المدينة الجزائرية القديمة في كتابات إيزابيل إبرهاردت

نادية رابح سيسطة
جامعة سكيكدة، الجزائر

الملخص:

شغل موضوع المدينة الجزائرية القديمة أو المدينة الأثرية أقلام العديد من الكتاب العرب والأجانب على حد السواء، فاهتم بعضهم بالطابع العمراني مبرزا عراقته وقيمته الحضارية، ولكن البعض الآخر ذهب بعيدا إذ جعل هندسته متعالقة دلاليا مع جملة من الأبعاد النفسية والاجتماعية والأيديولوجية. ورمت في كتابات إيزابيل إبرهاردت التوجه الثاني حيث استحضرت هذا المكون الحضاري لتحكي من خلاله الضياع والانكسار، الحب والحرب، الموت والحياة وهي تسرد قصتي ياسمينة وتاعليت، فكانت المدينة عندها معادلا موضوعيا للمرأة الجزائرية بكل أبعادها النفسية والاجتماعية. فالمتأمل في تيمقاد والقصبة هو متتبع لحالة ياسمينة وتاعليت. وهندسة المدينة هي في الحقيقة هندسة لروحيهما المرهقة التي كبلتها جملة من القيود أبسط ما يقال فيها إنها قاهرة. وبغية الاقتراب من هذه النصوص الحبلى بالدلالات ارتأيت توسل المنهج الموضوعاتي كون المزاوجة فيه بين السياقي والنصي أكثر ما يساعد على افتكاك دلالات أبرز سيمها التقنع والغياب والغموض.

الكلمات الدالة:

القصبة، المدينة الأثرية، المرأة الجزائرية، تيمقاد، إبرهاردت.

***
The ancient Algerian city in the writings of Isabel Eberhardt

Abstract:

The topic of the ancient Algerian city or the ancient city occupied the pens of many Arab and foreign writers alike. Some of them took an interest in the urban character, highlighting its heritage and cultural value, but others went far as they made its geometry semantic related to a set of psychological, social and ideological dimensions. And in the writings of Isabelle Eberhardt, she presented the second direction, where she invoked this civilized component to tell through it loss and refraction, love and war, death and life, while she narrates the story of Yasmina and Ta'alit, so the city was then an objective equivalent of Algerian women in all its psychological and social dimensions. A contemplative of Timgad and the Kasbah is a follower of the case of Yasmina and Ta'alit. The architecture of the city is, in fact, the architecture of their weary souls that have been shackled by a set of restrictions, the simplest of which is said to be compelling. In order to get closer to these texts that are pregnant with connotations, I have considered invoking the subjective approach, since the combination of context and text in it helps to deconstruct the most prominent connotations of persuasion, absence and ambiguity.

Key words:

Kasbah, archaeological city, Algerian women, Timgad, Eberhardt.

***

النص:

بدأت رغبة الإنسان في البحث عن الآخر والتّعرّف عليه منذ ولادته، ونزوعه ذاك طبيعيّ يفترضه الواقع ورهانات الحياة إذ "المرء بحاجة دائمة إلى أخذ وعطاء، وإلى من يشاركه أفكاره وأحاسيسه ومشاريعه. هذه المشاركة هي النّواة الحقيقيّة للتّجديد إذ أنّ أروع الأفكار وأقدرها على الاستمرار نتجت عن التّواصل بين مختلف الشّعوب والحضارات"(1). سنحاول في هذا المقال معالجة هذا الموضوع من خلال جزئية المدينة القديمة، مجازفين ابتعادا عما هو مألوف في دراسة الأمكنة والفضاءات، لنرحل إلى ثنائيتي (الغرب، الشمال، التقدم، الآخر... والشرق، الجنوب، التخلف، الأنا...) من خلال قصتي "ياسمينة" و"تاعليت" للكاتبة إيزابيل إبرهاردت (Isabelle Eberhardt). فما حقيقة الصورة التي رسمتها الكاتبة الغربية العرق للجزائر من خلال جزئية المدينة؟ هل استحضرت الكاتبة هذه الفضاءات استحضارا هندسيا، أم أن حضورها كان هندسة للعديد من الأبعاد النفسية والاجتماعية والروحية والعرقية.؟ أين تموضعت الكاتبة أثناء تصويرها للأنا وهي الآخر المعتز بأفضليته وتفوقه؟

وسنحاول الإحاطة بهذه التساؤلات وفق خطوات نبدأها بجانب نظري يعالج فكرة الأنا والآخر، ثم نعرج على جانب تطبيقي يتقصى حضور مدينتي تيمقاد والقصبة عبر قصتيها، متوسلين في ذلك المنهج الموضوعاتي كونه الأنسب لمثل هذه الدراسات، حيث الحاجة إلى النصي والسياقي وهو: "منهج بلا هويّة، أو ميدان نقدي هلامي تتداخل فيه مختلف الرّؤى الفلسفيّة، والمناهج النقدية، والظّواهريّة والوجوديّة، التّأويليّة البنيوية، النّفسانيّة،... التي تتضافر فيما بينها ابتغاء التقاط الموضوعات المهيمنة على النّصوص في التحامها بالتّركيب اللّغوي الحامل لها"(2).

ولإعطاء حديثنا صبغة تاريخيّة نقول بأنّ رصد تجلّيات الآخر هو حديث عن أحد أنشطة المدرسة الفرنسيّة في الأدب المقارن منذ عقود، وهذه الدراسة بدأت مع "جان ماري كاريه (J.-M. Carré)(3). فصار فضول معرفة الآخر ممنهجا، ويُدرس انطلاقا من زوايا خاصّة به، فوّضته ليكون مجالا معرفيا مميّزا يُعرف بـ"أدب الصّورة" (l’imagologie).

يتيح هذا المجال توسيع أفق الكتابة والحلم بصورة مختلفة، وفي ظلّه يحدث إغناء للشّخصيّة الفرديّة والجماعيّة، إذ تُصرَف الانفعالات المكبوتة اتّجاه الآخر، أو تُسوِّغ أوهام المجتمع الكامنة في أعماقه، كذلك تمحي الصّور الخاطئة عن الشّعوب، مُؤسِّسة علاقات لا يعتريها تشويه(4).

يعكس تصوير الغرب للشّرق رغبة الكثير من الأدباء الأوربيين في الهروب خياليّا من مجتمع الصّناعة والعـقل والتّقنيّة، إلى مجتمعات غير صناعيّة متأخّرة تقنيّا، يجد فيها الأديب قدرا من التّحرر مـن قيود المديـنة، ونجد الشّرقيّ على الحال نفسه، حيث يتّــخذ من الـغرب ملاذا له من واقع مرير، طابعه التّأخّر والاستبداد، وقهر روح العـلـم وكلّ ما هو منغّص للحياة في نظره، فيكون بذلك هروبه إلى المجتمع نفسه الذي هرب منه الأوروبيّون(5).

نلاحظ أنّ كلاّ من "الشرقيّ" و"الغربيّ" هارب من وطنه، ولكنّ "الغربيّ" أو "الآخر" الهارب إلى "الشّرق" مزوّد في هروبه ذاك بمعطيات وشحنات فكريّة وثقافيّة، صنعها واقعه الغربيّ المتقدّم، وشاء أم أبى ستظهر ملامحها على صفحات كتاباته، لأنه من الصّعب الانسلاخ من الماضي الذي شكّل رؤاه. والحال نفسها بالنسبة إلى "الشّرقيّ". فتركيبته الفكريّة والثّقافيّة... تأبى إلاّ أن تظهر من خلال أعماله، ولو بطريقة غير مباشرة.

1 - المدينة القديمة:

تطرق العديد من الباحثين والنقاد لموضوعة المدينة القديمة في بطون دراساتهم، كما تقاسمت هذا الموضوع حقول معرفية مختلفة إلى جانب الأدب نحو التاريخ علم الآثار... إذ إن: "كلّ ملامسة للمكان إنّما هي ملامسة لشبكة العلاقات التّي تربط الأشخاص بالمجال المعيشي ارتباط وجود وانتماء وهويّة، فالمسألة المكانيّة لا تقف عند حدود التأطير وحسب، وإنّما تتعدّاها إلى مجالات أوسع، تضطلع بها الدراسات الإنسانيّة في مختلف اهتماماتها وحقولها"(6).

وإذ خصّصت الحديث للمدينة، فإنّ ذلك ليس من باب كونها واحدة من ثنائيّة يصعب على الكتابة الخروج عنهما (ريف/مدينة)، وإنّما كان حضورها حضور الرّمز الحضاري والتّاريخي، الذي يعبق بدلالات كتبت التميّز والفرادة للنّصوص التّي احتضنتها، لأنّ حضورها ليس من قبيل اقتضاء الحدث وحاجته إلى فضاء يقلب حركيّته ويضمنها، وإنّما هو درب من استحضار الماضي، الذي يبقى حنينه ذؤوبا في مدّ خيوطه، ومحاولة الانبعاث بربط الصّلة بالحاضر والمستقبل.

أوردت إيزابيل مدينة تيمقاد من خلال قصّتها "ياسمينة"، وحضرت "القصبة" في قصّتها "تاعليت". وهما مكانان أثريان يعبقان بعراقة وعمق الماضي والتّاريخ، وذكرهما لا ينقصه إشعاع إذا ما كان استحضارهما تاريخيّا، أمّا فنيّا فالاقتراب منهما يتطلّب قراءة لا تقلّ إشعاعيّة عن ماضيهما لأنّها: "لا تستنكف الاستفادة من المعارف المختلفة، بل تجعل همّها الأوّل في تلقيح رؤيتها بما تقدّمه هذه المعارف، حتّى وإن بدت للرّائي أنّها واهية الصلة بالمكان، أو أنّ اهتمامها به يقع في مجال غير مجال الفنّ والأدب، والملفت حقّا في هذه الاستفادة، أنّها كلّما أوغلت في الحقول المعرفيّة البعيدة عن الأدب كلّما مدّت بحمولات طريفة، تُدخل على الأدب روحا جديدا، يبعث فيه من الحياة والجدّة ما هو في حاجة إليه اليوم، في خضمّ العلمنة الطّاغية"(7).

وسيكون بذلك استحضار المدينة في هذا المجال هروبا من الأدب صوبه، لأنّ المسار سيأخذ شكلا دائريا عندما يُتجاوز فيه البعد العمراني، ويُفسح المجال لحياكة الدلالات، التّي تربط أنسجتها خيوط عنكبوتيه تجد ضالّتها في الجوانب الثّقافيّة والاجتماعية والسياسيّة والعرقيّة... وتبقى عندها الجزائر المركز، وإن تشعبّت سبل الوصول إليها.

2 - تيمقاد:

ضرت هذه المدينة الرّومانيّة القديمة أثناء حديث الكاتبة عن "ياسمينة"، فقالت: "تقبع أكواخ قريتها بجنب آثار تيمقاد الرّومانيّة، وسط سهل كبير تناثرت بين جنباته صخور مجهولة بلا اسم ولا عمر، تراكم حطام وسط حقول البلان الشائك ذي السيمياء الشّرسة، النبات العشبي الوحيد الذي استطاع أن يقاوم الحرارة اللّفوح لفصل الصيف المستعرة. هناك من نبات البلان الشّائك كلّ الأحجام والألوان: الضّخم ذو الأزهار الكبيرة الزّرقاء، الحريريّة، وبين الأشواك الحادة الطّويلة، أشواك أصغر قليلا في شكل نجيمات ذهبيّة"(8).

صرّحت الكاتبة باسم المدينة، ووصفت حالتها بعد قرون من الزّمن، رابطة إيّاها بالنباتات، حيث لم يستطع غير الشّائك النموّ هناك، وكأنّها تريد أن تقول بأنّ هذه الأرض معقل الأقوياء لا غير، فخبت أصناف النباتات على غرار الرّومان لأنّ كليهما دخيل على هذه التربة، فبقي من النبات الشّائك، ومن الرّومان حطام يبوح بالذاكرة في احتشام، لأنّها تحكي انهزام عرقها، واجتماع ما سبق يشكّل فضاء يتناسب ونفسيّة "ياسمينة"، من حيث الانضواء على الغموض.

يواصل الرّمز الحضاري ظهوره في أعمال "إيزابيل إبرهاردت"، فتحكي من خلاله نمطا عمرانيا أكله النسيان، وتعنّت الطبيعة وقسوتها فتقول: "قوس نصر لم يزل واقفا، ينفتح في شكل منحنى على الأفق المتأجّج صوب السّماء، كأنّما هي في ثورة غضوب عديمة الجدوى ضد الموت المحتوم"(9).

تعود هذه الآثار بالذّاكرة إلى زمن بعيد، كانت فيه الجزائر مرتعا لتعاقب الحضارات، ومحلاّ لأطماع الكثيرين، ولكنّ أرضها الطّاهرة لا يروقها كثيرا الاستعباد فلا تترك من تلك الأمم غير الذكرى، التّي يحكي حطامها مجد الجزائر في الانتفاضة أكثر من قوّة تلك الأمم الغازية.

يستمرّ حديث الكاتبة عن المدينة الرّومانيّة، وكأنّ حنينها إلى الماضي لا يعرف الارتواء أبدا، فتترك لنفسها مجال الغوص في أعماق الذّات الإنسانية الغابرة تقول: "مدرّج بمقاعد، نُظّفت وأُزيل ركامها حديثا، ساحة صامتة، دروب مهجورة، هيكل كلّي لمدينة كبيرة مُنتهية، كلّ المجد المظفّر للقياصرة المهزومين من طرف الزّمن، ومن طرف الحنايا الغيورة لأرض إفريقيا هذه التّي تفترس في ثبات كلّ الحضارات الأجنبيّة المعادية لروحها.

يكتنف الغموض مدينة تيمقاد، إذ تُشكّل كلّ زاوية منها محلا يحكي انهيار حضارة وأمّة غازية، ممّا يفتح المجال للعودة إلى ماض سحيق كتبت الجزائر الأرض المنتصرة صفحاته، والرّومان المغتصب المهزوم، الذي شيّد حضارة جعل أعمدتها تُطاول عنان السّماء، لاعتزازهم بتميّزهم وتقدّمهم، ولكنّ عزّة ونخوة الأرض الإفريقيّة تلوك كلّ دخيل، لتلفظ به في الأخير خارج حصونها.

جاء هذا الفضاء مناسبا لحالة "ياسمينة" الغامضة، حيث تَوَزَّع على قسماتها آثار تحكي الغموض والجمال في الآن نفسه، فالمتأمّل في "ياسمينة" هو المتأمّل في تيمقاد، فكلّ منهما ينطوي على غموض وأسرار يصعب افتكاكها، وأطلال تيمقاد وحطامها هي تحطّم ذات "ياسمينة" بعد تورّطها مع "جاك". ذلك الضابط الفرنسي الذي افترس طهرها.

حضر "جاك" و"الرّومان" في زاوية الاستغلال نفسها، فاستحوذ "الرّومان" على تيمقاد الأرض، وافتكّ "جاك" "ياسمينة" من حُضن الأرض، ليتساوى اغتصاب الأرض بالأنثى، ولكنّ ابنة الأرض خالفت ميثاق التحرّر الذي سنّته الوالدة، فخطّت وثيقة وفاتها بيدها، وبقي أمل الانتفاضة للأمّ(10).

3 - القصبة:

ذُكرت "القصبة" في قصّة "تاعليت"، وحضرت فضاء يُناقض بدلالاته الفضاء الذي ترعرعت فيه هذه البطلة، فبلاد القبائل موطن: الجبل، والوادي، وحريّة التّجوال التّي تبعث على الأمل بحياة كانت ستكون أكثر سعادة لو تمّ زواجها بـ"الرّزقي"، لكنّه زُفّ إلى ديار الدوام، وترك "تاعليت" تتعذّب مع عرسانها: الألم، الوحدة، اليتم، زواج الأمّ، الرّحيل إلى الجزائر، الرّغبة في تزويجها. كان المُقام "القصبة"، تربة حاولت الظّروف تكييفها لـ"تاعليت"، ولكنّ نفسها المكسورة أفقدتها اللّذة في الحياة، فصارت "القصبة" كما وصفتها الكاتبة معادلا موضوعيا لانكسار ذات "تاعليت"، ومساهما كبيرا في خلق أبعاد غربة الرّوح وأسرها بين حيطانها، تقول الكاتبة في هذا الصدد: "صارت تاعليت أسيرة هناك، في هذه السّاحة المغربيّة المغلقة، وكأنّها سجن بجدرانها المرتفعة المصبوغة بلون أزرق باهت، مُحاطة أروقتها بأعمدة وكأنها دير"(11).

كيّفت الكاتبة فضاء "القصبة" ليحتضن نفسيّة "تاعليت" وأنفاسها الأخيرة، فتاعليت التي كانت مسجونة بين جدران الذّات المنكسرة، صارت تعاني سجنا آخر شكّلته حيطان "القصبة"، فأصبح كلّ مكان فيها يحكي حزنها، فتجد له ذاتها انعكاسا يزيد من غربة الرّوح فيها وحزنها وكآبتها، فعزفت نفسها عن الدنيا وتركت المجال لروحها المتعبة التّي أضناها حنين كبّلته تلك الجدران، فحجبت عنها أفق التطلّع، وأبقت على إطار ضيّق ليس له إلاّ زيادة معاناتها.

لم تتوان الكاتبة عن ذكر مواصفات القصبة، وهندستها في ذلك ليست إبراز العمران بقدر ما هي هندسة لروح "تاعليت". فتقول: "في جهة ما، يغفو بئر مغربيّ قديم، تالف وضيّق، ومن دون قعر"(12).

نلاحظ أنّ حضور البئر لم يكن من باب تخصيص بيوت القصبة به، وإنّما حمل حضوره ملامح "تاعليت" وحالتها النفسيّة، لذلك عبّرت عن وجوده بالفعل (sommeiller) أي: غفا، ولو قصدت حضوره المكاني لا النّفسي لقالت "يوجد"، وذلك ما يوحي بتعالقه الدلالي مع البطلة، التّي سُلب منها جدوى الحياة والسّعادة والنشاط، فصارت كأيّ ركن من أركان البيت السّاكنة، "حالها حال البئر". صرّحت الكاتبة لفظا بـ"القصبة" أثناء حديثها عن اختفاء "تاعليت"، أي بعد أن رمت نفسها في البئر، وتدور عندها نقاشات بين النّسوة حول حقيقة اختفائها: "تاعليت متزيّنة لزواجها، اختفـت، الكلّ يتّـهمها بالهروب من أجل التعهّر في بيوت القصبة"(13).

اتّهموها بالتعهّر في بيوت "القصبة"، ولكنّها آثرت أن تروي "القصبة" عنها قصص الحب والوفاء "للرّزقي"، فابتلعتها لتزفّها جثّة هامدة إلى مُقدّسي الجمال.

حضرت المدينة القديمة، وبهذه الأوصاف لتدلّ على حضور المرأة، وإن كان الكتّاب قد ألفوا استحضارها لتدعيم الثّراء الحضاري للجزائر، وإبراز نمط حياتيّ مميّز لدى ساكنيها، فإنّ "إيزابيل إبرهاردت" روّضت الثقافي والعمراني والاجتماعي فيها، وجعلتها جميعا خادما أمينا لنفسية أبطالها، فصار كلّ بعد فيها يحكي الانكسار والحزن والضياع بنفس البطلة.

لجوء الكاتبة إلى توظيف الأماكن القديمة كان من باب نزوعها إلى الطّبيعة الأولى للإنسان، والتي وجدت في تيمقاد والقصبة، مُتنفّسا يروي بعض فضولها، فأعادت بعث الحياة فيها، لتمنح لنفسها فرصة العودة بالذّاكرة إلى ماض على الأقلّ فيه من النقاء والطهارة ما يبعث على الحنين إليه ولو كانت الوسيلة القلم، هذا من جهة، كما أنّها نبش للحضاريّ، وبعث نفس جديد فيه.

تمتلك المدينة سحرا أخاذا تُظهره عندما يُسمح للماديّ فيها معانقة الخيال، وعندما يذوب الصّخر تحت أنغام الأنين، وعندما تنحت الرّيح على جدرانها ملاحم الحبّ والحرب على حدّ السّواء، فيصبح صمتها يحكي أكثر من إفصاح الكلام، ويصير الشّبر فيها يتّسع لمئات المؤلّفات، ولكن يضل الحبر عاجزا أمام صمت السّنين، ويبقى شموخه قابعا إلى حين.

الهوامش:
1 - محمّد غنيمي هلال والمنهج المقارن، مخبر الأدب العام والمقارن، كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، جامعة باجي مختار، عنّابة، ص 18.
2 - يوسف وغليسي: مناهج النقد الأدبي، جسور، ط2، الجزائر 2009م، ص 147.
3 - Daniel Henri Pageaux : La littérature générale et comparée, Armand Colin, Liège 1994, p. 59.
4 - ماجدة حمّود: مقاربات تطبيقيّة في الأدب المقارن، اتّحاد الكتّاب العرب، دمشق 2000م، ص 144.
5 - المرجع نفسه، ص 113.
6 - حبيب مونسي: فلسفة المكان في الشّعر العربي، اتّحاد الكتّاب العرب، دمشق 2001م، ص 7.
7 - المرجع نفسه، ص 9.
8 - Isabelle Eberhardt : Yasmina, p. 43.
9 - Ibid., pp. 43-44.
10 - Ibid., p. 45.
11 - Isabelle Eberhardt : L’écriture de sable, Thaalit, p. 83.
12 - Ibid., p. 86.
13 - Ibid., p. 87.
الإحالة إلى المقال:

* نادية رابح سيسطة: المدينة الجزائرية القديمة في كتابات إيزابيل إبرهاردت، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع عشر 2014. http://annales.univ-mosta.dz

***