اللغة في الخطاب الصوفي من غموض المعنى إلى تعددية التأويل

منى جميات
جامعة تيارت، الجزائر

الملخص:

يثير الخطاب الصوفي جملة من التساؤلات والإشكالية الفكرية العميقة، عمق طرحه ورغبته في التصادم مع الباطن والوجود. وإذا كان الخطاب الصوفي قد واجه بعض التناقضات والتباينات لكونه منهجا فكريا ينبني على معتقدات دينية قد تبدو مغايرة أو مناقضة للغير، فإن حديثنا في هذه المقال لا يشمل الخطاب الصوفي بوصفه خطابا دينيا، بل بوصفه خطابا إبداعيا يؤكد علاقته بالأدب. لذلك ارتأينا أن تكون قراءتنا لهذا الخطاب الأدبي تعتمد على قراءة إشكالية اللغة فيه. ولعل رغبتنا في البحث في هذا الموضوع بالذات نابعة من كون أن الخطاب الصوفي أكثر ما يثيره من جدل هو قائم حول اللغة التي تمتاز بخصوصية منفردة، فهي بقدر ما تملكه من طاقات تعبيرية بلاغية وفنية تخولها لأن تحمل سمة الجمالية أو الشعرية، بقدر ما تكون صعبة المنال، ومستعصية على الفهم، وتستغلق أمام القارئ العادي الذي يعتقد سهولتها ويحاول إن يلج إلى معالمها ويفك رموزها وطلاسمها.

الكلمات الدالة:

اللغة، الخطاب الصوفي، تعددية التأويل، الرمز، المعنى.

***

النص:

الخطاب الصوفي ذلك الخطاب المميز الذي يعتمد في تركيبه على قراءة الذات وتتبع حركيتها الجوانية، وذلك بالتفتيش عن تفاصيلها النفسية وتوهجاتها الروحانية، والكشف عن حقيقة صراعها مع الوجود ومع المطلق، وهو - إذ ذاك - ينشد أفقا مغايرا، ومختلفا هو "أفق الحلم والسحر، والرؤيا والحدس والكشف والشطح"(1)، الأمر الذي يجعله يتأسس على صياغة جمالية تفاجئ القارئ، وتربك حدود توقعه فتوقظ فيه الحس الفني والذوق الجمالي، والقارئ للخطاب الصوفي يجد نفسه في مواجهة نص يهوى البحث عن تشظيات الأنا والغوص في حقيقة التجربة الإنسانية ليقتنص فائض بوحها ومكابدتها ومعاناتها، لأنه يحاول أن يٌقيم قراءة للذات وللوجود وللمطلق بكامل "أبعادها الفكرية والروحية، فيكثر التأويل في مناخ الأحلام والرؤى الغامضة، مما يؤدي إلى مفردات خاصة، وإحالات ثقافية مغرقة في الإيهام والغوص الذاتي والهيام الروحي"(2).

ولا شك أن الخطاب الصوفي إذ يعبر عن تجربة عرفانية، ووجدانية تروم الخوض في حقائق الذات والكشف عن المطلق اللامتناهي، فإنه في المقابل من ذلك فهو يُعد جزءا من الكتابة الإبداعية التي تؤكد علاقاتها بالأدب، أين يصبح الخطاب الصوفي خطابا إبداعيا يمتلك خصائص الأدب، ومقوماته الفنية ويتجسد وفق تشكيلات لغوية، وبلاغية أسلوبية منفردة.

فكيف تكون اللغة داخل الخطاب الصوفي؟ وما الشيء الذي يمنح اللغة داخل هذا الخطاب صعوبة في المراس وفي التلقي؟ وما الذي يجعل القارئ يستشعر غموضها وعدم إذعانها للدلالة الواحدة؟

يعيش الشاعر الصوفي تجربة من نوع خاص وذات طبيعة مغايرة، حيث يروم "الفكاك من قيود الواقع ونواميس المألوف والارتقاء نحو مدارات الكمال المنشود"(3)، لهذا نُلفيه يتعامل مع اللغة بطريقة مفارقة، إذ لا تصبح عنده "مجرد تجربة نظر وذوق، وإنما هي تجربة في الكتابة"(4) وهذه السمة التي يغدو فيها الخطاب الصوفي نوعا أو تجربة في الكتابة هي التي تجعل الصوفي حريصا في تعامله مع اللغة، بحيث يسعى للعبث بنظامها القاموسي وتفجير دلالاتها، ذلك أن التركيب العادي والسائد سيكون قاصرا وعاجزا عن تصوير حقيقة الشعور الصوفي، وهنا يلجأ الشاعر إلى البحث في ثنايا الكلمات عن كل ما من شأنه أن يحول تجربته الشعورية والوجدانية إلى تجربة في الكتابة والمكاشفة الروحية، فتتحول القصيدة الصوفية بذلك إلى "حالة من الرواء المتأجج والتوتر الحميم اللذين يخلقان مناخا ضاجا بالوله والغموض والعذوبة"(5).

يبدو الأمر غاية في الأهمية، ذلك أننا لا نتحدث عن لغة تمتاز بشعرية تظفر بخصوصية القول الجمالي، فحسب وتؤسس لـ"بنية تنبذ المألوف والمعتاد، لترسم شبكة من العلاقات المتداخلة والمتشابكة والمتقابلة والمتعارضة لتقترب من المفارقة التي تؤسس لخطاب جمالي قائم على التشكيل في إطار طرائق التعبير المماثلة والمفارقة"(6)، وتصبح هذه الشعرية عنصرا فعالا يمنح النص لذة منفردة تجعل القارئ يستشعر متعة القراءة ووهج الكتابة، وإنما حديثنا هنا عن اللغة التي تؤكد صلتها بالنص الصوفي الذي يخوض الشاعر فيه مغامرة الكتابة وفعل "الارتطام بشراك اللغة، فيمزق الكثير من خيوط قداستها ونسيجها الجليل بفعل هذا الاندفاع الأهوج الذي لا يأبه بما فيها من عراقة أو مهابة، أو نقاء"(7).

تنفرد اللغة الصوفية بجملة من الخصائص والمقومات التي تحدد كيانها، وتميزها عن غيرها، وربما كانت أبرز هذه الخصائص هي نزوعها إلى غموض الرؤية أو المعنى الذي لا ينكشف على شيء واضح بل يبدو، - غالبا - مضمرا وضبابيا على القارئ والقول بأن اللغة الصوفية غامضة، فهذا يعني أنها تنصرف إلى التشفير والترميز الذي يشكل جزءا من طبيعتها، لأنه إذا كان الشاعر يستخدم الرمز ليجسد تقنية من تقنيات الفعل الجمالي، والبعد الدلالي على القصيدة ويُدخل القارئ في حركة من المفارقات والتخمينات تؤرق وعيه وتدعوه للتفتيش عن حقيقة المعنى، فإن الرمز عند الصوفي لا يمثل غاية جمالية فحسب، بل هو حقيقية ملموسة ولازمة تمنح اللغة الصوفية وجودها وكينونتها الدائمة.

ولئن كان التصوف - في جوهره - هو "حالات وجدانية خاصة يصعب التعبير عنها بألفاظ اللغة، وليست شيئا مشتركا بين الناس جميعا"(8)، فإن توظيف الرمز من قبل الشاعر الصوفي يصبح مسلكا طبيعيا ينتهجه لتجسيد غموض المعنى من جهة، ولإثارة إشكالية اللغة من جهة أخرى، فهذه اللغة تأتي مفارقة للعادي والمألوف وتنصرف إلى قول المسكوت عنه والمبهم، تتأسس على أبعاد رمزية وحمولات دلالية تنساق مع غموض النفس، ومكابدتها ووجعها الذاتي لهذا نجدها "تتقدم وتتراجع تشتد وترتخي لغة ظنية مترعة بالدلالة والمكابدة"(9) تتشبع بمقولات القلب، والغيب، والحدس، والرمز، والحلم.

يقول ابن عربي(10):

الجود أولى به والفقر أولى بنا فكن به لا تكن إلا به ولنا
ما في الوجود سوى فقر وليس له ضد يسمونه في الاصطلاح غنى
أين الغنى وأنا بالذات أقبل ما يريد تكوينه والكون مني أنا
فالكون مني ومنه فاعتبر عجبا هذا الذي قلته قد كان قبل بنا

فحين نأتي إلى البحث في خبايا هذه اللغة الصوفية، فإننا نستشعر قوتها وعنفها في الآن ذاته قوتها حين تجعل المعنى غامضا لا ينفتح إلا على حقول دلالية تبدو مستعصية على الفهم لا تقر على معنى واحد وثابت، وعنفها حين تتوزع على مسافات التأويل، ومادام أنها تلامس الحدث الصوفي الذي يسعى فيه الشاعر دوما "لإزاحة صورة "الأنا" الظاهرة لإخلاء الطريق لانبثاق "الأنا" الحقيقية"(11) فإنها - بلا شك - ستكون لغة تنكشف على كل ما هو خفي وغير جلي.

ولعل رغبة الشاعر الصوفي في البحث عن المحسوس بعين الملموس أو الكشف عن سر الباطنية و"تعلقه بالذات الإلهية الغائبة عن إدراكنا"(12)، هو ما جعل اللغة عاجزة عن الكشف الصريح للمعنى، ذلك أن التجربة الصوفية فيها من الاهتزازات والتموجات الوجدانية العنيفة ما يفوق مفردات اللغة ونظامها وقوانينها، وابن عربي حين يقول "فالكون مني ومنه فاعتبر عجبا"، فإن القارئ سيصطدم باللغة التي تحمل المعنى وضده، والتي ربما ستبدو له "كأنها كلام يقبض على ما وراء الطبيعة، كأنها طقس سري فيما وراء الكلام، وهي في هذا تبدو كأنها انتظار لغير المنتظر"(13)، والذات التي يحاول الشاعر أن يلحق بها صفات الجود هي بالنسبة للقارئ شيء مبهم وغير منجلي، لهذا فإن فهمه للمعنى المنتظر هو أمر عويص.

ويقول ابن عربي أيضا(14):

إن لي معنى أعيش به هو مني مثل نا وأنا
فيقول الشرع أنت هنا ويقول الكشف لست هنا
كل من تعدوه حكمته فهو في نعمي بها وهنا
وجميع الخلق ليس لهم من غذاء غيرهم فبنا
فبنا كانت عوارضنا وبه كنا له سكنا

إذا كان حديث الشاعر هنا عن الأنا المتماهية أي الأنا التي يذوب فيها الظاهري بالباطني هذا الأخير الذي يشكل جزءا من عوالم المحجوب والمستور، فإن المعنى يصبح وسطا بين المدرك الظاهر والمخفي المخبوء، ويستحيل عندها القبض على معنى واضح، لأن اللغة هنا تمارس لعبة الحضور والغياب لتكشف عن فضاءات البوح المطلق بعذابات الذات وهي - إذن - لا تختص بـ"قضية التواصل والتوصيل بالمعنى المفتوح، بل الدافع الأساسي هو التعبير عن معاناة من نوع ما"(15)، لذلك فإنها تصبح تجليا من "تجليات لما يُقال ولما لا يوصف، ولما تتعذر الإحاطة به، فما لا ينتهي لا يُعبر عنه إلا ما لا ينتهي"(16)، وعلى هذا الأساس فإن اللغة الصوفية تجعل الدلالة منفتحة ترتسم وفق حدود المحتمل والممكن دون أن تؤكد حقيقة ثابتة أو تؤطر الدلالة ضمن معنى، وحيد ومحدد يسهل الوثوق أو الاعتماد عليه، لأنها هي - في جوهرها - لغة مشفرة، ومغرقة في الرمز والإشارة "فما لا يمكن أن يوصف أو يعبر عنه بالكلام تمكن الإشارة إليه رمزا"(17).

إن الإقرار برمزية اللغة الصوفية وغلوها في عالم التشفير واللاوضوح هو ما يجعل اللغة عصية تجتاز السائد وتخترق أفق الوعي الواحد لتفتح للتأويل مسارب كثيرة تتعدد بتعدد المعاني التي تتشكل وفقها القصيدة الصوفية، وما دام أن "لغة الصوفي هي الباطنية سرية، وهي شأن جميع الأشياء السرية الباطنية لا يمكن فهمها بمنطق الظاهر، وإنما يجب فهمها بمنطقها هي بمنطق الباطن وحقائقه وأبعاده"(18)، فإن الخوض في تحليل اللغة الصوفية بمنطق المعنى الواحد أي بالمنطق الذي يجعل الدال يتجه صوب مدلول واحد، ومنفرد يبدو فيه من العجز واللاجدوى ما يُغلق التأويل على ضرب واحد من جهة، وما يُفقد اللغة الصوفية بعضا من خصوصياتها وتميزها من جهة ثانية.

وحيث إن استبطان الوجود والبحث عن أسرار الباطن والذات هو أقصى ما تطمح التجربة الصوفية الوصول إليه، فإن هذا الهوس المعرفي يصبح هو مصدر قلق الشاعر الصوفي، ومعضلة القارئ الذي يتيه في الدلالة التي لا تستقر على حال واحد، ولا تتبلور وفق منهج موحد، ورؤية معلومة لأن سمو التجربة الصوفية إلى ملامسة عوالم الماوراء والغيبيات، والتأمل في الوجود هو ما جعل الكتابة فيها تتجسد وفق رؤى مفارقة ومشوشة للذهن حيث "كل شيء فيها يبدو رمزا، كل شيء فيها هو ذاته وشيء آخر"(19)، ولاشك أن الشاعر الصوفي حين يصف، فهو لا يصف ما هو معلوم ومحسوس، بل يصف ما لا يمكن إدراكه لذلك يأتي غموض لغته شكلا من أشكال "الدلالات المعنوية للزمن المطلق المُجسِّد للذات الإلهية"(20).

يقول عفيف الدين التلمساني(21):

غدا وصفكم للحسن ذاتا فشمسكم بكم منكم فيكم لها الشرق والغربُ
تُحركها الأشواق نحو جمالكم فتمنعها تلك المهابة والحجبُ
فلا هي يغشاها سكون ولا ترى سبيلا لذا حارت فدارت فلا تنبو

فالقارئ وإن كان يلاحظ أن عفيف الدين التلمساني يحاول هنا أن يصف "الأنا" الباطنية الغائبة عن حدود وعينا واستيعابنا، والتي ربما لا يستطيع أن يعبر عنها إلا الشاعر المرتبط بالفكر والعُرف الصوفي الذي يقتضي التعامل مع كل "ما يدرك ولا تحيط به الصفة"(22)، فإن القارئ سيجد نفسه في مواجهة لغة تُخفي أكثر مما تستنطق تُعانق المسكوت عنه لتُثير حسه، وتتحرش بفكره الذي يدعوه للمكابدة والبحث عن ما هو مضمر خفي، وهذه اللغة لا تكون ملكا إلا للمتصوفة، ذلك أن الشعور الروحاني العنيف الذي يشعر به هؤلاء يحتم عليهم الكتابة بلغة "تتجاوز المحدد والظاهر إلى اللامتناهي من المعاني، والدلالات والأسرار وفي كثير من الأحيان تعجز اللغة أمام ما يمر به الصوفي، ويود التعبير عنه"(23)، على أن هذا العجز عن الكشف والبوح هو ما يجعلها لغة شعرية برمزيتها وبمعانقتها للغموض، ولأفق يضيق باللفظ، ويمتد ليشمل أفق وفضاء أرحب من الدلالات والمعاني المتداخلة والمتشابكة في الوقت ذاته.

يقول عفيف الدين التلمساني(24):

صحا السكارى وسكري فيك دام وما للسكر من سبب يروى ولا نسب
قد أيّس الصبر والسلوان أيسره وعاقب الصّب عن آماله الوصب
وكلما لاح يا دمعي وميض سنى تهمي وإن هب يا قلبي صبا تجب

صحيح أن اللغة هنا تتشبع بألفاظ "السكارى، سكري، السكر" التي تتعلق بالخمر، إلا أن الشاعر هنا لم يجعلها تحمل وصفا مادي مألوفا وظاهريا، بل أسقط عليها روحانية ووجدانية الصوفية حيث يغدو السكر يشمل معاني أخرى، فإذا كانت القراءة التأويلية للفظة "السكر" تأتي على اعتبارها في الشعر حالة من حالات التعلق والهيام بالحبيب، فإنها لدى الشاعر الصوفي تتوزع عبر مسافات تأويلية عديدة، فهي تعبيرا عن الوصول إلى أقصى حالات المعرفة، أو من نشوة المعرفة، وربما يكون السكر تجسيدا للحب الإلهي، أو "نشوة الأرواح بالتوحيد الشهودي في عالم الذر"(25)، وهذه كلها معاني لا يشهدها أو يعرفها إلا الفكر الصوفي، وهذا ما ينطبق على معظم المصطلحات وتجسد في مجملها "الحب والإلهام والوجد والوجود والشوق والرب والسكر... فتأتي في المقام الصوفي بوصف غير اعتيادي، لأنها تنسلخ من معناها الدارج، والمألوف لتحمل معاني روحانية وقيم وجدانية.

تلك إذن هي اللغة الصوفية، لغة عصية ومنفردة بصعوبتها وغموضها الذي يجعل القارئ دائما في حالة من التشتت والقلق، فيدرك حينها عدم قدرته على استيعابها بشكل واضح أو الوصول إلى أعماقها وحقائقها لأنه يواجه فيها بنية تنبني على دلالات لا تقول إلا رموزا وإشارات، وحتى هذه الإشارات لا تحمل تفريغا كاملا وكليا للمعنى الحقيقي، ذلك أن اللغة كنظام تبدو قاصرة أمام الحالة الروحية التي يعيشها الصوفي حيث إن "الصوفي معرفته أوسع من لغته"(26)، الأمر الذي يدعونا إلى القول بأن اللغة لا تأخذ منحى صوفيا إلا إذا كانت شاملة على جملة من الرموز والعلامات التي تُخفي أكثر مما تكشف وتداري معاني كثيفة تصب كلها في عوالم الباطن والوجود، وهذا الإغراق في الرمز هو الذي يُمثل جوهر اللغة الصوفية وهو في الآن ذاته ما يمنحها شعريتها.

وقد يتساءل القارئ لماذا يزخر الخطاب الصوفي بكل هذا الغموض؟ ولماذا يصر الشاعر الصوفي على استلهام طاقة الرمز التي تجعل من لغته سلسلة من الإيماءات والإشارات تُحرك خيال المتلقي للبحث عن الدلالة المفقودة وتزُج به في متاهة المعنى القلق والمشتبك، لكن هذا المتلقي سرعان ما يدرك أن اللجوء للغموض وإخفاء المعنى هو إثبات للذات وتجسيد للحضور، فالخطاب الصوفي من حيث هو خطاب أدبي قوته - إن صح القول - وميزته مرتبطة بأنه لا يفصح عن شيء ولا يصرح بشيء، لأن اللغة لا تسعف الصوفي ولا تستوعب حالاته الروحانية العميقة، ولا تستطيع أن تُلم بما يمر به من قلق ونزاع مع الذات والأنا، لذلك فالشعراء المتصوفة يستغنون عن التصريح بالتلميح وعن الوضوح بالغموض، ولعل هذا ما يفسر قول النفري "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة"(27)، فحين تتسع الرؤيا، يتسع معها الحلم والشطح والإلهام لدى الصوفي، وتصبح - حينذاك - اللغة بكل قوانينها وأنظمتها غير قادرة على احتواء كل هذا، وهنا "تضيق هذه الألفاظ عن التعبير تتفجر اللغة، تتحول إلى إشارات إلى رموز إلى أفلاك سابحة"(28)، ويتحول معها التلقي إلى قراءات متعددة ومكثفة تدخل التأويل في مساحات واسعة من الدلالة قد تصيب المعنى الصوفي المنشود وقد لا تصيب.

الهوامش:
1 - مروة متولي: حداثة النص الأدبي المستند إلى التراث العربي، دار الأوائل، ط1، سوريا 2008، ص 136.
2 - المرجع نفسه، ص 139.
3 - محمد علي كندي: في لغة القصيدة الصوفية، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ط1، بيروت 2010، ص 84.
4 - المرجع نفسه، ص 83.
5 - علي جعفر العلاق: الشعر والتلقي، دراسات نقدية، دار الشروق، ط1، عمان 2002، ص 179.
6 - محمد تحريشي: في الرواية والقصة والمسرح، قراءة في المكونات الفنية والجمالية السردية، دار دحلب، الجزائر، (د.ت)، ص 138.
7 - علي جعفر العلاق: الدلالة المرئية، قراءات في شعرية القصيدة الحديثة، دار الشروق، ط1، عمان 2002، ص 20.
8 - أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني: مدخل إلى التصوف الإسلامي، دار الثقافة، ط1، القاهرة 1979، ص 8.
9 - علي جعفر العلاق: الدلالة المرئية، ص 178.
10 - ابن عربي: الديوان، دار الكتب العالمية، بيروت 1996، ص 177.
11 - نصر حامد أبو زيد: هكذا تكلم ابن عربي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر 2002، ص 121.
12 - محمد علي كندي: في لغة القصيدة الصوفية، ص 87.
13 - أدونيس: الصوفية والسريالية، دار الساقي، بيروت، ط3، ص 143.
14 - ديوان ابن عربي، ص 245.
15 - محمد علي كندي: في لغة القصيدة الصوفية، ص 81.
16 - أدونيس: الصوفية والسريالية، ص 23.
17 - أدونيس: الثابت والمتحول، بحث في الإتباع والإبداع عند العرب، تأصيل الأصول، دار العودة، ط3، بيروت 1982، ج2، ص 95.
18 - نفسه.
19 - المرجع نفسه، ص 23.
20 - مروة متولي: حداثة النص الأدبي المستند إلى التراث العربي، ص 103 - 104.
21 - عفيف الدين التلمساني: الديوان، دراسة وتحقيق يوسف زيدان، دار الشروق، ج1، ص 85.
22 - محمد علي كندي: في لغة القصيدة الصوفية، ص 81.
23 - مروة متولي: حداثة النص الأدبي المستند إلى التراث العربي، ص 66.
24 - ديوان عفيف الدين التلمساني، ص 96.
25 - ينظر، المصدر نفسه.
26 - نصر حامد أبو زيد: هكذا تكلم ابن عربي، ص 145.
27 - النفري: المواقف والمخاطبات، مكتبة المتنبي، ط1، القاهرة، (د.ت)، ص 51.
28 - مروة متولي: حداثة النص الأدبي المستند إلى التراث العربي، ص 66.
الإحالة إلى المقال:

* منى جميات: اللغة في الخطاب الصوفي من غموض المعنى إلى تعددية التأويل، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الخامس عشر 2015. http://annales.univ-mosta.dz

تحميل المقال ar

ملخصات العدد الخامس عشر