شعر الغزل عند الشاعرات الأندلسيات وشاعرات التروبادور

د. وفاء بنت إبراهيم السبيل
جامعة محمد بن سعود، الرياض، السعودية

الملخص:

عرف العصر الأندلسي عددا لا يستهان به من الشواعر الأندلسيات، حيث بلغ عددهن ما يقارب خمساً وعشرين شاعرة ويشكل شعر الغزل ثلث شعرهن. وفي هذا البحث اخترنا أهم شاعرات الغزل اللاتي ظهرن في العصر الأندلسي منذ بداياته. أما شاعرات التروبادور أو كما يسمين بالتروبيريتس في لغة البروفنسال بجنوب فرنسا، فهن سيدات القصور، كن يعرفن شعراء التروبادور وعشن بينهم وكتبن شعرهن متأثرات بهؤلاء الشعراء. وقد كتب كثير من الباحثين والمتخصصين في تاريخ إسبانيا عن العلاقة بين الأندلس العربية المسلمة ومحيطها الأوربي المسيحي في القرون الوسطى.

الكلمات الدالة:

الغزل، الشواعر، التروبادور، الأندلسيات، التأثير العربي.

***
Poetry of love by Andalusian and Troubadours women poets

Abstract:

The Andalusian era knew a significant number of Andalusian women poets, as their number reached nearly twenty-five poets, and spinning poetry constituted one-third of their hair. In this research, we chose the most important women poets of love who appeared in the Andalusian era since its beginnings. As for the women poets of the Troubadours, or as it is called the Trobaraiz in the Provençal language in southern France, they are the women of the palaces. They knew the poets of the Troubadours and lived among them and wrote their poetry influenced by these poets. Many researchers and specialists in the history of Spain wrote about the relationship between Arab-Muslim Andalusia and its Christian European surroundings in the Middle Ages.

Key words:

love, women poets, Troubadours, Andalusia, Arab influence.

***

النص:

الشاعرات الأندلسيات ظاهرة أدبية وفنية واضحة في الشعر الأندلسي، حيث بلغ عددهن ما يقارب خمساً وعشرين شاعرة(1) ويشكل شعر الغزل ثلث شعرهن(2). وهذا عدد كبير إذا قارناه بالشاعرات العربيات في العصور الأدبية المختلفة. وفي هذا البحث تم اختيار أهم شاعرات الغزل اللاتي ظهرن في العصر الأندلسي منذ بداياته. أما شاعرات التروبادور أو كما يسمين بالتروبيريتس (Trobairits) في البروفنسال، فهن سيدات ركع تحت أقدامهن شعراء التروبادور (Troubadours)؛ إنهن زوجات وبنات نبلاء أوسيتانيا (Occitania). ولا يشك الباحثون في أن كل الشاعرات يعرفن شعراء التروبادور وعشن بينهم. فالشاعرة تيبورز (Tibors) وهي من أوائل شاعرات التروبادور أخوها الشاعر (Raimbaut d’Orange)، وماريا دي فنتادور (Maria de Ventadorn) متزوجة من الفيكونت (Ebles) وهو أيضا من شعراء التروبادور، وغيرهن كثير(3). فلقد نشأن في ظل هذا اللون من الشعر منذ فترة ازدهاره إلى أن أفل نجمه، وعشن في المراكز التي ظهر فيها هذا الشعر وتطور، وهن النموذج الأمثل للمعشوقة السيدة (domna) في شعر رجال التروبادور. وقد برزت فرضيات كثيرة تسعى إلى إثبات تأثر شعراء التروبادور بالشعر العربي الأندلسي؛ من أشهرها نظرية التأثير العربي والتي تبناها بعض أولئك الباحثين وسعوا إلى إثباتها، من خلال تتبع العلاقة بين أوروبا والحضارة العربية الإسلامية في الأندلس أو عبر الحروب الصليبية. وهذه النظرية تعيد شعر التروبادور في شكله ومضمونه إلى تأثره بالشعر العربي في الأندلس والجزيرة العربية حيث تغنى الشعراء بمحبوباتهم(4). وبعض الدراسات تعد شعر شاعرات التروبادور صوتاً للمرأة (chansons de femme) وهو الشعر الذي يمثل حالة المرأة في الحب، وهو المقابل لـ(courtly love lyric) عند الشعراء(5). وقد نشطت حركتهن الشعرية في الفترة ما بين 1170-1260م، أي بعد جيلين من شعراء التروبادور، وكانت ظروف مجتمعية خاصة بالبلاط الأوسيتاني (occitan court) هي التي أظهرتهن والتي لا تمثل حال المرأة في بقية أوروبا في ذلك الوقت. وعدد قصائدهن يتفاوت حسب المجموعات الشعرية، فبعضها تصل إلى 23 قصيدة، وبعضها 46 قصيدة، وأخرى تصل إلى 49 قصيدة. كما أن عدد الشاعرات يتراوح ما بين الثمان والأربع عشرة شاعرة حسب اختلاف المصادر(6)، ويعزى هذا التفاوت إلى أن بعض القصائد يظهر فيها صوت المرأة ولكنها مجهولة لا يعرف المؤلف فيحتمل أن يكون امرأة أو رجلا(7).

وباستقراء شعر الأندلسيات وشاعرات التروبادور تظهر جوانب كثيرة مشتركة، تبعث على التساؤل في فكرة التأثر والتأثير سواء كان مباشراً أو غير مباشر. وهذه الورقة ستدرس مختلف تجليات التأثير والتأثر، سواء على مستوى المواضيع والمعاني الشعرية أو في مستوى المباني والأساليب بدءاً من اللغة والمعجم فالصورة وصولا إلى بناء النص الشعري.

1 - موضوعات الشعر ومعانيه:

تتعامل الشاعرة الأندلسية بندية مع حبيبها، وتفصح عن الحب والعشق للحبيب وتظهر اللوعة دون خوف أو خجل. إنها تتغزل بحبيبها مثلما يتغزل الشاعر بحبيبته. تقول حفصة بنت حمدون(8):

لي حبيبٌ لا يَنْثَني لعتاب وإذا ما تركتهُ زادَ تيها
قالَ لي هل رأيتِ لي منْ شبيهٍ قلتُ أيضاً و هل ْترى لي شَبيها

"إنها معادلة طريفة في دنيا الحب بين حبيبين متأبٍ كلاهما على الآخر، فأبت حفصة أن تنزل له عن كبريائها فكانت هذه المخالصة الأولى من نوعها صدر شعراً من قريحة شاعرة محبة"(9). وتفعل الأمر نفسه شاعرة التروبادور، فنجدها تبوح بحبها وتعاتب وتشكو ألم الفراق وتصرح بما تحس مثل الشاعر، بل إنها في إحدى القصائد تكرس للمساواة بين المرأة والرجل في حبهما حيث لا فرق بينهما، في المقاطع التبادلية بين الحبيب والحبيبة(10):

Dompna, sai dizon de mest nos
Que, pois que dompna vol amar
Egalmen deu son drut onrar
Pois egalmen son amoros;

سيدتي، هنا الناس يقولون
إنه عندما تريد المرأة أن تحب
فإنها تساوي حبيبها في الشرف
لأنهما متساويان في الحب
فلا فروقات ولا طبقية في الحب

وفي مقطع آخر تقول(11):

E respon vos de la dompna breumen
Que per son drut deu far comunalmen
Cum el per lieis, ses garda de ricor:
Qu’en dos amics non deu aver maior.

جوابي هو إن السيدة
يجب أن تقدم لحبيبها
ما يقدمه لها، دون اعتبار للرتبة
فبين المحبين لا حكم لأحدهما على الآخر

فالسيدة تعامل حبيبها كما يعاملها ففي الحب لا توجد طبقية، وهذا موقف غريب على المرأة في ذلك الوقت التي لم تكن تحظَ بالمكانة المرموقة كما هي الأندلسية إلا بعد احتكاك رجال الفكر الأوربيين والشعراء البروفنسيين في جنوب فرنسا بأدباء الأندلس وشيوخها(12).

وقد تشابهت الموضوعات والمعاني الشعرية التي طرقتها شاعرات الأندلس وشاعرات التروبادور. فنجدهما تطرقان باب الغزل الصريح وتعبران عنه بحرية. فلا تخجل الشاعرة من التعبير عن رغباتها الحسية تجاه الحبيب والتصريح بها دون تعريض. تقول حفصة الركونية لحبيبها الوزير أبي جعفر(13):

أزورك أم تزور فإن قلبي إلى ما تشتهي أبداً يميلُ
وقد أمّلت أن تظمأ وتضحي إذا وافى إليك بي المقيلُ
فثغري موردٌ عذبٌ زلالُ وفرع ذؤابتي ظل ظليلُ
فعجّل بالجوابِ فما جميلٌ إباؤُك عن بثينة يا جميلُ

إنها تستعجله في الرد على طلبها، وتغريه بقبلاتها التي سينهل منها العذب الزلال، وبحضنها حيث سيظله شعرها الغزير!!
ونجد عند شاعرة التروبادور الأمر نفسه(14):

Bels amics avinens e bos,
Cora.us tenrai en mon poder?
E que jagues ab vos un ser
E qu’ie.us des un bais amoros;
Sapchatz, gran talan n’auria
Qu’ie.us tengues en luoc del marit.

أيها الصديق الوسيم الفاتن اللطيف
متى تكون تحت سيطرتي؟
لو أستطيع أن أستلقي إلى جانبك ولو ساعة
وأعانق حبك...
اعلمْ إنني سأمنح أي شيء
مقابل أن أجعلك زوجا لي

إنها تدعوه صراحة إلى بيتها وتتساءل متى يمكنها أن تفعل ذلك. بل إنها تعد بأنها ستبذل كل ما في وسعها لتجده قربها.

ويكثر الحديث عن الرقيب والواشي لدى الشاعرات الأندلسيات، ذلك الذي يفسد لحظات الحب السعيدة ويسعى دائما لإفساد العلاقة. ها هي أم الكرم بن صمادح تتمنى خلوة مع حبيبها بعيداً عن عين الرقيب(15):

ألا ليت شعري هل سبيلٌ لخلوة ينزه عنها سمعُ كل مراقبِ
ويا عجباً أشتاقُ خلوةَ من غدا ومثواه ما بين الحشا والترائبِ

وتقول نزهون الغرناطية تصف ليلة من ليالي مباذلها وقد غاب عنها الرقيب(16):

لله درُّ الليالي وما أحيسنها وما أحيسن منها ليلة الأحدِ
لو كنتَ حاضرنا فيها و قد غفلت عينُ الرقيب فلم تنظر إلى أحدِ
أبصرتَ شمسَ الضحى في ساعدي قمرٌ بل ريم خازمة في ساعدي أسدِ

ونجد الفكرة نفسها عند شاعرة التروبادور حيث تسمي الرقيب أو الواشي(17) (Lauzengiers)، وهذا الواشي أحيانا يكون موظفا من قبل الزوج الغيور ليتجسس على زوجته، وهو الشخصية المراقبة التي تُظهر صعوبة الحصول على الخصوصية في البلاط(18):

Fin ioi me don alegranssa,
Per qu’eu chan plus gaiamen,
E no m’o teing a pensanssa,
Ni a negun penssamen,
Car sai que son a mon dan
Fals lausengier e truan,
E lor mals diz non m’esglaia:
Anz en son dos tanz plus gaia.

المتعة تجلب لي سعادة عظيمة
مما يجعلني أغني بابتهاج
ولا يزعجني أبدا
أو ينزل من معنوياتي
هؤلاء الرقباء الحقيرون
هناك يحاولون إيذائي
أحاديثهم الشيطانية لا ترعبني
إنها بالعكس تضاعف ابتهاجي

فالسعادة والبهجة التي يمنحها الحب لها لا يفسدها الرقيب الواشي الذي يترصد لها ليؤذيها بل بالعكس هو يضاعف من بهجتها وانطلاقها. وتعبر شاعرة التروبادور عن ذاتها، ولا تتقمص دورا أو شخصية غير شخصيتها لذا فإن تجربة كل شاعرة فريدة في ذاتها: فبعضهن سعيدات وبعضهن تعيسات، وأخريات لديهن عزة وفخر في علاقتهن مع الحبيب، وأخريات متبلدات غير مباليات!

تعبر كونتيسة ديا (1140م) (Countess of Dia) عن جرحها في حبها(19):

A chanter m’er de so qu’ieu non volria,
Tant me rancur de lui cui sui amia,
Car l’am mais que nuilla ren que sia;
Vas lui no.m val merces ni cortesia,
Ni ma beltatz ni mos pretz ni mos sens,
C’atressi.m sui enganad e trahia
Com degr’esser, s’ieu fos desavinens.

رغم أنني أفضل السكوت إلا إنني سأغني:
عن المرارة التي أحسها تجاهه
الذي أحبه أكثر من أي شيء
لا تجدي معه رحمتي وحسن سلوكي،
جمالي، وفضائلي، وذكائي
لقد خُدعت واحتيل علي
كما لو أنني كريهة بمعنى الكلمة

إنها تشعر بالمرارة التي أخرجتها من صمتها لتتحدث عن حبيبها الذي فاق حبها له كل شيء، ولكنه خدعها وخانها وتركها رغم ما تملكه من رحمة وخلق حسن وجمال وذكاء! تماما مثلما أحست ولادة عندما مال ابن زيدون إلى جاريتها السوداء(20):

لو كنتَ تُنصفُ في الهوى ما بيننا لم تهوَ جاريتي ولم تتخيرِ
وتركت غصناً مثمراً بجمالهِ وجنحت َللغصنِ الذي لم يُثمرِ
ولقد علمتَ بأنني بدرُ السما لكنْ ولعتُ لشقوتي بالمشتري

إن شاعرة التروبادور تشبه الشاعرة الأندلسية فهي تحب وتعلن حبها كحفصة الركونية وأم الكرام بنت المعتصم بن صمادح، وهي تغضب وتعاتب كولادة بنت المستكفي، وهي تصف ليالي الحب ومباذله مع الحبيب مثل نزهون الغرناطية.

وتشتكي الشاعرة ألم الفراق، فتصفه الغسانية البجانية بقولها(21):

أتجزعُ أنْ قالوا سترحلُ أظعانُ وكيف تُطيقُ الصبرَ ويحكَ إذ بانوا
فما بعدُ إلا الموتُ عند رحيلهمْ وإلا فصبرٌ مثلُ صبرٍ وأحزانُ
عهدتهمُ والعيشُ في ظلِ وصلِهم أنيقٌ وروضُ الوصلِ أخضرُ فينانُ
فيا ليتَ شعري والفراقُ يكونُ هلْ يكونونَ من بعدِ الفراقِ كما كانوا؟

كأن الموت حل بعد رحيلهم، ولا مفر منه إلا بتجرع الصبر الذي يشبه الصبر مرارة! وتذكر حلاوة العيش في ظل وصلهم. وتعبر شاعرة التروبادور عن لوعة الفراق كالشاعرة الأندلسية، حيث الجزع من الفراق، وكأن الموت قد حل بعد الرحيل. تقول بعد أن تسبب الوشاة في فراق حبيبها(22):

An mes mon cor et en granda error
Li lauzengier e.i fals devinador,
Abaissador de joi e de joven;
Quar vos qu’ieu am mais que res qu’el mon sia
An fait de me departir e lonhar,
Si qu’ieu no.us puesc vezer ni remirar,
Don muer de dol, d’ira e feunia.

أولئك الذين يضعفون البهجة والشباب
أثقلوا قلبي بالمعاناة والهموم
جعلوه مثقلا بالحسرة
ولأنه لا أمل في رؤيتك من جديد
فإنني أموت أسىً وغضباً وغيظاً.
فعندما فقدت الأمل في رؤية حبيبها
ستموت أسىً وغضباً وغيظاً!

ويمكن لهذه القصائد أن تكون وثائق لمعرفة وضع المرأة في ذلك العصر: فإذا كان الأمر واضحا بالنسبة للأندلسيات فإنه بالنسبة لشاعرات التروبادور الصوت الأول للمرأة الذي يعبر عن مشاعرها وأحاسيسها بما يسمى بـ(fin’amors)، أو الحب الطاهر(23) وهو مقابل (courtly love) عند شاعر التروبادور أو ما يسمى بالحب البلاطي(24). ولكن الشاعرة تظهر لنا الجانب الآخر من القصة حيث كان لا يسمع إلا صوت الشاعر الرجل؛ إنها تعطي الجانب الآخر للقصة. وشاعرة التروبادور تكتب عن تجربتها الشخصية لا عن علاقة غرامية يسعى شاعر التروبادور إلى تخليدها، لذا غابت شخصية الفارس في شعرهن، وملن إلى نقل حقيقة مشاعرهن، تقول كاستيلوزا (1200م) (Castelloza) وهي زوجة أحد النبلاء الذين شاركوا في الحرب الصليبية الرابعة(25):

Amics, s’ie.us trobes avinen,
Humil e franc e de bona merce,
Be.us amera, quan era m’en sove
Que.us trob vas mi mal e felon e tric;

أيها الصديق لو كنت أظهرت اهتماما
حلما، إخلاصاً، وإنسانية
كنت أحببتك دون تردد؛
ولكنك كنت حقيرا وخبيثاً ونذلاً.

لا تبحث المرأة عن التبجيل ولكن عن الاهتمام والحب. والحب في شعرهن مختلف عنه عند الشاعر الرجل. لم تكن المرأة في شعرهن سيدة مقدسة (midon) كما صورها الرجل؛ إنها تسعى بجهد لتحصل على اهتمام الرجل، بل ربما سخرت موهبتها الشعرية لتلفت انتباهه وتحصل على اهتمامه. وتحب الشاعرة كما تظهر بعض القصائد رجلا غير من ارتبطت به، فهو إما يعمل في البلاط، وقد تكون نبيلة وهو من العامة، أو من مقاطعة قريبة. كما تتحدث الشاعرة عن سلطة الحب التي تتجاوز كل القوانين المجتمعية في ذلك الوقت. ويكثر أيضا الحديث عن موضوع الإخلاص في الحب عندهن وهو ما لا نجده بهذا القدر من الإلحاح عند الأندلسيات؛ فالشكوى من عدم إخلاص الحبيب وزوال الثقة كثير في شعرهن(26).

2 - لغة الشعر:

يتسم شعر الغزل لديهن جميعا بالرقة: رقة الطباع والمشاعر. فشاعرات الأندلس يملن إلى استخدام معجم شعري عاطفي، فتتكرر لديهن ألفاظ الحب مثل: حبي، الحب، لوعة الحب، حبيب، وجد، صب، رام، قلبي، أغار، والهة، عشقت، هام، الغرام، شغف الفؤاد، كلفت بكم، أهواه، أشتاق، الشوق، التشوق. وألفاظ الفراق مثل: الصبر، تظمأ، نازح، ينساكم، موجع القلب، الحزن، أشجاناً، أبكي، حنيناً، الحنين، بكى، انفصال، يأس، الهم، الممات، الموت، وحشة، ودعتهم، ودع، فراقكم، التفرق، فارقني، هجران، يشكو، البين، البعد، النوى، بعدك. وألفاظ العتاب: عذري، الملامة، عتاب، اعتذاري، الذنوب.

وهو معجم شبيه بمعجم شاعرات التروبادور حيث نجد من ألفاظ الحب: الحب البلاطي(27)، الحب، عاطفة، تعلق، القلب، أبادله الحب، الحبيب، أصابه الذهول، يعاني، نادم، يرتجف. ولكن اختلفت شاعرات التروبادور عن الأندلسيات بمعجم الشكوى من الحبيب وعدم وفائه؛ حيث تكثر الألفاظ التي تظهر انعدام الثقة بين الحبيبين والخوف من الخيانة وترك المحبوب والتحول عنه مثل: مخلص، يخون، خدع، غش، يخدع، غفران، يتحسر على الخيانة، إخلاص، ينتهك، خليلة، غير مخلص، خائن، متقلب، زائف. ويصحب ذلك ألفاظ أخرى تشي بردة فعل الشاعرة تجاه هذا الوضع: المرارة، والوجع، والغضب، والندم، والنسيان، والعزاء.

ولغة الشعر تأتي في كثير من الأحيان مباشرة بعيدة عن الغموض، وذاتية تفضي بتجربة وعواطف الشاعرة وكأنها مذكرات شخصية. ورغم صراحة الأندلسية في التعبير عن عواطفها دون خوف؛ نجد شاعرة التروبادور تصرح برغبتها بالحبيب (خاصة الرغبة الحسية) إلا أنها تلف ذلك بشيء من الغموض الذي ربما يحميها، خاصة أن ذلك الحبيب تلتقي به وتبادله الحب بطقوس تحيط بها السرية التامة والبعد عن الرقباء. كقولها(28):

Bels dous amics, ben vos puosc en ver dir
Qe anc no fo q’eu estes ses desir
Pos vos conosc ni.us pris per fin aman,
Ni anc no fo q’eu non agues talan,
Bels dous amics, q’eu soven no.us veses,

أيها الصديق الجميل اللطيف، أستطيع أن أقول لك بكل صدق
لم أكن يوما دون رغبة
منذ أن التقيت بك، وجعلتك حبي الحقيقي،
ولم أفقد يوما الأمنية،
أيها الصديق الجميل اللطيف، بأن أراك دائما.

إنها ترغب به منذ أن رأته واتخذته حبيبا لها، وتتمنى أن تراه أكثر. إنه تصريح يشوبه الغموض، فنشك هل هي قابلته حقيقة أم هي أمنية بأن تقابله وتراه. ويسمى ذلك: الغموض من أجل حماية النفس(29)، لأنها تحمي نفسها حتى لا يشك فيها. ومثلها التي تتمنى أن ترى حبيبها، فلا ندري أحقا هو أم مجرد أمنية(30).

3 - الصورة:

لا تغيب الصورة الفنية في شعرهن، ولكنها أكثر وأعمق وتأتي مركبة عند الأندلسيات. وتستعير الأندلسية من الطبيعة صورها، وتبني قصيدتها على صورة موحدة توظف فيها مكونات الطبيعة فكأننا أمام لوحة طبيعية واحدة، تناغمت فيها كل الأجزاء لتنقل لنا حالة الحب عند الشاعرة، تقول(31):

قدم الليل عند سير النهار وبدا البدر مثل نصف سوار
فكأن النهار صفحة خد وكأن الظلام خط عذار
وكأن الكؤوس جامد ماء وكأن المدام ذائب نار
نظري قد جنى علي ذنوبا كيف مما جنته عيني اعتذاري
يا لقوم تعجبوا من غزال حائر في محبتي وهو جاري
ليت لو كان لي إليه سبيل فأقضي من الهوى أوطاري

الليل والنهار مشخصان فأحدهما يقدم والآخر يسير، وذلك أول الشهر عندما كان القمر هلالا فهو نصف سوار. وتغير كل شيء ولم يعد كما هو فالكأس ماء قد تجمد والخمر نار مذابة تجاري حالة الشوق والوله عند الشاعرة، ولا سبيل لوصل الحبيب رغم قربه. والحبيب هنا هو الذي يوصف بالغزال، وهي صورة خاصة بالمرأة ولكن الحال انقلبت هنا. ويتكرر تصوير الحبيب بالغزال في موشحة نزهون الغرناطية في "مرحبا بالزائر الحلو"(32):

يا له من شادن صيرني رهن أشجاني
لم يدع في الحور منه عوضا عند رضوان
مر بي في ربرب من سربه تقطف الزهرا

هذا الشادن (ولد الظبية) فاق جماله الحور العين، مر في ربرب (قطيع من الظباء) يقطف الزهرا. وهي كلها صور مستوحاة من الطبيعة.
أما شاعرة التروبادور فتأتي الصورة عندها عرضاً ولا تشتغل عليها، ويمكن أن نعزي ذلك إلى الفرق بين تجربتي الأندلسية والتروبادور من حيث امتدادها التاريخي ورصيدها الشعري. كما أن شاعرة التروبادور غالباً ما تغني في الوقت الذي تقول فيه الشعر كما وضحت ذلك بعض الدراسات التاريخية. وكان شائعاً في تقاليد الشعر آنذاك أن يستعير الشاعر البناء أو الفكرة أو بعض الموتيفات أو الصورة من شاعر آخر ولا يعد ذلك سرقة، بل إنه يمكن أن يعدل فقط في قصيدة سابقا ويحتفظ بكثير من مكوناتها(33).

ومن الصورة العرضية لدى شاعرة التروبادور تصوير الواشي بالغراب(34):

Mas una gens enojosa e fera,
Cui gautz ni bes ni alegrers non platz,
Nos guerrejan, dan mos cors es iratz,
Quar per ren als sense vos non estera;

غراب ما، قاسي ومزعج،
يعارض المتعة والسعادة والقبلات،
إنه حرب ضدنا، تجلب الغضب لقلبي؛
لأنني أرفض العيش دونك.

وهي صورة بسيطة جدا بعيدة عن التعقيد ومستمدة أيضاً من الطبيعة، فهذا الغراب المزعج يقف حائلا بين متعتها وسعادتها مع الحبيب، بل إنه حرب ضدهما مما يملأ قلبها غضبا وغلا عليه. ويصور الواشي أيضاً بأنه كالغيوم التي تجمعت فحجبت أشعة الشمس(35):

Qu’ist son d’altrestal semblan
Com la niuols que s’espan
Qe.l solels en pert sa raia,

إنهم كسحابة تنمو
وتتضخم حتى
تفقد الشمس أشعتها.

وتعبر أخرى عن غضبها من حبيبها الخائن حتى كأن جسدها اشتعل ناراً(36):

Qu’a pauc lo cors totz d’ira no.m abranda,
Tan fort en sui iratz.

أنا غاضبة جداً حتى أن جسمي
كله يشتعل ناراً.

4 - بناء النص الشعري:

معظم قصائد الشاعرات الأندلسيات الغزلية مقطعات شعرية قصيرة(37)، وليس واضحا إن كانت بنيت على هذا الشكل أم أنها لم تصلنا القصائد كاملة. وهناك من الشاعرات من كتبت على نظام الموشحة، وهي نزهون الغرناطية في "مرحبا بالزائر الحلو"(38). وقد بنيت تلك الموشحة على خمسة أقفال، وخمسة أدوار، وهي موشحة كما يبدو من النوع الأقرع الذي يبدأ بالدور مباشرة.

وقد تأثر شعراء التروبادور بالبناء الفني للموشح والزجل الأندلسي(39)، ومن ثم يمكننا القول بأن شاعرات التروبادور سرن على الطريق نفسه. "وتتألف قصيدة التروبادور عادة من ست مقطوعات وكل مقطوعة من جزئين: الأول يسمى الغصن ويتكون من ثلاثة أشطار أو أكثر تنتهي بقافية متماثلة، والثاني القفل الذي يتكون من شطر أو شطرين تتفق قافيته مع نظيره في كل مقطوعة والقفل النهائي في آخر مقطوعة هو الخرجة"(40).

ولا تسير شاعرات التروبادور على هذا النمط البنائي المعهود، فقد تخرج أحيانا عليه وتستبدل الشاعرة(41) المقاطع المتبادلة بقصيدة من جزئين الأول يظهر فيه صوت الرجل وهو من ثلاثة مقاطع، والثاني يظهر فيه صوت المرأة وهو من مقطعين. وأحيانا تكون القصيدة كلها لصوت واحد، صوت الحبيب أو الحبيبة. كما في قصيدة (Bieiris de Roman) حيث جعلت القصيدة من الحبيب إلى حبيبته السيدة ماريا(42). وهي تشبه بذلك أغنية الحب (canso)(43) الشائعة بين الشعراء التي يتغنى الشاعر فيها بحبه وحبيبته ويصف فيها معاناته.

وقد كتبت إحداهن مقدمة لقصيدتها (razo) تحكي حكاية الحب التي تتناولها في قصيدتها كما فعلت ماريا دي فنتادور(44). وهذا شائع عند الشعراء حيث يقدم الشاعر حكاية نثرية يسمعها الجمهور قبل أن يغني قصيدته.

ختاما: يمكننا القول إن هناك تشابه كبير بين غزل الأندلسيات وغزل التروبيريتس أو شاعرات التروبادور؛ تشابه في المضامين التي تناولنها في تجربة الحب الشعرية، وتشابه في المعجم الشعري وتشابه في مصدر الصورة الفنية، وأحيانا في البناء خاصة عندما توظف الأندلسية الموشحة. وهذا التشابه وإن شابه شيء من الاختلاف في بعض التفاصيل إلا أنه يؤكد أهمية السؤال الذي قامت عليه هذه الورقة في إمكانية وجود علاقة تأثر وتأثير بين التجربتين الشعريتين يدعمها منطقياً العلاقات التاريخية بين البيئتين الأندلسية والأوكسيتانية في جنوب فرنسا في القرون الوسطى.

الهوامش:
1 - ركاد خليل سلمان مبروك: صورة الرجل في شعر المرأة الأندلسية، دراسة تحليلية ونقدية، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين 2011م، ص 42.
2 - واقدة يوسف كريم: شعر المرأة الأندلسية من الفتح إلى نهاية عهد الموحدين، ص 142.
3 - Magda Bogin: The women troubadours, W.-W. Norton & Company, NY, 1980, p. 64.
وقد ذكرت المجموعات الشعرية التي جمعت شعرهن بأن عدد ما جمع يصل إلى 20 شاعرة بالإضافة إلى القصائد المجهولة التي تمثل صوت الشاعرة المرأة.
4 - من هؤلاء الباحثين:
Roger Boase: The Origin and meaning of courtly love: a critical study of European scholarship, Manchester 1977; Maria Rosa Menocal: close encounter in medieval Provence, Spain Role of the birth of troubadour poetry.
5 - Eglal Doss-Quinby & others: Songs of the women trouveres, Yale University Press, New Haven 2001, p. 7.
6 - المرجع السابق، ص 27.
7 - انظر مقدمة:
Matilda Bruckner & others: Songs of women Troubadours, Garland Publishing, Inc, NY, 2000.
8 - عبد الملك بن سعيد: المُغرب في حلى المغرب، تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف، ط2، مصر 1964م، ج2، ص 38، أحمد بن محمد المقري التلمساني: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق محمد محيي الدين عبد الله، مطبعة السعادة، مصر 1949م، ج6، ص 21.
9 - مصطفى الشكعة: الأدب الأندلسي، دار العلم للملايين، ط12، بيروت 2008م، ص 137.
10 - Meg Bogin: The women troubadours, p. 101.
11 - Ibid, p. 99.
12 - محمد عباسة: حب الآخر في الشعر الأندلسي والبروفنسي، مجلة حوليات التراث، العدد الرابع، جامعة مستغانم 2005.
13 - نفح الطيب، ج5، ص 310.
14 - Meg Bogin: The women troubadours, p. 89.
15 - ابن سعيد: المغرب في حلى المغرب، ج2، ص 203.
16 - المقري: نفح الطيب، ج6، ص 34.
17 - Meg Bogin: The women troubadours, p. 91.
18 - Ibid.
19 - Ibid, p. 85.
20 - المقري: نفح الطيب، ج5، ص 336-337.
21 - المصدر نفسه، ج6، ص 22.
22 - Meg Bogin: The women troubadours, p. 131.
23 - وهما مصطلحان يحيلان إلى الشعر الذي يعبر عن صوت المرأة، انظر:
Matilda Bruckner & others: Songs of women Troubadours, p. 33.
24 - Ibid, p. 7.
25 - Ibid, p. 119.
26 - للتفصيل في موضوع وصف علاقة الحب وانعدام الثقة انظر مقدمة:
Matilda Bruckner & others: Songs of the women Troubadours.
27 - Courtly love.
28 - Matilda Bruckner & others: op. cit., p. 139.
29 - المرجع السابق، المقدمة، ص xxix.
30 - انظر المثال، ص 5.
31 - المقري: نفح الطيب، ج2، ص 146-147.
32 - ديوان الموشحات الأندلسية، جمع سيد غازي، دار المعارف، الإسكندرية 1975، ج1، ص 511-552.
33 - Matilda Bruckner & others: Songs of women troubadours, p. 14-15.
34 - Meg Bogin: The women troubadours, p. 159.
35 - المرجع السابق، ص 91.
36 - Meg Bogin: The women troubadours, p. 103.
37 - المقطعة الشعرية: تتكون أبياتها من 3-6 أبيات. محمد عبد المنعم خفاجي: القصيدة العربية بين التطور والتجديد، دار الجيل، ط1، 1993م، ص 40.
38 - ديوان الموشحات الأندلسية، جمع سيد غازي، ج1، ص 511-552.
39 - تناولت هذا الموضوع في: دورة السونيته من القصيدة العربية القديمة حتى القصيدة العربية الحديثة، مجلة العلوم العربية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، العدد الخامس، سبتمبر 2012م.
40 - دورة السونيته من القصيدة العربية القديمة حتى القصيدة العربية الحديثة، ص 155.
41 - شاعرة مجهولة:
Meg Bogin: The women troubadours, p. 157-158.
42 - Meg Bogin: The women troubadours, p. 133.
43 - Matilda Bruckner & others: Songs of women troubadours, p. xvi.
44 - Meg Bogin: The women troubadours, p. 99.
الإحالة إلى المقال:

* د. وفاء بنت إبراهيم السبيل: شعر الغزل عند الشاعرات الأندلسيات وشاعرات التروبادور، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الرابع عشر 2014. http://annales.univ-mosta.dz

***