فلسفة الحب بين العذرية والمثالية
حيزية لابن قيطون والعقاب لكاتب ياسين نموذجين

حميدة سليوة
جامعة سكيكدة، الجزائر

الملخص:

يقدم المقال مقارنة بين شاعرين جزائريين الأول هو الشاعر الشعبي محمد بن قيطون بقصيدته الشهيرة "حيزية"، والآخر هو كاتب ياسين بقصيدته الدرامية "العقاب"، ويبحث في مسألة الحب ليس باعتبارها موضوعا لقصيدتي غزل وإنما بالنظر إلى الفلسفة التي ينطلق منها كل شاعر عندما يتحدث عن المرأة المحبوبة، فهل فلسفة الحب في النصين حيزية والعقاب عذرية عربية أم أنها مثالية أفلاطونية؟ ما هي الدلائل على كل رأي؟ ما هي المشتركات وكذا الاختلافات بين الشاعرين في مسألة الحب؟ وما هي مبررات التشابه والاختلاف؟ أما أهداف الدراسة فهي الوصول إلى حقيقة الحب المثالي الذي يجمع بين قصيدتي حيزية والعقاب، وتوضيح مظاهر تأثر الشاعرين بالنظرة التراثية العربية والغربية الأجنبية للحب.

الكلمات الدالة:

الحب العذري، حيزية، المرأة، الحب المثالي، الموازنة.

***
The philosophy of love between chastity and idealism
Hiziya by Ben Guitoun and the Punishment by Kateb as models

Abstract:

The article presents a comparison between two Algerian poets, the first is the popular poet Mohamed Ben Guitoun, with his famous poem "Hiziya", and the other is Kateb Yacine with his dramatic poem "The punishments", and he discusses the issue of love not as the subject of two poems of Ghazal, but by looking at the philosophy that every poet starts from when he talks about the beloved woman. So is the philosophy of love in the two texts Hiziya and the Punishments Arab chaste, or is it a Platonic idealism? What are the signs of each opinion? What are the commonalities and differences between the two poets in the matter of love? What are the justifications for the similarity and difference? As for the objectives of the study, it is to reach the reality of ideal love that combines the two poems of Hiziya and the Punishments, and to clarify the aspects of the poets influence by the Arab and Western foreign heritage view of love.

Key words:

chaste love, Hiziya, woman, ideal love, counterbalance.

***

النص:

يحتل الحب مكانا وأهمية بين الموضوعات الشخصية التي يحفل بها الأدب والشعر وهو خاصة روحية خص الله بها الإنسان، ومسألة مشتركة بين عدة علوم ومجالات معرفية كالأدب والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع... وغيرها.

وما يهم أكثر هو أن الحب ليس مجرد عاطفة بين رجل وامرأة؛ بل هو بؤرة التقاء المادي بالروحي والواقعي بالميتافيزيقي. يمثل الحب ثقافة مجتمع وفلسفة خاصة في العلاقات الإنسانية، ولا عجب أن تختلف نظرة العربي عن غيره إذا تعلق الأمر بالعلاقة بين المرأة والرجل؛ ويرجع الاختلاف إلى الفكر والتراث بكل نماذجه العليا.

سنحاول في هذا المقال معالجة هذا الموضوع من خلال تمظهره في نصين جزائريين أحدهما شعر شعبي للشاعر ابن قيطون وهو "قصيدة حيزية" التي تعد رمزا للحب في الشعر الشعبي الجزائري، وقصيدة "العقاب" لكاتب ياسين وهو شاعر كثرت حوله الأقوال والتصنيفات.

فما حقيقة الحب الذي يجمع بين القصيدتين؟ هل هو عذري عربي؟ أم مثالي أفلاطوني؟ وإلى أي فلسفة ينتمي ابن قيطون، ثم كاتب ياسين باعتبار أنه كاتب عالمي؟ وما هي الموتيفات الدالة على كل رأي؟ ثم ما دلالة تكرار الموضوع أو عدم تكراره؟

وسنحاول الإحاطة بهذه التساؤلات وفق خطوات نبدأها بمحاولة التعرف على مفهوم الحب في التراث العربي وتوضيح وجهة الاختلاف فيه عن ما هو في الثقافة الغربية، وصولا إلى الجانب التطبيقي الذي تتبع فيه الموضوع بين القصيدة الشعبية والقصيدة الفرنكوفونية، ثم أهم النتائج والملاحظات.

نتوسل في هذه الدراسة المنهج الموضوعاتي لقدرته على استيعاب للنصوص ومناسبته لإجراء المقارنة.

حاول الكثير من الأدباء والمفكرين العرب الإحاطة بمفهوم الحب، ووصل من الأهمية أن خصصت له رسائل ومصنفات من أشهرها: كتاب الزهرة لابن داود، وطوق الحمامة لابن حزم الأندلسي، وكتاب الرياض للمرزباني، ومنازل الأحباب، واعتلال القلوب للخرائطي، ومصارع العشاق لجعفر بن أحمد السراج، ورسالة في العشق لابن سينا... إلخ.

ويعد "طوق الحمامة" أشهر الكتب التي نظرت للحب في التراث العربي، وفيه يعترف ابن حزم بأن معاني الحب لجلالتها صعبت من أن توصف، وأن الناس أطالوا وأكثروا القول في ماهيته، أما هو فيقول: "والذي أذهب إليه أنه اتصال بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع... وكل ذلك معلوم بالفطرة في أحوال تصرف الإنسان وزوجه فيسكن إليها والله عز وجل يقول: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها" ومحبة العشق لا علة فيها إلا ما ذكرنا من اتصال النفوس"(1).

يلاحظ في كلام ابن حزم التركيز على الملامح الروحية والنفسية للحب والابتعاد عن علاقة الشهوة أو ما له علاقة بالجسد، فتعتبر العفة على هذا أول صفة يتصف بها الحب إذا أراد أن يحافظ على روحيته.

يدل الاستشهاد على تأثر صاحب القول بالوازع الديني والأخلاقي بداية باقتباس من القرآن؛ قال جل وعلا: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها"(2) فالحب حسب ما جاء في الآية الكريمة فطري في النفس الإنسانية، ثم الأخذ من الحديث الشريف الذي يقول: "الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف"، ويوضح هذا الثقافة الدينية الكبيرة المستوعبة في كتاب طوق الحمامة التي تعكس أولا ثقافة صاحب الكتاب وهو الإمام الفقيه ثم ثقافة العصر أي السياق الاجتماعي السائد (القرن العاشر للميلاد) وشيوع النزعة الدينية التي سنت مجموعة ضوابط قننت من خلالها العلاقة بين المرأة والرجل.

ولا يخفى على القارئ تأثر ابن حزم بالفلسفة اليونانية في قوله: اتصال النفوس المقسومة، ما يجعله يتقاطع مع الأساطير اليونانية القائلة بانقسام النفس إلى شطرين وأن كل شطر إذا ما التقى بنظيره حدث الحب.

ويتبين من العناية الكبيرة التي عناها العرب لهذه المسألة أن الحب مرحب به في الثقافة العربية والإسلامية من حيث هو مشاعر سامية وتوافق بين النفوس خاصة إذا قرن بالزواج.

يقر ابن حزم بعد ذلك بأن للحب علامات وأعراض، أما العلامات هي: "أولها إدمان النظر والعين باب النفس الشارع وهي المنقبة عن سرائرها والمعبرة عن ضمائرها والمعبرة من بواطنها... ومنها الإقبال بالحديث فما يكاد يقبل على سوى محبوبه ولو تعمد غير ذلك"(3)، يعبر ابن حزم الأندلسي في قوله هذا عن دور الجمال في توليد المحبة بين النفوس، ويبدو من خلال قوله أن الحب عاطفة إنسانية يتغلب فيها الهوى على العقل، حتى ليبدو المحبوب معبودا من طرف محبه، ويضيف أن للحب أعراضا كالاضطراب والانفعال مثلا والمرض والسهاد وغيرها، لكنه يصر على ضرورة الوفاء بين المحبين مهما كان المحب جافيا أو بعيدا، ويستنكر الجهر بالحب ويحبذ السرية.

وحتى نتبين الاختلاف بين النظرة العربية والنظرة الغربية في مسألة الحب سنلجأ إلى تفحص بعض الآراء في هذه القضية مع أن المنظرين الغربيين القدامى فيها كثر أمثال أفلاطون وأرسطوفان وأوفيد ودانتي والقديس برنار... وغيرهم.

نكتفي هنا برأي أفلاطون في كتابه "المأدبة" حيث يذكر فيه أن الحب أحد من الآلهة التي وجب تقديسها بل وعبادتها، ويجب أن يكون الحب لأجل الحب وليس لأجل شيء آخر، وقد جاء في الأساطير الإغريقية أنه: "كان هناك إله اسمه (Eros) الذي هو بمثابة تشخيص لتلك القوة الجبارة التي ترغم الناس على الحب والعشق والبحث عن التواصل، الواحد مع الآخر"(4). وباعتبار أن الميثولوجيا الإغريقية مرحلة مهمة في فهم الثقافة الأوروبية يمكن القول بأن مفهوم الحب الغربي ناتج عن هذه الأساطير التي عرفت في أشعار سافو ويوروبيس.

وقد وصف هذا الإله بالطيش والجنون والشهوة الجامحة، وقرن بأفروديت آلهة الحب والجمال التي مثلت رقة الحب وهدوءه.

ويتلخص تصور أفلاطون للحب من خلال فكرة الارتقاء بالحب أي "تأكيد الصلة بين الحب والمعرفة، فالحب عند أفلاطون هو صيرورة المعرفة المتحركة، المنتقلة من مرتبة إلى أخرى... فلسفة الحب عند أفلاطون ترتقي بصورة عضوية إلى علم الجمال"(5)، تبدو واضحة صلة الحب عند أفلاطون بالمعرفة والجمال والارتقاء من حب الجسد إلى حب النفس ثم حب المعرفة والجمال وهما أسمى، وفي هذا تقديس للحب من خلال تقديس المعرفة والجمال وهو أقرب للعبادة منه للحب البشري خاصة إذا ربط بالزهد والروحية حتى ليجوز القول إنه حب ملائكي.

أما الشاعر اللاتيني أوفيد (43 ق.م-18م) الذي خلف ثلاث رسائل هي في الحب وفن الحب والشقاء في الحب؛ وهي عبارة عن سخرية مما كتب في الموضوع آنذاك، ثم يتحدث الشاعر عن تجاربه الشخصية وأخيرا يقدم نصائح وإرشادات لمن يريد أن يتخلص من الحب، يقول أوفيد في مسألة الحب والزواج: "لا حب بين الزوج وزوجته وأن خير من يتخذ الرجل من خليلة زوجة شخص آخر"(6).

يبين هذا الاختلاف العميق بين النظرة العربية والأخرى الغربية في مسألة الحب بين الرجل والمرأة؛ حيث تعد الثقافة العربية الحب بين الزوج والزوجة أسمى أنواع الحب حتى أن الشارع وضع كل القوانين من أجل الربط الشرعي بين المحبين، والحب بين الأزواج هو الحب الوحيد غير المنكر في العرف والتقليد العربي، أما في ثقافة الآخر ونمثل لها بأوفيد ثم الكنيسة من بعده والتي رأت أن أي علاقة عاطفية بين الزوج والزوجة تؤدي إلى تغييب العقل؛ والحب على هذا الاعتبار مجرد انفعال يجب التخلص منه، وهكذا فالحب في الثقافة الغربية إما عاطفة مثالية بل إلهية تقترب من التعبد وتبتعد عن ما هو إنساني، وإما علاقة سرية خارج إطار الزواج.

1 - حيزية والعقاب:

اشتهر محمد بن قيطون بقصيدة "حيزية" التي تحكي قصة حيزية بوعكاز بنت أحمد بن الباي وابن عمها سعيد، وهي قصة حب بلغت الخيال من كثرة الروايات وتضاربها، وهما من قبيلة الذوادوة أحد بطون رياح من بني هلال، وتقول القصة أن سعيدا كان يتيما وقد عاش منذ الطفولة في كنف عمه أحمد بن الباي، فتربى مع حيزية في بيت واحد وولد الحب بينهما إلى حين كبرا، لكن الموت لم يمهلهما حتى يهنئا بحبهما؛ إذ توفيت حيزية وترجح الروايات أن موتها غير طبيعي، وبأن والدها عرف بالعلاقة التي كانت بينهما وكان رجلا شديدا فوعد بتزويجها لشخص آخر، وانتحرت حيزية حتى لا تخضع لقرار والدها، أما سعيد فقد تاه في الصحراء، وابن قيطون من المعاصرين لحيزية وسعيد وكانت قصيدته سببا في شهرة هذه القصة.

تنشأ قصة حب بين سعيد وحيزية، ومن المعروف أن الأعراف تمنع زواج الرجل من المرأة التي يريدها إذا كان هذا الرجل هائما بها، وبهذا تعمل العادات والتقاليد (مرسل) على التفريق بين الحبيبين، من خلال الأب أحمد بن الباي (فاعل) الذي يقوم بإنجازات تتلخص في التخطيط من أجل تزويج حيزية (المرسل إليه) من رجل لا تريده (المساعد)، حتى في وجود سعيد الذي لا يرضى بالقرار (المعارض)، لكن رد فعل سلبي، وكذلك هو رد فعل حيزية؛ التي ترضخ لقرار والدها فتقبل الزواج التقليدي الذي دبره لها، وبهذا يصطدم الحب بمشكلة الأعراف التي حملته كل إثم وعار، ما أدى به بهذه القصة إلى نهاية مأساوية (الموت).

امتزج الغزل بالرثاء في قصيدة حيزية ومما يميزها أنها كتبت في امرأة ميتة، وهو نوع مثالي من الحب.

يعود هذا الحب المثالي للظهور عند كاتب ياسين في قصيدة العقاب. وقد جمعت كاتب ياسين علاقة قوية بالشعر الشعبي خلال اشتغاله في الصحافة "بالجزائر الجمهورية" ما بين 1949 إلى 1950، تقول جاكلين أرنو في هذا الشأن: "بدأ يتجه إلى الشعر الشعبي حيث قدم وترجم لعدة شعراء سيدي مولاي، قروم كاديري، محمد بلخير، عبد الله بن خيرونة، وقصيدة قبائلية لسي محند، والقصيدة الشهيرة جمال حيزية، قصائد كاتب ياسين بعد زمن طويل منها تسترجع بعض الأبيات هذا ما نجده في قصيدة العقاب عام 1959"(7).

وتتخذ القصة عند كاتب ياسين مسارا آخر، فهي قصة حب بين زوجين وهما الأخضر ونجمة، يموت الأخضر وتحلق روحه في السماء على شكل عقاب، فالطرف المفرق بينهما هو الموت فجن نجمة من أثر هذه الصدمة جنون الثورة، لكن هذا الوضع لا يدوم، فيعود الحبيبان ليلتقيا ويجمع الموت بين روحيهما.

أما اللقاء بين الحبيبين فلا يتم إلا عبر محنة الموت المعبر إلى غير الموت (الخلود)، فيتحقق لقاء آخر: فموت الأخضر لم يعن نهاية القصة إذ أنه وضع أولي، تتبعه مجموعة من الإنجازات (عودة العقاب)، يقوم بها الفاعل الأخضر، بتحفيز من الأجداد (المرسل)، ثم تقدم نجمة (المرسل إليه) نفسها للعقاب (أي موت) ما يؤدي إلى استعادة التوازن ويتحقق لقاء آخر.

وهنا يظهر الفرق بين القصتين؛ حب حيزية وسعيد وإن كان عذريا فهو فاشل وقوبل بالمنع أولا ثم الموت، وهو إعلان عن عجز وفشل، ولا يؤدي هذا إلى أية نتيجة إيجابية من استقرار أو توازن.

أما قصة العقاب فهي قصة رمزية تأخذ بعدا تجريديا الدال فيها الأخضر ونجمة والمدلول الشعب والوطن وكل موت يتعرض له عاشق الجزائر هو إعادة بعث لشهيد الوطن الحي الذي لا يموت، وكل سقوط للجزائر هو ميلاد جديد لهذه الحبيبة، والسر في هذا الخلود هو ذاك الحب الكبير الشبيه بالعبادة.

أول ما يثير الانتباه في موضوع الحب من خلال هاتين القصيدتين هو أنه ليس عذريا عفيفا فقط، بل يتجاوز حدود العفة إلى المثالية لهذا سميناه بالمثالي.

2 - الحب المثالي:

لا يقتصر الفرق بين حضارتين على الاختلاف في اللغة والمعتقد والإنجازات، إنه يضم العلاقات الاجتماعية والضوابط التي تحكمها، كما هي الحال مع العلاقة رجل/امرأة التي تتحدد في المجتمع العربي من خلال الزواج والحب بهذا الترتيب، فالحب الوحيد المباح في العرف العربي هو حب الزوجين، أما الحب العذري فهو عاطفة عظيمة ظهرت في قصيدة حيزية عبر عدة موتيفات أولاها، الفكرة السامية للحب: يصل الحب فكرة سامية، تصدق فيه المشاعر فقط وتسمو وترقى، هكذا كانت مشاعر ابن قيطون الذي يعادل "سعيد"، يقول(8):

خطفت عقلي وراح مصبوغة الألماح
يفت الناس الملاح زادتني كية

تجعل لوعة الفراق سعيدا يتجاوز العشق إلى الجنون، قبل أن يصبح هذا الحب مثاليا(9):

تسوي خيل الشليل نجمة شاو الليل
هذا حب أمثيل في أختي طب دوايا

فتتحول حيزية من مجرد امرأة محبوبة إلى رمز في الجمال والعفة، لهذا لا ينقطع سعيد عن محبتها حتى بعد موتها، لأنها تبقى في الذاكرة الجميلة والمحتشمة، والمحبة الصوفية.

يعبر الحب المثالي بهذا عن حلم جمعي تهدف من خلاله الجماعة إلى ترسيخ الأخلاق الرفيعة، فيرسخ الشاعر في قصيدته لهذه القيم مما يدل على الارتباط العميق بالجماعة.

تقودنا هذه الجزئية إلى جزئية أخرى هي العفة: يرفض العرف العربي فكرة علاقة بين رجل وامرأة إن لم تكن ضمن إطار الزواج، لهذا فإن وجدت علاقات دون الزواج تشترط الأعراف العفة، خاصة فيما يتعلق بالمرأة فهي تعادل شرف الجماعة وكرامتها، ومن هذه القيمة الأخلاقية شاعت في البيئة العربية قصص العشاق العذريين واشتهروا بحب عفيف طاهر، ويمظهر في قصيدة ابن قيطون(10):

واجحاف مغلقين والبارود ينين
الأزرق بيا يمين ساحة حيزية

يذكر أن الهودج مغلق مما يعني الفصل بين الجنسين في قبيلة الحبيبين المفجوعين، وهذا اعتراف من الشاعر ومن ورائه سعيد بصعوبة اللقاء بحيزية فهي لا تخرج من هودجها حتى في حالة الرحلة، ما يعني أن العلاقة كانت روحية ولم تكن جسدية، لهذا يعترف الشاعر في كل أبيات القصيدة بنبل هذه الحبيبة وطهارتها، فهو يجعلها مرة سيدة للنساء (رايسة الغيد)، وأخرى نجمة (الضواية) في سموها وصعوبة إدراكها.

وتعتبر كلمة "أختي" التي تواترت في كامل القصيدة دليلا على طهر الحب يقول ابن قيطون(11):

بعد أختي ما زاد يحيا في الدنيا

يوحي هذا بأن العلاقة لم تتجاوز الحدود الأخلاقية والعرفية، فلا تسمى العشيقة أختا كما هو معروف.

ارتبطت العفة وهي من آداب الحب، في الذهنية العربية بالإثم والعار لهذا سنت الجماعة هذا الشرط الذي يجب أن يتوفر في كل علاقة حب بين امرأة ورجل، كما أكد عليه المنظرون لفلسفة الحب عند العرب؛ فلا مكان للغاية الجنسية في علاقة الحب العذري.

ومن الموتيفات التي عرف بها الحب العذري العربي كذلك، الخضوع التام للمحبوب: يعتقد المحب بأن العاطفة اتجاه المحبوبة تسيطر عليه، وبأنها السيدة وهو الخادم، يقول بن قيطون(12):

تحوس في المروج بخلاخيل تسوج
عقلي منها يروج قلبي وعضايا

الرجل في التقاليد العربية هو المحب والساعي في طلب المحبوبة، ويعتبر الوفاء للمحبوبة والإعلاء من شأنها من كرم الطبع ومن مواصفات الفارس العربي، حتى وإن كانت العلاقة تسير في اتجاه واحد، ومن مظاهر الخضوع للمحبوب أن المحب دائم التفكير بمن يحب، يقول ابن قيطون(13):

نتفكر فيك يا أختي غير أنتيا

يسيطر الحب على العاشق فلا يفكر إلا في معشوقته، فهي تملأ خيالاته وتصوراته، فتنتابه حالات قلق ويأس وهي من أعراض الحب المرضية.

أعراض الحب المرضية: تؤدي شدة الكتمان بالمحب إلى القلق والشك وربما التوهم بالمرض، يقول صاحب حيزية(14):

داروها في أكفان بنت غالي الشأن
زادتني حمان مخي وأعضايا

يصاب العاشق بالتوتر والمرض إذا فارق حبيبه أما إذا كان الفراق فراق الموت فالمصاب أعظم، لوعة الحب والكتمان والانفصال الأبدي، مما يولد آثارا جسدية قد تكون حمى أو إغماء على حد تعبير الشاعر الشعبي؛ يقول(15):

أسعيد في هواك ما عادش يلقاك
كي يتفكر سماك تاتيه غمايا

يحكي سعيد أن تذكر حيزية يؤدي به إلى الإغماء، كأن هذا الحب استلاب يؤدي به إلى افتقاد الإحساس بالعالم، فلا يشعر إلا بحبه، هذا ما يوهمه بانعدام التوازن في غياب المحبوب، بل يصل به الأمر إلى اعتقاد أن الحب يودي بالحياة(16):

منهم روحي فنات الاثنين رزايا

يوحى إلى المحب أنه سيجن أو يموت من شدة تتيمه، وهذا تشترك فيه كل قصص الحب العذري العربي فجميعها تنتهي بمأساة الموت أو الجنون أو الاكتئاب أو حتى الانتحار، ويظهر أن هذا الحب وإن كان مثاليا وحلما جميلا تهدف من خلاله الجماعة إلى ترسيخ قيم معينة وفي المقابل الردع عن سلوكات معينة ترى أنها غير أخلاقية وغير رفيعة، فإنه يفتقر إلى الإشباع العاطفي ولا يحقق أي توازن من الناحية الاجتماعية والنفسية، وتبقى حيزية حلما مستحيلا بامرأة مستحيلة.

يتجلى هذا الموضوع عند كاتب ياسين في الفكرة السامية للحب، يقول الشاعر في قصيدة العقاب:

"ولا يكون محب
إلا من كانت لديه
الفكرة السامية عن الحب"(17).

تعبر العلاقة مع المرأة الوطن حب مستحيل ما كان ليتحقق، وأفضل طريقة هي التخلي عنه وفي الاستسلام له في الوقت نفسه حتى يصبح الحب علاقة إنسانية سامية.

وهي الفكرة نفسها الواردة في قصيدة ابن قيطون مع تغير أطراف العلاقة؛ من عاشق يائس إلى عقاب قاتل ومفترس اختطف روح حبيبته ليضمها إلى روحه في عالم الأرواح، الفكرة السامية للحب هي نفسها الحب العذري (ثابت)، وهو خاصة تميز الغزل في الشعر الشعبي الجزائري بها ومثالنا عنه قصيدة حيزية، يزداد تقديس الشاعر للحب في قصيدة العقاب فيقول:

"كما وأن الحب
وهو في حد ذاته عبادة"(18).

ينبني الحب في الثقافة العربية على الاحترام والإخلاص والوفاء بين الأزواج وليس على العبادة، وهو نوع من التصوف في الحب؛ يرفع فيه المحب من شأن المرأة المحبوبة حتى تصل العاطفة حدود التعبد، ونتجت هذه فكرة الوافدة على مجتمعنا عن أفكار يونانية وأفكار أفلاطونية قدس فيها الحب وعبد، وأخرى مسيحية؛ فقد عرفت في الشعر التروبادوري حين انصرف الشعراء "عن التغني بالحب بين الرجل والمرأة إلى تمجيد السيدة العذراء في مدائح أو غزليات تحل فيها العذراء محل السيدة المعشوقة في أغاني الحب"(19).

يتجاوز الحب في هذه الحالة العذرية إلى العبادة، فلا يصح في حالة المرأة غير العادية (الآلهة) إلا العبادة، وهي الفكرة التي استعارها كاتب ياسين ليمزجها بالعناصر العربية الموروثة: يلحظ تغير في موتيفات الحب المثالي فبعد أن كان مثالي عند ابن قيطون أي لا نظير له، أصبح عبادة مع كاتب ياسين والعبادة أسمى درجة، يعزى التبدل إلى تغير الأزمنة والثقافات خاصة وأن كاتب ياسين مطلع على الأدب الأجنبي وقصص الحب الأفلاطوني، فالمجتمع المسلم لا يقر بالعبادة إلا لله عز وجل.

الحب عند كاتب ياسين مستحيل، وقد يكون ناتج عن تجربة شخصية عاشها، ملأت كيانه فجعلته يتخذها رمزا في إبداعه، وعن هذه التجربة يتحدث أحد المقربين منه: "حب نجمة بالنسبة إلى ياسين هو بداية الحب، ولكي يعيش ويلتزم بقضايا، ويلتزم أيضا مع نجمة، كان عليه أن يسحب العلاقة الحسية والشهوانية تتجاوزه حتى حبيبته، هذا التجاوز هو، أولا الشعر والمسرح والرواية، وثانيا هو الجزائر"(20).

حرر كاتب ياسين الحب من هواجس الحب العادي وجعله عاطفة إنسانية؛ تجاوز بها عشق الرجل للمرأة إلى ما هو أسمى، وضخم رمز الحبيبة ليستوعب الوطن وحلت الجزائر محلها، وتضافر هذا مع نمط آخر حلت فيه الأم/الوطن محل الحبيبة، لذا فالحب لها وحدها لا يوفي حق امرأة بكل هذا الحجم، بل الحب السامي والعبادة معا، أما تكرار الموضوع فهو يدل على هيمنته في المجتمع الجزائري وتعلقه بالموروثات النفسية.

ومن بين الموتيفات التي ظهرت في نص العقاب، الحشمة: وهي واحدة من تمظهرات العفة، يصف العقاب امرأته بالمحتشمة فيقول:

"هل شوشت على حشمتها (sa pudeur)
لكي تأتي لتفسدني
بثمن جرح رهيب"(21).

يضع هذا العقاب العاشق القارئ في حيرة، هل المرأة حية أم ميتة؟ لكنه يقر في الحالتين بأنها عفيفة، وهي واحدة من الصفات التي يحبذها الرجل العربي في محبوبته ومن مكارم الأخلاق، وقد كيفها الشاعر مع موضوعه فعبرت عن المرأة الميتة التي ظلت حية، الطهارة. يقول:

"مسود من قبل
قريب من طهارة
الشريكة"(22).

يصف الشاعر جسد محبوبته بأنه جسد شبيه بجسم السمكة، وهو طاهر كمثل صاحبته عفيفة ومحتشمة، وتأخذ الطهارة دلالة دينية حسية ومعنوية، ويكون الجسد الأنثوي طاهرا إذا لم يعرف العلاقة الجنسية المحرمة، وربما قصد بها الشاعر امرأته المستحيلة التي وإن بدت في غير هذا النص ثيبا فقد ظلت عذراء لم يمسسها أحد، بدليل أن الوصف بالعذراء تواتر في القصيدة خاصة إذا نظرنا إلى البعد الرمزي لهذه المعشوقة التي تعادل الحبيبة الوطن والعذراء رغم الاستعمار والاغتصابات؛ وفي هذا تقديس من الشاعر للمرأة المذكورة (نجمة).

إخفاء اسم المحبوبة: استخدم كاتب ياسين أكثر من كنية ليعبر عن المرأة التي يحبها متجنبا أن يذكر اسمها، وهذه من عادات الغزل العربي "استخدام الكنية لإخفاء هوية المحبوبة"(23). يدخل هذا في باب مراعاة الذوق العام، والتزام السرية والكتمان في الحب، وقد تمظهرت هذه الخاصية عند الشاعر في قوله: "مقيد من طرف امرأة غير معروفة"(24).

يبدو أن للشاعر من وراء إخفاء هوية المحبوبة غرضا ما، أليست معروفة؟ وهي نجمة (المرأة/المتوحشة)، إنه بهذا يزيد من هالة الغموض التي تحيط بها، والغرض الفني لا يتعارض مع الغرض الإيديولوجي، فهي غير معروفة للناس أما هو فيعرفها إنها امرأة بحجم وطن، تقيده بحبها وتفرض عليه التفاني من أجلها. يقول كذلك:

"هذه المجهولة
الشهيرة من قبلي أنا وحدي"(25).

وظف الشاعر أكثر من لقب لحبيبته بداية بالميتة، العذراء، الحارسة المراوغة، السعلاة حتى المجهولة الشهيرة وكل هذا الحرص على سرية المحبوبة من ناحية هو أضمن لاستمرارية الحب، ومن جهة أنسب لنمو الفكرة وتجريدها وبالتالي ابتعادها عن السطحية.

من الأوصاف التي تتصف بها العاطفة عند كاتب ياسين أنها دون علاج، وهذا ما يذكر بما اتصف به الحب في حيزية، أعراض الحب المرضية. يقول:

"دوار البحر
دوار الجو
دوار الحب
هو من غير علاج"(26).

يؤدي الخضوع التام للمحبوب إلى الإحساس بأعراض مرضية، أما إذا كانت المرأة بالحجم الرمزي لنجمة، فالحب لا علاج ومتعذر الشفاء منه، وإن ظهرت على المحب العافية. ويقول أيضا:

"من عشيقين
يحملان الوباء"(27).

يظهر التشابه مع صفات الحب العذري، فالمحب العربي كثيرا ما تنتابه حالات إحباط وقلق توهمه بأنه مريض الأمر الذي يسبب له اليأس.

يمثل الحب مظهرا للتقاليد الثقافية ويبرز قيمة اجتماعية خاصة بشعب دون أخر، ويظهر أن كلا الشاعرين متأثر بالنظرة العربية إلى الحب والتي اجتهدت من أجل تنظيم العلاقة رجل/امرأة؛ ضمن علاقة حب مثالي وعفيف وسري، وهذا بتأثير من الوازع الديني الذي سن قوانينه من أجل الجمع الشرعي بين المحب والمحبوب، وبتأثير الأعراف التي تعتبر الحب غير السري مجلبة للعار.

وتكشفت في كلا النصين (حيزية والعقاب) الملامح الروحية والنفسية للعاطفة السامية، في مقابل الابتعاد عن الغاية الجسدية وهذا ما يدفعنا إلى الاستنتاج بأن الحب عند كليهما (شاعر قديم وآخر حديث) ارتبط بنزعة صوفية راعت مرضاة الله والمروءة، ووضعت اعتبارا للآداب العامة، ويدل هذا على أن الحب العذري هو حلم اجتماعي وأخلاقي نما في الذات العربية بفعل الدين والعادات، وقصص العشاق العذريين والحسيين، وقد تتدخل عناصر أجنبية وإن كان هذا المؤثر ضعيفا لانغلاق البيئة العربية قديما، لكن الفرق الملاحظ بين الشاعرين هو أن الحب عند بن قيطون مكبوت ومأساوي ومليء بالحرمان، أما عند كاتب ياسين فهو خالد ومنتصر ولا نهاية له وهذا يعزى للوضعية التي يتخذها الشاعر من المحبوبة، أي الفرق بين امرأة واقعية (حيزية) وامرأة خيالية رمزية (نجمة/الجزائر).

التأثير الأجنبي وارد في حالة كاتب ياسين، لكن المؤثر العربي أسبق ثقافيا لتعلقه بالموروثات الجماعية والأنماط العليا.

الهوامش:
1 - ابن حزم الأندلسي: طوق الحمامة في الألفة والألاف، مكتبة عرفة، دمشق، ص 5-6.
2 - الأعراف، الآية 189.
3 - ابن حزم: طوق الحمامة، ص 10-11.
4-فياتشيسلاف شستاكوف: الايروس والثقافة، فلسفة الحب والفن الأوروبي، ترجمة عيون السود (نزار)، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق 2010، ص 16.
5 - فياتشيسلاف شستاكوف: المصدر السابق، ص 35.
6 - محمد إسماعيل الموافي: الطروبادور... والحب الرفيع مشكلة في التعريب، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد 11، العدد الثالث، أكتوبر-نوفمبر 1980، ص 123.
7 - Jacqueline Arnaud : La littérature maghrébine de langue française, T.2, le cas de Kateb Yacine, Publisud, France 1986, p. 145.
8 - محمد بن قيطون: حيزية، ضمن توفيق ومان: أنطولوجيا صوت المكبوت في الشعر الملحون، منشورات المكتبة الوطنية، الجزائر 2007، ص 17.
9 - المرجع نفسه، ص 21.
10 - المرجع نفسه، ص 15.
11 - المرجع نفسه، ص 19.
12 - المرجع نفسه، ص 15.
13 - المرجع نفسه، ص 18.
14 - المرجع نفسه، ص 17.
15 - المرجع نفسه، ص 22.
16 - المرجع نفسه، ص 19.
17 - Kateb Yacine : Le vautour, le cercle des représailles, Editions du Seuil, Paris 1994, p. 164.
18 - Ibid.
19 - محمد إسماعيل الموافي: الطروبادور... والحب الرفيع، ص 115.
20 - عمر المختار شعلال: كاتب ياسين الرجل الحر، ترجمة بوحميدي محمد، دار القصبة للنشر، الجزائر 2007، ص 51.
21 - Kateb Yacine : op. cit., p. 160.
22 - Ibid.
23 - محمد إسماعيل الموافي: المرجع السابق، ص 115.
24 - Kateb Yacine : op. cit., p. 160.
25 - Ibid., p. 162.
26 - Ibid., p. 167.
27 - Ibid.
الإحالة إلى المقال:

* حميدة سليوة: فلسفة الحب بين العذرية والمثالية - حيزية والعقاب نموذجين، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث عشر 2013. http://annales.univ-mosta.dz

***