الدلالات اللغوية في الثقافة الصوفية

د. عبد الحكيم خليل سيد أحمد
أكاديمية الفنون بالجيزة، مصر

الملخص:

يشكل التصوف اتجاهاً فنياً وفكرياً ومذهباً اعتقادياً يميزه عن غيره لدى كثير من الناس شرقاً وغرباً، قديماً وحديثاً. فالتصوف، بهذا المفهوم وبفضل إيمان أصحابه به، استطاع أن يقدم نفسه للبشرية كبنية معرفية من نوع ما؛ فضلاً عن كونه نزعة روحانية؛ مما جعله يظهر بقوة في حركة الصراع الروحي والفكري الديني معاً ولاسيما عند العرب والمسلمين؛ ومن الدارسين من رده إلى أقدم من هذا. ومن ثم وجدت مدارس متعددة؛ اختلفت باختلاف تفسير النص الديني والفقهي ورؤيته الكونية والفلسفية. ومن ثم ظهر أثر المفهوم الدلالي للتصوف في صعد شتى في الفكر الإنساني ومذاهبه، وفي حياة الناس المادية والروحية؛ ولكن التحول الفكري الديني، ومن ثم اللغوي قد صار على يد الزهاد المسلمين نمطاً جديداً من العرفان المبكر الذي اتجهت إليه جماعة منهم، أمثال الإمام ابن عربي.

الكلمات الدالة:

الدلالة، اللغة، التصوف، الزهد، محي الدين بن عربي.

***
The linguistic semantics in Sufi culture

Dr Abdul Hakim Khalil Sayed Ahmed
Giza Academy of Arts, Egypt

Abstract:

Sufism constitutes an artistic, intellectual and ideological trend that distinguishes it from others among many people, in the East and West, in the past and in the modern. Sufism, in this sense and thanks to the belief of its companions in it, was able to present itself to humanity as a cognitive structure of some kind. As well as being a spirituality; which made it appear strongly in the movement of spiritual and intellectual religious struggle together, especially among Arabs and Muslims, and some scholars refer to it earlier than this. Hence, multiple schools existed; It differed according to the interpretation of the religious and jurisprudential text and its cosmic and philosophical vision. Then the effect of the semantic concept of Sufism appeared on various levels in human thought and its doctrines, and in people's material and spiritual lives. However, religious and linguistic intellectual change became in Muslim ascetics a new kind of early Knowledge to which a group of them, like Imam Ibn Arabi, turned.

Key words:

significance, language, mysticism, asceticism, Ibn Arabi.

***

النص:

يعد التصوف (في إطار المعارف الإنسانية ولاسيما اللغوية) اتجاهاً فنياً وفكرياً ومذهباً اعتقادياً يميزه عن غيره لدى كثير من الناس شرقاً وغرباً، قديماً وحديثاً. ويرى محمد أركون أن الصوفية هي تيار متزهد، فهي تيار فكري يمتلك معجمه اللغوي والتقني الخاص به وله خطابه المتميز به ونظرياته المتفردة. والتجربة الصوفية بمفهومه أسلوب ديني يستخدم الشعائر الفردية والجماعية من أجل جعل الجسد والروح يتواكبان ويساهمان في عملية تجسيد الحقائق الروحية، الموجودة في مختلف الأديان(1).

ومن ثم ظهر أثر المفهوم الدلالي للتصوف في صعد شتى في الفكر الإنساني ومذاهبه، وفي حياة الناس المادية والروحية؛ ولكن التحول الفكري الديني، ومن ثم اللغوي قد صار على يد الزهاد المسلمين نمطاً جديداً من العرفان المبكر الذي اتجهت إليه جماعة منهم. واستطاعوا التعبير عن ذلك بلغة جمالية توازي المقامات الجسدية ثم الروحية لديهم.

وبطبيعة الحال فإن هذه الدراسة لن تخوض في عرض قضية اللغة الصوفية من كل جوانبها. فما تهم الإشارة إليه هنا هو أن قيام هذه اللغة على فكرة (الرمز) من ناحية، وأنها محاولة لتجسيد مشاعر وجدانية وقلبية تمثلت في فكرة (الحب الإلهي) من ناحية أخرى، هذان الجانبان هما اللذان سوف يستوقف الباحث عندهما باعتبار التجربة الصوفية تجربة رمزية بطبيعتها تعبر عن تجربة إنسانية.

ويطرح البحث فكرة رئيسية أو مشكلة للبحث هي اللغة والميتافيزيقا. بمعنى: هل يمكن للغة أن تعبر عن الميتافيزيقا أو بتعبير آخر ما هي أشكال تعبير اللغة عن المعتقدات الخاصة بتصورات الإنسان الداخلية حول أمور غيبية أو الماوراء الطبيعة؛ من حيث قدرة اللغة على وصف المعنى والمقصد والدلالة، وخاصة لمن لم يتذوق المعنى أو يخوض التجربة الصوفية(2).

فالمتصوفة لم يتمكنوا من عرض تجربتهم الغيبية بكلامهم ولغتهم ذات المعاني. لذلك أصبح المتصوف هو ذاته مصدر المعنى (أي منتج المعنى)، والتي يختلف المعنى عندها بسبب تغير الملقي أو صاحب التجربة، ومن ثم تتوالد المعاني وتتفرخ من شخص لآخر، ومن فهم لآخر، ومن طبيعة لطبيعة أخرى، ترتبط أو يمكن أن تحددها طبيعة اللغة المستخدمة من حيث:
1 - قدرة أو كفاءة اللغة في الإشارة إلى الخبرة "اللا لغوية" أو قدرة الخبرة "اللا لغوية" على الإشارة إلى اللغة".
2 - المعايير اللغوية للأعراف التي تحدد ما يعد معرفة لدى أي مجتمع من المتكلمين ارتباطاً وثقافة المجتمع.

ومن ثم يطمح هذا البحث إلى الكشف عن البنية الفكرية والرمزية، واستدعاء الرمز أو استلهامه أو استيحاءه، واستنطاق تجلياته على نحو كلّي أو جزئي، ظاهر أو مضمَر، داخل المجتمع الصوفي، للوصول إلى مقاربة موضوعية لواقع وفكر اعتقادي خاص بالمجتمع الصوفي.

1 - آليات اللغة الصوفية:

في معرض تناولنا لآليات اللغة الصوفية، يمكن أن نميز بين مستويات مختلفة من لغة الخطاب؛ فعلى المستوى الرأسي نجد مستويين: لغة التراث، ولغة الحياة الصوفية المعاصرة. وعلى المستوى الأفقي نجد مستويات تختلف باختلاف الموقع والسياق، واختلاف الانتماء الاجتماعي أو المهني أو مجال التخصص.

وسوف نعرض في درسنا هذا لآليات اللغة الصوفية المرتبطة بالمستوى الرأسي الذي يتطرق إلى لغة التراث المعتمدة على المجاز والاستعارة والكناية والعام الذي يراد به الخاص، والخاص الذي يراد به العام واعتماد التأويل أو الإشارة وسيلة لتبرير طبيعة التفاعل عوض العبارة والرمز وغير ذلك ولهذا يقولون: "نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة" والإشارة لنا والعبارة لغيرنا"(3)، ولغة الحياة الصوفية المعاصرة: المعتمدة على لغة الحكاية (كرامات الأولياء)، الإنشاد الصوفي (المديح)، المصطلح الصوفي.

أولا - لغة التراث الصوفي:

وهي تمثل أحد آليات اللغة الصوفية الممثلة في وسائل التلقي عند الصوفية؛ والساعية نحو بقائها واستمراريتها لدي المجتمعات الصوفية بما ينظم ويقوي علاقات أفرادها، وتحكم مسار حياتها، وتلبي في ذات الوقت حاجاتها.

فقد ساهمت هذه الآليات في خلق أساليب عدة، واستراتيجيات إيجابية للتكيف مع عامل الزمن وتغيرات المستقبل. فقد أصبحت هذه الآليات تشكل، بطريقة أو بأخرى، خارطة البناء الاجتماعي وثقافة التعايش السلمي في المجتمع الصوفي.

ومن أولى هذه الآليات هي آلية استعمال الرمز في اللغة الصوفية، وهو أمر يعود إلى قصور اللغة الوضعية نفسها، يلجأ الصوفي إليها اضطراراً، إذ أنها لغة وضعية اصطلاحية تختص بالتعبير عن الأشياء المحسوسة والمعاني المعقولة، في حين أن المعاني الصوفية لا تدخل ضمن نطاق المحسوس. وقد قرر الغزالي ذلك الأمر أيضاً في قوله: "اعلم أن عجائب القلب خارجة عن مدركات الحواس... ولا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأٍ صريح، لا يمكنه الاحتراز عنه".

وللوقوف على أهم أشكال تجليات الرمز بين الصوفية نجدها تتخذ أشكالاً مختلفة أهمها:

أ - الإلهام الصوفي "المعجم اللدني":

الإلهام عند الأَوْلِيَاءَ هو بديل الوحي الذي كان ينزل على رسول الله (ص)، إلا أنه لا وحي بعد رسول الله (ص)، ونظراً لأن علم الصوفية لم يُسْتَمَدُ من كتاب ولا يَعْتَمِدُ على المحبرة، كما عبر عن ذلك كبار الأَوْلِيَاءَ من الرعيل الصوفي الأول، لكنه علم لدني من الله رأساً إلى الأَوْلِيَاءَ ومن منحوا هذه "النفحة الصوفية" من أولياء الصوفية. فَالْوَلِيّ لا يتكلم من عنده ولكنه كلام من عند الله في شكل "الهواتف" لا يمكن له أن ينطق به من تلقاء نفسه، أو من الملائكة، أو من الجن الصالح، أو من أحد الأولياء، أو حتى الخضر؛ إمَّا منامًا أو يَقظَةً.

والإلهام الصوفي يأتي دون إعداد مسبق له وهو على ثلاثة أنواع:
الأول: إلهام كلامي مثل المحدِّث: وهو الملهَمُ الصادق الظن، وهو مَنْ أُوقِعَ في قلبه شيءٌ من قِبل الملأ الأعلى، فيكون كالذي حدثه غيرُه. أو الكرامات التي تأخذ صورة تجليات من الحقّ على بعض عباده تملئهم بالعلم والحكمة دون أن يرتبط ذلك بتحصيل العلوم المختلفة.
الثاني: إلهام غنائي يختص به المنشدين والمدّاحين داخل صفوف الطرق الصوفية، بوصفها نفحات من الأولياء تُلْقَى إلي أتباعهم؛ دليلاً لهم على صدق اعتقاد الآخرين ومحبتهم لمشايخهم وأوليائهم.
والثالث: إلهام كتابي؛ وهو ركيزة الصوفية في عالم اليوم. يأتي في صورة صفات وخصائص وكرامات تُدْعَى للأَوْلِيَاءَ وأتباعهم سواء كانوا أحياءً أو أموات، بهدف استمرار العلاقة بين الْوَلِيّ ومريديه حتى لا تنفصم هذه العلاقة أو تنقطع بوفاته وإنما تمتد أبد الدهر.

ب - الرؤيا أو المكاشفة "الغرض":

وقد عُرِفَتِ الرؤيا(4) أو المكاشفة(5) في عالم الصوفية اليوم ولكن بمعنى الإشراق والمعرفة عند الصوفية الأوائل كالحلاج الذي مات شهيد نظرية "الحلول". والرؤيا عند ابن عربي "معرفة يهبها الله فضلاً منه ومَكْرُمَة، وهي ليست باكتساب العبد، بل مكاشفةً ورؤيا".

وتمثل المكاشفة والرؤيا في عالم صوفية اليوم هدفاً أسمى وغاية عظمى للمريدين بخاصة، أما الأَوْلِيَاءَ فهي صفة ملازمة لهم والتي تمثل للولي كرامة؛ وللمريد كشفاً.

وقد اعتبر الغزالي "علم المكاشفة" الوسيلة في تحقيق "العيان الذي لا يُشَكُ فيه" في هذه الحقائق. فحقيقة الكشف تتأتّى بشكل دقيق من جهة انتفاء كل حجاب بين المتصوف وبين الله. ويؤكد ذلك الشيخ علي الخوّاص بقوله: إن العلماء الحقيقيين لا يلتجئون لا إلى الفكر ولا إلى النظر. إنهم يغترفون مباشرة من نبع التعريف الإلهي. وهو مع ذلك يؤكد أن على المبتدئ أن يرتقي بالتفكر حتى يبلغ درجة من الكمال؛ عندها يتلقى بالكشف ما سلك إليه بالعقل(6). والكشف قد يكون "رمزاً لتجربة روحية" تحمل تجليات الشيخ إلي مريده الصوفي باعتباره نتيجة رضاء الشيخ عن هذا المريد للزومه طاعة شيخه.

وللرؤيا أو المكاشفة وظيفتان هامتان عند الصوفية:
الوظيفة الأولي: وظيفة ظاهرة؛ وهي أن الْوَلِيّ يعتقد أن مذهبه وما وصل إليه هو استمرار وامتداد لنبوة الأنبياء وكرامات الأَوْلِيَاءَ، ومنها يستمد نور هدايته، ومن تعاليمها وإلهاماتها يمشي في الناس، فهو داعية لهذا الفكر، فهو بين أمرين: أحدهما: ضرورة ملحة على البث والتعبير والإيصال من خلال قص هذه الرؤى والكرامات الكشفية بين أتباعه ومريديه؛ محاولة منه نقل التجربة الروحية وما تحمله من معاني روحية إلى أتباعه ومريديه. وثانيهما: قناعة تامة من جانب الْوَلِيّ بقصور إدراك الناس لصنعته، وهو في هذه الحالة أيضاً يهتم بالإفصاح عما يجول بخاطره في صورة كرامات يُقّرِبُ بها معاني مختلفة تزيد من الاعتقاد فيه بين الناس وترسخ لهذه المعتقدات فيما بينهم.

أما الوظيفة الثانية: فهي "وظيفة كامنة" تهدف إلى إثبات الهوية والصراع من أجل الوجود داخل المجتمع الذي وُجِدَ الْوَلِيّ بداخله(7).

وقد نسب صاحب طبقات الصوفية عبدالوهاب الشعراني طائفة من الأقوال لأحمد الرفاعي منها: "الكشف قوة جاذبية بخاصيتها نور عين البصيرة إلى فيض الغيب، فيتصل نورها به اتصال الشعاع بالزجاجة الصافية حال مقابلتها المنبع إلى فيضه، ثم يتقاذف نوره منعكساً بضوئه على صفاء القلب ثم يترقى ساطعاً إلى عالم الفصل فيتصل به اتصالاً معنوياً له أثر في استفاضة نور القلب على ساحة القلب، فيشرق نور العقل على إنسان عين السر، فيرى ما خفي عن الأبصار موضعه ودق عن الأفهام تصوره، واستتر عن الأغيار مرآه"(8). وكان يقول: إذا صلح القلب صار مهبط الوحي والأسرار والأنوار والملائكة، ويقول أيضاً: إذا صلح القلب أخبرك بما وراءك وأمامك ونبهك على أمر لم تكن تعلمها بشيء دونه"(9).

ويقول حجة الإِسلام الغزالي :"إِن جلاء القلب وإِبصاره يحصل بالذكر، وإِنه لا يتمكن منه إِلا الذين اتقوا، فالتقوى باب الذكر، والذكر باب الكشف، والكشف باب الفوز الأكبر، وهو الفوز بلقاء الله تعالى"(10).

وهو ما أكده ابن خلدون فيما نحن بصدده بقوله: "ثم إِن هذه المجاهدة والخلوة والذكر يتبعها غالباً كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس إِدراكُ شيء منها؛ والروح من تلك العوالم. وسبب هذا الكشف أن الروح إِذا رجع عن الحس الظاهر إِلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح، وغَلَب سلطانه، وتجدد نُشُوؤهُ. وأعان مع ذلك الذكر؛ فإِنه كالغذاء لتنمية الروح، ولا يزال في نمو وتزايد إِلى أن يصير شهوداً، بعد أن كان عِلماً، ويكشف حجاب الحس، ويتم صفاء النفس الذي لها من ذاتها، وهو عين الإِدراك، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم اللدنية والفتح الإِلهي... إِلى أن قال: وهذا الكشف كثيراً ما يَعرِض لأهل المجاهدة؛ فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم"(11).

وترتبط فكرة الرؤيا عند الصوفية بين (الصفاء الروحي) و(العلو) أو (الارتفاع). والتي دعمتها الصوفية إلى أقصى حد من خلال فكرة (المعراج الروحي). ويقصد به عروج روح الولي إلى العالم العلوي والتنقُّل في ملكوت السماء كيفما أراد لتحصيل شتَّى العلوم والأسرار. وإذا كانت "اللغة هي التي تنشئ مفاهيمنا عن العالم"(12) على حد تعبير دريدا فالمعراج الصوفي هو الذي ينشئ مفاهيم المتصوف عن العالم وتتغير هذه المفاهيم (حسب درجة الذوق)(13).

كذلك فإننا نجد في هذه الرؤيا فكرة التسليم القدري، أو (التوكل)، التي هي المدخل الضروري للشروع في طريق التصوف فـ"إن تعسر شيء فبتقديره، وإن اتفق فبتيسيره"، و"التسليم صفة الأَوْلِيَاءَ"(14).

ثانيا - لغة الحياة الصوفية المعاصرة:

يعتمد الصوفية في لغتهم المعاصرة مجموعة من الآليات المنشئة لهذه اللغة الصوفية؛ والتي من أهمها في عالم صوفية اليوم:

أ - لغة الحكاية "كرامات الأولياء":

وهي آلية هامة في لغة التواصل بين الأولياء (المرسل) ومريديهم (المتلقي)، باعتبارها أحد آليات التعلم والبث المباشر لتعاليم الصوفية، والتي تتضمن بداخلها قيماً دينية وخلقية واجتماعية يؤيدها التصوف ويدعو إليها أولياء الصوفية، باعتبارها الموصلة إلى الهدف الأسمى عن حقيقة التصوف وهو الكشف والمشاهدة والأنس بالله. ويؤكد على هذا قول ابن عربي: "الكلمات كنوز وإنفاقها النطق بها"(15).

وترتبط الكرامة(16) عند الصوفية بالتجربة الروحانية، الفردية، والتي لا يمكن التعبير عن تجلياتها إلاَّ في إطار الكرامات الظاهرة أو المرتبطة بها في عقول أتباع الصوفية. والتي يمكن من خلالها الوقوف على كم من المحاولات الدؤوبة لخلق هالة من القداسة الدينية والشعبية لشخصية ولي من الأولياء، إلى جانب خلق واقعاً حياتياً يعيشه أتباع الولي ذاته يتسم بالجمال ونشوة الحب، السكر، الحال،... إلخ، المرتبطة بذكرى الولي وبكراماته، مغامراته، الظاهرة والباطنة على حد سواء. وهو ما يمكن الاستدلال من خلاله على خصائص التركيبة الفكرية والمعتقدية للكيان الصوفي.

ونجد في رواية سيدي أحمد الرفاعي عندما زار قبر المصطفى (ص) في حجه عام 555 هجريه ووقف تجاه الحجرة النبوية المعظمة يقول:

في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبل الأرض عني وهي نائبتي

فانشق جدار القبر الشريف وخرجت له اليد المحمدية فقبلها الرفاعي والناس ينظرون. وقد تلقاها الناس خلفاً عن سلف حتى بلغت مبلغ التواتر.

وهي ما يمكن اعتباره رمزاً من رموز الصوفية يشير إلى أخذ العهد والبيعة عن رسول الله (ص) مباشرة. حيث تمثل يد الرسول رمزاً يوحي بفكرة الهداية والعناية، أو رمزاً للقوة والعمل والعطاء، كما تمثل رمزاً للتأييد والاعتراف بقدر الرفاعي في وقته وزمانه بين أولياء عصره وذلك من خلال استنطاق الرمز الصوفي للكرامة وتجلياتها التي قد تكون تجاوزت ما يرى بالبصر إلى ما لا يدرك إلا بعين البصيرة. حيث تتجلى جوانب كرامات الأولياء باعتبارها الأداة الفاعلة والأساسية الذي يتمتع بها أولياء الطرق الصوفية ومشايخها منذ نشأة التصوف حتى الآن.

وترى آمنة بلعلى في دراستها لسيميائيات السردية أن الحكايات الصوفية ساعدت في الكشف عن مواجهات تشكِّل الحكي وكيفية اتساع دائرة الاتصال بين المتصوفة والآخرين من خلال تلك المواجهات، كالشطح والرؤيا، التي أسهمت في شيوع جوِّ الحكي وتنوع مظاهر النوع القصصي وتجلِّيه في خصائص معينة. وهذه المظاهر، كان لها أن تتخذ في إذاعتها أشكالاً مختلفة من التأثير وتجاوُز الواقع والحقيقة، مع الخيالي والعجيب. لقد دفعتْ متعةُ الحكي المتصوفَ الرائي (الذي يرى حلماً في نومه) إلى أن يتحول إلى راوٍ، يتكفَّل القصُّ ما رآه في نومه على الآخرين. ومن هنا تنحوا الرؤيا إلى نصٍّ يُحكى. وكان للرؤى مفسِّروها المعروفون، وكانت علاقة المؤوِّل (المتلقِّي)، في علاقته بالرائي (الراوي)، تتم في إطار مغلق حَذِر، قد تنتهي، بعد تأمل وتمعُّن في نصِّ الرؤيا، إلى إحجامه عن تقديم تأويل(17).

لذا كان اكتشاف الفعل التواصُلي من خلال نصوص كالكرامة الصوفية، ذات دلالة هامة في الكشف عن كثير من محاولات الصوفية لتحليل هذه الكرامات من حيث ما أغلق فهمه أو تعذر تفسيره واستيضاح معانيه من المصطلحات اللغوية الصوفية لدى كثير ممن ينتمون للطرق الصوفية عامة، ومن هم ينتمون لثقافات فكرية ودينية مختلفة بخاصة.

ب - الإنشاد الصوفي "المديح":

الإنشاد الصوفي أو المديح أحد آليات لغة التواصل بين الصوفية. حيث اتخذت الصوفية وتوسّلت مرجعياتها الصوفية من الزهاد والعارفين وشيوخ الطرق فيها، منذ وقت مبكر بالإنشاد والمديح الصوفي، لتقوم بوظيفتها في نشر وتجذير خطابها الديني والروحي والاجتماعي وحتى السياسي أحياناً في الطبقات السفلي من المجتمع (البسطاء والفقراء)، التي شكّلت الخزّان الذي لا ينضب والمحرّك الأقوى لدواليب الحركة الصوفية من خلال تركيز شيوخ الطرق عليها والتصاقهم بها في اليومي المعيش؛ وحتى في الأشعار التي اختاروها لأنفسهم وتسموا به (الفقراء).

جـ - المصطلح الصوفي:

يمثل الرمز(18) أحد آليات اللغة الصوفية التي تتوسل بها في استخدامها لكثير من المصطلحات أو النصوص التي تحمل رؤية فكرية للتصوف ككل، خصوصاً وأن "مؤلفات وأقوال المتصوفة تزخر بالرمز، والرمز من حيث هو رمز، له قابلية لتأويلات شتى، لذا شدد المتخصصون على وجوب الحذر، فقد كان لزاما على الناظر في أقوال الصوفية أن يكون على حذر في فهمها وتأويلها والحكم عليها، وإلا صرفها إلى غير معانيها، وقديماً أنشد أحد الصوفية(19):

إذا نطقوا أعجزك مرمى رموزهم وإن سكتوا هيهات منك اتصاله

فإذا كانت اللغة الصوفية الرمزية تنبع من عقال الفكر، فالتصوف في أدب الرواد وأفكارهم يتصف بخصائص روحية سامية؛ ويقوم على لغة خاصة به في وضعها الظاهري المفرد والمركب؛ وفي واقعها المباشر القريب والملموس في بعدها التأويلي... فهي لغة حدسية تصورية تنحت مصطلحاتها من وظيفتها(20).

ويتخذ الرمز في دلالاته المباشرة للوهلة الأولى أنه منفتح على ثقافة المتلقي زماناً ومكاناً؛ وهو قادر على تأويله والتعبير عنه؛ ولكنه في الحقيقة يرتبط بمصطلحات التصوف ولغته وتاريخه وثقافته، فضلاً عن تجربة أصحابه. فاللغة عند المتصوفة نسق كبير ومتعدد لرموز ذات طابع تصويري غامض وخاص...(21). ولهذا، فانفتاح المتلقي على لغة النص الصوفي وجماليته يظل مشدوداً إلى قصدية صاحبه وتجربته وما يتعلق بمفاهيم التصوف ولغته إلغازاً وترميزاً وإشارة(22) وإيحاء... وهذا ما عبر عنه ابن عربي في قوله(23):

ألا إن الرموز دليل صدق على المعنى المغيب في الفؤادِ
وإن العالمين له رموز وألغاز ليدعى بالعبادِ

وحسب القراءة الحديثة لمتن البيت السالف، فإن لفظ "دليل" يشير إلى طبيعة تناصية مع لفظ "الإشارة"، فمعرفة لغة التصوف لا تؤخذ بظاهرها؛ وإنما تحتاج إلى فك رموزها وتأويل دلالتها البعيدة، لأنها اعتمدت على مفهوم قَلْبِ اللغة الصوفية. وقد أدرك اليافعي هذا كله فقال: "التعبير الصوفي يترجح بين الطرفين: الرمز من جهة والتجريد من جهة المقابلة. فالشاعر إما أن يعتمد الرمز والإشارة والإيحاء والاستعارة والتشبيه وما إلى ذلك لتقريب أفكاره من المألوف المتعارف عليه وللإيحاء بعواطفه ولتصوير بعض ما عاناه؛ وإما أن يدرك في تجربته من أسرار تتأتى على أدق أساليب البيان وتصعب على وسائل التعبير"(24).

2 - اللغة كرمز للتواصل بين الصوفية:

حيث تعد اللغة وسيلة اتصال بين شخصين أو أكثر، يكون الهدف منها التواصل والتفاهم. ولكي يحدث التفاهم فلابد من الاشتراك في معرفة رموز(25) هذه الوسيلة، وما تحويه من معانٍ سياقية، واجتماعية، وثقافية متفق عليها مسبقاً(26)، كما أنها: "تعكس مواقف كتابها ومعتقداتهم ووجهات نظرهم..."(27).

فاللغة هي منتج إنساني تراكمي، وثقافي(28) أنتجته ضرورة تواصل أهل بيئة واحدة بعضهم ببعض. ومن خلال الرموز المستخدمة لكل لغة تستطيع كما يقول تشارلز تشادويك: "أن تكشف لنا عوامل ورؤى تذهل الإنسان وتهز كل مفاهيمه وأفكاره، فأنت مع الرمزية هناك في عمق الإنسان في عمق أفكاره وعواطفه وأقداره ومصائره،... الخ"(29).

وبما أن اللغة هي نتاج ثقافي تراكمي فإن الثقافة تُضفي بمعانٍ أو رموز خاصة على كل كلمة، وكل تركيب لغوي يستخدمه أهل اللغة إضافة للمعنى القاموسي. فمعرفة معاني الكلمات وتراكيب الجمل دونما معرفة المعنى والاستخدام الثقافي السياقي لكل كلمة وتركيب؛ هي معرفة ناقصة.

وتمثل اللغة الخاصة بالثقافة الصوفية هي لسان حالها وعنوانها وترجمانها، فهي التي يتم من خلالها تناقل علومها ومعارفها منها وإليها وفيها وعنها، وهي وعاء الفكر وميدان الإبداع الصوفي. حيث يتصل الرمز بالتراث الصوفي اتصالاً واضحاً؛ يكشف من خلاله عن الأبعاد والدلالات التي يحتويها الرمز أو يحملها بداخله تمشياً مع وظيفته داخل المجتمع الصوفي.

ولعل استخدام الرمز في اللغة الصوفية للتواصل فيما بينهم أكثر ظهوراً وتبدياً؛ بوصفه ممثلاً أساسياً في تكوين الثقافة الصوفية، فهو دائماً ما يعبر عن التجارب الروحية والفلسفية والأدبية المختلفة بواسطة الإشارة أو التلميح أو الإيحاء، أي التعبير غير المباشر عن النواحي النفسية المستترة التي لا تَقْوَى اللغة على أدائها أو لا يراد التعبير عنها مباشرة.

والرمز ليس وجوداً خارجاً عن الحياة الصوفية وواقعها المعاش، ولكنه منسرب فيها، في لغتها، وإيقاعها، وصورها، وبنائها، لذا فإنه يُسهم في الخروج بطرق صوفية ذات ثقافة خاصة واعية ولغة خاصة فيما بينها ذات دلالات مألوفة لغيرهم تمثل لغة جديدة تتضمن رؤى معرفية تُعبِّر عن تجربة الصوفي وحاله المتجدد والمتنوع في أحواله الشعورية واللاشعورية؛ لأنَّ اللغة "الوصفية" بكل ثرائها وعمق دلالاتها تضيق إزاء أحاسيس الصوفي وانفعالاته، ومن ثم فإن البحث عن تجليات الرمز الصوفي في لغته الجديدة الرامزة والتي لا تخلو بطبيعتها من مضامين ثقافية واجتماعية؛ مستترة تُحاول التعبير عن عالمهم الظاهري والباطني على حد سواء هو أمر حتمي.

فلقد احتل الرمز مكانة مهمة في الحياة الصوفية، وأصبحت البنية الرمزية تشكل معلماً بارزاً من معالم الحياة الصوفية والمجتمع الصوفي. يقول ابن عربي في فتوحاته مشيراً إلى أهمية الرمز والإشارة عند الصوفية:

علم الإشارة، تقريب وإبعاد وسيرها فيك تأويب وإسئاد
فابحث عليه فإن الله صيره لمن يقوم به، إفك وإلحاد
تنبيه عصمة من قال الإله له: كن! فاستوى كائناً، والقوم أشهاد

والرمز عند الصوفية يحمل كثيراً من التجليات التي تمتلئ لغتهم وأفعالهم بها، والتي يعد من أهم الخصائص الأساسية للتصوف الإسلامي. بل ودعامة أساسية اعتمد عليها التصوف والمتصوفة على حد سواء. لكونه يشبع حاجة المتصوفة في واقعهم؛ والتجلي تحت الآفاق أثناء قيامهم بالممارسات الاعتقادية الخاصة بهم.

والتحقق بالحال عند الصوفية يعطي لهم وعياً موحداً بالمصطلح الموظف بينهم على سبيل الإشارة ولومن غير تلقين واكتساب كما يذكر ابن عربي هذه الخصوصية الاصطلاحية عند الصوفية: "ومن أعجب الأشياء في هذه الطريقة ولا يوجد إلا فيها أنه ما من طائفة تحمل علماً من المنطقيين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والتعليم والمتكلمين والفلاسفة إلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إلا بتوقيف من الشيخ أو من أهله لا بد من ذلك إلا أهل هذه الطريقة خاصة إذا دخلها المريد الصادق وبهذا يعرف صدقه عندهم وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه، فإذا فتح الله له عين فهمه وأخذ عن ربه في أول ذوقه وما يكون عنده خبر بما اصطلحوا عليه ولم يعلم أن قوماً من أهل الله اصطلحوا على ألفاظ مخصوصة. فإذا قعد معهم وتكلموا باصطلاحهم على تلك الألفاظ التي لا يعرفها سواهم أو من أخذها عنهم فهم هذا المريد الصادق جميع ما يتكلمون به حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح ويشاركهم في الكلام بها معهم ولا يستغرب ذلك من نفسه بل يجد علم ذلك ضرورياً لا يقدر على دفعه وكأنه ما زال يعلمه ولا يدري كيف حصل له، والدخيل من غير هذه الطائفة لا يجد ذلك إلا بموقف، فهذا معنى الإشارة عند القوم ولا يتكلمون بها إلا عند حضور الغير أو في تآليفهم ومصنفاتهم لا غير، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل"(30).

ومن هنا فإن استخدام اللغة كرمز للتواصل بين الصوفية ينبني على إدراك المعاني والمصطلحات الصوفية، هذا الإدراك لا يتم إلا بالذوق والحال وتبدل الصفات كما عبر الغزالي في المنقذ من الضلال. وهذا لا يتحقق إلا بمزاولة الميدان والدخول في الممارسة.

ومن المصطلحات اللغوية ذات الدلالات الصوفية التي تركت عمقاً وأثراً صوفياً في ثقافتنا العربية والإسلامية، أننا ما نزال إلي اليوم نجد في لغتنا العامية كلمات وتعابير من اللغة الصوفية أمثال:
- سيدي: تطلق على الولي وشيخ الطريقة.
- الولي: رمزاً للفداء الإنساني (المختار أو المُخَلِّص).
- ماما: تطلق على أم الشيخ أو زوجته.
- الفقير: المريد داخل الطريقة.
- الأحباب: أتباع الطريقة الصوفية الواحدة.
- المقام: يرتبط في ذهن المتلقي بالولي الصالح أو شيخاً متصوفاً.
- الحضرة: وهي ترتبط بمعنى الحضور؛ وعند الصوفي تفيد حضور النبي (The presence of the prophet) والأولياء السابقين لحضرة الذكر في الطريقة(31). وهي تحمل معنى التواصل بين المريدين وبعضهم، وبينهم وبين شيخهم "الرابطة الروحية" والتي تختزن أبعاداً صوفية متعددة بدءاً من الارتباط مروراً بالحب وصولاً إلى الاستجابة.
- المدد، النظرة، النفحة: كلها ألفاظ تفيد معنى الاتصال والتواصل الدائم بين الشيخ ومريديه في حال استعمالها من الآخرين.

3 - التأويل اللغوي عند الصوفية:

جاء في مراجع اللغة في مادة "أَوَّل": تأويل (Hermeneutics)، هو الرجوع إلى الشيء، وفي لسان العرب "أول الكلام وتأوله: دبره وقدره... والمراد بالتأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى ما يحتاج إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ"(32) وحديثاً يعني "استحضار المعنى الضمني بالرجوع إلى المعنى الظاهر"(33).

وتتوخى العمليات التأويلية الوصول إلى (الفهم) الكامل المترابط مع المعنى الكلي الظاهر والذي سماه غادامير بـ"الفهم الناجح"(34). وبالتالي كل تأويل هو محاولة إعادة الحوار بين المؤول والنص"(35).

وتتميز اللغة الصوفية من حيث (الشكل/المتغير) بسياقات متنوعة مرنة لا تخضع للمرجعية اللغوية (المعجمية) إنما تشكل قاموساها الخاص ومفرداتها وتركز على دور المصطلح (اختزال الجملة الصوفية، أو الحالة الوجدانية) الذي يحيل إلى دلالات مبتكرة ومنفتحة على عكس محصورية العلاقة بين الكلمة والمعنى في اللغة، أو في الخطاب، التي تنحصر في دلالات ثلاث(36): (عقلية، طبيعية، وضعية)(37).

أما في التصوف فإن الدلالات (معظمها) دلالة عرفانية أو ما تسمى بمصطلح التصوف (ذوقية) وعليه أُنْشِئَ للتصوف لغته الخاصة وشكل له دائرة لغوية تشترك فيها الكلمات وضعاً فقط مستمدة وجودها وشرعيتها من العلاقة التي تربطها باللغة الدينية، لكن بدلالات خاصة تمثلها بمرجعية إشارية.

وتمثل طبيعة اللغة الصوفية طبيعة مزدوجة متناقضة في التعبير عما هو غير محسوس بمثال محسوس تضفي على الرمز الصوفي قابليته للتأويل بأكثر من وجه، ولهذا يصادفك أكثر من تأويل واحد للرمز الواحد، مما يجعل الرمز الصوفي بقدر ما يعطي من معناه فهو في نفس الوقت يخفي من معناه شيئا آخر، وهكذا يكون الرمز خفاءً وظهوراً معاً وفي آن واحد"(38).

لكن تبقى دلالة التأويل ظنية وهذا يجعنا نتطرق إلى مفهوم الرمز وعلاقته بالتأويل فإنها على وفق المدلول الشامل للرمز تعني استعمال الرموز كالكتابة الرمزية أو التمثيل الرمزي، أو التفكير الرمزي، وهو التفكير المبني على الصور الإيحائية خلافاً للتفكير المنطقي المبني على المعاني المجردة(39).

فقد اعتبر الصوفية الأوائل أن ظاهر القرآن اختص به الفقهاء وعلماء الرسوم، واختص الصوفية بباطن النص بما يحمله من تفسيرات ومعاني. وفي هذا الصدد حكي عن جعفر بن محمد (الصادق) أنه قال: كتاب الله على أربعة أشياء: (فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء والحقائق للأنبياء).

وفي إطار التأويل المحصل من اللطائف الممنوحة للأولياء؛ يصفه أبو يزيد البسطامي بالعلم اللدني "أخذتم علمكم عن علماء الرسوم ميتاً عن ميت، بينما أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت"(40).

وفي ختام مطافنا في موضوع درسنا هذا، نقر بمحاولتنا رسم صورة عامة وموجزة لطبيعة التجربة الصوفية من خلال دلالاتها اللغوية، والتي يمكن أن تعرض لها الإضاءات التالية:
- مفهوم التصوف ارتبط جدلياً بالمراحل التي مر بها من نشأة وتأصيل وتطور مغاير لروح المفهوم الأول، فعبرت التجربة الصوفية عن هذه المراحل تصريحاً أو رمزاً، فانطبعت ملامح التجربة بمراحل النشأة والتأصيل هذه التي ظهر أجلاها في البداية الدينية والانتهاء بالأفكار الفلسفية.
- الرمز ليس وليد تشكيل لغوي جمالي، وإنما هو متأثر بالواقع الصوفي المعاش، الذي يعيش صراعات فكرية في الآونة المعاصرة، ومن ثم اكتسب الرمز خصوصية تنبع من طبيعة الجدل الدائر بين الفكر الصوفي الاعتقادي وبين غيره من التيارات الفكرية والدينية المعاصرة، وما يتولد عن ذلك من أنماط الصراع الأخرى سلباً وإيجاباً.
- يؤدي الرمز رسالة تكرس أفعال ملموسة وصريحة أو ضمنية. تحمل بداخلها حكمةً مجهولة تشير إلى أن الإنسان فيه من (الأسرار) و(الطاقات الخفية) ما يجعل (الحقيقة) مسألة نسبية.
- المصطلح الصوفي هو نتاج قراءة تأويلية لنصوص الثقافة المركزية، وينمُّ عن عقلية علائقية ذات مقاصد دالَّة عميقة. فقد برزت للمصطلح الصوفي النابع من خلال التجربة الصوفية أهمية بالغة في وضع أطر تفسيرية يمكن تناولها بأوجه مختلفة في إطار عمليات تأويلية متعددة بوصفها معبرة عن بنية الثقافة الصوفية. كما يمثل المصطلح الصوفي الممثل في اللغة الصوفية جزء من منظومة دينية اجتماعية، سياسية نفسية، تاريخية، و فكرية.
- تتضح جمالية التجربة الصوفية في آليات اللغة الصوفية، الغنية بها، المستخدمة من لدن الراوي مثل: "التشبيه، المجاز، الرمز، الإشارة... إلخ"، فضلاً عن كون هذه الآليات وسيلة للكشف عن أسلوبية القاص أو الراوي؛ لتكسب تصديق المتلقي من خلال نقل أحداث التجربة إلى الواقع وكأنه يخوض هذه التجربة.
- للغة الصوفية، التكثيفية "التي تنتهي إليها الرؤيا أو الكرامة التي تكشف من خلالها عن الفعل التواصُلي"، وظيفتها ودلالاتها في بث حقائق وأفكار يقصد إليها قصداً، ذات مرجعية ثقافية دينية عامة أو صوفية خاصة.
- تطرح اللغة الصوفية وآلياتها الممثلة في "الخطاب، الكرامة،... الخ" في بناها التعبيرية ومضامينها، مفهومات فكرية ودينية، بل تمثل فلسفتها في الوصول إلى الحقيقة والسعادة والكمال المنشود في عالم الصوفية؛ كما نجد ذلك عند ابن عربي شيخ الصوفية الأكبر.

الهوامش:
1 - إدريس ولد القابلة: جولة في فكر الدكتور محمد أركون، الحوار المتمدن، عدد 557، المغرب 2003م.
2 - انظر، أندرو إدجار وبيتر سيدجويك: موسوعة النظرية الثقافية والمفاهيم والمصطلحات الأساسية، ترجمة هناء الجوهري، المركز القومي للترجمة، عدد 1357، 2009م، ص 531.
3 - أحمد غاني: مع مقاربات التصوف "وقفة مع المقاربة اللغوية/المصطلحية":
islamic-sufism.com
4 - الرؤى والمنامات: الغرض منها هو التلقي فيها عن الله تعالى مباشرة، أو عن النبي (ص)، أو عن شيوخ الطرق الصوفية بعد مماتهم لتحصيل بعض الأحكام الشرعيَّة.
5 - الكشف: يكون إما من النبي (ص) لأخذ الأحكام الشرعية عنه يَقَظَةً أو مناماً، أو من الخضر الذي يأخذون عنه الأوراد والأذكار والمناقِب (العلم اللدني).
6 - يونس إريك جوفروا: تجاوز العقل عند الصوفية، موقع العلم والدين في الإسلام:
science-islam.net
7 - عبد الحكيم خليل سيد أحمد: مظاهر الاعتقاد في الأولياء دراسة للمعتقدات الشعبية في مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 2012م.
8 - الشعراني، الطبقات الكبرى، مصر، (د.ت)، ص 141-142.
9 - المرجع نفسه.
10 - الغزالي: إِحياء علوم الدين، مصر 1939م، ج3، ص 11.
11 - عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1960م، ص 329.
12 - مجموعة مؤلفين: معرفة الآخر، المركز الثقافي القومي، بيروت 1990م، ص 139.
13 - حادثة (الإسراء والمعراج) في النسق الثقافي الإسلامي مثلاً قد انطوت على فكرة طي الزمن لرسول الله، أو توقيف الله تبارك وتعالى للزمن، فضلاً عن اشتقاق الصوفية من هذه الحادثة أو المعجزة النبوية ما يمكن محاكاته معها من حيث إمكانية حدوث الكرامات للولي كما حدث للنبي من معجزات تحمل في طياتها عناصر الإعجاز والغرابة والتشويق والعجب، بما يشبع نهم الإنسان للاتصال بالعالم الآخر الذي يحن إليه باستمرار منذ بدء خلقه. جمال الغيطاني: مقابلة بين الدين والأدب الخيال والمثال، مجلة الكلمة، عدد 23، 1999م، ص 76. (بتصرف).
14 - القشيرى (أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيرى): الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف، دار الكتب الحديثة، القاهرة 1972م، ج2، ص 129 وما بعدها.
15 - محي الدين بن عربي: الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت، (د.ت)، ج2.
16 - الكرامة: نوع من المغامرات الإبداعية المرتبطة بالمخيلة الفردية لشخص الولي ذاته، بوصفها لدى أتباع الولي نوع من المعجزات الدالة على صدق الولي ومدى تأييد الخالق له.
17 - آمنة بلعلى: الحركة التواصلية في الخطاب الصوفي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001م، ص 167.
18 - إن الرمز أعلى مقاما من "الإشارة"، لكون المحدثين لا يحملون "لفظ الإشارة"، ما هو مصطلح عليه لدى الصوفية. فـ"الرمز يشمل كل أنواع المجاز المرسل والتشبيه والاستعارة، بما فيها من علاقات دلالية معقدة، بين الأشياء بعضها وبعض. أما الإشارة، فليس فيها سوى دلالة واحدة لا تقبل التنويع، ولا يمكن أن تختلف من شخص لآخر، ما دام المجتمع قد تواضع على دلالتها. لكن علم الإشارة "صوفياً"، وإن كان غامض المعطيات والمفاهيم (لكونه ذوقيا حدوسياً)، هو الوحيد الذي يحدد "ماهية" الخطاب الصوفي، لا غيره، لأن التعبير الإشاري، هنا، يحتفظ بسموه وتعاليمه، خلافا لمفاهيم الإشارة التي مررنا بها خفافاً. وقد تحتضن الإشارة/الرمز، كعلاقة العام بالخاص.
19 - ناجي حسين جودة: المعرفة الصوفية "دراسة فلسفية في مشكلات المعرفة"، دار عمار، ط1، ص 129.
20 - حسين جمعة: جمالية التصوف مفهوماً ولغةً، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، عدد 364، دمشق 2001م.
21 - نفسه.
22 - الإشارة مصطلح صوفي يعني "ما يخفى عن المتكلم كشفه بالعبارة" أي بالعبارة الصريحة. حسن الشرقاوي: معجم ألفاظ الصوفية، مؤسسة مختار للنشر، مصر 1987م، (مادة إشارة).
23 - محي الدين بن عربي: الفتوحات المكية، ج1، ص 188.
24 - عبد الكريم اليافي: دراسات فنية في الأدب العربي، مطبعة دار الحياة، دمشق 1972م، ص 317.
25 - يعتبر سوسير أن "الدّال" هو الشكل الذي يتقمّصه الرّمز أي الشيء الذي يمكن رؤيته أو سماعه أو الشعور به، أمّا "المدلول" فهو المفهوم المعنوي أو التصوّر الذهني الذي يمثله، يوحيه، الدّال ولا يستبعد الإحالة إلى مفاهيم مجردة أو هويات متخيّلة. شاكر عبد الحميد: عصر الصورة، عالم المعرفة، عدد 311، الكويت 2005م، ص 315.
26 - اللغة في نظر جاكوبسون أداة تبليغ للمعرفة والأفكار والمشاعر والمعلومات في إطار من الوضوح والشفافية بشرط توفر العناصر التالية: (السياق، المرسل، الرسالة، المرسل إليه (المتلقي). أطروحة رومان جاكوبسن، النظرية التواصلية.
27 - كلير كرامش: اللغة والثقافة، ترجمة أحمد الشيمي، مراجعة عبد الودود العمراني، وزارة الثقافة والفنون والآثار، قطر 2010م.
28 - تعد علاقة اللغة بالثقافة علاقة متينة جدّاً كلاهما تساهم في كينونة الأخرى، وتغذيتها، والتأثير فيها؛ وبالتالي كلاهما لا يكون له وجود إلاّ بوجود الآخر.
29 - تشارلز تشادويك: الرمزية، ترجمة نسيم إبراهيم يوسف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1992م، ص 21.
30 - محي الدين بن عربي: المصدر السابق.
31 - يعرّف ابن عربي "الحضرة" بأنها في عرف القوم: الذات والصفات والأفعال. انظر، محي الدين بن عربي: الفتوحات المكية، ج4، ص 407.
32 - ابن منظور: لسان العرب، دار لسان العرب، بيروت، ج1، ص 131.
33 - يوسف الصديق: المفاهيم والألفاظ في الفلسفة الحديثة، الدار العربية للكتاب، ط2، تونس 1980م، ص 126.
34 - روديجر بوبنر: الفلسفة الألمانية الحديثة، ترجمة فؤاد كامل، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1987م، ص 86.
35 - مطاع صفدي: استراتيجية التسمية، منشورات مركز الإنماء القومي، بيروت 1986م، ص 293.
36 - شريف هزاع شريف: إشكالية المنهج وتأويل النص الصوفي:
shareef.elaphblog.com
37 - محمد رضا المظفر: المنطق، بغداد 1982م، ص 37.
38 - ناجي حسين جودة: المعرفة الصوفية، ص 129.
39 - أندريه لالاند: الموسوعة الفلسفية، منشورات عويدات، بيروت-باريس، المجلد الثالث، ص 1399. وكذلك جميل صليبا: المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، مكتبة المدرسة، بيروت 1982م، ج1، ص 621.
40 - يونس إريك جوفروا: تجاوز العقل عند الصوفية.
References:
1 - ‘Abd al-Ḥamīd, Shākir: ‘Aṣr as-ṣura, ‘Ālim al-Ma‘rifa, N° 311, Kuwait 2005.
2 - Al-Ghazālī: Iḥyā’ ‘ulūm ad-dīn, Cairo 1939.
3 - Al-Muẓaffar, Muḥammad Ridā: Al-manṭiq, Baghdad 1982.
4 - Al-Qushayrī, ‘Abd al-Karīm: Ar-risāla al-qushayriyya, edited by A. Maḥmud and M. ibn al-Sharīf, Dār al-Kutub al-Ḥadītha, Cairo 1972.
5 - Al-Sha‘rānī: At-ṭabaqāt al-kubra, Cairo (n.d.).
6 - Al-Sharqāwī, Ḥassan: Mu‘jam alfāẓ as-ṣufiyya, Mu’assasat Mukhtār, Egypt 1987.
7 - Al-Siddīq, Yūsuf: Al-mafāhīm wa al-alfāẓ fī al-falsafa al-ḥaditha, Al-Dār al-‘Arabiyya li al-Kitāb, 2nd ed., Tunis 1980.
8 - Al-Yāfī, ‘Abd al-Karīm: Dirāsāt fanniyya fī al-adab al-‘arabī, Maṭba‘at Dār al-Ḥayāt, Damascus 1972.
9 - Belaâla, Amina: Al-ḥarakiya at-tawāṣuliya fī al-khiṭāb as-ṣufī, Arab Writers Union, Damascus 2001.
10 - Bubner, Rüdiger: Al-falsafa al-almāniyya al ḥadītha, (Modern German philosophy), translated by Fu’ād Kāmil, Baghdad 1987.
11 - Chadwick, Charles: Al-ramziyya, (Symbolism), translated by Nassīm I. Yūsuf, Cairo 1992.
12 - Edgar, Andrew and Peter Sedgwick: Mawsū‘at an-naẓariyya ath-thaqāfiyya, (Cultural theory: The key concepts), translated by Hanā’ al-Jawharī, Cairo 2009.
13 - Ibn ‘Arabī, Muḥyī al-Dīn: Al-futūḥāt al-makkiyya, Dār Ṣādir, Beirut (n.d.).
14 - Ibn Khaldūn, ‘Abd al-Raḥmān: Al-muqaddima, Dār al-Kitab al-Lubnānī, Beirut 1960.
15 - Ibn Manẓūr: Lisān al-‘Arab, Dār Lisān al-‘Arab, Beirut.
16 - Jūdah, Nājī Ḥusayn: Al-ma‘rifa as-ṣufiyya, Dār ‘Ammār, 1st ed., Amman.
17 - Jum‘a, Ḥussein: Jamāliyyat at-taṣawwuf mafhuman̊ wa lughatan̊, Majallat al-Mawqif al-Adabī, N° 364, Damascus 2001.
18 - Kramsch, Claire: Al-lugha wa ath-thaqāfa, (Language and culture), translated by Aḥmad al-Shīmī, Ministry of Culture, Qatar 2010.
19 - Lalande, André: Al-mawsū‘a al-falsafiyya, (Vocabulaire technique et critique de la philosophie), Editions Oueidat, 2nd ed., Beyrouth-Paris 2001.
20 - Ṣafadī, Muṭā‘: Istratijiyyat at-tasmiyya, Markaz al-Inmā’ al-Qawmī, Beirut 1986.
21 - Ṣalībā, Jamīl: Al-mu‘jam al-falsafī, Dār al-Kitāb al-Lubnānī, Maktabat al-Madrasa, Beirut 1982.
22 - Sayed Aḥmed, A. Khalīl: Maẓahir al-i‘tiqād fī al-awliyyā’, Al-Hay’a al-Miṣriyya al-‘Āmma li al-Kitāb, Cairo 2012.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد الحكيم خليل سيد أحمد: الدلالات اللغوية في الثقافة الصوفية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع عشر، سبتمبر 2014. http://annales.univ-mosta.dz

***