الحذف بين إعجاز القرآن وإبداع العرب

د. عبد القادر بن فطة
جامعة معسكر، الجزائر

الملخص:

اهتّم أهل اللّغة بالحذف لما فيه من وقع سمعي وأثر صوتي في تحسين اللفظ وتأكيد المعنى، فهو يعطي النص تماسكا وقوّة. وجد فيه العلماء قديما وسيلة لتأصيل التراث اللغوي. يرد في النص لدوافع سياقية وللتنويع في أساليب التعبير، زاخرا بالمعاني النفسية يحمل أسرارا جمالية. إنّه من أعمق الظواهر اللغوية في النص القرآني يؤدي دورا لغويا متميزا. برز مرتبطا بالنص وضربا من الإعجاز يقوي الصّلة بين اللفظ والمعنى ويدعّم السياق، له تأثير واضح في إسقاط الزيادة، ويحقق الانسجام الذي يستريح له ذوق المتلقي. فالحذف يختلف من مقام إلى آخر ويخضع لطبيعة الأغراض، ويتّسم بطابع التحدّي المثير للعرب وتكمن أهميته في التعبير عن الموضوع بأسلوب جديد جامع يستغني عن الذكر.

الكلمات الدالة:

الحذف، القرآن الكريم، اللغة، اللفظ والمعنى، الأسلوب.

***
The deletion between the inimitability of the Quran
and the creativity of the Arabs

Abstract:

The linguists are interested in deleting because it has an auditory impact and an acoustic effect on improving pronunciation and confirming the meaning, as it gives the text cohesion and strength. In the past, scholars found a way to root the linguistic heritage. The text is presented for contextual motives and for a diversification of expression styles, replete with psychological meanings and aesthetic secrets. It is one of the deepest linguistic phenomena in the Quranic text. It plays a distinct linguistic role. It emerged linked to the text and a form of miracle that strengthens the relation between the word and the meaning and supports the context. Deleting differs from one place to another and is subject to the nature of the objects. It has a challenging character that is exciting to the Arabs, and its importance lies in expressing the subject in a new, inclusive manner that dispenses with mention.

Key words:

deletion, Quran, language, pronunciation and meaning, style.

***

النص:

1 - حقيقة الحذف في التراث:

لقد ألِف أهل اللّسان العربي الحذف وهو من الظواهر العامة التي تفهم بالرويّة والفطنة "لا ينبغي لنا أن نفهم الحذف على معنى أنّ عنصرا كان موجودا في الكلام ثمّ حذف بعد وجوده ولكن المعنى الذي يفهم من كلمة الحذف ينبغي أن يكون هو الفارق بين مقررات النظام اللغوي وبين مطالب السياق الكلامي الاستعمالي"(1). وهذا ما يلائم الذوق العربي لأنّ الذكر في بعض الأحوال قد يحدث اللّبس لما يتضمّنه من المقابلات والفروق، ومن هنا يجنّب الحذف اللغة العربية التنافر، فهو يتميز بالإيجاز أي الاكتفاء بالرمز والتعريض.

فالحذف في لغة العرب: "يقال حذف الشيء يحذفه حذفا: قطعه من طرفه. وحذف رأسه بالسيف حذفا ضربه فقطع منه قطعة: والحذف: الرمي عن جانب"(2)، وهو ظاهرة صوتية استعملها العرب للتخفيف. فكان العربي يؤثر التعبير عمّا في نفسه بأسلوب يناسب مقتضى الحال بوجود دليل عليه.

واهتمّ به أهل البلاغة لما يحدثه من لمسات بيانية "هذا باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسّحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة"(3).

واختلف في أمر الحذف فمنهم من يراه ظاهرة لهجية، ومنهم من عدّه ملمحا من ملامح تأثر الأصوات المجاورة "من الظواهر الصوتية التي لحظها (سيبويه) ظاهرة حذف بعض أصوات الكلمة. وقد يكون الحذف مظهرا من مظاهر تأثر الأصوات المتجاورة بعضها ببعض، وقد يكون غير ذلك"(4).

ولجأ إليها العرب لتحقيق السرعة والإيجاز في النطق. وجاء القراء فتناولوا هذه الظاهرة، ووقفوا عندها في كثير من المواضع في القرآن الكريم، ولا يكون إلا لغرض تبعا للمقام "فالتعبير القرآني تعبير فني مقصود، في مل كلمة، بل في كل حرف إنما وضع لقصد. إنّ القرآن يحذف من الكلمة لغرض ولا يفعل ذلك إلا لغرض"(5).

واستثمر أصحاب القراءات القرآنية ما للحذف من أثر في الأداء الذي يعطي اللغة سياق متميّزا. وما ننبّه إليه هو أنّ الحذف لا يكون في مضمون النص القرآني، بل في صيغ التراكيب. وللحذف سببان أساسيان هما الاستعمال بغية التخفيف الذي يليق بالذوق العربي، فكانوا يلتمسونه في النطق لإبلاغ المتلقي بما يقصد إليه واقتصادا للمجهود العضلي، كذلك تتعرض الكلمات للتغيير إذا كثر استعمالها. وتكمن أهمية التخفيف في الحذف تحقيق السرعة في النطق واجتناب الثقل.

السبب الثاني: الإيجاز لأنّ في الإطالة ذكرا للجزئيات وعندها يقع التكرار الممل الذي يفسد المعنى. فاللجوء إلى إيجاز الحذف جمع للدلالات الشاملة مستعينا باللوازم الفكرية وهذا ما احتواه القرآن الكريم.

ويكون الحذف في سياق القراءات القرآنية ثلاثة أقسام لأحد حروف الكلمة، أو الكلمة، أو الجملة. فقد يقع في أول الكلمة في صيغة الأمر وخاصة إذا كان في أول الفعل همزة وصل، وفي وسط الكلمة منه عند اجتماع المتماثلين إذا اجتمعتا في كلمة واحدة عند الإسناد إلى ضمير المتكلم "أن يكون الفعل ثلاثيا مكسور العين وعينه ولامه من جنس واحد مثل طلِلَت"(6) كذلك عند تجانس الحرفين كاجتماع التاء والطاء في كلمة استطاع "فالجمع بينهما فيه ثقل فحذفت التاء في موضع من سورة الكهف فلما لم يَسُغ التخفيف بالإدغام لتحريك ما لم يتحرك في موضع عدل عنه إلى الحذف"(7).

إنّ العرب تستثقل اجتماع المثلين، وكان من الضروري الميل إلى الحذف. وهناك الحذف في آخر الكلمة تحذف الياء في الأفعال (مثل تأت) "فمن القراء من يحذفها في الوصل والوقف ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي يوم يأت بياء في الوصل ويحذفونها في الوقف"(8). وهذا النوع من الحذف يكون في أحرف المدّ.

كذلك حذف ياء المتكلم "إنّ الحركات الطويلة تكون أكثر تعرضا للتقصير في آخر الكلمات مما لو كانت في وسطها، والكسرة الطويلة التي يحذف رمزها في آخر غالبا ما يكون علامة ضمير متكلم أو لاما للكلمة فعلا كانت أو اسما"(9). وهذا الحذف يكون في أواخر الآيات المنتهية بالياء طلبا للتخفيف والانسجام، كما يكون حذفها في الفواصل "وقد جرى حذف رمز الكسرة الطويلة في الفواصل سواء أكانت علامة للضمير مسبوقة بالنون في الأفعال أم كانت علامة للضمير متصلة بالأسماء أم كانت لاما لكلمة في اسم أو فعل"(10).

وهناك حذف الياء في المنادى ناتج عن السرعة في النطق "قد يكون ذلك الحذف الذي هو إتّباع ناتجا عمّا يصاحب صيغة النداء أو الأمر أو النهي من سرعة النطق بمقاطع الكلمة مما يسبب سقوط الحركات النهائية أو تقصيرها"(11). كما تحذف النون والتنوين فهذا النوع من الحذف يكون للتخفيف وكثرة الاستعمال، وتكون في الإضافة كقوله تعالى: (الّذِينَ يَظُنّونَ أَنّهُم مّلاَقُو رَبّهِمْ وَأَنّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) البقرة، 46. وقال تعالى: (هَدْياً بَالغَ الْكَعْبَةِ) المائدة، 95. وما شابههم فـ"ملاقوا وبالغ" من أسماء الفاعلين أي يكون للاستقبال أو الحال.

فكانت علامات الإعراب هي الفاصلة بينهما عند أهل النحو والقراءات، ودعموا ذلك باللجوء إلى السياق لتحديد المحذوف، أو تقديره فوجدوا فيه قيمة تعبيرية "ربما لا يعنينا من ذلك إلا التدليل على احتفاء الموجهين بالنظر إلى السياق، وما كان يثيره ذلك النظر من اختلافهم حول تعيين المحذوف أو تقديره، تبعا لما يدل عليه لفظ الكلام على ما تقتضيه الصيغة، أو ما يدل عليه فحوى المقام، ومن ثمّ يلتقي الذوق ومنطق اللغة في الإحساس ببلاغة الحذف وقيمته في التعبير القرآني"(12). وقد وقف أصحاب القراءات عند حذف الفاعل مثلا عندما يكون الحديث عن القيامة والبعث وإنزال القرآن. كذلك حذف الفاعل إذا بني الفعل للمفعول، ومراعاة للفواصل. كما يحذف المفعول به وحذفه ظاهرة شائعة في القراءات القرآنية.

أمّا حذف الخبر فإنّه يترتب عن اختلاف القراء في بعض القراءات في تحليلهم الأسلوبي "لقد جاءت إشارات الموجهين لظاهرة حذف الخبر المترتبة عن بعض أوجه التغاير القرائي مشوبة أحيانا بتحليل أسلوبي"(13).

ومن أشكال الحذف في الكلمة حذف الموصوف والصفة فالعلاقة بينهما وثيقة نادرا ما يحذف أحدهما إلاّ إذا اقتضى السياق ذلك هذا النوع يكون في الشعر إمّا للمدح أو للتخصيص. وقد يحذف أحدهما ويقوم الأخر مقامه "حذف الموصوف فيكثر وقوعه في النداء والمصدر"(14). كما يوجد حذف المضاف والمضاف إليه. أماّ حذف المضاف فهو كثير في العربية فحذفه مرتبط باختلاف القراءات القرآنية في التوجيه الإعرابي، وقد يحذف الفعل ويدلّ عليه المفعول به، أو يفهم من السياق.

أمّا القسم الثالث من الحذف فهو حذف الجملة فهو نوعان حذف الجملة المفيدة، وغير المفيدة. وقد احتوى القرآن النوع الأول "حذف الجملة المفيدة التي تستقل بنفسها كلاما. وهذا أحسن المحذوفات جميعها، وأدلها على الاختصار، ولا تكاد تجده إلاّ في كتاب الله"(15).

فالجملة المحذوفة تكون معانيها جلية من غير تقدير فمواضعها يستطيع المتبصّر الوقوع عليها وهذا ما تفطّن إليه القراء "ولنا أن نستوحي من عباراتهم في توجيه القراءة صورا من حذف الجملة المعهودة في درس اللغة والبلاغة، وهم يشيرون في بعض المواضع إلى حذف جملة السؤال المقدر في معرض الاستئناف"(16).

وللحذف أغراض منها التخفيف لاتّفاقه مع الميل إلى السرعة في النطق، وكذلك لكثرة الاستعمال، ويكون ذلك في حذف الهمزة أو حذف التنوين، والإيجاز ويكثر استعماله عند المتكلم لتحقيق المعنى وحده، وأكثر ما يكون هذا في القصص القرآني فكل قصة موجزة تفي بالغرض.
- إثارة فكر المتلقي واستجلاب دوافعه النفسية حتى يتوصل إلى فحوى السياق عن طريق الاستدلال العقلي لا عن طريق صريح اللفظ.
- الاستصغار بالمسمى والترفع عن ذكر اسمه بحفظ اللسان عنه احتقارا له أو الإشادة به وصيانة اسمه تشريفا له.
- الإيجاز والاختصار هو إسقاط الألفاظ الزائدة فيه تتجمع المعاني الكثيرة تحت اللفظ الجامع للمقصد دون الإخلال بالمعنى مع وجود قرينة تدل على المحذوف، فكلّ محذوف لابدّ له من علامة تدّل عليه مع وجود العقل كقرينة مدعّمة.
- رعاية خواتم الآيات للمحافظة على نسق الجمل. فالحذف في هذه الحالة يخلق انسجاما بين النص والمتلقي وهو مصدر التمتع والتذوق وإدراك جمالية الحذف.
- التوضيح بعد الإبهام: الحذف يجعل المضمر يظهر بعد المبهم تقدم ذكره. فيكون المتلقي حائرا يتشوّق إلى معرفة الحقيقة "فإنّ الإبهام أولا يوقع السامع في حيرة وتفكرا، واستعظام لما قرع سمعه، وتشوّق إلى معرفته، والاطّلاع على كنهه"(17). فالإفصاح بعد الإبهام فيه ذوق مرتفع يكشف عن الدافع الحقيقي الذي جعل الحذف في هذا السياق.

فللحذف أسرار بيانية تمثل موقعا من الإعجاز البلاغي، ويظهر ذلك في حذف حرف أو كلمة في موقع وذكره في موقع آخر وهذا كله لحكمة. ومن وجوه الإعجاز الاستغناء عن المحذوف الذي يعدّ من الفضول والحشو يترفّع عنهما التعبير القرآني الراقي. فالحذف ظاهرة لغوية موجودة في كل اللغات لكن في اللغة العربية متميزة الأداء مع مقتضى الحال، خاصة في السياق القراءات القرآنية تتضمن مقاصد محددة متعاضدة مع لوازم فكرية ظاهرة أو خفية.

2 - الحذف في ضوء نماذج قرآنية:

من الظواهر اللّغوية الأكثر وضوحا في القرآن الكريم الحذف الذي وقف عنده القراء عند التّلاوة باستظهار القرائن التي توحي إلى المحذوف، مما يسهّل على القارئ التعرّف على موطن الحذف، وتهديه إلى التقدير. فإدراك مواقعه يزيل الشّك، ويجعل المتلقي في موضع الكشف عنه. فسياق الكلام هو الذي يعتمد عليه القارئ تبعا لطبيعة التعبير.

فظاهرة الحذف اكتنفت القراءات القرآنية، ومال إليها بعض القراء كحمزة والكسائي انطلاقا من دافع قبلي أو نصرة لمذهب نحوي. وسنركز على حذف الصوامت لأسباب صوتية التي سنذكرها عند تحليل مجموعة من النماذج من القرآن الكريم أمّا حذف الكلمة والجملة فيطغى عليهما الجانب النحوي والبلاغي.
- حذف أحرف المد: في القرآن أمثلة كثيرة من هذا النوع، ونظرا لتشابه التفسير الصوتي لها سنكتفي بنص أو اثنين لكل نوع ونفس الشيء بالنسبة لبقية صور الحذف الأخرى.

نبدأ بالألف من ذلك قوله تعالى: (مَـٰلِكِ يَوْمِ الدّينِ)، الفاتحة، 2. فكلمة (مالك) "قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة بدون ألف"(18). وحجّة من قرأ بحذف الألف لأنّه يدل على الربوبية والسيادة كما هو الشّأن في مواطن أخرى من القرآن من ذلك قوله تعالى: (مَلِكِ النّاسِ)، الناس، 2. ولعلّ الحذف هنا طلبا للتخفيف. أمّا بقاء الألف عند من قرأ به فهو مرتبط بيوم الدين، إنّه يتضمن اسم الفاعل والفعل وعندها تكون دلالته المختص بالملك.

وعند قوله تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ مّرْضَىَ أَوْ عَلَىَ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَآءَ)، النساء، 43. "فكلمة (لامستم) قرأها حمزة والكسائي بدون ألف"(19). واللمس هنا يحمل أكثر من دلالة منها باليد أو إشارة إلى الجماع، ويكون من جهة الرّجال ما دام الخطاب موجها إليهم.

فحذف هذا الحرف عند أصحابه في موضعين من القرآن هما قوله تعالى: (قَالَتْ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ)، آل عمران، 47. وقوله تعالى: (وَأَنّا لَمَسْنَا السّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً)، الجن، 8. وهي قراءة الجمهور بدون ألف.

أمّا الياء فعند قوله تعالى: (وَتُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، آل عمران، 27. فكلمة (ميّتا) "قرأ نافع وحفص وحمزة والكسائي بالتشديد، إذا الموت قد نزل، وخفّف الباقون"(20). أي حذف الياء الثانية التي أصلها واو. والتفسير الصوتي له الخفّة واجتناب الثقل، كما أنّ المحذوف وقع عينا للكلمة وهو منقول عن الواو، فأصل ميّت (مَيْوت) فالتقت الياء والواو فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء الأولى.

كذلك قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيدٌ). هود، 105. فكلمة (يأت) حذفت ياؤها وبقيت الكسرة دالة عليها، وحذفها وقع في الوصل والوقف. ففي الوقف الحذف كالفعل المجزوم، والعرب عهدت حذفها لكثرة استعمالها، وإن كان النحاة يعارضون هذا الحذف مادام الفعل لم يسبق بجازم. وفي الوصل فهي للتخفيف.

أمّا الواو فقوله تعالى: (سَنَدْعُ الزّبَانِيَةَ)، العلق، 18. (سندع) بحذف الواو لالتقاء الساكنين "إنّ الواو تحذف في الوصل، لأنّها ساكنة، واستثقلتها اللام، فتسقط الواو في النطق، فيبنى الخط عليه"(21). فهي لم تحذف في الدلالة وإنّما في الصوت، إنّها في موقع الرفع وجاءت بعدها لام ساكنة.
- ومن أشكال حذف الحروف الصحيحة حذف التاء قال تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوَاْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُواْ لَهُ نَقباً)، الكهف، 97. قرأ الجمهور اسطاعوا على حذف التاء والتفسير الصوتي هو التقاء صوتين من مخرج واحد وهو طرف اللسان لأنّ التاء والطاء يتّفقان في الشدّة، فإثباتها إلى جانب الطاء يحدث ثقلا في النطق كما اجتنب القراء إدغامهما إلا حمزة "فقرأها (اسطّاعوا) بتشديد الطاء أراد (استطاعوا) فأدعم التاء في الطاء لأنّهما أختان"(22). حتى من جانب الدلالة استطاعة نقب السد أقوى من تسلّقه، كذلك القرآن آثر التفنن في توظيف الكلمة بدون تكرارها، وقدّم الأولى لأنّ بعدها همز وهو حرف حلقي شديد، أمّا الثانية فبعدها اللام أخف من الهمز وهو بيني.

أو حذف إحدى التاءين من المضارع قال تعالى: (وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)، النساء، 1. "قرأها حمزة وعاصم والكسائي مخففة"(23). فقد حذفت إحدى التاءين، فأصل الكلمة (تتساءلون) وهذا لتجنب اجتماع المثلين، ولم تحذف التاء الثانية لأنّها دالة على المضارع. ومن الناحية الصوتية فهناك تقارب بين السين من التاء في المخرج، وهذا يسبب ثقلا في النطق ولو بقيت التاء الثانية لتوالت ثلاث أمثال.

وفي حذف النون قال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنجِـي الْمُؤْمِنِينَ)، آل عمران، 27. (قرأ أبو بكر وابن عامر بنون واحدة وتشديد الجيم)(24). فـأصل الكلمة (نُنجَي) حذفت النون الثانية تخفيفا. فهذه النون فاء الفعل لأنّها أصلية، وحذفها شبيه بحذف الهمزة في الفعل (أخذ) قال تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، التوبة، 103. الأمر أوخذ لكنّها ثقيلة في النطق فجاء حذف الهمزة للخفة. أمّا التعليل الصوتي (فنجّي ينجّي)، ثمّ دخلت على الفعل المضارع نون دلّت على الجماعة، فأصبحت (ننجّي) "فالتقت النونان المتحركتان في الفعل المضارع، مشددة العين، فاستثقل اجتماعهما، وهما متحركان فمالوا إلى التخفيف من هذا الثقل، بحذف النون الثانية، طلبا للخفة، والسهولة واليسر"(25).
- حذف ياء المتكلم: حذفت الياء في الفعل والاسم عند بعض القراء كحمزة والكسائي يغلب التعليل النحوي على الصوتي كما استخلصه أهل اللغة والقراءة.

ففي فعل الأمر قال تعالى: (فَلاَ تَخْشَوُاْ النّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً)، المائدة، 44. بحذف الياء في (اخشون) "قرأ ابن كثيرو ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بحذف الياءين في الحالين واخشون ولا..."(26)، لأنّها وقعت في آخر الكلمة ونابت عنها الكسرة، كما أنّ الفعل إذا اتصلت به نون الوقاية حذفت الياء. وهي شبيهة بحذفها في القافية الشعرية والغاية التخفيف. بالمقابل نجدها في موضع آخر ثابتة قال تعالى: (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي)، البقرة، 150. فالسياق هنا يتحدّث عن القبلة وتحويلها من القدس نحو الكعبة. وأمّا في المائدة فإنّ الحديث حول تحريم بعض الأطعمة، والمقارنة بين المقامين يظهر أنّ إثباتها يكون في التفصيل، وحذفها في الإيجاز "قد تحذف ياء المتكلم ويُجتزأ عنها بالكسرة، ذلك يكون إلا لغرض، فإنّه تذكر الياء في مقام الإطالة والتفصيل وتحذف ويُجتزأ عنها بالكسرة في مقام الإيجاز والاختصار"(27).

أمّا حذفها في الفعل المضارع فقوله تعالى: (قَالَ ذَلِكَ مَا كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلَىَ آثَارِهِمَا قَصَصاً)، الكهف، 64. "قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة وابن ذكوان (نبغ) بغير ياء في الحالتين الوصل والوقف"(28). حذفت الياء عند هؤلاء القراء رغم أنّها لم تسبق بجازم، لكنّ ضرورة التخفيف اقتضت ذلك وهذا ما آثرته العرب وجسّد في المصحف.

وبالمقابل يوجد آية وردت فيها كلمة نبغي بالياء قال تعالى: (وَلَمّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَأَبَانَا مَا نَبْغِي هَـَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدّتْ إِلَيْنَا)، يوسف، 65. فالفعلان يختلفان في الدلالة تبعا للسياق. (نبغي) بالياء تدل على أنّ الإخوة كان لهم غرض واحد هو الطعام. وبدون ياء فإنّ غاية موسى ليست الحوت، وإنّما الوصول إلى الرجل الصالح.
- أمّا حذفها في الفعل الماضي فعند قوله تعالى: (فَلَمّا جَآءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِي اللّهُ خَيْرٌ مّمّآ آتَاكُمْ بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيّتِكُمْ تَفْرَحُونَ)، النمل، 36. "فقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي فما أتان بكسر النون بغير ياء"(29). فحذفها للخفة وطلبا لانسجامها مع (تمدونن). كذلك لاتصالها بنون الوقاية، وفي مواضع أخرى أثبتت الياء كقوله تعالى: (قَالَ يَقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مّنْ عِندِهِ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ)، هود، 28. على لسان نوح عليه السلام وكذلك على لسان صالح ويوسف عيسى، وهذا لإظهار نعم اللّه عليهم لم يكونوا يملكونها. أمّا حذفها فعندما كان الحديث عن سليمان لتعظيم ما وهبه الله إياه.

النوع الثاني حذفها في الاسم اختلف فيها القراء في موضعين بارزين هما كلمة (عباد) والنداء. قال تعالى: (فَبَشّرْ عِبَادِ الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَـَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ)، الزمر، 17-18. "وقرأ العشرة - ما عدا السوسي - راوي أبي عمرو كلمة (عباد) بكسر الدال دون ياء وهو تخفيف واجتزاء بوجود الكسرة على الدال"(30). فكسرة الدال دلّت عليها، ففي الوقف تجنبا للثقل، وفي الوصل وردت بعدها لام ساكنة.

أمّا حذف ياء عباد في النداء فهي كثيرة منها قوله تعالى: (قُلْ يَعِبَادِ الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ رَبّكُمْ)، الزمر، 10. "قرأها أبو عمرو وعاصم والأعمش وابن كثير بغير ياء في الوصل"(31). وحذفها شبيه بحذف التنوين، والكسرة الظاهرة على الدال دليل عليها ولم تثبت للتخفيف.

وقوله تعالى: (قَالَ يَبُنَيّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً إِنّ الشّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّ مّبِينٌ)، يوسف 5. "قرأ الجمهور (بنيّ) بكسر الياء المشدّدة وأصله بُنَيْيِ، وأصله بُنَيْوُ، إلاّ أنّه لمّا اجتمعت الياء والواو منهما ساكن قلبوا الواو ياء وأدغمت الياء في الياء"(32).

أمّا الياء المضافة إلى (أب) كقوله تعالى: (فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السّعْيَ قَالَ يَبُنَيّ إِنّيَ أَرَىَ فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىَ قَالَ يَأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللّهُ مِنَ الصّابِرِينَ)، هود، 28. فكلمة (أبت) أصلها (أبتي) "قرأها أبو عمرو ونافع وعاصم وحمزة والكسائي وهي رواية عن ابن كثير يا أبت بكسر التاء"(33) أي أنّها بدون ياء لكنّ الكسرة بقيت دالة عليها. فلثقل النطق بالياء حذقت وكانت الباء بدلا منها، وهذه التاء خاصة بكلمتي الأب والأم.

فالحذف ورد بطريقة حكيمة ليعطي المتلقي انطباعا كما شمله القرآن من بيان دقيق. فهو عنصر اتسع مداه في أعماق النص القرآني، ووجه من وجوه الإعجاز جيء به لتهذيب السريرة، والخروج من أوهام الغريزة وما يقتضيه المقام مع الحضور الذهني. ويشكّل جوهر الجودة للنصّ، فالالتزام به سبيل إلى الاستمتاع والتدبر. أنّه ظاهرة صوتية وصورة نطقية تؤخذ من قراءة القرآن، فالنغمات المترتبة عنه مختلفة تؤدّي معاني متباينة تتفق مع وجوه التفسير ودقّة اللغة.

الهوامش:
1 - تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، دار الثقافة، الدار البيضاء 1994م، ص 298.
2 - ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت 1963م، مادة حذف.
3 - الجرجاني: دلائل الإعجاز، مكتبة الخانجي، ط5، القاهرة 2004م، ص 146.
4 - صالحة راشد غنيم: اللهجات في كتاب سيبويه، دار المدني، ط1، جدة 1405هـ، ص 547.
5 - فاضل السامرائي: بلاغة الكلمة في التعبير القرآني، شركة العاتك، ط2، القاهرة، ص 9.
6 - الصبان: الحاشية على شرح الأشموني، تحقيق طه عبد الرؤوف، المكتبة التوفيقية، سينا، ج4، ص 34.
7 - أبو علي الفارسي: الحجة للقراء السبعة، تحقيق بدر الدين قهوجي وبشير حويجاتي، دار مأمون للتراث، ط1، دمشق 1411هـ، ج5، ص 75.
8 - ابن مجاهد: السبعة في القراءات، تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف، ط2، القاهرة 1988م، ج1، ص 331.
9 - غانم قدوري: رسم المصحف، العراق 1982م، ص 287.
10 - المرجع نفسه، ص 288-289.
11 - المرجع نفسه، ص 29.
12 - محمد سعد أحمد: التوجيه البلاغي، مكتبة الآداب، القاهرة 1418هـ، ص 290.
13 - ابن الأثير: المثل السائر، تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة، دار نهضة مصر، القاهرة، ج2، ص 196.
14 - المصدر نفسه، ص 5.
15 - أحمد عمر مختار وسالم مكرم: معجم القراءات، ذات السلاسل، ط11، الكويت 1402هـ، ج1، ص 7.
16 - أبو علي الفارسي: الحجة للقراء السبعة، ج3، ص 163.
17 - مكي القيسي: الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها، تحقيق رمضان محي الدين، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق 1394هـ، ج1، ص 339.
18 - العكبري: التبيان في إعراب القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل، ط2، بيروت 1407هـ، ج2، ص 700.
19 - أبو زرعة: حجة القراءات، تحقيق سعيد الأفغاني، مؤسسة الرسالة، ط5، بيروت 1418هـ، ص 435.
20 - أبو علي الفارسي: الحجة، ج3، ص 118.
21 - مكي القيسي: الكشف، ج2، ص 113.
22 - ابن جني: الخصائص، تحقيق علي النجار، دار الكتاب العربي، بيروت، ج3، ص 398.
23 - انظر، عبد اللطيف الخطيب: معجم القراءات، دار سعيد الدين، ط1، دمشق 1422هـ، ج2، ص 288.
24 - فاضل السامرائي: بلاغة الكلمة في التعبير القرآني، ص 21.
25 - عبد اللطيف الخطيب: معجم القراءات، ج5، ص 257.
26 - أبو علي الفارسي: الحجة، ج5، ص 384.
27 - ابن عاشور: التحرير والتنوير، الدار التونسية، ط2، 1984م، ج23، ص 365.
28 - ابن عطية: المحرر الوجيز، دار ابن حزم، بيروت 2002م، ج5، ص 470.
29 - عبد اللطيف الخطيب: معجم القراءات، ج4، ص 61.
30 - المرجع نفسه، ج4، ص 172.
31- منى محمد عابد: البناء اللغوي في سورتي البقرة والشعراء، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين، 2004م، ص 22.
32 - حسن عباس: خصائص الخروف العربية ومعانيها، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1988م، ص 66.
33 - المرجع نفسه، ص 70.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد القادر بن فطة: الحذف بين إعجاز القرآن وإبداع العرب، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع عشر 2014. http://annales.univ-mosta.dz

***