توظيف التناسب الهندسي في التراث البلاغي
ابن البنّاء المرّاكشي نموذجا

حكيم بوغازي
المركز الجامعي غليزان، الجزائر

الملخص:

يعد ابن البنّاء العددي المرّاكشي من الأعلام البارزين الذين اهتموا بالتناسب الهندسي في التراث البلاغي العربي. لقد حاول ابن البناء توظيف نظرية التناسب الهندسي توظيفا سليما من أجل لمّ شمل جميع المصطلحات، وتكوين صورة متقاربة ودقيقة عن الشواهد وتفاصيلها، وكيفيّة الوصول من المجهول إلى المعلوم بالضرورة، عن طريق الاستنتاج والاستقراء والبرهنة العلميّة الرياضيّة، التي التجأ إليها في كتابيه: "تلخيص أعمال الحساب"، وقبله كتاب "وجوه أعمال الحساب"، مع توجيه عنايته إلى "الدّرس البلاغي والصّوفي والتفسير" انطلاقا من نظرية التناسب الرياضيّة التي هي موضوع بحثنا.

الكلمات الدالة:

التناسب الهندسي، البلاغة، الدرس الصوفي، اللغة، التفسير.

***
The use of geometric proportionality in the rhetorical heritage
Ibn al Banna al Marrakchi as a model

Abstract:

Ibn al-Banna al-Adadi al-Marrakchi is one of the prominent scholars who paid attention to geometric proportion in the Arab rhetorical heritage. Ibn al-Banna tried to properly employ the theory of geometric proportionality in order to include all terms, and to form a close and accurate image of the evidence and its details, and how to reach from the unknown to the known necessarily, through deduction, induction and scientific mathematical proof, which he resorted to in his books: "Summarizing Acts of Arithmetic", and before it as the book "Objects of Arithmetic Acts", with attention to "the rhetorical and mystical lesson and interpretation" based on the mathematical theory of proportionality that is the subject of our research.

Key words:

geometric proportion, rhetoric, Sufi lesson, language, interpretation.

***

النص:

لقد حاول ابن البنّاء العددي المرّاكشي(1)، توظيف نظرية التناسب الهندسي توظيفا سليما من أجل لمّ شمل جميع المصطلحات، وتكوين صورة متقاربة ودقيقة عن الشواهد وتفاصيلها، وكيفيّة الوصول من المجهول إلى المعلوم بالضرورة، من طريق الاستنتاج والاستقراء والبرهنة العلميّة الرياضيّة، التي التجأ إليها في كتابيه: "تلخيص أعمال الحساب"، وقبله كتاب "وجوه أعمال الحساب"، مع توجيه عنايته إلى "الدّرس البلاغي والصّوفي والتفسير"(2) انطلاقا من نظرية التناسب الرياضيّة السالفة الذكر.

وخلافا للمفهوم الأرسطي الذي يستوحي "من تحليل اللّغة الطبيعيّة، ينطلق النّسق الذي ابتكره العرب، تحت اسم نظريّة النِّسب من الحدس الهندسي، ويضع تصنيفا للعلاقات القائمة بين الحدود مختلفا تماما عن التصنيف المعروف"(3)، وهو ما وقفنا على كثير من أساساته عند ابن البنّاء العددي في كل الكتب التي وقعت بين أيدينا، المخطوطة منها والمحقّقة والمشروحة، حيث خرجنا بصورة عامّة مفادها بأنّه وظّف واعتمد المنطق الريّاضي، في تنظيم الصوّر البلاغيّة الجزئية في كليّات، فهذا الباحث محمد مفتاح يصرّح أنّ "القارئ لكتاب ابن البناء، يرى الرياضيات والمنطق رأي العين، فابن البنّاء وريث شرعي لتقاليد المدرسة البلاغية الرياضية المنطقية العربية الإسلاميّة: مدرسة الفارابي وابن سينا وابن رشد"(4)، في مجمل القوانين المنطقية الضابطة للدرس البلاغي وغيره.

استثمر ابن البنّاء العددي نظرية التّناسب الريّاضي في فصلين أساسين من كتابه الخاص بالبلاغة "الروض المريع في صناعة البديع"، هما: (تشبيه شيء بشيء)، و(تبديل شيء بشيء)، انطلاقا من الصوّر المتقابلة والعلائق المنطقية للقضايا ذات المرجعية الاصطلاحية الواحدة والمفهوم المتعدّد؛ لأن لبّ المنطق "يعالج الكلام الاستدلالي من جهة نحوه إن صحّ التقريب والتعبير، للوقوف على تراكيب القضايا وصوّر تأليفها وأضربها وشروط تناقضها، أما العلاقة بين نحو الأقيسة وخواصّها فتعود إلى البلاغة، فتكون العلاقة بذلك بين الكلام الاستدلالي والبلاغة علاقة جزء بكل"(5)، وهو ما حاول ابن البناء حصره بناء على أسلوب علمي منطقي، بعد أن بوّب أبوابا تنمّ عن سعة مداركه وحجم علمه.

1 - أثر نظرية التناسب في تحليل الشواهد البلاغية:

استغرقت نظرية التناسب حيّزا كبيرا من أعمال ابن البنّاء العددي، كما أخذت جزءا آخر من اهتمامات الريّاضيين والفلاسفة قبله، فقد اشتغل "علي بن منعم العبدري (ت 626هـ)" على فكرة تناسب الأعداد ومدى تحصيل قيمتها في العمل العلمي وربطها بالقياس البرهاني، فقال: "والقياس البرهاني على الشيء المطلوب يكون على وجهين: إما على طريق التحليل وإما على طريق التركيب"(6)، والمقصود بالتحليل هنا، هو التناسب الذي يشتغل على نسبة الأعداد، انطلاقا من الجبر الشديد التعقيد، كما أنّ استعمالها كان قبل هذا العهد، في الجانب الرياضي ليس إلاّ.

ومن خلال البحث في المدونات العربية عنَّ لنا، أن هذه النظرية تمرَّس فيها "أبو بكر بن الحسن الكرجي البغدادي (ت 419هـ)" قبل ابن البنّاء في كتابه الكافي في الحساب، حيث يقول في مفهومها: "اعلم أن النِّسبة أي قدر مقدارين متجانسين، كل واحد منهما عند الآخر، وتكون نسبة الواحد إلى المنسوب إليه كنسبة الخارج من النسبة إلى المنسوب إليه على الإبدال"(7)، وهذا الإبدال المصرح به هنا هو بيت القصيد في التناسب، إذ لا يشتغل التناسب إلا من طريق الإبدال، وهو ما أفرد له ابن البناء ملحقا واسعا.

ويتحدّث عادل فاخوري عن البدايات الأولى للتناسب العربي، وما هو الدّاعي الذي حملهم على الاستعانة بها، فقال: "يضع مناطقة العرب أربعة أنواع من النسب بين الكليات وهي: المساواة والتباين الكلي، والعموم، والخصوص المطلق والعموم والخصوص من وجه. ولا ريب أن إطلاق اسم النِّسب ذاته على نسقين متشابهين في الرياضيات والمنطق... يشير إلى تأثير الأول على الثاني"(8)، ولقد استفاد ابن البناء من هذا كلّه ووظّفه بطريقة علمية في الروض المريع.

وفي منطلق حديثه - الفاخوري - عن أهميّة دراسة العلاقات بين ما صدق الكليات، تبيّن لنا أنها كانت في "أوّل نشأتها تقتصر على دراسة العلاقات القائمة بين ما صدق الكليات، وعلى تقرير القواعد العامّة المترتّبة على هذه العلاقات... وانطلق مؤسّسو نظرية التناسب من اعتبار ما صدق الكليات، أي من اعتبار الأفراد المندرجة تحت الكليات - الجزئيات -، ولذلك كان غرضهم الأوّلي بناء منطق المجموعات"(9)، وعلى هذا المدار، اشتغل ابن البناء انطلاقا من الصّور الجزئيّة التي تنضبط وفق الكلّية العامّة، والتي تعتبر بمثابة مجوعة تحتوي على عناصر لا يصحّ بحال من الأحوال التفريط في عنصر منها.

وبهذا التفسير الأوّلي للنظرية، اتّكأ ابن البناء العددي على تحديد استنتاجين كبيرين، من منطلق الحرص على رسم المجموعات، فكان أن جعل الباب الثاني أو بعبارة المنطق، الكلية الثانية أو بالعبارة الرياضية المجموعة الثانية: أقسام اللفظ من جهة مواجهة المعنى نحو الغرض المقصود، وقد أبنّا قبل هذا معنى الباب، ومنطلقه ثم عيّن ما يصدق على هذا الباب من جزئيات أو لنقل فصول الباب بالاعتبار المنهجي للتقسيم، وأما بالتعبير المنطقي فنسميه الأفراد المندرجة تحت الكليات.

وأما الكلّية الثانية على المفهوم المنطقي، والمجموعة الريّاضية الثّالثة فكانت وفق استنتاج: أقسام اللّفظ من جهة دلالته على المعنى، وضمّه جملة من الأفراد المندرجة فيه، ولا سيّما ما تعلق بالتناسب الموظّف منذ البداية في ذهن وتأليف الكاتب.

وعليه فإنّ ابن البنّاء المراكشي بسّط هذا الأمر، في التلخيص فقال: "القسم الأول في العمل بالنسبة، وهو على ضربين: بالأربعة أعداد المتناسبة و بالكفّات، والأربعة أعداد المتناسبة هي التي نسبة الأول من هذا الثاني كنسبة الثالث للرابع، وضرب الأول في الرابع كضرب الثاني في الثالث، ومتى ضرب الأول في الرابع وقسّم على الثاني خرج الثالث، وعلى الثالث خرج الثاني، ومتى ضرب الثاني في الثالث وقسّم على الأول خرج الرابع، أو على الرابع خرج الأوّل"(10)، هنا يتحقق عنصر الإبدال الركيزة الأساسية للتناسب، وهو الذي أشار إليه "الكرجي" آنفا وسيأتي التطبيق البلاغي على هذه النظرية في التشبيه والاستعارة والكناية في ثنايا هذا البحث.

والمعول عليه في كتابه الرّوض المريع في صناعة البديع، هي النّسبة الهندسية ذات الأربع متقابلات، أو الأعداد بالتعبير الرياضي وتقليباتها الثمانية، حيث يقول محمد مفتاح: "وما يهمّنا أن ابن البناء تحدث عن النسبة الرياضية في كتبه وجعلها نواة كتابه البلاغي الروض المريع في صناعة البديع، ولذلك تجب الإشارة إلى ما كتبه ابن البناء في الكتب الرياضية ثم إلى توظيفها في المجال البلاغي... وما يتصل بموضوعنا هو النسبة الهندسية ومكوناتها هي القلب والتبديل"(11)، ويضيف في موطن لآخر من نفس الكتاب "أن ابن البناء ذهب بعيدا في الحديث عن النسبة بكل أبعادها، بحكم تضلّعه في الأعداد، ووظّفها بكيفية رائعة في الروض المريع"(12)، هذا التوظيف لم يسبق إليه على مستوى المنهج والتأليف والتوضيح.

ويبدو أن ابن البنّاء العددي، سار في نظرية التناسب إلى أبعد مدى، حين حاول أن يشذب البلاغة العربية، ويبوّب مصطلحاتها على أساس هذه النظرية وكانت معطيات التعامل معها سواء عند ابن البناء أو السجلماسي أو ابن خلدون قد أتت أكلها، وصيّرت البحث العلمي في مجمله من حال إلى حال واستثمارا وجيها من خلا تبيان "وظائفها المتعددة من حيث ربط العلائق بين الأشياء المتناسبة والمتضادة ومن حيث الاستدلال للانتقال من المعلوم إلى المجهول"(13)، ومن الجزء إلى الكل.

ويعلق صاحب شرح التلخيص، في تعليقه وتمثيله على ما قاله ابن البناء العددي بقوله: "ولا بد من النسبة بين الأعداد وإلا لا يمكن أن يوصل إلى معرفة المجهول منها... ويلزم أن يكون الرابع إلى الثالث كالثاني إلى الأول وكذلك يلزم أن يكون الأول والثاني إلى الثاني كالثالث والرابع إلى الرابع"(14)، كما أنه صاغ مثالا للمبتدئين حتى يقرّب المفهوم للأذهان، فجعل مربعا من أربع رؤوس، وعلى كل رأس وضع، أرقاما ثم طبق الإبدال والحذف، فجعل: أ = 3، ب = 6، جـ = 4، د = 8. فمنطق التناسب يفرض ما يلي: (أ. د) = ( ب. جـ)، حيث: (3.8) = (6.4).

نستنتج أنه في حالة البحث عن المجهول الأول أو الرابع أو الثاني أو الثالث، يتعين علينا أن نرجع إلى قاعدة التناسب؛ فلو ضربنا: (أ. د) وقسمناه على (ب) حصل لدينا علم بالمجهول (س) الذي هو الحد الثالث، وهكذا يتم التناوب والإبدال. وبالتطبيق العددي يحصل: (3.8) = 24 ÷ 6 = 4. والعدد 4 هو الحد الثالث، في التناسب، وهذا هو معنى قوله: "فنسبة الحد الأول إلى الرابع كنسبة الثاني إلى الثالث، التي نسبة الأول من هذا الثاني كنسبة الثالث للرابع، وضرب الأول في الرابع كضرب الثاني في الثالث، ومتى ضرب الأول في الرابع وقسم على الثاني خرج الثالث، وعلى الثالث خرج الثاني ومتى ضرب الثاني في الثالث وقسم على الأول خرج الرابع، أو على الرابع خرج الأوّل"(15)، وما كان من ابن البناء إلا أن عمّم هذا العمل على الشواهد البلاغية، التي تحتاج إلى صيغة التناسب وخاصة في فصلين متتاليين: تشبيه شيء بشيء وتبديل شيء بشيء كما سيأتي بيانه.

وبهذا المثال "وتقليباته يوضّح ما قاله ابن البناء من أن التناسب لا يتأثر بالترتيب ووقوع الفصل أو العكس أو الإبدال... وما أشار إليه هو النسبة بين الطرفين الّذين تتولّد منهما أربع صوّر وبطبيعة الحال إذا كانت هناك نسبة أخرى بين طرفين فإنها تولد من أربع صور أخرى"(16)، وهو ما اجتهدنا قدر الإمكان في إثباته، ذلك أننا لم نجد من اهتم بالأمر، فما كان علينا إلا الإقبال عليه بمخاطره ومزالقه، والرجوع به إلى المبتغى الذي أراد ابن البناء التعويل عليه، في حلحلت الكثير من الشواهد البلاغية الشعرية وغيرها، إيمانا منه بضرورة العمل على التناسب من أجل الكشف عن المجهول الذي يتضح بعد الوقوف على مكنون المعلوم.

والحالة هذه لا بد من الإشارة إلى أن هذه المبادئ الأساسية في التناسب تطوّرت في الدّرس البلاغي عند ابن البناء المراكشي وبخاصة في باب الاستعارة يقول في الروض المَريع: "وجميع الاستعارات إنما هي إبدالات في المتناسبة"(17)، والمجاز في قوله: "وأما إبدال شيء بشيء - وهو مجاز كله - فمنه في المتناسبة يبدل كل واحد من الأول والثالث بصاحبه، وكذلك الثاني والرابع. مثاله: نسبة الإيمان إلى الكفر كالنور إلى الظلمة. فيبدل اسم الأول وهو الإيمان باسم الثالث وهو النور فيقال: الإيمان نور، وكذلك يبدل اسم الثاني وهو الكفر باسم الرابع وهو الظلمة فيقال: الكفر ظلمة"(18)، وجاء ابن البناء بقول الشاعر ابن المعتز:

غِلَالَةُ خَدِّهِ صُبِغَتْ بِوَرْدِ وَنُونُ الصُّدْغِ مُعْجَمَةٌ بخَالِ

ففي شرح هذا الشاهد يقول ابن البنّاء العددي موظفا التناسب في تحليل البيت: "نسبة خدّه إلى حمرته، كنسبة الغلالة إلى صبغها بالورد، ونسبة صدغه إلى خاله، كنسبة النون إلى النقطة التي تعجمها، فأبدل وركّب التبديل في النسبة"(19). والمجهول المتأتّي من المعلوم، هو الحمرة الموجودة البارزة على الغلالة، وسواد الخال كنقطة الإعجام في النون، أي زينتها وجمالها لا في الحمرة فحسب، بل زاد الحسنَ الخال.

ولم يتوقف ابن البنّاء المرّاكشي عند حدود بيان معاني النص الشعري، بل تعدّى ذلك إلى محاولة تأويل وتفسير وفهم النص القرآني، انطلاق من التناسبية في غير ما موضع، ومنها على سبيل التمثيل لا الحصر:

2 - التناسب داخل الخطاب وحدوده:

ومن أمثلة ما جاء في المدونة (الروض المَريع في صناعة البديع):

أ - النسبة بين حدود النص الأربعة أو المتولّدة عنها:

ومفهوم هذه الصورة التلازم ما بين الحدود الأربعة المكونة للجملة الواحدة، وكيفية استخراج المعالم من المجاهل والشاهد من الغائب، ومن أمثلة ذلك:
- ما أورده ابن البناء من تأويل في قوله تعالى: "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَم يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا"(20)، حيث إن:
- المعلوم بالضرورة: نسبة الذين حملوا التوراة إلى حملهم أسفارها ثم لم يحملوا ما حمّلوا من القيام بها. كنسبة الحمار إلى حمله أسفارا، فنسبتهم في عدم القيام بما فيها كنسبة الحمار في عدم قيامه بما في الأسفار.
- المجهول: استوائهم في عدم العقل.

قال صاحب التفسير: اليهود لم ينتفعوا بهدي التوراة مثلهم مثل الحمار الذي يحمل الكتب الحكيمة ولا ينتفع بها. وقال مثل ذلك البيضاوي في حاشيته وأقره عليه القرطبي، و"وجه الشبه حرمان الانتفاع بما هو أبلغ شيء في الانتفاع"(21).

ب - الاكتفاء بأحد المتلازمين:

ويلحق التناسب مواضع الإيجاز والاختصار(22)، بذكر أطراف متناسبة دون أخرى لدلالتها عليها ضمنا، والشاهد فيه، قوله تعالى: "كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ"(23)، حذف الجواب لدلالة تناسب الأطراف على مجهوله، والمعتبر هو: كلا لو تعلمون علم اليقين: "لأقلعتم عن باطلكم"(24). وقال صاحب الصفوة: "وجواب لو: محذوف لقصد التهويل و تقديره لو تعلمـون لا ازدجرتم"(25) فيقدر السامع ما يخطر بباله فكان الإبقاء على أفق انتظار المتلقي قائما على اعتبار أن المسكوت عنه أهول من المنطوق به، وهو على شاكلة ما في القرآن من التعظيم بشأن غير المتكلم به، فيقدر السامع شأنه، ويتّعض به.

3 - المتناسبة بذكر الطرفين:

وفي هذه التأويلات التي سيأتي بيانها، نلمح قدرته على استنتاج المعنى من المبنى العام، انطلاقا من رغبته في تجسيده المعطى الرياضي، والمنطقي حيث لا تعارض بين العقل والنقل عند الجمهور ولو حصل التعارض، غلِّب النقل على ما جاء عند الأصوليين، وهو ما نلمسه في توقف ابن البنّاء في كثير من الآيات لعدم توافق التناسب، وأقر بعجز اللغة الصناعية أمام القرآن الكريم ومن هذا المنطلق يصرح: "ويكتفى في الأشياء المتناسبة بذكر الطرفين ويحذف الوسطان فيكتفي بالمقدّم في إحدى النسبتين، وبالتالي من الأخرى لأن الطرفين حاصران للوسطين ويدلاّن عليهما لأجل ارتباط التناسب"(26)، ومن صوّره على سبيل التمثيل، ما وقفنا عليها تحليلا وشرحا وتعليقا عند محمد مفتاح(27) ومنطلقه في ذلك - طبعا - الروض المريع:

أ - حذف مقدم النسبة الأولى وحذف تالي النسبة الثانية:

وجاء بشواهد منها قوله تعالى في سورة الأنبياء: "فلْياتِنا بِـآيَةٍ كَمَا أُرسِلَ الاَوَّلُونَ"(28) وقد أولها منطقيا وفق التناسب الرياضي بذكر الطرفين وحذف الوسطين، لتجنب التكرار والاكتفاء بالمقدم، فجعل نسبة إرسال الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى إتيانه بآية، كنسبة إرسال الأولين إلى إتيانهم بالآيات، فكان أن اكتفى بالمقدمة الأولى في الذكر بتاليها، ومن الثانية بذكر مقدمها، ويكون بذلك المشبه به سابق عن المشبه، يقول في هذا الصدد: "فكان من البلاغة تقديم النّسبة الثانية على الأولى لفظا والحذف فيهما قرينة تدل على كل واحدة منهما معنى وقد أدّت فيهما العبارة المختصرة عن المعنى بكامله، فهو من الطبقة العليا في الكلام"(29). والمعنى: (فليأتنا بآية معينة مثلما كان عليه حال المرسلين الأوائل يأتون بآيات معينة)، ويدل على هذه المشاكلة "في نظام المتناسبة حرف التشبيه في قوله تعالى: كَمَا أُرْسِلَ الاَوَّلُونَ"(30).

ب - حذف مقدم الأولى وتالي الثانية:

وهي من باب مشاكلة التّناسب ومرده إلى حذف مقدم الأولى وتالي الثانية وإعادة صياغة الجملة حتى يتبين لنا المراد من المعنى القائم في الآية، ومثال ذلك ما جاء في قوله تعالى: "ومَثلُ الّذينَ كفَرُوا كَمَثلِ الذِي يَنْعِقُ بمَا لاَ يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِدَاءً"(31). وتأويل هذه الآية في نظر ابن البنّاء العددي: أن نسبة الذين كفروا إلى داعيهم كنسبة ما لا يسمع إلى الذي ينعق به، فاكتفى بالطرفين: أحدهما "الذين كفروا" والثاني "الذي ينعق" فهي نسبة مركبة، وإعادة تركيبها تكون بإبدال المضمر في التالي بظاهره على هذا الشكل: "نسبة الذين كفروا إلى الداعي - المضمر - كنسبة ما لا يسمع إلا دعاء ونداء إلى الناعق"(32). ويضيف شرحا آخر لمشاكلة التناسب الموجودة في الآية: "هذه المتناسبة على نظام مشاكلة التناسب: المتقدّم لفظا متقدّم تناسبا، وتالي كل نسبة منهما مركّب فيه المقدّم لأجل الألفاظ الإضافية، فهي نسبة مركّبة"(33).

جـ - حضور المقدّمات مع التوالي:

ويعلق على هذا الأمر بقوله: "إحداها أن تأتي بكل واحد من المقدّمات مع قرينه من التوالي"(34)، والشاهد قوله تعالى: "وَجعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا"(35)، فقرن الليل بالسكون والخلود للنوم والراحة. والنهار متعلّقه المعاش والتكسّب، وهو معنى قوله السابق: والأشياء الأوّل مقدّمات والآخر توال، ونسبة كل واحد من المقدّمات إلى قرينه من التوالي كنسبة جميع المقدّمات إلى جميع التوالي، فنسبة الليل إلى اللباس كنسبة النهار إلى المعاش، كل متعلق بقرينه.

د - جميع المقدّمات والتّوالي مرتّبة من أوّلها:

والشاهد فيها قوله تعالى: "وَمِنْ رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"(36)، وسلك ابن البناء في هذا الشاهد تأويله من منطلقه البلاغي المندرج تحت مصطلح المقابلة، فالمقدّمات (الليل والنهار) مرتبة في السياق، منسجمة مع دلالة الخطاب في الشطر الثاني أو التوالي على حد تعبيره، وهي (لتسكنوا فيه ولتبتغوا) وهذا من منطلق حرص الله تعالى في آي القرآن على تبليغ المراد من عدّة أوجه يحتملها المعنى من دون إفساد لعلة وجوده، وهو كثير في القرآن الكريم، ولذلك جاء في الأثر أن القرآن حمّال أوجه.

وختام هذه الورقة فإنّنا نرى أنّ ابن البنّاء العددي المرّاكشي حاول توظيف رصيده المعرفي من الرياضيات والمنطق الأرسطي في بيان الإعجازية الفذّة التي يتّسم بها النص القرآني، فضلا عن خصوصية الدرس البلاغي الموجود بين ثناياه، فكان فاردا في تحليلاته وتعليلاته، ذهل لحاله الشارحون والمفسرون، وأضحى كلامه يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، مبتعدا بذلك عن الجنف والخطل من القول.

الهوامش:
1 - هو أبو العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي، الشهير بابن البناء العددي المراكشي، ينظر ترجمته في كتاب ابن القاضي المكناسي: جذوة الاقتباس في ذكر من حل من الأعلام بفاس، دار المنصورة، الرباط 1983، ص 148. العسقلاني: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، تحقيق محمد سعيد جاد الحق، ط1، ج1، ص 278. وخير الدين الزركلي: تاريخ الأعلام، ط4، دار العلم للملايين، بيروت 1979، ج1، ص 222. عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحقيق محمد سعيد العريان، ط7، 1978، ص 505.
2 - أما بالنسبة لعمله في مجال التصوّف فكان أن ألف كتابا بحجم رسالة في التصوّف بعنوان (مراسم الطريقة في فهم الحقيقة من حال الخليقة) تحقيق ودراسة شوقي علي عمر، كلية الدراسات العربية والإسلامية، القاهرة.
3 - عادل فاخوري: منطق العرب من وجهة نظر المنطق الحديث، دار الطليعة، ط3، بيروت 1993، ص 175.
4 - محمد مفتاح، التلقي والتأويل، ص 44.
5 - شكري المبخوت: الاستدلال البلاغي، تونس، منوبة، دار المعرفة، ط1، 2006، ص 109.
6 - العبدري: فقه الحساب، ص 20.
7 - ينظر محمد بن الحسن الكرجي: الكافي في الحساب، دراسة وتحقيق سامي شلهوب، منشورات جامعة حلب 1986، ص 58.
8 - عادل فاخوري: منطق العرب، ص 176.
9 - المرجع نفسه، ص 177.
10 - ابن البناء: تلخيص أعمال الحساب، حققه محمد سويس، منشورات الجامعة التونسية، ص 221.
11 - محمد مفتاح: مشكاة المفاهيم، ص 264.
12 - المرجع نفسه، ص 124.
13 - محمد مفتاح: التلقي والتأويل، ص 83.
14 - القلصادي: شرح تلخيص أعمال الحساب، ص 230.
15 - ابن البناء: تلخيص أعمال الحساب، ص 221.
16 - محمد مفتاح: التلقي والتأويل، ص 47.
17 - ابن البناء: الروض المريع، ص 115.
18 - نفسه.
19 - المصدر نفسه، ص 116.
20 - سورة الجمعة، الآية 5.
21 - محمد علي الصابوني: صفوة التفاسير، دار الفكر، ص 379. وجاء في تعليقه على الوجه البلاغي أن هذه الآية فيها تشبيه تمثيلي، لأن وجه الشبه منتزع من متعـدد أي مثلهم في عدم الانتفاع بالتوراة، ص 382.
22 - ابن البناء: الروض المريع، ص 143.
23 - سورة التكاثر، الآية 5.
24 - ابن البناء: المصدر السابق، ص 143.
25 - الصابوني: المصدر السابق، ص 598.
26 - ابن البناء: المصدر السابق، ص 143.
27 - انظر، محمد مفتاح: التلقي والتأويل، ص 59.
28 - سورة الأنبياء، الآية 5.
29 - ابن البناء: المصدر السابق، ص 144. وينظر، محمد مفتاح: التلقي والتأويل، ص 49.
30 - ابن البناء: المصدر السابق، ص 144.
31 - سورة البقرة، الآية 170، ذكر الطاهر بن عاشور أن في الآية تشبيها مركبا وأخبارا لمحذوف على طريقة الحذف المعبر عنه في علم المعاني بمتابعة الاستعمال عد أن أجرى عليهم التمثيل فهي تشبيه بليغ وهو الظاهر، وقوله لا يعقلون نتيجة بعد البرهان. ينظر، الطاهر بن عاشور: المرجع السابق، ص 110 وما بعدها.
32 - ابن البناء: المصدر السابق، ص 145.
33 - نفسه.
34 - المصدر نفسه، ص 107.
35 - سورة النبأ، الآيات 10-12. قال الصابوني: تشبيه بليغ ومقابلة لطيفة جعلنا الليل لباسا أي كاللباس، في الستر والخفاء وقابل بين الليل والنهار والراحة والعمل وهو من المحسنات البديعية، المعكوس فيعود لتسكنوا فيه إلى الليل. انظر، صفوة التفاسير، ص 511.
36 - سورة القصص، الآية 73.
الإحالة إلى المقال:

* حكيم بوغازي: توظيف التناسب الهندسي في التراث البلاغي - ابن البنّاء المرّاكشي نموذجا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع عشر 2014. http://annales.univ-mosta.dz

***