السّرد الشّعبي في التّراث العربي التشكّل والأنواع

منصور بويش
المركز الجامعي غليزان، الجزائر

الملخص:

يضرب ظهور السرد بجذوره في أعماق التاريخ الإنساني عامة، وفي التراث العربي على وجه الخصوص، فقد تشكل في الكيان الثقافي العربي نتيجة لمعطيات مختلفة (ثقافية وتاريخية) ساهمت فيها الذهنية العربية القديمة وروح الجماعة وهاجس الانتماء القومي للقبيلة والمعتقدات الدينية الوثنية (قبل الإسلام). فتشكل ما يعرف بالسرد الشعبي أو الأدب الشعبي الحكائي، محاولا أن يشق طريقه ويستمر في ثقافة اتسمت بطابعها الشفوي. فظهرت تلك الأنواع السردية الكبرى: الأسطورة والسيرة الشعبية والحكاية الشعبية والحكاية الخرافية (على لسان الحيوان)، بحيث تتداخل هذه الأنواع في بعض الخصائص وتختلف في بعضها الآخر. والهدف من هذه القراءة هو العودة إلى بدايات السرد في التراث الشعبي العربي لاستنطاق مكنوناته ورصد تشكلاته الأولى، ومن ثم التعريف بالأنواع السردية التي انبجست من هذا التشكل، وخصوصيتها في التراث العربي.

الكلمات الدالة:

الأدب الشعبي، التراث العربي، السرد، الحكاية، الأنواع.

***

النص:

يعدّ السّرد من الميادين الّتي حظيت باهتمام الدّارسين في كتاباتهم النّقدية المختلفة تنظيرا وممارسة، فقد تفطّنوا إليه كخطاب كان موجودا منذ أن وجد الإنسان، وفي كل المجتمعات. وتبدّت ملامحه وتجلياته باعتباره طريقة للحكي والإخبار في كل الأشكال التعبيرية؛ قد نجده في اللّغة المكتوبة كما تجده في اللّغة الشّفوية، وفي لغة الإشارات والرّسم، والتّاريخ وفي كلّ ما نقرؤه ونسمعه، سواء أكان كلاما عاديا أو فنيا. إنّه يمتد بجذوره في تربة خصبة تشتمل على كثير من الأنواع الأدبيّة(1). فالحكي يمكن أن يظهر في اللغة المتفصلة مكتوبة كانت أم شفوية، فهو "حاضر في الأسطورة وفي الخرافة وفي الحكاية على لسان الحيوان، والحكايات الشعبية والقصة القصيرة والملحمة... والتعبير الجسدي، كما لو أنّه كل مادة صالحة لأن يودعها الإنسان حكاياته"(2).

لذلك فكل خطاب لساني (لغوي) أو خطاب سيميائي (غير لغوي / إشاري) يشكّل حكاية معيّنة ترتكز على مكوّنات السّرد، وهذا ما يوضح ذلك الرّصيد المتراكم من المسرودات عبر التاريخ، والّتي عاشت تطوّرا مستمرا صاحب تطور الفنون الأخرى من عصر أدبي إلى آخر.

1 - تشكل السرد في التراث الشعبي العربي:

يعتبر السّرد (المتجلي في القصص النثرية) من أبرز الفنون التي تحتل الصّدارة في آداب الأمم المختلفة، وهو لا يقاس بما ذكر أو نشر منه، بقدر ما يقاس بما كان منه جميلا وأخّاذا. ولعل ما يستهوي مخيّلة الشّعوب في حياتها المبكّرة ويزيد في روحية أدبها، على مختلف أجناسها وأعراقها وثقافاتها، الأخذ بالخرافات وقصص البطولة والفروسية، وبكل ما يرتقي بالمخيّلة ويخلط الوهم بالحقيقة، حتى تغدو الخوارق جزءً منها(3). وهذا ما يمكن الاصطلاح عليه بالسّرد الشعبي أو الأدب الشعبي الحكائي.

وقد عرف العرب السّرد منذ العصر الجاهلي(4) بطابع شعبي شفوي إذ كانوا يتسامرون ببطولاتهم في حروبهم وأيّامهم الّتي أصبحت مادّة محبوبة للمسامرة، إلى جانب رواية بعض الأساطير والخرافات عن الجنّ والشياطين والسّعالى مع ما يتداولونه من أخبار(5).

فالقصّة الجاهليّة كانت قصّة شفوية رويت على الألسنة، وكانت تتعرّض للتحريف والتغيير حتى في زمنها، لكنّها حافظت على مضمونها العام وتيماتها الخاصّة وبعض صيغها المميّزة، كما في أساطيرها وأمثالها والكثير من أخبارها، فإذا كانت القصّة جاهلية شفوية فكرة وأحداثا، فإنّ السّرد فيها كان كتابيا متأخرا حاول الحفاظ على الروح الجاهلية إلى حد كبير(6). وهذا يحيلنا على القول إنّ الأدب الشعبي السردي وُجد مع وجود الحياة العربيّة، وتطوّر بتطوّرها.

والمتصفّح للتّراث العربي لا يكاد يستشف اهتماما من قبل نقادنا القدامى بتلك القصّص الشّعبية، بعدّها من أجناس الخطاب النثري(7) السردي، أو رصد خصائصها ومميّزاتها، باستثناء ما ذهب إليه الجاحظ (ت 255هـ) في "البيان والتبيين"، حين لفتت انتباهه بعض القصص، لما فيها من عناصر بلاغية، كقصص الفضل بن عيسى الرقاشي، الّذي عدّه الجاحظ سجّاعا في قصصه(8). والجاحظ أوّل من استعمل مصطلح القصة للتعبير عن نوع من السّرد، أو على الأقل هو أوّل من أصّل المصطلح وأثله، بعد أن كان يعني الخبر أو الحدث أو الذِكر في القصّ الشفوي(9) الشعبي، فقدّم بذلك مصطلحا شاملا (القصة) وأعمّ من المعاني السّابقة.

وقد تمظهر السّرد الشّعبي القديم في شكل أنواع مختلفة، ونقصد هنا التراث القصصي الشعبي، ذو الطابع الشفوي، بما فيه مجهول المؤلف ومتعدّد الرواية، الّذي كان يردده العرب قديما منذ العصر الجاهلي. وقد وصلنا هذا التراث السّردي مرويا أو مدوّنا(10). ومن أنواعه:

2 - الأسطورة:

ويطلق عليها في اللغة الفرنسية (Mythe)، وهي في رأي بيير سميث (P. Smith) تختلف عن الأجناس السّردية، كونها ليست إلاّ نوعا من قصّة نموذجها حدّدته تواريخ الآلهة في الميثولوجيا(11) الإغريقية الموغلة في القدم، وعلى الرّغم من أنّ كثيرا من الأساطير ليست تواريخ أديان، فهي على كل حال تواريخ أبطال، ولكنها تتميّز بصفات الحكايات الشّعبية المستوحاة من التاريخ، ثم هي تواريخ أجداد(12). فالتاريخ عنصر مهيمن في الأسطورة حتى وإن كانت أقرب من الحقيقة إلى الخرافة.

وأبسط تعريف للأسطورة أنّها الحكاية الّتي تحوي مزيجا من مبتدعات الخيال والتقاليد الشعبية، الّتي تهدف إلى إجلاء حقيقة الحياة أو تغيير ثوابت الواقع وتحريكها، وإعطاء تفسير ميتافيزيقي لظاهرة أو عادة ما، أمّا التعريف الأكثر اتفاقا بين أهل الاختصاص، فيرى أنّ الأسطورة مأثور شعبي يحمل بالطبع والضرورة سمات العصور الأولى القديمة، مفسّرة معتقدات الناس (العامة) إزاء القوى العليا، كالآلهة وأنصاف الآلهة(13). وحسبنا أنّ أهمّ ما يميز الحدث الأسطوري عن الحدث السّردي العام الّذي نصادفه في الأجناس السردية الأخرى، هو التهويل وطلب الخوارق، والتغريب ونشدان العجائب. فالأسطورة لم تكن أسطورة إلا بفضل هذه الخصائص، الّتي نذكر منها الانتماء إلى المجالات المقدّسة، فإذن هي لا تحكي إلا مغامرات الآلهة، أو ما يقوم مقامها(14). فهي بهذا الشكل تجمع بين المقدّس الذي يفترض أنّ يكون حتميا مسلما به، وبين الخرافي الذي يخرج عن الطبيعية والقداسة والحتمية.

ولقد تعدّدت التعريفات اللغوية والاصطلاحية للأسطورة في التراث العربي، حيث جاء في لسان العرب "الأساطير الأباطيل، والأساطير أحاديث لا نظام لها". ويعرّفها البخاري في تفسير القرآن من صحيحه بقوله: "أسطورة وإسطارة وهي الترهات"(15). وهذه التعريفات لا تبتعد كثيرا من المفهوم الاصطلاحي للأسطورة. وأيّا كان شكل الأسطورة ومفهومها عند العرب فقد عرفوها قبل ظهور الإسلام، بدليل ورود اللفظ مرارا في القرآن الكريم في معرض حديثه عن وصف كفّار مكة ومشركيها لما كان ينزل على الرسول (صلى الله عليه وسلم) من وحي، لكن ورود اللفظة في القرآن كان في جميع الحالات بصيغة الجمع، ومقرونا بلفظة أخرى هي الأولين، بمعنى أنّ الأسطورة كانت منسوبة للأولين، لذا ذهب بعض الدارسين إلى اعتبارها مصدر تفكير وملهمة الشعر والأدب عند الجاهليين(16). فقد كانت للعرب قبل الإسلام أساطير عديدة، تمثل المراحل الأولى للمعرفة التاريخية والإنسانية، حيث عبّروا بها عن تساؤلاتهم عن حقيقة الإنسان، والوجود من حولهم. وهذا يبيّن أنّها مرجع لتاريخ للعرب الجاهليين، وفيها تبصرة بحياتهم الدينية والفكرية(17). حيث إنّ دين العرب الجاهليين كان العامل الأول في تشكيل أساطيرهم، فقد كانوا يعبدون الأصنام متتبعين آباءهم الّذين عبدوها في الزمان الخالي، واتخذت كل قبيلة صنما إلها لها تعبده، وتفرغ إليه الشدائد، وترى فيه من يفرّج عنها الكروب. ومن أمثلة ذلك قبيلة حمير اتخذت نسرا إلها لها، كما يقال عن العرب أنّهم كانوا يعبدون شجرة بالقرب من جبل عرفات، يذبحون لها ويقدمون القرابين ويدعونها(18). وعرفوا بعض الأساطير الخاصة بعبادة الكواكب، فمنهم عبدة الشمس، رأوا فيها قوة قاهرة، فجعلوا لها صنمين، وكانت إذا طلعت خرجوا لها ساجدين(19). وهكذا كان العرب القدماء يمزجون بين دياناتهم والأساطير.

وإذا عدنا إلى أساطير العرب وجدنا أغلبها متصلا بإخباريين يمانيين تنقطع عندهم سلسلة الرواية، وهم من النصارى واليهود الّذين أسلموا، مثل محمد بن كعب (وهو من يهود قريظة) ووهب بن منبه (وهو من الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن). ولا تتصل سلسلة الرّواية إلى العصر الجاهلي، لأنّ الرواية وفق الشروط المرسومة، إنما هي فن إسلامي نشأ لغايات دينية، أمّا الرواية الجاهلية فلم تكن صارمة في ثقافة شفوية(20). وعن قابلية العقلية الشعبية العربية لتوليد الأساطير، فإنّ الخيال العربي فليل الابتكار، إذا ما قارنّاه بخيال الأمم الغربية القديمة، لكنه في الوقت نفسه ليس عاريا تماما من القدرات. إلا أنّ الغالب عليه هو البعد التصوّري الّذي يولد الأسطورة التصورية، وليس الخيال الاختراعي الّذي يصنع الأسطورة الاختراعية، ومن هنا فالعربي يتصور الأشياء ولا يخترع القصص حولها. فقد كان يقيم الأوثان في هيئة يرسمها ويلونها بألوان التخيّل، وعليه إذا حاولنا البحث عن أسطورة عربية، علينا أن نراها في خيال تصوري عند عربي يلعب بالألفاظ، خيال لم يحل دون وجود جميع أشكال الأسطورة عنده، لذا فإنّ كيفية بنائها هي اللعب بالألفاظ وتنميق العبارة، لأنّ الإنسان العربي مغرم بتسمية الشيء وفق ما يتصوره له من مزايا(21). أي أنّ الأسطورة العربية القديمة اشتغلت على الشكل على حساب المضمون.

وعلى العموم يرى كثير من الدارسين منهم نبيلة إبراهيم أنّ العرب لم يوجد لديهم نماذج أسطورية كاملة، ويرى عبد الحميد يونس أنّها موجودة لكن في السير الشعبية، حيث إنّ هذه الأخيرة ليست سوى بقايا الأساطير والشعائر الّتي سادت في العصور القديمة. كما أنّ حضارات عاد وثمود وتدمر والغساسنة وملوك الجيزة وعرب الصفا يشكّلون الطبقة الأولى للعرب، كانت لهم حياة بدائية من الطقوس والسحر، فهذه الأعمال تصلح لأن تكون مادة أسطورية لمن خلفهم على أرضهم(22). حيث تُرجِع نبيلة إبراهيم غياب الأسطورة في العصر الجاهلي إلى سببين أولهما أنّ ذلك العصر المتأخر لا يمثل العصر الأسطوري ولا يمثل البراءة والسذاجة اللتان يقتنع فيهما الإنسان بحكاية بطولية أو أسطورة تربطه بالكون والواقع ربطا تاما، وإنما هو عصر يشيع فيه الشكّ الرّهيب إلى حد التفكير الوجودي بعيدا عن التفكير السماوي.

والسبب الثاني مترتب عن افتراض وجود أساطير عربية قديمة، شاعت وعاشت بين الناس قبل مجيء الإسلام، لكنها ضاعت أو حُرّفت أو اندثرت بعد مجيئه، فإذا كان عصرَا ما قبل وصدر الإسلام لم يفسحا مجالا للأسطورة العربية كي تزدهر، فإنهما لم يقضيا على التفكير الأسطوري بشكل تام، فالأخبار الّتي وصلتنا تحمل في ثناياها روايات تقترب من الأسطورة، ومنها ما روي عن اعتقاد العرب بالنبوة وبعثة رسول جديد، وهذا الأمر يتعلق بتحديد شيء مجهول وغيبي(23). فالسبب الثاني يعني إمكانية تبرير اندثار الأسطورة وضياعها بسبب الطابع الشفوي الّذي كان يميزها وكان بصفة عامة يميّز الثقافة آنذاك.

3 - السيرة الشعبية:

لقد عرف الأدب الشّعبي العربي فنّ السّيرة الشّعبية، ذلك الفن الّذي تمتزج فيه مجموعة فنون مختلفة كالرواية والعزف والغناء والتمثيل في بعض الأحيان، هذا الفن الّذي تناقل عبر العصور حتى وصل إلينا بعد رحلة غير يسيرة، في قلب المجتمع العربي في ريفه وفي حضره(24). ويقصد بالسّيرة الشعبية ذلك القصص الشعبي الّذي ينمو ويعيش بدافع اللاّشعور الجمعي، ويرتبط بتواريخ ووقائع وأحداث عن شخص أو قبيلة، تغلب عليها المبالغات والخوارق الّتي تضفيها عليها المخيّلة الشعبية، ممّا يدرجها في عوالم الخرافات والأساطير.

ويرى بعض الدارسين أنّ السّير الشعبية بقصصها وحكاياتها، هي في معظمها ردود على مشكلات نفسية واجتماعية، متقاربة المضمون والهدف، تؤدّي وظائف اجتماعية وتربوية، تتوجه إلى أكثر من قطاع في الحياة العامة، وهي تنغرس في اللاّوعي الجماعي، نظرا للتفسيرات والتبريرات الّتي تقدّمها لسامعها، ليس ذلك فقط، بل تؤدي أدوارا وطنية وسياسية ونضالية، عندما تكون مِلحا لشعب أو أمة في مراحل الضُعف أو الرّكود، أو الوقوع تحت نيران احتلال خارجي(25). وهي تحرص على الهدف التاريخي في المقام الأول ولا تتحوّل عنه حتى نهايتها، وأبطالها يتحولون إلى أبطال قوميين، أو بمعنى آخر يتحولون إلى نماذج ورموز بطولية، يضرب بها المثل ويُقتدى بها في الشّجاعة والبسالة والإقدام والفروسية، ونحو ذلك "سيرة عنترة"(26). فالسيرة الشعبية من هذا المنظور تتجاوز بعدها الثقافي الشعبي، لتدخل بعدا اجتماعيا تاريخيا.

تنتمي السيرة الشعبية إلى مرويات العامة، وهذا الانتماء هو الّذي جعلها تتشكل في منأى عن الثقافة المتعالية الّتي كانت تعنى إجمالا بأخبار الخاصة، الأمر الّذي أفضى إلى عدم العناية بهذه المرويات تدوينا ووصفا. وتغييب مرويات العامة. والسكوت عنها راجع إلى موقع العامة في الثقافة العربية، وهو موقع مختزل ومهمّش، وعلى درجة عالية من الإقصاء والاستبعاد، وقد أدّى ذلك إلى جهل شبه تام بالأصول الأولى للمرويات الشفوية الشعبية، فضلا عن الجهل بطرائق تكونها وأسباب ظهورها(27). على الرغم من أنّ السيرة الشعبية فيها مادة أكثر أهمية من غرائبيات الكتب الرسمية، لأنّها تمثل خلاصة نهائية لما مكث في الوجدان الشعبي بعد غربلة طويلة(28). فهي تسلّط بدقة الضوء على جوانب مهمة من جوانب الحياة كالحرب والعلاقات الاجتماعية، وتفصل في الحديث عن القومية وروح القبيلة.

إنّ السيرة الشعبية العربية نشأت في ظروف صعبة وعاشت حياة أكثر صعوبة، لارتباطها بحياة الناس وتاريخهم وحضارتهم وامتداداتهم الاجتماعية والثقافية، لذلك وجدنا السير تنطلق من شخصية بطلة نافذة في وجدان المجتمع العربي، بأخلاقها النبيلة وفروسيتها وبطولتها وغبرها من المزايا والصفات الّتي تحرص السيرة الشعبية على نقلها وغرسها في نفوس المتلقين.

ولتحقيق أهداف السيرة في مقدمتها هدف إيجاد النموذج القدوة في المجتمع العربي، عمد رواتها إلى الاستعانة بجملة من الفنون والعلوم الّتي أعطت لنصوص السيرة المصداقية والقابلية، ولعل من تلك العلوم التاريخ وعلم الأنساب، ومن أبرز الفنون الشعر والخطابة والترسل... وهي مجتمعة تشكّل كيان السيرة، وبسبب هذا الزخم الهائل من العلوم والفنون، أضحت السيرة عند بعض الباحثين النواة الأولى لفن الرواية في الأدب العربي القديم(29). فالسيرة الشعبية تعد من أكثر الأشكال التعبيرية في الأدب الشعبي انفتاحا على أشكال التعبير، سواء النثرية أم الشعرية، كسيرة "عنترة" وسيرة "بني هلال" وسيرة "الزير سالم" وغيرها، فساهمت في بناء هذه السير عدة فنون وأشكال تعبيرية كالشعر والأسطورة والحكايات الخرافية.

4 - الحكاية الشعبية والحكاية الخرافية:

الحكاية الشعبية تعبير موضوعي واقعي غير منقطع عن الزمان والمكان؛ إذ تجري في واقع تاريخي فعلي وبطابع جدي، وتتحدد أهم عناصرها التجنيسية المخصوصة بها في الوعي بمفارقات الحياة الواقعية والارتباط بها، وإعادة تشخيص المواقف الّتي حدثت فيها، من أجل المعرفة وكشف الحقائق المجهولة وغرابة الواقع الحسّي المألوف، ونقد سلبيات المجتمع بهدف إصلاحه، والاضطلاع بوظيفة تعليمية ترسّخ القيم الأصيلة بين الجماعات الشعبية وتدافع عنها. ومن هنا يؤخذ هذا النوع من القصص مأخذ الحقيقة والجد، علما بأنه يتميز ببساطة البناء ومحدودية الوحدات الوظيفية(30). والحكاية الشعبية وصف لواقعة خيالية أو شبه واقعية أو حقيقية، أبدعها الشعب في ظروف حياته وسجّلها في ذاكرته ورواها أفراده لبعضهم البعض بمرور الأيام، وتوارثوها فيما بينهم مشافهة من أجل المتعة والتسلية(31). بهذا الهدف فهي تختلف عن الأسطورة المرتبطة بالبعد العقائدي.

تأخذ الحكاية الشعبية في تأليفها لغة من اليسر والبساطة والسهولة، ما يجعلها محببة إلى النفوس فتتألف معها تآلفا عجيبا فيه الكثير من الحب والسحر والدهشة، لاقترابها من فطرة الإنسان وشخصيته العفوية، بدوية كانت أم حضرية، على الرغم ممّا فيها من الدروس والعبر والمواعظ والمواقف والأفعال والتجارب، الّتي قد تخفى على كثير من متلقيها، وهي على الأغلب أسلوب من أساليب التربية لبناء شخصية قوية ومستقيمة وإيجابية، وهي قريبة من المثل من حيث مؤلفيها، فهم دائما مجهولون أو من عامة الشعب(32). إذ لا تتوخى شهرة مؤلفيها بقدر ما يهمها الغرض الجامع بين التسلية والتربية.

تعتبر حكايات "ألف ليلة وليلة" نموذجا حيا للحكاية الشعبية في تراثنا، فهي تمثل بؤرة السرد الشعبي العربي. إنّ هذا الموروث تشكل من مجموعة أساطير وحكايات، يتلاقى فيها التتابع والتجزؤ، أثرته الذاكرة الشعبية العربية عبر عصور مختلفة، والمرجح أنه ليس له مؤلف محدّد(33). وإنما هو نتاج لتداخل ثقافات مختلفة (هندية وفارسية ويونانية) ترك العرب فيها آثارا واضحة، تتمثل في الروح العربية الشرقية المطبوعة بالطابع الشرقي البسيط(34). وذلك التداخل منح حكايات "ألف ليلة وليلة" خصوصية على مستوى البناء والمحتوى انفردت بهذه الخصوصية، ما خولها لترتقي - لاحقا - إلى العالمية.

أما الحكاية الخرافية، فهي نوع آخر مختلف عن الحكاية الشعبية، وهي ذات مكونات تجنيسية مميزة لها، تتحدد في شدة قصرها المطرد وفي بساطة بنائها المهيكل على أساسين اثنين؛ تعرض في الأول الحادثة المجسّدة للمغزى، ويركز في الثاني على الموقف الأخلاقي المباشر، كما أنّ أبطالها غالبا ما يكونون بلا أسماء، وعددهم قليل، وهم إمّا من الحيوانات أو النباتات أو الجماد أو الظواهر الطبيعية (الشمس والريح...)، فالأبطال فيها يتصفون بإسقاط الخصائص والصفات البشرية عليهم مع الاحتفاظ بالسمات الطبيعية الأصلية(35). وتختلف الحكاية الخرافية عن الحكاية الشعبية في احتواء الأولى على عنصر الخيال والخوارق الّتي تتحكم في مسار البطل، بينما نجد في الثانية تحكم الواقعية وتناقضات المجتمع(36). فهي تقوم على تعرية الواقع وتحليله لبلوغ أبعاد تلك التناقضات.

ويعود زمن بداية الحكاية الخرافية إلى مرحلة جد متقدمة في تاريخ العلاقة الغامضة بين الإنسان والكون، حيث يصعب تحديد البداية لغياب المعطيات والدوال التي يمكن الاستناد عليها(37). وإذا عدنا إلى التراث الشعبي العربي نلاحظ أنّ خصائص الحكاية الخرافية - المذكورة آنفا - تتمظهر بشكل واضح وجليّ في كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع، وهو أول كتاب أدبي في موروثنا الحكائي، انتقل بقصص الحيوان من المرحلة الشفوية (الفولكلورية) عند العرب إلى المرحلة الكتابية (الأدبية)، ومن هنا تتجلى قيمته التاريخية والفنية معا، بوصفه أول كتاب قصصي في تاريخ الأدب العربي متخصص في فن سردي واحد(38). أي الحكاية الخرافية على لسان الحيوان، وهو كتاب في التوجيه والإصلاح وتقويم الأخلاق وتهذيب النفوس بأسلوب قصصي هادف، ورد على ألسنة البهائم والطيور، على شكل حكايات يتفرع بضعها عن بعض(39). فهي متسلسلة بخيط سردي رفيع يعكس براعة السبك فيها.

وفي الختام يمكننا القول إنّ السّرد الشعبي تشكّل في تراثنا ضمن الهوية الثقافية العربية، وعكس جوانب مهمة من الحياة الاجتماعية والدينية القديمة بسلوكاتها وطقوسها ومعتقداتها، بإيجابياتها وسلبياتها وتناقضاتها المختلفة. والأهم من ذلك بعفويتها وسذاجتها، فعرفنا بعض معتقداتهم من خلال الأسطورة، وبطولاتهم وحروبهم من خلال السير الشعبية، وتأملاتهم وتجاربهم ودروسهم من خلال الحكايتين الشعبية والخرافية. هذه الأنواع الكبرى اشتغل ضمنها السرد الشعبي القديم، فاشتركت في بعض الخصائص كالروح العربية الشرقية ومجهولية المؤلف والبعد الخرافي الغيبي، واختلفت في بعضها الآخر كالبناء الفني والأسلوب والأغراض.

الهوامش:
1 - عمر بوفاس: ملامح السرد في النص الشعري القديم، رسالة ماجستير، جامعة قسنطينة، الجزائر 2007 - 2008، ص 35.
2 - Roland Barthes : Introduction à l'analyse structurale du récit, Ed. du Seuil, Paris 1981, p. 7.
3 - عمر عروة: النثر الفني القديم، دار القصبة للنشر، الجزائر، ص 132.
4 - يؤكد على ذلك كثير من الباحثين والدارسين. راجع شوقي ضيف: العصر الجاهلي، دار المعارف، ط7، مصر 1976، ص 399. أحمد أمين: فجر الإسلام، دار الكتاب العربي، بيروت 1975، ص 66 وما بعدها.
5 - مصطفى البشير قط: مفهوم النثر الفني وأجناسه في النقد العربي القديم، ديوان المطبوعات الجامعية، ط1، الجزائر 2010، ص 126.
6 - ركان الصفدي: الفن القصصي في النثر العربي حتى مطلع القرن الخامس الهجري، منشورات الهيئة السورية العامة للكتاب بإشراف وزارة الثقافة، دمشق 2011، ص 24.
7 - ينظر، ألفت كمال الروبي: الموقف من القص في تراثنا النقدي، مركز البحوث العربية، القاهرة 1991، ص 121.
8 - الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: البيان والتبيين، تح، عبد السلام هارون، دار الجيل، ط7، بيروت 1998، ج1، ص 290.
9 - ركان الصفدي: المرجع السابق، ص 126.
10 - محمد رجب النجار: النثر العربي القديم من الشفاهية إلى الكتابية، فنونه مدارسه أعلامه، مكتبة دار العروبة، ط2، الكويت 2002، ص 252.
11 - يقصد بالميثولوجيا علم الأساطير وهو معرّب عن المصطلح الأجنبي (Mythologie)، من أبرز رواده جورج دوميزيل (1898 - 1986) (Georges Dumézil).
12 - ينظر، عبد المالك مرتاض: الميثولوجيا عند العرب، دراسة لمجموعة من الأساطير والمعتقدات العربية القديمة، الدار التونسية للنشر، تونس، ص 13.
13 - أحمد علي غزوان: الأسطورة بين الدين والفكر والشعر المعاصر، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، عدد 368، دمشق، يناير 2001، ص 29.
14 - عبد الملك مرتاض: الميثولوجيا عند العرب، ص 71.
15 - إبراهيم صحراوي: السرد العربي القديم، الأنواع الوظائف النيات، منشورات الاختلاف، ط1، الجزائر 2008، ص 39.
16 - المرجع نفسه، ص 41.
17 - حسين مجيب المصري: الأسطورة بين العرب والترك والفرس، الدار الثقافية للنشر، ط1، بيروت 2000، ص 10.
18 - ينظر، زكي المحاسني: الشعر الديني، دار الغريب، القاهرة 1970، ص 40.
19 - محمد شكري الألوسي: بلوغ الأدب في معرفة أحوال العرب، تحقيق محمد بهجة الأثري، دار الكتب المصرية، ط2، القاهرة 1924، ص 246.
20 - ركان الصفدي: الفن القصصي في النثر العربي، ص 30.
21 - إبراهيم صحراوي: السرد العربي القديم، ص 43.
22 - ينظر، موسى الصباغ: القصص الشعبي العربي في كتب التراث، دار الوفاء، الإسكندرية، ص 22.
23 - ينظر، نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار الغريب للنشر، ط3، القاهرة، ص 22.
24 - يسري عبد الغني عبد الله: بين السيرة الشعبية والقصص الشعبية، مجلة الجوبة، مؤسسة عبد الرحمان السديري الخيرية، عدد 24، المملكة العربية السعودية، صيف 2009، ص 36.
25 - إبراهيم صحراوي: السرد العربي القديم، ص 83 - 84.
26 - يسري عبد الغني عبد الله: المرجع السابق، ص 38.
27 - عبد الله إبراهيم: السردية العربية، بحث في الموروث الحكائي العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2، بيروت 2000، ص 154.
28 - رضوان السح: السيرة الشعبية للحلاج، دار صادر، ط1، بيروت 1998، ص 5.
29 - صالح حديد: أشكال التعبير في السيرة الشعبية العربية، مجلة الثقافة الشعبية، (مجلة إلكترونية)، عدد 20، البحرين 2011.
30 - علي أحمد محمد العبيدي: الحكاية الشعبية الموصلية بين وحدة التجنيس وتعدد الأنماط، مجلة دراسات موصلية، مركز دراسات الموصل، عدد 26، العراق 2009، ص 75.
31 - محمد سعيدي: الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 998، ص 58.
32 - علي كمال الدين الفهادي: الحكاية الشعبية في الخيال الشعري، مجلة دراسات موصلية، مركز دراسات الموصل، عدد 26، العراق 2009، ص 2.
33 - عمر عروة: النثر الفني القديم، ص 133.
34 - نفسه.
35 - علي أحمد محمد العبيدي: الحكاية الشعبية الموصلية بين وحدة التجنيس وتعدد الأنماط، ص 75.
36 - محمد سعيدي: الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق، ص 59 - 60.
37 - عبد الله إبراهيم: السردية العربية، بحث في الموروث الحكائي العربي، ص 85.
38 - محمد رجب النجار: النثر العربي القديم من الشفاهية إلى الكتابية، ص 256.
39 - عمر عروة: النثر الفني القديم، ص 63.
الإحالة إلى المقال:

* منصور بويش: السرد الشعبي في التراث العربي التشكل والأنواع، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الخامس عشر 2015. http://annales.univ-mosta.dz

تحميل المقال ar

ملخصات العدد الخامس عشر