الذكْر عند الصوفي الشيخ أحمد بمبا

د. صالح انجاي
جامعة شيخ أنت جوب دكار، السنغال

الملخص:

نحاول من خلال هذه الدراسة أن نبين نقطة من أساسيات المنهج الروحي عند الصوفي الشيخ أحمد بمبا، وهو من كبار الزهاد الذين تكونت حولهم جماعات من المسترشدين لهداية الرحمن في أفريقيا. ويقدم ذلك المنهج التربوي الروحي نوعيات خاصة قد تهيج الفكر والتأمل لاختلافه في بعض تصرفاته مع سلوك الطرق الصوفية التي أُسست قبل مجيء الشيخ، ففيما يتعلق بممارسة ذكر الله التي ما زالت ولا تزال تركز نشاطات الصوفي كلها في سيره إلى الإخلاص والإتقان تُوجد عند هذا الشيخ كيفية خاصة تلفت النظر.

الكلمات الدالة:

ذكر الله، التصوف، الزهد، الأدب السنغالي، التربية الروحية.

***
The invocation by Sufi Sheikh Ahmed Bamba

Abstract:

Through this study, we are trying to show a point of the basics of the spiritual approach of the Sufi Sheikh Ahmed Bemba, who is one of the great ascetics around whom groups of guides for the guidance of the Most Merciful were formed in Africa. This spiritual educational curriculum presents special qualities that may irritate thought and contemplate because of its difference in some of its behavior with the attitude of the Sufi ways that were established before the coming of the Sheikh, with regard to the practice of remembrance of God, which still and continues to focus all the activities of the Sufi in his courses towards sincerity and perfection, this Sheikh has a special method that attracts attention.

Key words:

invocation, mysticism, asceticism, Senegalese literature, spiritual education.

***

النص:

ولد الشيخ أحمد بمبا حوالي 1853 في قرية امبكي (السنغال)(1) واسمه أحمد بن محمد بن حبيب الله البكي المشهور بخادم رسول الله، وهو شيخ صوفي مارس في بداية الأمر الورد القادري ثم تناول بعد ذلك عدة أوراد ثم بدأ يؤدب تابعيه حسب منهجه الروحي وذلك بعد أن أمره به الرسول خلال مناجاته السرية.

كانت كثرة الجماعات التي لبت دعوته سببا لمشكلات عديدة بينه وبين القوة المستعمرة الفرنسية التي كانت تسود في بلاده، ولذلك لقي من قبلها صعوبات وآلام فنُفي مرات، وكانت تلك الشدة باعتبار الشيخ الصوفي ابتلاء وتجربة تولدت عن سيره على طريق الإتقان الروحي، توفي الشيخ سنة 1927 في جربيل (السنغال)، وتطورت الجماهير الغفيرة التي استقطبها منهجه التربوي إلى طريقة صوفية سُميت بطريقة "مريد الله".

لكن ذلك المنهج التربوي الروحي يقدم نوعيات خاصة قد تهيج الفكر والتأمل لاختلافه في بعض تصرفاته مع سلوك الطرق الصوفية التي أسست قبل مجيء الشيخ، ففيما يتعلق بممارسة ذكر الله التي ما زالت ولا تزال تركز نشاطات الصوفي كلها في سيره إلى الإخلاص والإتقان توجد عند هذا الشيخ كيفية خاصة تلفت النظر، فلذلك نهتم هنا بدراسة منهجه على هذا الصدد لكي يكون ذلك مساهمة على وصف موقفه تجاه الطرق الصوفية السابقة في حين تثبت بعض الدراسات(2) أنه قد طرحها كلا.

نحاول في هذا البحث أن نركز الدراسة على نقاط تبدأ بتذكرة مهمة الذكر في منهج الصوفي عموما ثم تطورها إلى الورد عند الطرق، فنأتي بنبذة حول خصوصية الشيخ أحمد بمبا في هذا المجال.

1 - الأذكار عند الصوفية:

ومما ثبته المتخصصون هو أن الغزالي(3) قد أثر عبر عمله الائتلافي بين التصوف والسنة اتجاهين في عالم التصوف، فنجد بعد وفاته علماء صوفية استمروا على التبحر في الكتابة والتأليف حول الحقائق والأسرار الباطنية والفلسفية عن التصوف فمنهم مثلا الشيخ محي الدين بن عربي(4).

أما الآخرون فتركزوا حول السكوت عن النظريات والسلوك على طريق العمل والممارسة، يتجسم عندهم "إحياء علوم الدين"(5) بإخلاص شرعي مع تربية روحية، وتتولد المعرفة الإلهية عندهم عن الذوق عبر تجربة قلبية لا عن الجدل أو النظريات الكثيفة، فعند هؤلاء تحتل ممارسة الذكر محلا أساسيا من بين وسائلهم الروحية، ثم تطور هذا الاتجاه إلى طرق صوفية تشكلت حسب تصرفات وميول المشايخ.

فالتصوف السني الذي يتمثل بهذا الاتجاه ما زال يهتم بتربية النفس(6) وإتقان القلب بعبادات شرعية مخلصة، فبذل الجد كله إلى تحقيق هذا الإخلاص وذلك عبر عدة تصرفات منهجية تولدت عن اجتهاد المشايخ الطالبين الوسيلة الرائعة إلى هذا الكمال(7).

لما ظهرت الطرق الصوفية ساد الذكر كمهور لهذا السلوك، فكان بعض الشيوخ يرون أولويته لفعاليته كوسيلة تربوية روحية، ويوافق ذلك معنى قول الكاتب الصوفي الشعراني: "سمعت سيدي علي المرصفي رحمه الله يقول: قد عجز الشيوخ فلم يجدوا للمريد دواء أسرع في جلاء قلبه من مداومة ذكر الله عز وجل"(8).

ففي محل آخر وفي نفس المصدر زاد هذا الشيخ قائلا: "إذا ذكر المريد ربه بشدة وعزم، طُويت له مقامات الطريق بسرعة من غير بطء، فربما قطع في ساعة ما لا يقطعه غيره في شهر وأكثر"(9).

ويؤكد المتصوفون أنه لا يمكن حصول المعرفة الإلهية إلا بالعبادة والإخلاص(10) فلا يتحقق هذا الإيجاد بواسطة النظريات الكتابية، وتعبر عن هذا الموقف أقوال الشيوخ التي نقلها الشعراني: "وقد كان سيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه يقول: يجب على المريد أن يجمع همة العزم، ليعرف الطريق بالذوق لا بالوصف والقلم"(11). وقد كان سيدي الشيخ أبو السعود بن أبي العشاير يقول: "كتاب المريد هو قلبه"(12). تؤكد هذه الأقوال أولوية العمل بالعبادة وبممارسة الذكر فوق النظريات الكتابية(13).

ومن المشهور أن للمتصوفين عدة أذكار كانوا يتواصون بها بين الأجيال من الشيوخ إلى المريدين وذلك عبر أسانيد خاصة لهم، وكانوا يحفظونها داخل دائرتهم الروحية، فمنهم من خصصوا لها تفاصيل في كتاباتهم كما هو الحال عند الغزالي(14) والشعراني(15)، فبينوا أن لهذه الأذكار منابع سنية. ورغم كل ذلك كانوا لا يعرضون مضمونها إلا لإخوانهم في السلوك.

بدأت هذه الأذكار تعلن للجمهور في القرن الخامس الهجري مع مجيء الطرق الصوفية التي تتوسع دوائرها لكثرة الجماعات المتدفقة إليها، ولاسيما لأن الذكر كان من الأصليات المميزة للطريقة الصوفية وذلك حسب إسناده وتلقينه وتركيبه فسمي وردا لأجل ذلك ولأجل ترتبه وانتظامه.

قد اتهم بعض الفقهاء(16) المتصوفين بالشرك لأنهم كانوا يتناولون - حسب اعتقاداتهم - أذكارا باطنية وسحرية، وتأيدت تلك التهم بالحجاب الكثيف الذي كان يستر مناجاتهم ومعاملاتهم، فبدأ هذا الحجاب يُرفع تدريجيا مع مقارني الشعراني حين انكشفت في كتاباتهم أذكار سنية مثل كلمات التوحيد والتوبة والصلاة على النبي (ص)(17).

2 - الورد بين الترتيب والتلقين وخصوصية الشيخ أحمد بمبا:

بعد دراسة نصوص الصوفية يبدو أنه كانت الخصوصية فيها ذلك التلقين الذي يفضي نوعا من السر والبركة والنور من الشيخ إلى المريد، فتختلف فعالية الفيض في قلب السالك باختلاف شرعية الشيخ وروحيته واختلاف همة المريد واجتهاده. ويتمثل التلقين بانتقال الكلمات الذكرية (الورد) من فم الشيخ إلى المريد خلال بيعة توجب علي هذا الأخير دوام الممارسة وحسن التطبيق وفقا لشروط يبينها المربي، فعندئذ يتطاول السند الذي كان النبي هو منبعه الأصلي وهو ما يسمى بسند نقل ظاهري، إذ من الممكن أن يأخذ الشيخ "عن رسول الله (ص) يقظة ومشافهة، بالكيفية المعروفة بين القوم في عالم الروحانية"(18) وهو ما يسمى بسند النقل الباطني.

وهذا السند الوجيز الباطني نجده عند جميع أرباب أوراد الطرق الذين يزعمون أن الرسول (ص) قد لقنهم الأذكار مباشرة، وهذا المستوى الروحي مشروح عند الكاتب الصوفي محمد الحافظ أحد شيوخ الطريقة التجانية، وهو يقول في كتابه: "ومنتهى ما يصل إليه الأولياء الاجتماع بالنبي صل الله عليه وسلم في اليقظة"(19).

ويتصادف مضمون جميع أوراد الطرق حول كلمات الاستغفار والتوحيد والصلاة على النبي (ص)، فيقدم مثلا السيد علي الخرازمي الورد الذي أوجبه شيخه على مريديه بهذه الكلمات: "أما أوراده (رضي الله عنه) التي تُلقى لكافة الخلق الذي رتبه له سيد الوجود وعلم الشهود (ص) هو: أستغفر الله مائة مرة والصلاة على رسول الله (ص) بأي صيغة كانت مائة مرة ثم الهيللة مائة مرة"(20).

ونجد الأوقات المختارة عند طرفي النهار عموما من المشابهات وذلك وفقا لأمر إلهي: "واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا"(21).

وعلاوة على الشروط العامة التي تُحترم عند ممارسة الذكر زاد مؤسسو الطرق تقييدا وشروطا أخرى مميِّزة لأساسية كل طريقة وخصوصيتها. ومما قيده مثلا الشيخ المؤسس للطريقة التجانية هو أن هذا الورد لا "يلقن لمن كان له ورد من أوراد المشايخ إلا أنه تركه وانسلخ منه ولا يعود إليه أبدا"(22). وهذا الشرط كان سائدا عند الصوفية منذ الأجيال الأولى ومن المقصود في ذلك أن لا يتردد ولا يلتفت المريد عن سلوكه، ومنه أيضا حماية الطريقة عن التأثيرات السلبية الخارجية.

نلاحظ معاملة خاصة عند الشيخ أحمد بمبا فيما يتعلق بالأوراد، فبيَّن مؤرخوه أنه رفض تناول وردين أو أكثر في آن واحد عند المريد، كما رفضه الأجيال السابقة، لكنه لا يوجد عنده التقييد المذكور آنفا: "كان لا يأمر من تعلق به وقد أخذ وردا قبله أن يترك ورده بل يأمره بالتمسك به على نية أنه أخذه منه"(23)، "وإذا تعلق به مريد ولم يقل شيئا يأمره بورده الخاص"(24).

ويدل هذا على أن بعض مريديه كانوا يمارسون أوراد الطرق السابقة وكان ذلك بموافقة شيخهم هذا، ويصادف الموقف قوله المنقول من مجموعته: "فليعلم ولينتبه جميع العالمين علي أن الله تبارك وتعالى أعطى عبده خليله حبيبه وخديم رسوله وخليله وحبيبه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبارك الورد القادري والورد الشاذلي والورد التجاني بعد القرآن والحديث وجميع العلوم النافعة تعلما وتعليما بواسطة أرباب الأوراد الثلاثة... وأذن له في إعطاء جميع الأوراد... والله على ما نقول وكيل"(25).

من المفهوم هنا أنه قد لقنه مؤسسو تلك الطرق الثلاثة أورادهم مباشرة وأذن له الله في تلقينه لمريديه، ولا يمكن ذلك إلا بواسطة تلك الكيفية الروحانية المذكورة، فيعلن "للعالمين" أن عنده شرعية وخصوصية تمكِّن هذه الكيفية الاستثنائية.

فمن الشذوذي عند هذا الشيخ رفعه لمريديه تلك التقسيمات التي طال ما انفصلت بها الطرق الثلاثة، وكأنه يعبر عن حقيقة روحانية فائقة وشاملة لجميع الطرق الصوفية كما أشار إلى ذلك في مؤلفاته الأولى(26):

فكل ورد يورد المريدا لحضرة الله ولن يحيدا
سواء انتمى إلى الجيلاني أو انتمى لأحمد التجاني
أو لسواهما من الأقطاب إذ كلهم قطعا على الصواب

وينتج من التأمل أنه يتقدم أحمد بمبا كأول شيخ صوفي يأمر بأوراد أساسية ومختلفة مميِّزة لطرق مختلفة في آن واحد، وهذا الموقف لا يلائم مع أي رفض أو طرح زعمه الباحث محمد شكرون(27) خلال دراسته عن الشيخ. إنما هو يثبت ويحيي الطرق بانفتاحه الذي يتأكد مرة أخرى في قوله حين يأمر أتباعه بتناول دعوات الصوفية: "وأما أحزاب الأقطاب ودعوات الصالحين فأذنت لكم جميعا في العمل بكل ما تيسر لكم منها حيث وجدتموه"(28).

وعلى هذا السياق فإن تسمية تابعيه باسم "مريدو الله" تعبر عن التماسه لتلك الحقيقة الروحية الفائقة، فهذا الاسم يشمل جميع السائرين إلى الله تعالى.

إن هذا المفهوم لخصوصية الشيخ أحمد بمبا عن كيفيته التربوية وخاصة فيما يتعلق بالأذكار يؤكد أن منهجه الروحي يفوق مجرد فرع من فروع الطريقة القادرية أو مجرد طائفة متنافسة بين الطرق الصوفية. فمن الممكن تأكيده هو وجود اندفاع روحي قوي عند الشيخ يشير إلى التماسه الفائق لوحدانية الصوفية والمسلمين عامة، فأدخل في خدمته إحياء جميع المنابع الروحية الجارية من عين الرحمة الذي هو الرسول (ص).

الهوامش:
1 - محمد بشير البكي: منن الباقي القديم في سيرة الشيخ الخديم، المطبعة الملكية، الدار البيضاء، (د.ت)، ص 31. انظر أيضا، محمد الأمين جوب: إرواء النديم من عذب حب الخديم، إيطاليا 2007، ص 11.
2 - Mouhammad Chakroun : La profession de foi d’Ahmadou Bamba, in Revue sénégalaise d’études arabes, Faculté des lettres et sciences humaines, Université Cheikh Anta Diop, Dakar, juin 2008, Numéro 3, p. 62.
3 - G.C. Anawati et L. Gardet : Mystique musulmane, 3e édition, Vrin, Paris 1976, p. 53.
4 - توفي الشيخ أبو بكر محي الدين بن عربي في دمشق سنة 1240م.
5 - أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص 534.
6 - عبد الكريم القشيري: الرسالة، مكتبة محمد علي الصبيح، القاهرة 1972، ص 120.
7 - الصوفي الشهير المحاسبي يتميز مثلا بمحاسبة النفس. انظر، الحارث المحاسبي: الرعاية لحقوق الله، دار المعارف، القاهرة 1990، ص 431.
8 - عبد الوهاب الشعراني: الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية، المكتبة العلمية، بيروت 1962، ص 70.
9 - المصدر نفسه، ص 88.
10 - S. Ndiaye : L’âme dans le Tasawwuf, analyse de la vie des premiers soufis, Thèse de doctorat de 3e cycle (arabe), Lettres, Université Cheikh Anta Diop, Dakar 2008, p. 257.
11 - عبد الوهاب الشعراني: المصدر السابق، ص 104.
12 - المصدر نفسه، ص 115.
13 - المصدر نفسه، ص 36.
14 - أبو حامد محمد الغزالي: المصدر السابق، ص 267.
15 - عبد الوهاب الشعراني: المصدر السابق، ص 53.
16 - أحمد بن التيمية: الفرقان، مكتبة المعارف، الرياض 1986، ص 86.
17 - عبد الوهاب الشعراني: المصدر السابق، ص 27.
18 - المصدر نفسه، ص 30.
19 - محمد الحافظ التجاني: أهل الحق العارفون بالله، الزاوية التيجانية الكبرى، القاهرة 1980، ص 151.
20 - سيد علي خرازم: جواهر المعاني، دار الكتب العلمية، بيروت 1997، ص 91.
21 - سورة الإنسان، الآية 25.
22 - سيد علي خرازم: المصدر السابق، ص 92.
23 - محمد بشير البكي: المصدر السابق، ص 143.
24 - المصدر نفسه.
25 - أحمد بمبا البكي: مجموعة تشتمل على بعض أجوبة للشيخ الخديم، طبعت بإذن الخليفة الشيخ عبد الأحد البكي، طوبى 1984، ص 145.
26 - أحمد بمبا البكي: مسالك الجنان في جمع ما فرقه الديماني، طبعة بي جرب أم، بكي، (د.ت)، ص 18. لقد كتب الشيخ هذا الكتاب قبل دعوته. انظر،
Ndiaye Maguèye : Cheikh Ahmadou Bamba Mbacké, un soufi fondateur de tarîqa et un érudit poète, Thèse de doctorat d’Etat (arabe), Lettres, Université Cheikh Anta Diop, Dakar 2013, p. 86.
27 - زعم هذا الباحث أن شيخ أحمد بمبا قد رفض الطرق الصوفية التي أسست قبل دعوته. انظر المصدر السابق.
28 - أحمد بمبا البكي: المجموعة، المصدر السابق، ص 143.
الإحالة إلى المقال:

* د. صالح انجاي: الذكْر عند الصوفي الشيخ أحمد بمبا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع عشر 2014. http://annales.univ-mosta.dz

***