حركة التصوف في بجاية خلال القرنين 6 و7هـ-12 و13م

د. خالد بلعربي
جامعة سيدي بلعباس، الجزائر

الملخص:

يعتبر التصوف عنصرا مهما من عناصر التراث الإسلامي، وكحركة تستهدف تعميق المضامين الروحية، كان لها تأثير عميق في مجرى الحياة اليومية لسكان بجاية في العصر الوسيط، ولا غرو حيث عد الموضوع من اختصاص السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين أكثر من المؤرخين، بينما هو في واقع الأمر نتاج اجتماعي وإفراز لأوضاع تاريخية، وواقع يزخر بالتناقضات. فإن حركة التصوف ببجاية خلال هذه الفترة شكلت معلمه هامة في التاريخ الاجتماعي للمغرب الأوسط وقد جاء ظهورها لأزمات تعرض لها المجتمع لذلك كان من الواضح أن يساهم المتصوفة في خلق التوازن على جميع الأصعدة، كما كانت حركة التصوف نشيطة ولا أدل على ذلك أعلام التصوف الذين أنجبتهم هذه المدينة.

الكلمات الدالة:

المغرب الأوسط، التصوف، التراث الإسلامي، بجاية، العرفان.

***
The movement of Sufism in Bejaia during
the 6th and 7th centuries AH-12th and 13th centuries AD

Abstract:

Sufism is considered an important element of the Islamic heritage, and as a movement aimed at deepening the spiritual contents, it had a profound effect on the daily life of the inhabitants of Bejaia in the medieval era. It is not surprising that the subject is considered to be the prerogative of sociologists and anthropologists more than historians, when in reality it is a social product and a release of historical situations, and a reality full of contradictions. The Sufi movement in Bejaia during this period was an important milestone in the social history of the central Maghreb, and its emergence resulted in crises to which the community was exposed. Therefore, it was clear that the Sufis were helping to create an equilibrium at all levels, and the Sufism movement was active. Proof of this is the personalities of mysticism that this city gave birth to.

Key words:

Algeria, Sufism, Islamic heritage, Bejaia, mysticism.

***

النص:

التصوف من الظواهر البارزة التي طبعت الحياة الاجتماعية في المغرب الأوسط خلال القرنين (6 و7هـ-12 و13م) وعلى الرغم من أهمية الموضوع، فإنه لم يحظ بما يليق من مكانة في الدراسات التاريخية التي أرخت للمغرب الأوسط، فباستثناء كتاب واحد على الأقل حول التصوف في الجزائر خلال القرن السادس والسابع الهجريين (12-13م)، فإننا لا نكاد نعثر على دراسات أخرى تمكنت من اختراق دياجير هذا الموضوع الذي يعتبر عنصرا مهما من عناصر التراث الإسلامي، وكحركة تستهدف تعميق المضامين الروحية(1)، كان لها تأثير عميق في مجرى الحياة اليومية لسكان بجاية في العصر الوسيط، ولا غرو حيث عد الموضوع من اختصاص السوسيولوجيين والأنثروبولوجيين أكثر من المؤرخين، بينما هو في واقع الأمر نتاج اجتماعي وإفراز لأوضاع تاريخية، وواقع يزخر بالتناقضات، وهو ما جعل أحد الباحثين في حقل الدراسات المتعلقة بالإنتاج المناقبي يرى بأن "التصوف إيديولوجية أزمة أنتجها مجتمع متأزم"(2) وأن انتشار كتب المناقب مرتبط أشد الارتباط بالأزمات الاجتماعية والمذهبية وكذا الانتكاسات العسكرية والسياسية(3).

وإذا كان أثر الأزمة في ظهور التصوف مسألة لا يرقى إليها الشك، فإن لفيفا من الباحثين الأوروبيين عالجوا الموضوع بمنظوراتهم الخاصة، فقد اعتبر ألفرد بل (Alfred Bel) أن الظاهرة الصوفية جاءت كنتيجة لحالة البذخ والترف والتفسخ الذي انتاب المجتمع المغربي في عهد المرابطين(4)، وعزا لوبينياك (Loubignac) ذلك إلى الفشل الذي منيت به الثورات(5)، أما أنخيل جنثالث بالنثيا (A.-G. Palencia) فقد اعتبر الظاهرة امتدادا طبيعيا لحركة محمد بن عبد الله بن مسرة (ت 921م) التي ذاع صيتها في الأندلس ثم المغرب منذ النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي(6).

وهذه الدراسات على كثرتها نجدها تفتقر إلى الشمولية حين عالجت ظهور التصوف في المغرب وبالتالي فإن حركة التصوف بالمغرب الأوسط خلال هذه الفترة لا يمكن اختزال عوامل نشأتها في هذه الآراء فقط، لأنها ظاهرة نتاج عوامل أخرى، داخلية وخارجية، وأزمة عميقة طالت جميع المجالات.

1 - الأزمة ودورها في ظهور التصوف:

فعلى المستوى الاقتصادي، شكل الاقتصاد حجر الزاوية في بجاية خلال هذه الفترة، اعتمد على الضرائب المفروضة على السكان، فضلا عن إمكانيات بجاية الزراعية والصناعية ثم علاقتها التجارية مع مختلف الدول التي عادت على الدولة بأرباح طائلة، فساد الثراء في بجاية(7)، لكنه لم يشمل كل طبقات المجتمع، إذ لم تستفد منه سوى طبقة التجار والأغنياء، بينما ظل السواد الأعظم من الرعايا يرزحون تحت نير الفقر، ويعانون من ألوان البؤس الاجتماعي(8)، وكرد فعل على هذه الأوضاع ظهرت في بجاية خلال هذه الفترة أفكار تدعو إلى التصوف، والزهد في المال والدنيا، وتمجيد الفقر وعدم إعطاء المال أدنى اعتبار ولدينا شهادات سجلها شاعر بجاية أبو عبد الله محمد بن الحسين القلعي (ت 673هـ-1275م) في القرن السابع الهجري تتضمن تعبيرا واضحا عن الشعور العام بالإحباط واليأس من الدنيا والتخلي عنها بقوله(9):

تنافس الناس عن الدنيا وقد علموا أن المقام بها كاللمح بالبصر
وكل حـي وإن طالـت سلامته يغتاله الموت بين الورد والصدر

أما على الصعيد السياسي فإن احتكار الفقهاء للمناصب القضائية والعسكرية في بجاية(10) أدى إلى سيطرتهم على جميع المظاهر السياسية، فاستغلوا ذلك في تحسين مركزهم المادي بينما طال التهميش السياسي بعض القبائل التي كان لها دور كبير في بناء بجاية، لقد أدى هذا الأمر إلى ظهور هوة سحيقة بين المجتمع والسلطة وهو أمر كان يستدعى بروز قوى المتصوفة لإعادة التوازن، وإلغاء مبدأ التهميش السياسي(11).

وعلى الصعيد الأخلاقي، عرفت بجاية ظهور بعض الآفات الاجتماعية كغيرها من مدن المغرب الإسلامي الأخرى، فلا غرو أن تردت بعض السلوكات الأخلاقية، وشاعت المنكرات، وسادت كل مظاهر التفسخ والانحلال كتعاطي الزنا، وشرب الخمر، واختلاط الرجال مع النساء في الأماكن العامة(12)، وكلها تجليّات يقرنها ابن خلدون بهرم الدولة(13) إن عجز الدولة في محاربة هذه الآفات، جعل عامة الناس المتدينين يتطلعون إلى قوى تقودهم إلى تطهير وسطهم الاجتماعي من هذه الآفات، مما أدى إلى ظهور شريحة المتصوفة حملت على عاتقها مسؤولية مكافحة هذه الآفات والحد منها، فدعت إلى العفة والزهد في شهوات البطن، والارتقاء بالإنسان من الخطايا والمعاصي إلى الأخلاق الفاضلة(14).

أما على الصعيد العام، فإن شيوع الكثير من المعتقدات في مختلف الأوساط الشعبية قد ساهم في انتشار التصوف، حيث أصبح أهل بجاية يعتقدون بقدرة الأولياء والمتصوفة في تغيير ما قدر من الحوادث النافعة أو المضرة، مثلما كان يحدث عند قبر أبي زكرياء يحيى الزواوي(15).

وإذا كانت الأزمة بكل تجلياتها على الصعيد الداخلي قد أفرزت حركة التصوف وشكلت المناخ الملائم لتوسعها، فمن الأمانة التأكيد على دور العوامل الخارجية في انتشارها واستفحالها، فطبقا لوحدة الظاهرة في العالم الإسلامي، وانتشار التصوف أولا في المشرق لا نستبعد أن يصل التيار الصوفي إلى مدن المغرب الإسلامي، ومن بينها بجاية وذلك بواسطة الحج أو طلب العلم وكذلك التجارة، فقد دخلت مجموعة كبيرة من المصنفات الصوفية المشرقية إلى بلاد المغرب مثل إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، وكتاب الرعاية للحارث بن أسد المحاسبي، والرسالة القشيرية لأبي القاسم القشيري حيث تدارسها الناس في المجالس العلمية وقد ظل الاهتمام منصبا حول مصنفات الغزالي الذي مكن التصوف من أن يتبوأ مكانة هامة ضمن التيارات الفكرية الإسلامية ابتداء من القرن (6هـ-12م)، فقد وجدت تعاليمه ونظرياته التصوفية التربة الخصبة في بلاد المغرب الإسلامي، فقد ألف عبد الرحمن بن يوسف البجائي في النصف الثاني من القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي كتاب "قطب العارفين ومقامات الأبرار والأصفياء الصديقين"(16) أحاط فيه بالفقه والتصوف، وإذا كانت العوامل الداخلية والخارجية قد ساهمت في انتشار التصوف ببجاية خلال هذه الفترة فلا سبيل لإغفال الرصيد التاريخي الذي سبق هذه الحقبة ومهد لها، تمثل ذلك في سيادة الزهد الذي كان يدعو إلى الانعزال عن الملذات الدنيوية والاعتكاف على العبادة، فهناك العديد من الأعلام الذين عاشوا حياة الزهد واشتهروا بأعمال الصلاح والخير في المغرب الأوسط مثل عبد الرحمن بن زياد الله الطبني (ت 401هـ-1011م)، وعلي بن محمد التذميري (ت 347هـ-958م) ببونة، وأحمد بن واضح وغيرهم من المتصوفة.

2 - بجاية والتيارات الصوفية:

عرفت الحياة الثقافية والفكرية ببجاية خلال هذه الفترة بروز تيارات صوفية متنوعة نهل أصحابها من عدة مشارب، فاختلفت مواقفهم تجاه المجتمع، وهذه التيارات هي:

التصوف السني: يتميز ببساطته، وبعده عن الخوض في القضايا الفلسفية كالحلول والوحدة والاتحاد والإشراق(17)، ويمكن تصنيفه في ثلاثة اتجاهات، أولها صوفي نهج أصحابه التقشف والزهد في الدنيا والإقبال على العبادة ذاكرين على سبيل المثال بعض الأعلام الذين يمثلونه كأبي محمد عبد الحق الإشبيلي (ت 581هـ-1185م) الذي كان زاهدا متقشفا يقسم ليله ثلثا لقراءة وثلثا للعبادة وثلثا للنوم(18)، ومروان بن عمار بن يحيى البجائي (ت 610هـ-1213م)(19)، وأبو يوسف بن محمد البلوي المالقي (توفي أواخر القرن 6هـ-12م)(20) فضلا عن عدد كبير من الأعلام الذين ساروا في الركب.

أما الاتجاه الثاني فيمثله مجموعة من الزهاد الذين تبنوا مبدأ قضاء الحوائج بأنفسهم ورفض تقديم الخدمات لهم، واقتفاء أثر السلف، ومن أبرز ممثليه أبو الحسن عبيد الله النفزي (ت 642هـ-1244م) الذي كان يملأ إناء الماء بنفسه ويحمله على كاهله(21).

في حين يمثل الاتجاه الثالث بعض المتصوفة الذين رفعوا مبدأ المجاهدة النفسية عن طريق الخروج بعيدا عن زواياهم إلى البنايات الخربة للتدبر والاعتبار مثلما كان يفعل أبو عبد الله العربي (توفي أواخر القرن 6هـ-12م) الذي قال فيه أحمد الغبريني إنه من عباد الله الذين هم لمعالجي العلا أخص الوارثين(22)، وكذلك أبو العباس أحمد الخراز وغيرهم من صوفية هذا الاتجاه في بجاية الذين لم تسعفنا المصادر في ذكر أسمائهم وتتبع نشاطهم.

التصوف الفلسفي: يقوم أصحاب هذا التيار بمجاهدة النفس بالصيام والقيام بالتهجد والذكر والخلوة والعمل على كشف حجاب الحس لمعرفة الله واكتساب علومه والوقوف على حكمته وأسراره(23)، وقد منحت البيئة البجاوية خلال هذه الفترة حظا لبروز هذا التيار وانتشاره، فمن بين متصوفة بجاية الذين مثلوا هذا الاتجاه، أبو الفضل القرطبي (ت 662هـ-1263م)(24) وأبو الحسن بن علي بن عمران الملياني المعروف بابن أساطير (ت 670هـ-1271م)(25)، وأبو العباس أحمد بن أحمد الغبريني.

ومهما كان الأمر، فثمة قواسم مشتركة تكاد تشترك فيها كل الاتجاهات الصوفية التي ظهرت ببجاية خلال الفرنين السادس والسابع الهجريين، وتتجلى فيما يلي:
1 - الموقع الاجتماعي المتواضع: استنادا إلى كتب التراجم والمناقب التي اعتمدنا عليها نستطيع تحديد مختلف الشرائح الاجتماعية التي ينتمي إليها متصوفة بجاية خلال هذه الفترة، فقد كان معظمهم من الرعاة والحرفيين والمدرسين، يسعون لتأمين حياتهم عن طريق مختلف النشاطات بخلاف الفكرة الشائعة على أن التصوف كسل وبطالة(26).
2 - كثرة العبادة والتهجد: اعتاد متصوفة بجاية خلال هذه الفترة على مجاهدة النفس والتعبد، يمثل هذا الاتجاه كل من أبي يوسف يعقوب الزواوي (ت 690هـ) وأبي الحسن عبيد الله الأزدي (ت 691هـ) وأبي الحسن علي بن محمد الزواوي(27).
3 - المسلك التقشفي: عبر عنه ابن العريف بــ"الترفع عن التلطخ بقاذورات الدنيا وأهلها"(28)، فالكثير من متصوفة هذا العهد ببجاية اتخذوا من التقشف والابتعاد عن ملذات الحياة ونعيمها منهجا لهم، فاقتصروا على المرقعات من اللباس الخشن من الشعر والصوف، واكتفوا بأكل الشعير والنخالة واختاروا المسكن البسيط مأوى لهم، وبإلقاء نظرة عن النصوص المتناثرة التي تخص طعامهم وثيابهم وسكانهم، يتأكد هذا القول، فبالنسبة لطعامهم تجمع المصادر على تواضعه وقلته وحسبنا أن أبا زكرياء يحيى الزواوي (ت 611هـ-1215م) كان يعيش على البقول المباحة(29)، ووصف الغبريني أبا الحسن عبيد الله النفزي (ت 634هـ-1237م) بأنه كان على أخلاق السلف الصالح في المأكل والمشرب والملبس(30).

وعلى العموم، تشدد المتصوفة خلال هذه الفترة في مقاومة شهوات البطن، ولم يأكلوا إلا ما يضمن لهم رمق العيش، ولا نعدم القرائن ما يثبت كذلك تقشف بعضهم في الملبس واقتصارهم على الخشن من الثياب، فكان أبو العباس أحمد الخراز (ت 600هـ-1206م) يرتدي المرقعة بين ثيابه(31) لكن هذا لم يمنع من أن بعض المتصوفة كانوا يلبسون الثياب الحسنة(32)، ونستطيع من خلال التراجم المثبتة التأكيد على تواضع الأماكن التي أقام بها بعضهم، فأغلبهم كان يقيم في الجبال وأماكن الخلاء، والأماكن البعيدة عن بهرج المدينة وزينتها وإغراءاتها، كما هو الشأن بالنسبة لأبي زكرياء يحيى الزواوي الذي كان ينزوي في جبل رجراجة خارج بجاية، كما كان البعض الآخر يقيم في فنادق كما وهو الشأن بالنسبة لأبي العباس أحمد الخراز. وهي إقامة متواضعة تعكس الغرفة المخصصة لهؤلاء الصوفية(33).

ويتضح وزن المتصوفة داخل بجاية خلال هذه الفترة في تعلق العامة بهم، فقد حملت لنا مصادر الطبقات والمناقب قرائن تزكي هذا التخريج، ومما يؤكد ذلك ما ذكره ابن الزيات من أن أغنياء بجاية كانوا يمتثلون للمبادرات الاجتماعية والاقتصادية التي يتزعمها الصوفية لإنقاذ المعوزين من الجوع لأنهم يعتقدون بحصول بركة منهم(34)، وكذلك ما ذكره أحمد الغبريني عن المشاهد التي تحدث عند البجاويين أمام أضرحة الصوفية كضريح أبي زكرياء يحيى الزواوي(35).
4 - الثقافة الدينية: يتبين من خلال دراسة تراجم المتصوفة أن السواد الأعظم منهم امتلكوا ثقافة دينية متينة، وتعاطوا بمختلف العلوم، نذكر منهم على سبيل المثال أبو الحسن المسيلي (تـوفي أواخر القرن 6هـ-12م) الذي ألف كتاب التفكر نافس به الفكر الصوفي الذي جاء به الغزالي(36).
5 - الجانب الإنساني: يشكل هذا الجانب كذلك قاسما مشتركا بين جل الاتجاهات الصوفية، فمن خلال قراءة في تراجم متصوفة هذه الحقبة، يبرز الجانب الإنساني في سلوكهم ومواقفهم متجليا في قيم الرحمة والإحسان والإيثار التي جعلوها مبدأ، وغاية، حتى صارت من مكونات شخصيتهم، فقد شاركوا الفقراء إحساسهم بمرارة الفقر، وبذل ما ملكت أيديهم بسخاء، فأبو العباس أحمد الخراز كان يتصدق بالثياب التي تمنح له، وكان أبو زكرياء يحيى الزواوي يشترى الطعام واللباس للفقراء من المال الذي يجمعه من الأغنياء(37).

3 - المتصوفة والمجتمع:

علاقة متصوفة بجاية بالسلطة: أظهر الأمراء والولاة الحفصيين احتراما كبيرا لصوفية بجاية، فقد كان الأمير أبو زكرياء الأول (628-249هـ/1228-1249م) معجبا بهم ساعيا لخدماتهم، إذ كان يستدعيهم إلى حاضرته بتونس(38)، وكان ابنه يحيى زكرياء أول وال حفصي على بجاية من (633-644هـ/1236-1248م) عالما متدينا، يعرض خدماته على صوفية بجاية(39). ولما ولّي محمد الأول المستنصر (647-675هـ/1249-1277م) زاد في تبجيل الصوفية، إذ كان يزور الصوفي علي بن أبي نصر فتح الله البجائي في منزله ببجاية، ويحمل إليه الهدايا(40)، ويبعث إلى أبي القاسم بن عجلان القيسي (ت 675هـ-1277م) يطلب منه الموافقة على زيارته في منزله قصد التبرك به(41)، ولفرط إعجاب المستنصر بالصوفية أنه عزل قاضي بجاية عندما أساء معاملة الصوفي أبي عبد الله محمد القصري(42).

ورغم ذلك فقد وقف بعض متصوفة بجاية موقفا معارضا لسياسة الحفصيين في بجاية التي كانت تنذر بانفجار للأوضاع الاجتماعية، كما عارضوا الولاة عندما كان يخالفون أمور الشريعة كما فعل أبو عبد الله محمد الشاطبي (ت 691هـ-1292م)(43).

علاقة المتصوفة بالفقهاء: لم تشهد بجاية ذلك الصراع المرير بين التصوف والفقه والمتصوفة والفقهاء مثلما عرفته بلاد المشرق الإسلامي حين سيق العديد من المتصوفة إلى المحاكمة، تنوعت علاقة بين المتصوفة والفقهاء وانحصرت في شكلين: علاقة طيبة تتمثل في علاقة متصوفة التيار السني الأخلاقي بفقهاء السلفية وعلاقة صراع بين صوفية التيار الفلسفي وفقهاء السلف.

ظهرت العلاقة الطيبة والتعايش بين الصوفية والفقهاء من خلال ما أورده الغبريني من أن مجالس الصوفية كان يحضرها الفقهاء. ومن القرائن الدالة على ذلك أن مسجد أبي زكرياء المرجاني كان يجتمع فيه الفقهاء للاستماع إليه(44)، ويعود سبب هذا التقارب إلى أن غالبية الصوفية كانوا إلى جانب انشغالهم بالتصوف على دراية بأصول الفقه والحديث كما أن صوفية المغرب الأوسط عامة خلال هذه الفترة لم يرتكبوا ما يخالف الشريعة أو يثير ثائرة الفقهاء(45).

المتصوفة والعوام: لا جدال في استناد المتصوفة على الكرامة الصوفية، مع ما لها من وظيفة نفسية على قطاع عريض من الشرائح الاجتماعية في بجاية خلال هذه الفترة والتي كانت ترى في الأولياء أنهم مستجابي الدعوة، منزهين عن العيوب معصومين من الخطأ فكانوا يذهبون إليهم أحياء لنيل بركاتهم، كما كانوا يقصدون قبورهم أمواتا مثلما كان يحدث عند قبر أبي علي الحسن المسيلي، وعند ضريح أبي زكرياء يحيى الزواوي(46).

وخلاصة القول فإن حركة التصوف ببجاية خلال هذه الفترة شكلت معلمه هامة في التاريخ الاجتماعي للمغرب الأوسط وقد جاء ظهورها لأزمات تعرض لها المجتمع لذلك كان من الواضح أن يساهم المتصوفة في خلق التوازن على جميع الأصعدة، كما كانت حركة التصوف نشيطة ولا أدل على ذلك أعلام التصوف الذين أنجبتهم هذه المدينة، وبعد، فتلك محاولة للنبش في هذا الموضوع نرجو أن تعقبها محاولات أخرى من طرف الباحثين والمتخصصين حتى تكتمل جوانبه.

الهوامش:
1 - محمد علي أبو الريان: الحركة الصوفية في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية 1994، ص 7.
2 - بن سالم حميش: التشكلات الإيديولوجية في الإسلام، الاجتهاد والتاريخ، الرباط 1981، ص 9.
3 - محمد الشريف: كتاب المستفاد، تطوان 1999 ص 7-10.
4 - إبراهيم القادري بوتشيش: المغرب والأندلس في عصر المرابطين، منشورات الجمعية المغربية للدراسات الأندلسية، تطوان 2004، ص 126.
5 - انظر،
Moulay Bouazza : Un saint berbère, Hesp 1944, T.XXX, p. 15.
6 - بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، مدريد 1945، ص 336.
7 - الطاهر بونابي: التصوف في الجزائر خلال القرنين 6 و7 الهجريين - 12 و13 الميلاديين، دار الهدى، عين مليلة 2003، ص 94.
8 - نفسه، ص 97.
9 - أحمد الغبريني: عنوان الدراية فيمن عرف في المائة السابعة ببجاية، دار البصائر، الجزائر 2007، ص 64.
10 - من الأمثلة على ذلك أن الأمير الحمادي يحيى بن عزيز (ت 515هـ-1121م) عيّن سنة (543هـ-1148م) الفقيه مطرق بن علي بن حمدون قائدا للجيش الحمادي في غزوة توزر بإفريقية. انظر، ابن خلدون: العبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1983، ج6، ص 363.
11 - الطاهر بونابي: المرجع السابق، ص 88.
12 - الغبريني: المصدر السابق، ص 152.
13 - ابن خلدون: المقدمة، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1968، ص 483.
14 - الطاهر بونابي: المرجع السابق، ص 100.
15 - الغبريني: المصدر السابق، ص 120.
16 - محمد علي أبو الريان: المرجع السابق، ص 329.
17 - عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر، من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر، مؤسسة نويهض، ط2، بيروت 1980، ص 36.
18 - بنعبد الله: الفكر الصوفي ولانتحاليه بالمغرب، مجلة البنية، سنة 1962، ق2، ص 63.
19 - الغبريني: المصدر السابق، ص 73.
20 - ابن الآبار: التكملة لكتاب الصلة، نشر عزت العطار الحسيني، مطبعة السعادة، مصر 1375هـ-1935م، ج2، ص 678.
21 - ابن الزبير: صلة الصلة، تحقيق ليفي بروفنسال، المطبعة الاقتصادية، الرباط 1938، ص 217.
22 - الغبريني: المصدر السابق، ص 142.
23 - نفسه، ص 80.
24 - الطاهر بونابي: المرجع السابق، ص 143.
25 - الغبريني: المصدر السابق، ص 162.
26 - المصدر نفسه، ص 212.
27 - المصدر نفسه، ص 221-226.
28 - ابن العريف: كتاب النفائس، تحقيق نهاد خياطة، مجلة الموارد، العدد 4، السنة 1981، ص 687.
29 - الغبريني: المصدر السابق، ص 136.
30 - المصدر نفسه، ص 177.
31 - ابن الزيات التادلي: التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي، تحقيق أحمد التوفيق، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1984، ص 380.
32 - المصدر نفسه، ص 447.
33 - الطاهر بونابي: المرجع السابق، ص 165.
34 - ابن الزيات: المصدر السابق، ص 449.
35 - الغبريني: المصدر السابق، ص 137.
36 - نفسه، ص 163.
37 - ابن الزيات: المصدر السابق، ص 384.
38 - ابن القنفد: الفارسية في مبادئ الدولة الحفصية، تحقيق، محمد الشاذلي النيفر وعبد المجيد التركي، الدار التونسية للنشر، تونس 1968، ص 114.
39 - مبارك الميلي: تاريخ الجزائر في القديم والحديث، تقديم وتصحيح محمد الميلي، المؤسسة الوطنية للكتاب، (د.ت)، ج2، ص 390.
40 - الغبريني: المصدر السابق، ص 142.
41 - المصدر نفسه، ص 116.
42 - المصدر نفسه، ص 170-171.
43 - الطاهر بونابي: المرجع السابق، ص 207-208.
44 - الغبريني: المصدر السابق، ص 165.
45 - الطاهر بونابي: المرجع السابق، ص 216-217.
46 - الغبريني: المصدر السابق، ص 148.
الإحالة إلى المقال:

* د. خالد بلعربي: حركة التصوف في بجاية خلال القرنين 6 و7هـ-12 و13م، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع عشر 2014. http://annales.univ-mosta.dz

***