشاهد في هذا البيت مجيء "كِلاَ" مُضافة إلى اسم الإشارة "ذلك"، "وهي حقيقة في الواحد، وأُشِير بها إلى المُثنَّى على معنى: وَكِلاَ ما ذُكِرَ"(46).

د - لا النافية للجنس:

تأتي "لا" نافية على أوجه: أن تعمل عمل "إنَّ"، أي: أنَّها تدخل على الجملة الاسمية فتنصب الاسم الأوَّل اسما لها، وترفع الثاني خبرها(47)، وذلك إذا أُريد بها نفي الخبر عن جميع أفراد الجنس الواقع بعدها، أو بتعبير ابن هشام: "تنفي الجنس على سبيل التنصيص"(48)، ومثال ذلك قولك: "لاَ رَجُلَ فِي الدَّارِ"، ففي هذا القول نفي الوجود في الدَّار عن جنس الرجال، وهو نفي يشمل نفي جميع أفراد الجنس، وهذا هو السبب في تسميتها "لا النافية للجنس". وتُسمَّى أيضا "لا التبرئة"(49)، أي أنَّ المتكلم يُبْرِئ جنس الاسم عن الاتصاف بالخبر.

والاسم الذي يلي "لا" النافية للجنس، أي: اسمها، على ثلاثة أقسام:
1 - أن يكون اسما مُفردا(50)، وحكمه أن يُبنى على ما ينصب به، "لأنَّ اسمها إِذَا لم يكن عاملا فإنَّه يُبنى"(51)، نحو: "لاَ رَجُلَ في الدَّارِ"، فاسم "لا" النافية للجنس هنا مبني على الفتح، لأنَّه مُفرد.
2 - أن يكون مُضافا لِمَا بعده، فحُكمه الإعراب نصبا، وهذا تحديدا ما عناه المُصَنِّف بقوله: "وَإِنَّما يظهر نصب اسمها إذا كان خافضا، نحو: "لاَ صَاحِبَ جُودٍ مَمْقُوتٍ"، وقول أبي الطيِّب(52):

فَلاَ ثَوْبَ مَجْدٍ غَيْرَ ثَوْبِ ابْنِ أَحْمَدٍ عَلَى أَحدٍ إِلاَّ بِلُؤْمٍ مُرَقَّعٍ

فـ"لا" في هذا البيت نافية للجنس، واسمها منصوب، لكونه مُضافا.
3 - أن يكون شبيها بالمضاف، أي: ذُكِر بعده شيء من تمام معناه، فحكمه حكم المضاف، أي: النصب، نحو: "لاَ حَسَناً فِعْلُهُ مَذْمُومٌ"(53)، و"لاَ طَالِعاً جَبَلاً حَاضِرٌ"(54).

قبل أن أختم الحديث عن "لا" النافية للجنس، لا بأس من الإشارة إلى أسلوب "لاَ جَرَمَ" عند بعض النحاة، مثل: "لا َرَجُلَ"، فقد ذهب الفرَّاء إلى أنَّ "لاَ جَرَمَ" بمنزلة: "لاَ رَجُلَ"، ومعناه: "لاَ بُدَّ"، فـ"لا" نافية للجنس، و"جَرَمَ" اسمها مبني على الفتح في محل نصب، وذلك" نحو: "لاَ جَرَمَ أنَّ لَهُمْ النَّارَ"(55)، والمعنى عنده: لاَ بُدَّ مِنْ كَذا، أو لا محالةَ في كَذَا، فحُذِفت "مِنْ"(56) أو "في"(57).

هـ - مِنْ الزائدة:

حرف من حروف الجر، تقع أصلية وتفيد معاني عدَّة، وتقع زائدة، وتُفيد التنصيص على العموم، أو توكيد العموم.

فالأولى تدخل على نكرة، وهي الزائدة في نحو: "مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ"، فقبل دخول "مِنْ"، كان الكلام مُحتملا لنفي الجنس أي جنس الرجال على سبيل العموم، ولنفي الوحدة أيضا، أي: نفي واحد من جنس الرجال، إذ يجوز أن يقال: مَا قَامَ رَجُلٌ بَلْ رَجُلاَنِ، لَكن امتنع ذلك بعد دخول "مِنْ" في الكلام، لأنَّه أُريدَ بها نفي العموم والجنس معا.

أمَّا الثانية، فهي الداخلة على نكرة مختصة بالنفي، تدخل على الأسماء الموضوعة للعموم، وتكون زائدة لتوكيد الاستغراق، نحو: "مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ أو مِنْ دَيَّارٍ"، فـ"أحد" و"دَيَّار" صيغتا عموم(58). فزيادة "مِنْ" أفادت التوكيد، لأنَّك لو أسقطت من الجملة، لَبقيَ العموم على حاله، فـ"مَا جَاءَ أَحَدٌ" و"مَا جَاءَ مِنْ أحَدٍ" سِيَّانِ في إفهام العموم.

واشترط ابن هشام لزيادة "مِنْ" فيما كان للتنصيص على العموم، وفيما كان لتوكيد العموم، ثلاثة أمور هي(59):
- أن تُسْبق بنفي أو نهي أو استفهام(60)، نحو قوله تعالى: (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا)(61)، وقوله تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعْ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور)(62).
- ومن أمثلة زيادة "مِنْ" إدا تَقدَّمها نهي، قولك: "لاَ يَقُمْ مِنْ أَحَدٍ".
- أن يكون المجرور بها نكرة.
- أن يكون مجرورها مبتدأ، أو فاعلا، أو مفعولا به(63).

هذه مجمل الأدوات التي تفيد معنى الاستغراق والشمول، والتي ذكرها ابن هشام الأنصاري في كتابه "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"، وقد نهل من معين من سبقوه، فابن هشام عندما أراد التأليف في مجال الحروف والأدوات، وجد نفسه أمام تراث سابق عليه، فكان من الطبيعي أن يُعْملَ النظر فيه، ويستفيد منه في وضع مُصَنَّفه، لأنَّ طبائع الأشياء تقتضي أن يأخذ اللاحق عن السابق، فالعلم حلقات متسلسلة يُكَمِّلُ فيها الخالف ما بدأه سلفه.

الهوامش:
1 - إسماعيل بن حمَّاد الجوهري: صحاح اللغة وتاج العربية، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، ط2، بيروت 1979، مادة (غرق).
2 - سورة النازعات، آية 1.
3 - ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم الأنصاري: لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف بالقاهرة، مادة (غرق).
4 - تفسير ابن كثير، تحقيق سامي بن محمد السلامة، منشورات دار طيبة، 1999، ج4، ص 583.
5 - اللسان، مادة (شمل).
6 - السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وزميله، طبع عيسى البابي الحلبي، القاهرة 1361هـ، ج1، ص 244.
7 - السيد رزق الطويل: أساليب الاستغراق والشمول، دراسة في الإعراب والشمول، المكتبة الفصلية بمكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1986، ص 4 بتصرف.
8 - انظر مادة (جمع) في المعاجم العربية.
9 - سورة القمر، آية 44.
10 - شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، دار إحياء الكتب العربية، ج3، ص 72.
11 - الكفوي: الكليات، تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت 1988، ص 775.
12 - سورة سبأ، آية 28.
13 - سيبويه: الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، القاهرة 1977، ج1، ص 377.
14 - ابن هشام الأنصاري: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق وشرح عبد اللطيف محمد الخطيب، السلسلة التراثية، ط1، الكويت 2001.
15 - المصدر نفسه، ج4، ص 164.
16 - المصدر نفسه، ج1، ص 320.
17 - المصدر نفسه، ج1، ص 310.
18 - المصدر نفسه، ج1، ص 324.
19 - سورة النساء، آية 28.
20 - ابن هشام: المصدر السابق، ج1، ص 320.
21 - قال الدسوقي في حاشيته على المغني، دار السلام، الطبعة الثانية، القاهرة 2005، ج1، ص 53، عن هذا المثال: "وَكَأَنَّه لا أفراد غير المخاطب فيه العلم تنزيلا لعلم غيره منزلة العدم".
22 - سورة البقرة، آية 2.
23 - حاشية الدسوقي، ج1، ص 53.
24 - المغني، ج1، ص 320.
25 - سورة الأنبياء، آية 30.
26 - المغني، ج3، ص 84.
27 - سورة آل عمران، آية 185.
28 - المغني، ج3، ص 84.
29 - سورة مريم، آية 95.
30 - المغني، ج3، ص 84.
31 - انظر تفصيل ذلك في المغني، ج3، ص 86.
32 - انظر المصدر نفسه، ج1، ص 86.
33 - سورة الحجر، آية 30.
34 - المغني، ج3، ص 87، والنكرة المحدودة من مثل: يوم، وليلة، وشهر، وعام، وغيرها ممَّا يدل على فترة معلومة المقدار، أمَّا غير المحددَّة، فهي التي تصلح للقليل والكثير، مثل: حين، ووقت، وزمن، مدَّة وغيرها.
35 - المصدر نفسه، ج3، ص 88-89.
36 - المصدر نفسه، ج3، ص 91.
37 - سورة المدثر، آية 38-39.
38 - سورة الفرقان، آية 39.
39 - المغني، ج3، ص 91.
40 - نفسه.
41 - المصدر نفسه، ج3، ص 92.
42 - القول بأنَّ "كلا" و"كلتا" مفردان لفظا، قول منسوب إلى البصريين بينما ذهب الكوفيون إلى أنّهما مُثَنَّيَاَن لفظا ومعنى، والأصل "كلا" لفظة: "كل"، خُفِّفت اللام وزيدت فيها الألف للتثنية، كما زيدت التاء في حالة المؤنث. انظر تفصيل هذا الخلاف في: الإنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين، لأبي البركات بن الأنباري، تحقيق ودراسة جودت محمد مبروك، ومراجعة رمضان عبد التواب، مكتبة الخانجي، ط1، القاهرة 2002، ص 439.
43 - سورة الكهف، آية 33.
44 - المغني، ج3، ص 126.
45 - نفسه. انظر هذا البيت في، عبد القادر بن عمر البغدادي: شرح أبيات مغني اللبيب، تحقيق عبد العزيز رباح وأحمد الدقاق، دار المأمون، ط2، دمشق 1982، ج4، ص 251، ابن مالك: شرح التسهيل، تحقيق عبد الرحمن السيد ومحمد بدوي المختون، دار هجر، ط1، القاهرة 1990، ج2، ص 343.
46 - المغني، ج3، ص 127.
47 - تعمل "لا" النافية للجنس عمل "إنَّ"، لأنَّها لتأكيد النفي والمبالغة فيه، كما أنَّ "إنَّ" لتأكيد الإثبات والمبالغة فيه.
48 - المغني، ج3، ص 283.
49 - نفسه، انظر أيضا، علي محمد النحوي الهروي: الأزهية في علم الحروف، تحقيق عبد المعين الملوحي، منشورات مجمع اللغة العربية بدمشق 1993، ص 150. قال الأندلسي في شرح الجزولية: "وإنَّما سُمِّيَتْ "لا" هذه بالتبرئة، لأنَّها تنفي الجنس، فكأنَّها تدلُّ على البراءة من ذلك الجنس". نقلا عن حاشية الشمني، المطبعة البهية بمصر، ج2، ص 44.
50 - المقصود بالمفرد في هذا الباب، ما كان غير مُضاف أو شبيها بالمضاف، وبذلك ينضوي تحت المفرد هنا، ما كان مثنى وجمعا بأنواعه: جمع المذكر والمؤنث السالمين، وجمع التكسير.
51 - المغني، ج3، ص 285. وفي كتاب الحسن بن قاسم المرادي: الجنى الداني في حروف المعاني، تحقيق فخر الدين قباوة ومحمد نديم فاضل، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1992، ص 290، "فإن كان مُفردا بُنِيَ معها على الفتح".
52 - المغني، ج3، ص 283.
53 - حسنا: اسم "لا" النافية للجنس منصوب، لأنَّه شبيه بالمضاف، عمل الرفع في الاسم الذي بعده.
54 - المغني، ج3، ص 284.
55 - سورة النحل، آية 62.
56 - على تقدير "لا جَرَمَ" بمعنى: "لاَ بُدَّ".
57 - على تقدير "لاَ جَرَمَ" بمعنى: "لاَ مَحَالَةَ".
58 - المغني، ج4، ص 164.
59 - نفسه.
60 - زاد الفارسي جواز زيادة "مِنْ" إن تَقدَّمها شرط، انظر تفصيل ذلك في المغني، ج4، ص 165، والجنى الداني، ص 317.
61 - سورة الأنعام، آية 59. والآية شاهد على تقدم النفي.
62 - سورة الملك، آية 3. وفي الآية شاهدان: الأوَّل للنفي وهو: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)، والثاني للاستفهام وموضعه: (هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور).
63 - المغني، ج4، ص 166.
References:
1 - Al-Anbārī, Abū al-Barakāt: Al-insāf fī masā’il al-khilāf bayna al-baṣrīyīn wa al-kufīyīn, edited by Jawdat M. Mabrūk, Maktabat al-Khānjī, 1st ed., Cairo 2002.
2 - Al-Baghdādī, ‘Abd al-Qādir ibn ‘Omar: Sharḥ abyāt mughnī al-labīb, edited by A. Rabāh and A. al-Daqqāq, Dār al-Ma’mūn, 2nd ed., Damascus 1982.
3 - Al-Harawī, al-Naḥwī Muḥammad: Al-azhiyya fī ‘ilm al-ḥurūf, edited by ‘Abd al-Mu‘īn al-Mulūḥī, Publications of the Academy of the Arabic Language, Damascus 1993.
4 - Al-Jawharī, Ismāïl ibn Ḥammād: Ṣiḥāḥ al-lugha wa tāj al-‘arabiyya, edited by ‘Abd al-Ghafūr ‘Aṭṭār, Dār al-‘Ilm li al-Malāyīn, 2nd ed., Beirut 1979.
5 - Al-Kafawī: Al-Kulliyyāt, edited by ‘Adnān Dārwīsh and Muḥammad al-Miṣrī, Mu’assasat al-Risāla, Beirut 1988.
6 - Al-Murādī, al-Ḥasan: Al-jana ad-dānī fī ḥurūf al-ma‘ānī, edited by F. Qabāwa and M. Nadīm Fāḍil, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, 1st ed., Beirut 1992.
7 - Al-Suyūṭī: Al-muzhir fī ‘ulūm al-lugha wa anwā‘iha, edited by Muḥammad Abū al-Faḍl Ibrāhīm and other, Maṭba‘at ‘Īsā al-Bābī al-Ḥalabī, Cairo 1361H.
8 - Al-Ṭawīl, al-Sayyid Rizq: Asālīb al-istighrā’ wa ash-shumūl, Al-Maktaba al-Faṣliyya, 1st ed., Makka al-Mukarrama 1986.
9 - Ibn Hishām al-Ansārī: Mughnī al-labīb ‘an̊ kutub al-a‘ārīb, edited by ‘Abd al-Laṭīf Muḥammad al-Khaṭīb, 1st ed., Kuwait 2001.
10 - Ibn Kathīr: Tafsīr Ibn Kathīr, edited by Sāmī ben Muḥammad al-Salāma, Dār Ṭaybah, Riyadh 1999.
11 - Ibn Mālik: Sharḥ at-tas'hīl, edited by ‘Abd al-Raḥmān al-Sayyid and Muḥammad Badawī al-Makhtūn, Dār Hijr, Cairo 1990.
12 - Ibn Manẓūr, Jamāl ad-Dīn: Lisān al-‘Arab, edited by ‘Abdallah ‘Alī al-Kabīr and others, Dār al-Ma‘ārif, Cairo.
13 - Sibawayh: Al-Kitāb, edited by ‘Abd al-Salām Hārūn, Al-Hay’a al-Miṣriyya al-‘Āmma li al-Kitāb, Cairo 1977.
الإحالة إلى المقال:

* د. سميرة حيدا: أسلوب الاستغراق والشمول، مغني اللبيب نموذجا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الخامس عشر، سبتمبر 2015. http://annales.univ-mosta.dz

***