حول النشوء التاريخي للعلوم العربية الإسلامية

د. إسماعيل نوري الربيعي
الجامعة الأهلية، البحرين

الملخص:

كانت التطورات التي ظهرت في الدولة العربية الإسلامية، قد فرضت جملة من الحاجات التي ارتبطت بالجانب العلمي. وبانفتاح العرب على معارف الأمم الأخرى مثل الفرس والهند واليونان، وتنوع الكتابات وتعدد الموضوعات التي تعرضت لها، كان من الطبيعي أن يواجه العرب اختلافا واضحا في المناهج والأساليب والطرق العلمية، والواقع أن كل هذا قد ترك أثاره في الأسلوب الذي انتهجه العالم العربي. وبقدر انفتاح العرب على الفلسفة اليونانية، فإن هذا الانفتاح كان يتبدى واضحا في طرق الكتابة وأساليب المعالجة للأفكار الواردة في شروحاتهم وكتاباتهم. فالتأثير يبرز عادة من الأصول التي تم استقاء المعرفة منها، وليس أدل من وضوح اللمسات الهندية في علم المثلثات العربي على سبيل المثال.

الكلمات الدالة:

تاريخ العلوم، الحضارة العربية، الإسلام، الفلسفة، التأثر.

***
About the historical development of Arab-Islamic sciences

Abstract:

The developments that appeared in the Arab Islamic state imposed a set of needs that were associated with the scientific aspect. With the openness of the Arabs to the knowledge of other nations such as Persia, India and Greece, and the diversity of writings and the multiplicity of topics that were exposed to it, it was natural for Arabs to face a clear difference in curricula, methods and scientific ways, and in fact all of this left its traces in the method adopted by the Arab world. As far as the openness of the Arabs to Greek philosophy, this openness was evident in the ways of writing and the methods of treatment of the ideas contained in their explanations and writings. The influence usually emerges from the origins from which the knowledge was derived, and it is not evident from the clarity of Indian touches in Arab trigonometry, for example.

Key words:

history of science, Arab civilization, Islam, philosophy, influence.

***

النص:

تقول العرب لكل شيخ طريقته، على اعتبار الفروق الفردية لكل عالم ومفكر، هذا بالإضافة إلى هيمنة طبيعة الموضوع، الذي يتحدد عادة بنمط محدد من الإجراءات، وهكذا تعامل العرب مع الموضوعات العلمية بنفس أقل ما يقال عنه "تقدميا" على اعتبار الوضوح والأمانة والدقة والصبر والأناة. كل هذا يقترن بطبيعة التعاليم الإسلامية التي كانت تؤكد على مبدأ التسامح واحترام حقوق الآخرين والتواضع والتعاون(1). ومن هنا أيضا تم إنتاج العلم العربي بثقافة إسلامية عامة شاملة لكل الأجناس والأقوام التي عاشت في كنف الدولة العربية الإسلامية(2)، واحتضنت أصحاب المواهب والكفاءات العلمية من الديانات الأخرى، ليقدم الصابئي والمسيحي واليهودي نتاجه العلمي في خدمة الأمة والدولة. وليس أدل من تمثل المسلمين للروح الإنسانية، من المقولة الشهيرة التي أطلقها الخليفة علي بن أبي طالب، حين أعترض عليه أحد المسلمين، عندما ساوى بينه وبين رجل ذمي، إذ أجابه قائلا: "إن لم يكن صنوا لك في الدين، فهو صنو لك في الإنسانية".

ومهما قيل عن محدودية مشاركة العنصر العربي(3) في إنتاج العلم، وأن القسط الأكبر كان قد ظهر على يد العناصر غير العربية إلا أن النتاج كان يصدر باللغة العربية، التي مثلت الحاضن الثقافي، من خلال استيعابها لمفردات ومصطلحات العلوم الجديدة. وهذا ما يتبدى وبشكل جلي في شمولها وبساطتها وقدرتها على إيصال المعاني والأفكار بشكل واضح، حتى أن مهمة علماء اللاتين الذين قاموا بنقل التراث اليوناني الذي ترجم إلى العربية، وجدوا مهمتهم واضحة ومترابطة، ولا تحتاج إلا جهد الترجمة، فالأفكار يمكن استيعابها، والكتب العربية التي احتوت العلم العربي يسودها التبويب والتدرج(4) والنتائج الدقيقة.

برزت جملة من المؤثرات في تكوين العلم العربي، كان الأهم من بينها تطلعات العلماء غير المسلمين، للتوجه إلى مراكز علمية تتقارب وميولهم الفكرية والعقيدية، فمهما كان القول على التسامح، والآلفة التي كانت سائدة في الحضارة العربية الإسلامية، إلا أن الخصائص الفردية كان لابد لها، أن تظهر تأثيراتها، وعلى هذا اتجه العلماء النصارى للنهل من المعين اليوناني، حتى كانت الترجمات بأغلبها تعود إلى هذه الأصول. هذا بالطبع إضافة إلى أن هؤلاء العلماء كانوا يمثلون شريحة لها كيانها وتأثيرها في المجتمع العربي، بالإضافة إلى الطابع الوجداني الذي تمثله المسيحية والذي يلتقي مع الدين الإسلامي. وهنا بالذات(5) كانت المناظرات والمحاورات العقلية، التي مهدت السبيل لتجليات العقل البرهاني، لاقتحام مجال العلوم التطبيقية من كيمياء ورياضيات وطب وفلك.

كانت وحدة التعبير قد تجلت في أبهى صورها، عند العلماء العرب، بمختلف انتماءاتهم وميولهم وأهوائهم، والمطالعة الدقيقة والناقدة للمؤلفات العلمية التي تم إنتاجها في المجال العربي الإسلامي، تؤكد الخضوع الشامل للهوية الحضارية العربية بشكل إجماعي. حتى غدا من العسير اكتشاف هوية الكاتب الأصلية، إن كان مسيحيا أو يهوديا، وهكذا تعاملت أوربا حين ترجمت النتاج العلمي العربي، وفق معيار موحد يقوم على عروبته وإسلاميته.

على الرغم من التطلع الواسع نحو ترجمة النصوص اليونانية، إلا أن الترجمة توجهت نحو العلوم الهندية والفارسية والسريانية، وبهذا تميز العلم العربي بسمة الانفتاح والتحرر من القيود والجمود. ولم ينزع العالم العربي إلى إغماط حقوق العلماء، بل كانت الجهود والحقوق محفوظة، نتيجة لسيادة قيم النزاهة في المنظور العلمي، والواقع أن مجال الترجمة كان من الأعمال الدقيقة التي تستدعي المعرفة الحاذقة والتامة باللغتين التي يتم النقل عنها ولها، ولذلك كانت العناية باختيار المترجمين وإخضاعهم المباشر للمتابعة والمراقبة الصارمة، على اعتبار أن هذا العمل يرتبط بنقل الأصول التي، إذا ما تعرضت للتشويه، فأن النتائج ستكون على البناء العلمي(6)، الشامل الذي كان يؤمل منه الكثير.

ومهما حاول البعض من الباحثين في مجال تاريخ العلوم، الإقلال من دور العرب العلمي، ودمغهم بوصمة النقلة والحفاظ على تراث الآخرين، فإن الواقع كان يشير عكس ذلك. فإذا ما أخذنا الترجمة بعينها، لوجدنا فيها جهدا سخيا وافرا، لا يقل شأنه عن أي إبداع آخر، خصوصا إذا ما كانت الترجمة أمينة وأصيلة وقادرة على نقل الأفكار بموضوعية وشمول. قد يمكن التغاضي أو ربما إمرار بعض الأفكار التي تظهر في مواضيع العلوم الإنسانية، إلا أن العلوم التطبيقية لا يصدق عليها(7) هذا الأمر، لخضوعها المباشر إلى التجربة والملاحظة.

كان لحالة الاستقرار والتنامي أثرهما في التطلع نحو الترجمة، التي تحقق المعرفة بتجارب الأمم الأخرى، والمستوى الذي وصلوه في مختلف المجالات. فالرغبة الشخصية التي يشير إليها المؤرخون لدى بعض الخلفاء والأمراء، لم تكن الدافع الوحيد، بل أن حالة التقدم ووفرة الأموال التي خلفتها الفتوحات الإسلامية، وحالة التلاقي المباشر مع الأمم ومحاولة التناغم والتفاهم مع ثقافاتها يكاد يكون الأثر الأهم في ولادة ظاهرة الترجمة بهذه الكثافة والقوة. فيما كان للعاملين الديني والسياسي أثرهما في محاولة فهم الظواهر التي غدت تستشري في الواقع الإسلامي، لاسيما في موضوعات الفرق الدينية والمذاهب والعقائد ومحاولات استيعاب العقيدة السليمة، أو حالة الصراع السياسي(8) الذي احتدم بين الأطراف المؤثرة والتحولات التي ظهرت على الدولة في أعقاب وفاة الرسول "صلى الله عليه وسلم"، وتقلب الأحوال السياسية ما بين "راشدية - أموية - عباسية" والظروف المتعلقة بمفاهيم الخلافة - الأمارة - الشورى. وإذا ما كان الإسلام بروحيته العربية قد تم استيعابه في الفترة المبكرة، فأن دخول العناصر الأجنبية أقحم عليه الكثير من الأفكار والعقائد، التي صارت محورا غنيا للمناظرات الدينية، إن كان في المجال الإسلامي(9) المحض أو ما بين الإسلام والأديان الأخرى، أو مع بعض التيارات الأخرى كالملحدين على سبيل المثال.

إن طبيعة العقل العربي التي تقوم على البساطة والوصول إلى الحقائق بأقصر السبل، جعل التوجه نحو ترجمة الفلسفة والمنطق أمرا ضروريا، للتمكن من استثمار خطوات المنهج الذي استخدمه مناظروهم الذين استعانوا به بشكل صارم، كما أن المواجهات والمناظرات وبحكم استمراريتها، فرضت على المسلمين الاستعانة به، كمنهج استدلال عقلي، وليس كعقيدة بديلة. لعل الدليل الأبرز في هذا يكمن في تطلع الترجمة نحو موضوعات محددة، تمثلت في المنطق والفلسفة والعلوم الطبيعية، والتي كان للعرب دور الحفاظ فيها على تراث اليونان العلمي وتقديمه إلى أوربا بشكل منظم مستند إلى(10) الشروح والإضافات الدقيقة.

تعرض موضوع الأصول العلمية للكثير من البحث والتقصي، ما بين أنها تعود لليونان، أو الفرس أو الهنود، إذ يشير ابن النديم إلى أن مصدر العلوم كانت اليونان وقد لعب دور الوسيط لها العرب، حيث برزت حركة نقل الكتب من الفارسية إلى العربية على يد مجموعة من المترجمين كان(11) من أبرزهم أبن المقفع. في حين يعارض أبن خلدون هذه الفكرة ويشير إلى أن أصل العلم كان في بلاد فارس وقد تم نقله إلى(12) اليونان عن طريق الإسكندر. أما أبن أبي أصيبعة فيشير إلى أن العلوم وصلت إلى اليونان عن طريق مصدرها الأصلي وهي(13) بلاد الهند.

برز العديد من العلماء الموسوعيين، الذين اجتهدوا في أكثر من مجال علمي، وتمكنوا أن يضعوا الشروح والمؤلفات في ميادين العلوم الإنسانية والطبيعية، ولعل الرازي (ت 313هـ) يعد خير شاهد على هذه الظاهرة، حيث أتخذ من المنهج النقدي أساسا لكل الأعمال التي تعرض لها، وأعلن بشكل واضح عن أهمية الحرية الفكرية وأنها السبيل لبلوغ أعلى المراتب بالنسبة للحضارة(14). فيما برز الجاحظ في الفلسفة والأدب، وتمكن من تقريب موضوع الفلسفة وتبسيطها، وتقديمها واضحة إلى الوسط العربي، أما أبو حيان التوحيدي فقد تمكن من صياغة أفكاره بسلامة وعمق ووضوح، ولم يختلف في ذلك أبن النديم الذي اتصف بالأمانة والموضوعية، أو عمق الأفكار ودقتها لدى الفارابي الذي أنتقل بالفكر من مجال التنظير إلى التطبيق، وابن سينا الذي جعل من المنطق الأساس الذي يستند إليه في البحث العلمي حتى قيض له أن يضع الشروح وتقديم النقد العلمي البناء، المستند إلى الأساس العلمي نحو أساطين الفكر اليوناني مثل أفلاطون وأرسطو، مشيرا إلى أنه لا يوجد إنسان معصوم عن الخطأ، بل من لا يعمل لا يخطئ، وقد طبع بهذا الاتجاه نتيجة للمنهج التجريبي الذي عمل عليه واستوعبه بشكل واضح وراسخ(15).

خضع تصنيف العلوم عند العرب للفكرة السائدة لدى أرسطو الذي عمد إلى تصنيفها وفق أساسين؛ الرياضي والفيزيائي، حيث يخضع الأول لاعتبارات العدد والحجم، أما الثاني فيهتم بوزن العناصر والحركة(16)، والواقع أن هذا التصنيف كان نتاجا للتأثر بحركة الترجمة للتراث اليوناني. أما التصنيف الأعم والأشمل فقد خضع لاعتبارات اهتمامات العلوم ومعالجاتها حيث العلوم النقلية والعلوم العقلية، وقد يبرز تصنيف آخر مثل علوم العرب(17) وعلوم الأوائل. والواقع أن الأمر برمته لا يتوقف عند حدود التطبيق وتحديد الأنواع، بقدر ما تبرز واضحة في طبيعة المكانة التي أحتلها العلم العربي داخل مجاله الثقافي والحضاري. ومن دون شك فإن العلم العربي تمكن أن يحظى بمكانة رفيعة ومقام سام، بحكم الحاجة إليه، لكن المهم في الأمر كله، يتعلق بالمنظومة الفكرية التي أطرت مكوناته وحددت تجلياته العقلية، ولابد من القول إن المعين المعرفي الذي تم النهل منه والاستناد إليه قد تحدد في المنظور الأرسطي، الذي بلغ حالة الاكتفاء الذاتي، وتحددت آفاقه ضمن المجال الحضاري اليوناني، الذي عانى من الأفول والنهاية، وهكذا أستند العلم العربي إلى نظام معرفي متوقف.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الاتصال مع المنظور الأرسطي، لم يتم بشكل مباشر، بقدر ما كان ثمرة من ثمار الاتصال مع مدرسة حران والإسكندرية، اللتين نالتا من التغيرات الكثيرة، بل والتشويهات بحكم تقادم الزمان والابتسار وضياع الأصول، حتى ليكاد الاطلاع على الأصول التي قد تم وضع اليد عليها ناقصا ومجزوءا بالإضافة إلى هذا أن نشوء العلم العربي لم يكن مجرد عملية نقل مباشر، وانغماس في تطبيقات النظرية اليونانية، إنما كان الاجتهاد واضحا في تقييم هذه الأفكار ومحاكمتها والإضافة عليها ونقدها، إلا أن هذا العمل بقي يعاني من النقص لاعتبارات ثقافية، يعود مرجعها إلى طبيعة النشاط العقلي داخل الحضارة العربية الإسلامية، التي اعتمدت على منظورها الديني الخاص، حيث الإسلام الذي كان يعمل وفق نظام "الدين والدنيا"، وعلى هذا فأن العلم ما فتئ يراوح في البحث عن ترسيخ مكانة ما بين فروض الدين وحاجات الدنيا، فالعالم العربي المسلم يسعى جاهدا إلى مرضاة الله للوصول إلى الحقيقة، ويحاول تطمين حاجات نفسه والآخرين في التوجه نحو تحقيق النتائج في الواقع الحياتي. في ظل كل هذا بقي العلم يمارس فروضه خارج الإطار الثقافي، أو بالأحرى على هامشه. لفقدانه الانتماء في لجة المواجهة ما بين الدين والفلسفة، فالعالم العربي لم يكن رجل دين ولم يكن بالفيلسوف المحض، ولعل البعض منهم وعى هذه الحالة، ليتوجهوا نحو الدراسات والاهتمامات الموسوعية، حتى لا نعدم وجود من أشتغل في العلوم الدينية إضافة إلى اشتغاله المباشر في العلوم التطبيقية، أو توجهه نحو الدرس الفلسفي بالإضافة إلى ميدانه العلمي المباشر.

إن الإطار التاريخي الذي نشأ فيه العلم العربي، يكاد يكون محددا في الرغبة إلى التعويض. وهذا ما نشهده لدى الأمير الأموي خالد بن يزيد، الذي وجد في العلم تعويضا عن حلمه المضيع في الخلافة، فكان(18) اتجاهه نحو العلم كوسيلة للتعويض المعنوي حيث حظي بلقب(19) حكيم بني أمية، وأداة للحصول على إحدى وسائل السلطة الأكثر أهمية، ممثلة بالمال عن طريق التوجه نحو السيمياء وتحويل المعادن الخسيسة إلى ثمينة، وهو في هذا لم يتوان عن التصريح بأن علمه سيكون في خدمة أصحابه من الأصدقاء الخلص، هذا على صعيد المعلن، أما المضمر فأنه يحوي على دعوة لجذب الأنصار لدعمه في تحقيق حلمه.

ليس من الاتهام في شيء، الإشارة إلى أن دور العالم العربي كان يدور في فلك النخبة وتطمين حاجاتها المباشرة، أن كان في البحث عن صحة البدن حيث فرضت حاجة الخلفاء للعناية بصحتهم وملازمتهم، كما بدأت للظهور وبشكل بارز(20) لدى معاوية بن أبي سفيان، أو العناية المثيرة للانتباه من قبل أبي جعفر المنصور بالمنجمين حين تداخلت وظيفة(21) المنجم بالفلكي. أما الأثر الأكثر حضورا في محاولة تركيز الفاعلية للدور الثقافي، فكان قد ظهر خلال حكم المأمون الذي أراد من العناية بالعلوم وترجمتها والتشجيع على إعلاء دور العلم والعقل، خلق نوع من التوازن بين القوى الفكرية المتصارعة، حيث الخلاف الفقهي على أشده بين الثقافة الرسمية والمعارضة. ويعمد الدكتور محمد عابد(22) الجابري للإشارة إلى أن الصراع السياسي بين الأطراف المتصارعة، جعل من الأفكار التي يطلقها العلماء زائدة عن الحاجة، ولا يتم التوقف عندها طويلا، لانعدام وظيفتها الأدائية في خلق نظرة جديدة إلى الحياة والكون، هذا بالطبع على صعيد البناء العقلي والثقافي. أما الإشارة التي يطلقها "توبي هاف"(23) حول الدور الاجتماعي الذي لعبته القوى الدينية في محاربة العلوم العقلية، وعملها على تشجيع العلوم السرية، من سيمياء وتنجيم، فإنها تحمل الكثير من العسف والأبتسار، على اعتبار أن هذه العلوم عاشت جنبا إلى جنب مع العلوم التطبيقية، واشتغلت في حاضنة واحدة، ممثلة بالثقافة العربية الإسلامية التي انفتحت على علوم الأوائل بحرية وتسامح. بدليل أن البعض من العلماء أشتغل على العلوم مخضعا إياها للمنطق مثل الفارابي وابن سينا، في حين أجتهد آخرون في تطبيق المنهج التجريبي مثل الحسن بن الهيثم(24) وجابر بن حيان الكوفي.

1 - تطور علوم الكيمياء:

كان العقل العربي قد سعى نحو تثبيت دعائم المنهج العلمي، من خلال التطلع والاهتمام بالبحث والتقصي والتجربة، ولعل ميدان الكيمياء قد مثل الجانب الأكثر مباشرة في تحديد معالم هذا الاتجاه، حيث كانت البراعة في مجال العمل على المواد، في مجال التبخير وتصفية المواد، وصولا إلى تحليل المواد للوقوف على السوائل والحوامض، ومن ثم العمل على تركيبها، بلوغا لتحقيق الأهداف الرئيسة في تحديد معالم صورة العلم العربي وتكامله. والواقع أن علوم الكيمياء وبقدر اعتمادها على عنصر التجريب والاختبار، لم يكن لها أن تظهر لولا تظافر جهود العلماء في مجالات الطب والرياضيات(25) والعلوم الدقيقة الأخرى.

ويبقي الدور الأهم للعلم العربي، فاعليته وأثره البارز في النقلة النوعية التي شهدها علم الكيمياء، وانتقاله الواضح من مراحلة العلم القديم والذي كان يطلق عليه "السيمياء" إلى العلم الواضح الأثر والفاعلية وهو الكيمياء. فبقدر ما كانت تسود الأول الخرافة والشعوذة، والمحاولات المستندة إلى غاية تحويل المعادن الخسيسة إلى ثمينة، فإن هذا الأثر هذب على يد العالم العربي وغدا له مقصد سام تتجلى أهميته في الخدمة المباشرة التي يمكن أن يقدمها إلى عموم الناس، إن كان في مجال الدواء والتطبيب والشفاء، أو استخدام المواد في المجال الحرفي والصناعي، وجعله يسيرا وممكنا في تطوير الإمكانات المتاحة. من هنا صارت الكيمياء علما له فروضه وقوانينه التي يقوم عليها ويستند في تأصيل شرعيته المعرفية(26). والملفت للنظر أن علم الكيمياء الحديث إنما استمد الأسس التي يقوم عليها، من الجهد الذي باشره العالم العربي المسلم.

لا يمكن إغفال الدور اليوناني المهم في الريادة لعلم الكيمياء، حيث وضعوا الأسس النظرية لهذا العلم، لكنهم انغمسوا في الأوهام التي روج لها كهنة الإسكندرية، حول موضوع تحويل المعادن، لاسيما وأن هذه المدينة كانت تمثل الأصل التي نشأ فيه هذا العلم. فيما كان الاتصال الأول للعرب بعلوم الأوائل قد تمثل في ترجمة علوم الكيمياء، بناء على الرغبة الجامحة من قبل الأمير الأموي خالد بن يزيد (ت 85هـ)، حيث اتصل بمجموعة من علماء الإسكندرية طالبا منهم ترجمة بعض الكتب العلمية، والتي تهتم بموضوع السيمياء المختلف بالطبع عن موضوع الكيمياء(27). ويعود الجهد الأبرز في ترجمة علوم الصنعة إلى إصطفن القديم الذي، كان يقيم في مدينة الموصل أما المشتغل الآخر في هذا المجال، فكان مريانس من سكنة بيت المقدس، الذي عرفت عنه البراعة والحذق في تحويل المعادن إلى ذهب، على اعتبار المعرفة الموروثة عن هرمس مثلث الحكمة(28).

إن الأثر الذي خلفته الكيمياء العربية، كان قد تبدى جليا واضحا في ترجمة النصوص العربية إلى اللاتينية، حيث استفاد العلم الأوربي الحديث منها بشكل واضح، ومثلت نقطة الانطلاق للتوسع في الأبحاث وتأسيس العلم الحديث. والواقع أن الدور العربي في تنظيم أبحاث الكيمياء، ونقلها من التنظير إلى التجريب، بل وفرزها عن الاتجاهات القديمة التي، كانت تركز على جانبي السحر والشعوذة.

ولابد من الإشارة بجلاء أن التطبيقات الكيميائية، كانت قد ظهرت في أكثر من مجال، مثل صناعة الصابون والورق والدباغة على الجلود، وصناعة الحديد والأدوية، واستخراج المعادن وصناعة العطور، حيث يتم الاشتغال على أنواع مختلفة من خلاصات الأزهار. ولم يتم للعرب بلوغ هذه الأعمال، لولا الاستناد إلى جملة من الفاعليات الكيميائية مثل التقطير والتصعيد والتذويب، هذا بالإضافة إلى اكتشاف العديد من المركبات مثل؛ الكحول والصودا الكاوية والحامض الكبريتي وماء(29) الذهب.

كان للمنهج العلمي حضوره الفاعل، في الفعاليات المرتبطة بالكيمياء من حيث المتابعة والتدقيق والفحص والدراسة المستمرة. وقد استثمر العالم العربي معارفه المتنوعة في العلوم الأخرى، من أجل النهوض بهذا العلم. حيث جعل من الرياضيات وسيلة لضبط التفاعلات الكيميائية وقياسها، فيما مهد الاستنباط والاستنتاج لبلوغ مراحل متقدمة في هذا المجال كاكتشاف التصفية والتبخير، ومن دون الإيغال في التجارب الخاصة بأحلام العلماء وطموحاتهم الواسعة، فإن النزعة التجريبية سارت بشكل مترادف ما بين العلمي الذي وجه نحو بلوغ مراحل متقدمة في استخدامات الكيمياء من حيث التقطير والتذويب، والجانب المرتبط بالأحلام القديمة التي داعبت خيال العلماء مثل اكتشاف إكسير الشباب وحجر الفلاسفة الذي يحول(30) المعادن الرخيصة إلى ذهب.

إن الدراسات المكثفة التي قام بها العلماء العرب، جعلت منهم يعمدون إلى تقسيم المواد إلى أربعة أقسام رئيسة تمثلت في: المعدنية والنباتية والحيوانية والمشتقة، واجتهدوا في وضع تقسيمات فرعية لبعض الأقسام الرئيسة، حين عمدوا إلى وضع ستة أقسام للمواد المعدنية انطلاقا من دراسة الخواص والوظائف والتأثيرات لهذه المواد. ولعل الأثر العربي في الكيمياء الأوربية يتجلى واضحا في بروز المصطلحات العلمية العربية مثل: القلي، البورق، الطلق، الأبنيق، الأكسير، الكحول، القصدير، التنور، الزرنيخ، الدانق(31)، الخميرة، الفار، أبو القرعة.

ترتبط براعة العرب في علم الكيمياء، بالاتجاه نحو التصنيع، حيث تم تسخيره بشكل مباشر في تأسيس مصانع الورق في الكثير من أقاليم الدولة الإسلامية، وما كان لهذا التطور من أثر بارز في تقدم الثقافة والمعرفة الإنسانية، بل أن أثره كان ذا طبيعة مباشرة في ظهور اختراع الطباعة في أوربا، على اعتبار التمهيد، هذا بالإضافة إلى التطور البارز في صناعة الزجاج وظهور الألوان والنقوش الفنية المميزة عليها، فيما مكنت روح الابتكار والتجريب إلى اكتشاف العديد من المركبات الكيميائية، التي تؤدي إلى الحد من انتشار النار في بعض المواد(32). والواقع أن الروحية العلمية هذه ما كان لها أن تبرز وتظهر للوجود، لولا المنهج العلمي النقدي المستند إلى الملاحظة والتجربة، حتى أنهم وجهوا أسهم النقد العلمي البناء إلى النظريات التي قدمها كبار فلاسفة العلم القديم، من أمثال أرسطو، وقدموا البديل العلمي المستند إلى الحقائق.

لم يتوقف الإنجاز العلمي العربي، عند حدود المعطيات المباشرة في المركبات وتحليلها، أو الإشارة إلى الأدوات التي يجب الاشتغال عليها والتعرض لوصفها، والدخول في تحديد أبعادها. بل كان الدور الأهم قد تركز في موضوعة السبيل إلى التحصيل العلمي، إذ حدد العالم العربي المسلم إلى أن الخطوة الأولى التي ينبغي على المشتغل بالكيمياء الأخذ بها، العناية بالعمل الجاد والانغماس في التجربة، على اعتبار أن الكيمياء علم تطبيقي، أما التنظير فإنه يسند هذا العلم ويقوم من خطواته. فيما كانت الوصايا تترى حول أهمية الإنجاز وصدقه، وضرورة العناية بالمادة التي تقدم خدمة للناس، والابتعاد عن التجارب التي لا نفع فيها، أو أن بلوغها قريب من المستحيل. وكان للتنظيم دوره في التجربة العلمية(33)، فالإشارة الدائمة كانت تتركز حول الأسباب المرتبطة بكل خطوة من التجربة من أجل بلوغ الفهم، وهذا بالطبع سيقود إلى إمكانية الوقوف على النتائج، والتي لا يمكن الوصول إليها، إلا عن طريق الصبر والمتابعة الحثيثة مع دقة التدوين لكل عملية ووضعها بكل تركيز مع العناية بكل الظروف المحيطة بالتجربة. ولعل الشروح التي وضعها جابر بن حيان الكوفي الذي عاش في كنف البرامكة خلال العصر العباسي(34) في كتابيه نهاية الأنتان ورسالة الأفران، تؤكد على المنهج التجريبي وأهمية وصف التجربة والعمليات المرافقة لها.

2 - تطور علم الفلك:

بلغ العلم العربي مستوى رفيعا وبشكل ملفت للنظر، والسؤال الأكثر حضورا في هذا المجال، كان يرتبط بطبيعة الظروف التي أحاطت بهذه الأمة الشفاهية، والنقلة الهائلة في أسلوب التفكير والتنظير والتوغل في مجال معرفي هو الأشد والأدق، بل والأكثر اختلافا عن طبيعة التكوين للعقلية العربية، هذا على صعيد السؤال الذي يصدر عن الآخر.

لابد من التوقف عند حقيقة علمية، ارتبطت بهذه النهضة، التي لم تظهر فجأة، أو كنبت شيطاني من دون جذور أو أساس له ما يسنده ويدعمه. فإذا ما كانت ظاهرة طارئة ولفترة محدودة من تاريخ الزمان، لكان لهذا السؤال ما يبرره. لكن الأحداث والوقائع كانت تشير إلى تاريخ طويل متراص مترابط مستمر، وجهد حضاري له سلوكه وخصائصه وسماته وفروضه وأسانيده واعتباراته، هكذا كان العلم العربي وليد الجهد العقلي للعرب الذين تمازجوا مع العقيدة الإسلامية التي تحث على العلم والمعرفة(35)، وتصل بها إلى درجة الفريضة، بل أن مداد العلماء ساوته جنبا إلى جنب مع دماء الشهداء.

على أية حال لا يمكن للفضول المعرفي أن يظهر فجأة، في وسط متهم بالجهل والأمية، بل أن العقل العربي كان بحاجة إلى الحافز الذي تمثل بالإسلام بكل رؤاه وتجلياته العقيدية والفكرية، حتى كان الانفتاح على العالم بكل فضائه واتساعه(36) فكان العلم العربي هو النتيجة الأشد وضوحا والأكثر جلاء. فيما لعبت الحضارة والنظم دورها في تشجيع وحفز العقول للتفكير والعمل الجاد من أجل التحصيل وبذل الجهود المباشرة في تحريك وتغيير صورة العالم(37). وكان للوسط الاجتماعي دوره الهائل في دفع هذه الظاهرة إلى الأمام، حيث أغدق أولو الأمر بكل غال ونفيس لدعم العلماء، وقربوهم وجعلوهم في منزلة خاصة ومكانة أثيرة، حتى لم يخل مجلس خليفة أو وال أو وجيه من وجود عالم يتصدر الجلسة، ويحظى بكل مظاهر التعظيم والتبجيل(38) ولم يقف الأمر عند مجتمعات الواجهة، بل أن الكثير من العلماء توجهوا نحو العلم حبا له، مزاوجين ما بين الرغبة الدافقة بالمعرفة والتوجه نحو(39) مرضاة الله حيث الفرض الديني.

في هذا الوسط ازدهرت الحياة العقلية، من خلال المناقشات والمحاورات والمناظرات التي كانت تجري في قصور المدن الإسلامية وحواضرها، وأسواق الوراقين التي كانت تقدم الجديد من(40) من الترجمات، عن اليونانية والسنسكريتية والسريانية والقبطية والفارسية، هذه الحركة الفاعلة والناشطة لم تفضل ميدانا على ميدان آخر(41)، ولم تحتكر علما أو تصادر رأيا، بل كان لحرية الفكر والعقيدة أثرها في نشوء الإبداع واتساع مجالاته، أن كان في المجال الإنساني أو العقلي(42) ولم يتم إغماط حق جهد عالم أو يهمل نتاج، حتى صارت المؤلفات العربية الإسلامية في مجال العلوم المختلفة تقدم إلى الناس كافة(43).

كانت النشأة قد اعتمدت على الترجمة، وبجهد فردي من لدن الأمير الأموي خالد بن يزيد (ت 85هـ). ومهما قيل عن النزعات والغايات التي رافقت العمل الذي أقدم عليه الأمير، إلا أننا نضع أيدينا هنا على تاريخ يشير إلى البدايات المرافقة للعلم العربي. ولعل الظاهرة الأكثر تميزا تتجلى في تنافس الحكام المسلمين على جذب البارزين من العلماء إلى بلاطهم، وعملوا كل جهدهم نحو جعل العالم متفرغا لبحوثه ودراساته(44)، من خلال تقديم كل وسائل الدعم المادي وبشكل سخي.

حظي العالم العربي بالإجلال والتقدير، حتى أن الخلفاء لم يتوانوا عن تقديم مظاهر الاحترام والتبجيل لهم، وليس أدل من موقف الخليفة هارون الرشيد في تقديره الشديد للعالم أبي معاوية الضرير(45). أما المأمون فقد جعل لحنين بن أسحق عن كل كتاب يترجمه في علوم الأوائل مقدار وزن الكتاب(46) ذهبا. والتكريم الكبير الذي قدمه المنصور بن أبي عامر في الأندلس لصاعد البغدادي خلال النصف الثاني للقرن الرابع الهجري(47). ولا يمكن إغفال اهتمام الحكم المستنصر في الأندلس في دعم العلماء والمؤلفين، حتى أنه كان يتابع نشاطاتهم العلمية والفكرية، بدليل أنه أرسل مكافأة مالية إلى أبي الفرج الأصفهاني كي يعمل على إتمام كتابه الأغاني(48). أما الخليفة العباسي المعتضد بالله (ت 289هـ) فكان يشير إلى أهمية المكانة والمنزلة للعلماء وأن مقامهم أجل من مقام(49) الأمراء. وكان الحاكم الفاطمي قد توجه نحو متابعة أخبار العلماء وما توصلوا إليه من اكتشافات وأبحاث، حتى أنه في هذا المجال لم يتوان عن استدعاء الكثير منهم إلى بلاطه وإغداقه عليهم بالكثير من العطايا والهبات(50) بشكل سخي. وما يقال عن هؤلاء لا يقل عن العطاء والرعاية التي بذلتها الدولة الإسلامية التي ظهرت إبان انحلال القوة السياسية المركزية في بغداد، حيث كانت الدولة الطاهرية والحمدانية والغزنوية تقدم كل ما يمكن أن يغري العلماء للإقامة لديهم، كدليل على العزة والمنعة والأهمية، وفي هذا يكون الأمراء هم في حاجة إلى العلماء.

في مثل هذه الأجواء توجه العالم العربي نحو البحث والتقصي عن الحقائق، وقد شملت اهتمامات العلماء ميادين متنوعة وكثيرة، كان الأبرز من بينها علم الفلك، الذي نشأ في بدايته على أساس التنجيم ومعرفة الطالع والمستقبل، على الرغم من رفض الإسلام القاطع للتعامل مع مواضيع كهذه، وكانت الحضارات القديمة قد ولعت بمواضيع النجوم ودراسة مواقعها، وتعددت وظائفها حتى تطلع الكثير منهم إلى عبادة النجوم والكواكب، وربط البعض ما بين النجوم والحظ والمزاج الشخصي. وإذا ما كان مؤرخو العلم قد أشاروا إلى أن البداية الحقيقية لعلم الفلك قد برزت خلال العصر العباسي، لاسيما بعد أن تم فرزه عن التنجيم، فإن الأمر لم يكن ليبعد توجه بعض الخلفاء العباسيين من استشارة المنجمين في الكثير من القضايا، بل أن العديد من الأسماء العلمية البارزة إنما دخلت البلاط العباسي بصفة منجمين(51)، وهذا ليس بالأمر الغريب خصوصا إذا ما تمت دراسته وفق السياق الثقافي والتاريخي لتلك المرحلة.

كان التنجيم جزءا من إيقاع الحياة، فكل عمل يتم ربطه بحركة النجوم والكواكب، فيما كان الأطباء يربطون بين الحالة المرضية وإمكانية علاجها وموقع(52) النجوم. وإذا ما كان العباسيون قد عرف عنهم عنايتهم بتطوير علم الفلك، فإن الأصول التي استندوا إليها كانت تعود إلى بعض التراجم التي ظهرت في العصر الأموي، حيث تمت ترجمة كتاب مفتاح النجوم، المنسوب إلى هرمس مثلث الحكمة، والواقع أن الأعمال كان يتم ربطها باسم هرمس، انطلاقا من العناية بطبيعة الاتجاه الديني الذي يولي أسماء الأنبياء(53) كل تقديس واحترام، وعلى هذا فإن محاولة التبجيل كانت بادية وظاهرة في هذا الاتجاه. أما التأثير الإسلامي فيبدو واضحا من خلال الفرائض وارتباطها بالكواكب والنجوم وحركة الشمس فالصلاة باعتمادها على مواقيت حركة الشمس والصوم وارتباطه بظهور هلال شهر رمضان(54)، ومعرفة مكان القبلة لأداء الصلاة هذا بالإضافة إلى المطالعة المباشرة لظواهر الكسوف الشمسي والخسوف القمري. ولم تكن لتخفي تأثيرات المعرفة المتداخلة ما بين علوم الفلك والتنجيم لدى الهنود والسريان واليونان والبابليين والفراعنة والفرس.

على الرغم من انفتاح علم الفلك العربي على معارف الأمم المختلفة، إلا أن الهيمنة الواسعة كانت للتراجم اليونانية، لاسيما شروحات بطليموس ذات الأصول الثابتة والواضحة، وكان لتعاملهم الدقيق مع نظرياته، أن تمكنوا من إدخال الكثير من التحسينات على هذا النظام في مجال دائرة البروج ومتوسط حركة الكواكب السيارة ودراسة الاعتدالين، وقيض لهم أن يقدموا دراسات دقيقة ووافية في هذا المجال من خلال الاستناد إلى الحسابات الرياضية، حتى ليمكن القول إن العرب قدموا نظريات بطلميوس(55) الفلكية بشكل جديد ودقيق.

لقد تمكن العرب من نقل الفلك من مجال النظرية إلى التطبيق، خصوصا وأنه حظي بالاهتمام المباشر من قبل المأمون (198-218هـ) الذي وجه مجموعة من الفلكيين لوضع زيج خاص جديد، أطلق عليه "الزيج المأموني" الذي اعتمد على حساب الإسطرلاب والمزولة والمحلقة، ولم يتوقف الأمر عند بغداد، بل أن المراصد سرعان ما انتشرت في عموم الأقاليم الإسلامية فكانت؛ مرصد شيراز الذي أسسه عبد الرحمن الصوفي (ت 376هـ)، ومرصد القاهرة الذي أسسه ابن يونس (ت 400هـ)، فيما أسس نصير الدين الطوسي (ت 672هـ) مرصد مراغة، ومرصد سمرقند الذي قام بإنشائه أولغ بك في القرن التاسع الهجري. وكان لهذه المراصد دورها الفاعل في إدخال بعض الجداول الفلكية الجديدة، مما يؤكد جدية عمل هذه المراصد، وقدرة العالم الفلكي(56) العربي للتعامل مع أدواته العلمية بكل مهارة وإتقان.

بعد سقوط بغداد عاصمة الخلافة العباسية بعام واحد سنة 657 للهجرة، يتم تدشين مرصد مراغة في جنوب تبريز الواقعة في بلاد فارس، تحت إشراف الطوسي، والواقع أن هذا المرصد كان يحتوى في رغبة بنائه، على غاية موجهة نحو بعض المراصد الأخرى التي تداخلت وظيفتها ما بين الفلك والتنجيم. وعليه كانت الصرامة العلمية الأكثر حضورا، سواء في الإعداد لبنائه الذي استغرق حوالي ثلاثين عاما، أو في استقطابه لأبرز الكفاءات العلمية في مجال الفلك والرياضيات، ولم يتم الاكتفاء بجعل هذا المرصد ورشة عمل، بل كان الاتجاه لتأسيس مدرسة علمية بحثية، من خلال المكتبة الكبيرة التي حوت على نصف مليون كتاب، وجموع الطلبة البارزين الذين قارب عددهم المائة، حيث تلقوا العلم على يد الطوسي والأزدي (ت 660هـ) والشيرازي (ت 710هـ) وابن الشاطر (ت 674هـ) وعلى الرغم من اعتماد هذا المرصد على أموال الوقف لتمويله إلا أن أعماله لم تستمر، إذ تعرض للتوقف(57) بعد خمسين عاما. لقد تمكنت مدرسة مراغة الفلكية الخروج من عباءة بطليموس، واستطاعوا أن يصنعوا الدراسات العميقة والرائدة في مجال النظام الشمسي والأجرام ودراسة حركتها، والتفصيل في بيان حركة ودوران الكواكب، استنادا إلى النماذج النظرية المستندة إلى الرياضيات، والملاحظة المباشرة(58) من خلال أجهزة المرصد.

إن استناد علم الفلك العربي على بطليموس، لا يعني أن الاطلاع كان مقتصرا عليه، بل أن الجهد العلمي لاسيما في الترجمة كان قد تطلع نحو الكثير من المؤلفات اليونانية مثل ميتن وأكتيمن وأوتولوكس وأسطر خوس وأراطوس وهيبسكلس وأبرخوس، هذا طبعا بالإضافة إلى كتاب بطليموس المعروف بالمجسطي ومعناه الترتيب، وهي تسمية عمد إليها المترجمون العرب والذي يحتوي على ثلاثة عشر شرحا في مواضيع، كروية الأرض ومركزيتها ودراسة الأبراج الفلكية. وفي هذا يتجلى الجهد الذي بذله العلماء العرب في الاطلاع على علوم الأوائل، والسعي إلى نقدها وتحليلها، وبناء نظرياتهم الجديدة بأفق وسعة يدل على حسن الاطلاع والوعي الدقيق بالنصوص، بل أن الأهم في كل هذا يتوضح في تطور(59) ووضوح الفكرة التي ترجمها العرب عن النص اليوناني، بل وتفوقها عليه في توضيح الفكرة المراد شرحها.

إذا كانت الأسبقية في ترجمة النصوص الفلكية وعلوم الأوائل بصفة عامة قد ارتبطت بخالد بن يزيد، فإن الأسبقية في التأليف الذي خطا على نحوه الآخرون، قد ارتبطت بعبد الرحمن الصوفي (ت 376هـ) لاسيما كتابه(60) صور الكواكب الثابتة، لكن هذا لم يمنع من تداخل المعلومات لدى بعض الفلكيين ما بين الاعتقادات السائدة والخلط في بعض التقاويم كما لدى البتاني (ت 317هـ)(61)، لكن هذا لا يقلل البتة من النتاج الذي قدمه، لاسيما الزيج الصابي(62) الذي يعد الأهم في هذا المجال، وكان قد توصل إليه من خلال الأرصاد المباشرة في أنطاكية(63).

يعود الوصف الأول لآلة الإسطرلاب إلى القواعد التي وضعها بطليموس في مؤلفاته، وتكمن أهمية هذه الآلة في تركيزها على خط الاستواء ويكون النظر إلى القطب، ويحتوي الإسطرلاب على دائرة الميل الزاوي والإحداثيات المتعلقة بالسمت، حيث يتم رسمها على واجهته، ونتيجة لرسم النجوم الصغيرة على الشبكة المتصلة به، فإنه كان يستدعي عددا كبيرا من الصفائح، مما يجعله ثقيل الوزن. لكن العلماء العرب وضعوا تصوراتهم الخاصة بتجديده وتطويره، حيث عمل على بن خلف الذي عاش في بلاط طليطلة خلال القرن الخامس الهجري، على وضع الصفيحة الشاملة، فيما تبعه فلكي عربي آخر هو أبو إسحاق النقاش الزرقيال الأندلسي (ت 477هـ) ليصنع الصفيحة الزرقالية. فيما تمكن مظفر الدين الطوسي (ت 610هـ) من ابتكار(64) الإسطرلاب الخطي.

كان علماء الأندلس قد بذلوا جهودا بارزة في مجال تطوير الآلات الميكانيكية لرصد الكواكب، وكان من بينهم عباس بن فرناس (ت 274هـ) الذي عاش في قرطبة وتمكن من صنع آلة ميكانيكية لضبط الوقت، أما ابن السمح (ت 427هـ) فقد قيض له أن يتم الآلة الميكانيكية الراصدة. وإذا ما كانت الجهود قد بذلت في الجانب العملي، فإن الجانب النظري كان يبرز بكل فاعلية وتأثير في مجال علم الفلك وتأثير الرياضيات فيه لاسيما حساب المثلثات الذي كان يستخدم في تحديد الجهات.

الهوامش:
1 - جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي، دار الهلال، القاهرة 1958، ج3، ص 153.
2 - قدري حافظ طوقان: العلوم عند العرب، دار اقرأ، ص 78.
3 - ابن خلدون: المقدمة، لجنة البيان العربي، القاهرة 1957، ص 172.
4 - عبد الحميد صبرا: العلوم الدقيقة، من كتاب عبقرية الحضارة العربية، ترجمة عبد الكريم محفوظ، الدار الجماهيرية، مصراته 1990، ص 205.
5 - شاخت وبوزورث: تراث الإسلام، ترجمة حسين مؤنس وإحسان العمد، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1998، ج2، ص 141.
6 - أمين أسعد خير الله: الطب العربي، ترجمة مصطفى عز الدين، المطبعة الأمريكانية، بيروت 1946، ص 48.
7 - ناجي معروف: أصالة الحضارة العربية، دار الثقافة، بيروت 1975، ص 433.
8 - جلال مظهر: حضارة الإسلام وأثرها على الترقي العالمي، مكتبة الخانجي، القاهرة 1974، ص 245.
9 - حسين حمادة: تاريخ العلوم عند العرب، الشركة العالمية، بيروت 1987، ص 45.
10 - زيغريد هونكة: شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، منشورات المكتب التجاري، بيروت 1969، ص 384.
11 - ابن النديم: الفهرست، دار المعرفة، بيروت، (د.ت)، ص 242.
12 - ابن أبي أصيبعه: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق نزار رضا، دار مكتبة الحياة، بيروت 1965، ص 9.
14 - شاخت وبوزورت: المصدر السابق، ص 152.
15 - قدري حافظ طوقان: المصدر السابق، ص 81.
16 - عبد الحميد صبرا: المصدر السابق، ص 206.
17 - د. محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1991، ص 333.
18 - ابن النديم: الفهرست، ص 497.
19 - ابن عبد ربه: العقد الفريد، تحقيق أحمد أمين، لجنة التأليف والترجمة، القاهرة 1948، ج2، ص 232.
20 - ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء، ص 161.
21 - قدري طوقان: المصدر السابق، ص 65.
22 - د. محمد عابد الجابري: المصدر السابق، ص 345.
23 - توبي هاف: فجر العلم الحديث، ترجمة، د. أحمد محمود صبحي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1997، ج1، ص 78.
24 - المصدر نفسه، ص 77.
25 - حسين حمادة: تاريخ العلوم عند العرب، الشركة العالمية، بيروت 1987، ص 93.
26 - قدري حافظ طوقان: العلوم عند العرب، ص 32.
27 - ابن النديم: الفهرست، ص 242.
28 - المصدر نفسه، ص 255.
29 - عمر فروخ: تاريخ العلوم عند العرب، دار العلم للملايين، بيروت 1970، ص 242.
30 - خليل داود الزرو: الحياة العلمية في الشام، دار الآفاق الجديدة، بيروت 1971، ص 271.
31 - سامي حمارنة: الكيمياء والتنجيم، من كتاب عبقرية الحضارة العربية، الدار الجماهيرية، مصراته 1990، ص 272.
32 - قدري حافظ طوقان: المصدر السابق، ص 31.
33 - جلال محمد عبد الحميد موسى: منهج البحث العلمي عند العرب، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1982، ص 60.
34 - القفطي: تاريخ الحكماء، مكتبة المثنى، بغداد، (د.ت)، ص 160.
35 - طاش كبري زادة: مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلم، دار الكتب العلمية، بيروت 1985، ج1، ص 10.
36 - عبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، دار المعارف، القاهرة 1969، ص 5.
37 - عمر رضا كحالة: العلوم البحتة في العصور الإسلامية، المكتبة العربية، دمشق 1972، ص 3.
38 - جلال محمد عبد الحميد موسى: منهج البحث العلمي عند العرب في العلوم الطبيعية والكونية، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1982، ص 80.
39 - جاك ريسلر: الحضارة العربية، ترجمة غنيم عبدون، الدار المصرية، القاهرة، ص 272.
40 - غوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة 1964، ص 51.
41 - مصطفى الشكعة: معالم الحضارة الإسلامية، دار العلم للملايين، بيروت 1975، ص 12.
42 - محمد عبد المنعم خفاجي: الإسلام والحضارة الإنسانية، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1973، ص 11.
43 - زيغريد هونكة: شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، المكتب التجاري، بيروت 1969، ص 49.
44 - محمد الحسيني عبد العزيز: الحياة العلمية في الدولة الإسلامية، وكالة المطبوعات، الكويت 1973، ص 17.
45 - عز الدين فراج: فضل علماء المسلمين على الحضارة الأوربية، دار الفكر العربي، القاهرة، (د.ت)، ص 36.
46 - ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص 260.
47 - ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1948، ج2، ص 488.
48 - أحمد بن يحيى الضبي: بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس، تحقيق فرانسيسكو كوديرا، مطبعة روخس، مدريد 1884، ص 217، "نسخة مصورة".
49 - ابن أبي أصيبعة: المصدر السابق، ص 296.
50 - جمال الدين القفطي: تاريخ الحكماء، مكتبة المتنبي، بغداد، (د.ت)، ص 166.
51 - قدري حافظ طوقان: العلوم عند العرب، ص 65.
52 - أمينة رشيد: الحقيقة عند العرب في الكتاب الأكبر لروجه بيكون، من كتاب أضواء عربية على أوربا في القرون الوسطى، ترجمة د. عادل العوا، منشورات عويدات، بيروت 1983، ص 76.
53 - محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1991، ص 175.
54 - عبد الله أنيس الطباع: مقدمة تاريخ افتتاح الأندلس لأبن القوطية القرطبي، مؤسسة المعارف، بيروت 1994، ص 58.
55 - روم لاندو: الإسلام والعرب، ترجمة منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت 1962، ص 253.
56 - عبد الحميد صبرا: العلوم الدقيقة، ص 215.
57 - توبي هاف: فجر العلم الحديث، ترجمة د. أحمد محمود صبحي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 1997، ج1، ص 252.
58 - المصدر نفسه، ص 81.
59 - شاخت وبوزورث: تراث الإسلام، ج2، ص 332.
60 - قدري حافظ طوقان: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك، دار الشروق، القاهرة 1963، ص 89.
61 - عمر فروخ: تاريخ العلوم عند العرب، دار العلم للملايين، بيروت 1980، ص 166.
62 - شاخت وبوزورث: المصدر السابق، ص 205.
63 - عبد المنعم صبرا: المصدر السابق، ص 217.
64 - قدري حافظ طوقان: العلوم عند العرب، ص 133.
الإحالة إلى المقال:

* د. إسماعيل نوري الربيعي: حول النشوء التاريخي للعلوم العربية الإسلامية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث عشر 2013. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

تحويلات الوجود والمعرفة عند الصوفية
حوليات التراث، العدد 10، 2010.

***