اللغة الشعرية في رواية فوضى الحواس لأحلام مستغانمي

زهراء ناظمي
جامعة يزد، إيران

الملخص:

إن اللغة في الرواية عادة ما تكون بسيطة لأنها خطاب موجه إلى مختلف شرائح المجتمع وهي تعبر عن لغة شرائحه الاجتماعية المتنوعة، إلا أن الروائي العربي الحديث أصبح يرتقي بلغته في سرده الروائي لتتحول الرواية إلى رواية شعرية. تناولت الدراسة النتاج الروائي للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي في "فوضی الحواس" باللغة الروائية في مستواها الشعري. وقد تميز خطاب مستغانمي السردي باتكائه على لغة شعرية أكثر منها نثرية، فاللغة الشعرية لدى مستغانمي ملمح مهم على امتداد صفحات رواياتها وإن النص الإبداعي يتمرد على كل القوانين، ويتجاوز القوالب الجاهزة.

الكلمات الدالة:

اللغة الشعرية، الرواية، أحلام مستغانمي، السرد، النقد.

***
The poetic language in Ahlam Mosteghanemi's
novel Chaos of the Senses

Abstract:

The language in the novel is usually simple because it is a speech directed to the various segments of society and it expresses the language of its various social segments. However, the modern Arab novelist has evolved his language in his narrative narration, so the novel turns into a poetic novel. The study dealt with the fictional production of the Algerian writer Ahlam Mosteghanemi in "Faouda al-Hawas" in the fictional language in its poetic level. Mosteghanemi's narrative discourse was distinguished by its reliance on poetic language rather than prose. Mostaghanemi's poetic language is an important feature throughout the pages of her novels, and that the creative text rebelled against all laws and overrides ready-made templates.

Key words:

poetic language, novel, Ahlam Mosteghanemi, narration, criticism.

***

النص:

إن الأدب بشكل عام إبداع يتم من خلال اللغة وما من عملية تواصل تتم إلا عن طريق اللغة، فالتفكير والمعرفة والعلم والتعلم يتم من خلال اللغة، والتعامل مع الناس في المجتمع من أجل تلبية المتطلبات والحاجات اليومية يتم من خلالها أيضا، فلا شيء يوجد خارج نطاق اللغة ولا شيء يوجد من دون لغة. إن تشابه الرواية "فوضى الحواس" بالشعر بارز للعيان من خلال لغتها والمقاطع الشعرية في النص، "لأننا قد نعثر في الرواية على مقاطع شعرية إذا عملنا فيها مقص المنتخب، مقاطع تبدو كأنها شعرا منثورا أو شعرا منظوما"(1)، لذا فقد حاولنا دراسة هذه المقاطع وتبيان النقاط التي تتقاطع فيها مع الشعر مبرزين من خلالها عناصر اللغة الشعرية المحققة في الرواية التي استعملتها أحلام مستغانمي للوصول إلى تحميل لغتها أقصى ما تستطيع الإيماء إليه. تشكل هذه الدراسة: مفهوم الشعرية وظهورها في الرواية العربية ودورها في رواية "فوضى الحواس" عند مواقف بعض العناصر الشعرية، الانزياح، الإيقاع، الوطن والتصوير، دون أن ننسى الجانب الموسيقي ممثلا في عنصر التوازي.

1 - اللغة الشعرية:

الشعرية (Poetics) مصطلح قديم حديث في ذات الوقت، فقد عرف منذ أرسطو في كتابه "فن الشعر" أما مفاهيم هذا المصطلح فمتنوعة، وإن انحصرت فكرتها العامة في البحث عن "القوانين التي تتحكم في الإبداع"(2).

يؤكد (كمال أبو ديب)، أن الشعرية خاصية ذات علاقات متشعبة، تنمو بين مكونات النص، ذلك لأن "كلا منهما يمكن أن يقع في سياق آخر دون أن يكون شعريا، لكنه في السياق الذي تنشأ فيه هذه العلاقات، وفي حركته المتواشجة مع مكونات أخرى لها السمة الأساسية ذاتها، يتحول إلى فاعلية خلق للشعرية، ومؤشر على وجودها"(3).

مفهوم "الشعرية" في الدراسات النقدية العربية الحديثة، يعود إلى اختلاف الترجمات لهذا المصطلح، وقد اختلف الباحثون في فهمه وتفسيره، إلا أن النقاد والفلاسفة القدماء لم يهتموا كثيرا بتحديد المفاهيم، تحديدا يجعل منها مصطلحات ثابتة المعنى(4). يبني السرد في (فوضى الحواس) فضاءه الجمالي بتلبسه روحا جمالية تمنح هذا الجسد حيويته، وفيضه الجمالي الفاعل بجملة تأثيراته، ويتحقق ذلك في لغة القص أن تنفتح هذه اللغة على ذاكرتها الشعرية التي تشرق بحرارة الوجدان والجمال على صورة شعاع شعري ينبثق من الأسلوب الذي يتصل في القص بمعنى "جماع بنيوي لجملة العناصر الأدبية، اللفظية والمعنوية والكلامية والدلالية في الانتظام الذي يحققه الإبداع الأدبي، خلقه، وملاشاته، أي هو الوحدة البنائية لهذه العناصر في حركة سبكها الأدبي والفني"(5).

اقترن ظهور اللغة الشعرية في الرواية العربية، مع ظهور الرواية الحديثة التي جعلت، من هذه اللغة علامة، من علاماتها البارزة. وقد ترافق ذلك مع التحول، الذي طرأ على الأدب بصورة عامة، وعلى الرواية بصورة خاصة، في مرحلة الستينيات من القرن الماضي وقد استخدمت الرواية الحديثة، هذه اللغة الشعرية بهدف استخدام سحرها وجماليتها وتوترها للتأثير في المتلقي، من خلال السحر الذي تمارسه هذه اللغة عليه، كما يقول الناقد الروسي باختين مؤكدا، على دور هذه اللغة في إخفاء البعد الأيديولوجي فيها، والتمويه عليه في الرواية(6).

الشعرية في الرواية ليست منزاحة في جوهرها عن الشعرية في القصيدة التي تعني فيما تعنيه "مجموعة المبادئ الجمالية التي تقود الكاتب في عمله الأدبي، التي تحقق التجاوز والسمو"(7) والانزياح عن المعنى القاموسي للتركيب. إذًا مظاهر الشعرية في القص هي "مظاهر الإبداع الخالق المجادل لواقعه الفعلي، وتراثه الفعلي، ومتميزة أيضا عن مظاهر الخلق اللغوي وأشكاله، لأن الشعرية خلق يستند إلى الإنضاج، وملاشاة تتجلى في الانزياحات"(8) التي ترجع في ذاكرة اللغة إلى شهوة الجمال في الوجود الذي يعني ارتقاء إنسانيا، حضاريا، وجدانيا، ينقل الوقائع إلى عوالم متخيلة تفيض عليه إشراقا جماليا، مصاقبا لروح الإنسان وتتلامح سيولة هذه الذاكرة في السرد الروائي عند أحلام مستغانمي لتحرك لغة الرواية باتجاه أداء تشكيلي، جمالي، ينضح شعريتها.

سر نجاح مستغانمي في رواياتها مصدره شعرية لغتها، ولا يقتصر على سحر حكاياتها وحبكة السرد فيها. يقول الباردي في هذا المعنى: "من النادر أن تلقى رواية تظهر للقراء في طبعتها الأولى هذا الرواج الذي لقيته روايات الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي والناقد المختص عندما ينظر في بناها السردية لا يجد فيها شيئا جديدا، لا في مستوى التقنيات السردية الموظفة فيها، ولا في مستوى إنشائية القص عامة، ومع ذلك انتشرت هذه الروايات واستجابت لأفق انتظار القارئ العادي والقارئ المختص. والسر كل السر في أن الكاتبة أضفت على نصها السردي هذه الغنائية الساحرة والعميقة، التي لا تتوفر عادة إلا في النصوص الشعرية. فقد اقتربت هذه الروايات من الشعر، واستفادت من طاقاته الإبداعية وبنت نصوصا سردية مغايرة - بهذا المعنى- لعبت فيها اللغة الشعرية بإمكانياتها المتعددة دورا أساسيا وجد فيه القارئ ضالته"(9).

إن شعرية "فوضى الحواس" التي يحاول هذا البحث تسليط الضوء عليها، هي ذلك الوهج البراق التي تثيره النصوص الغائبة داخل الخطاب. "فوضى الحواس"، لغة تسري فيها أنفاس الشعر، لغة حسية مليئة بنغمات العالم أجمع. سرد عميق، شاعري، حزين، موجع حد الألم. سياسة، حب، حرب، خيانة، تطرف... كل ما يحمله المجتمع العربي من فوضى وتناقضات لم ولن تنظم ذات يوم(10).

تحاول أحلام مستغانمي من خلال هذه الرواية "فوضى الحواس"، أن تتجاوز القواعد السائدة والمبتذلة، لتغير في لغة الرواية إلى فضاء أوسع، ولا نعني باللغة هنا كلمات النص المجردة بل ما وراء اللغة، كينونة اللغة في حد ذاتها هو ما يهمنا، تحمل الناصة لغة نصها أقصى ما تستطيع البوح به أو الإيماء إليه، فهذا الانحراف أو الانزياح اللغوي، يخرج النص من مجاله النفعي إلى مسار جمالي وشعري، وذلك لأن الشعرية "هي باستمرار علاقة جدلية بين الحضور والغياب الجماعي أو الإبداعي الفردي والذاكرة الشعرية"(11).

فاللغة لدى أحلام مستغانمي لغة انزياحية، والانزياح: هو استعمال اللغة استعمالا يخرج بها عن المألوف والمعتاد، فيضمن المبدع لنفسه التفرد وقوة الجذب. يقابل مفهوم الانزياح لدى النقاد العرب القدماء مصطلح العدول، وهو يدخل في باب ما يجوز للشاعر والفصيح دون غيرهما، ويرى ابن الأثير العدول من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهما، وأغمضها طريقا(12).

قد نظر النقد الحديث إلى الانزياح بوصفه أهم عناصر الشعرية، ووسيلة للتفريق بين اللغة الشعرية واللغة العادية. ولا يعني هذا الكلام أن الأمر سيكون عشوائيا، لا يلتزم بالدلالات المعجمية، فالألفاظ تكتسب دلالات أخرى تحقق الدهشة. "فإذا كانت حداثة الأدب، حداثة الكتابة تقتضي إلغاء وظيفة اللغة التبليغية لتحويلها إلى مجرد صمت مطلق فذاك شأن لا نتفق عليه؛ لأننا نعتقد أن وظيفة الكتابة تظل في أي صورة صورتها، وفي أي ثوب نسجته، وفي أي سبيل سلكتها وبأي لغة بلغت بها، تظل في كل الأطوار، وفي غير هذه الأطوار، إن صح، تمثل هذا كتابة باللغة، للغة، عبر اللغة"(13). ابتعدت عن مدلولات أرادتها الكاتبة، ويصل التعارض بين المدلول المعروف والجديد إلى حد التناقض أحيانا. وهي تجعل المتلقي في كثير من الأحيان يصاب بالدهشة وخيبة التوقع التي تحقق جمالية للنص، وشاعرية، ويصل الأمر بالقارئ إلى مرحلة لا يستطيع أن يضبط إيقاع الكلام لغلبة عنصر المفاجأة عليه. ويمكن القول: إن شعرية التلقي تنافس شعرية النص، وشعرية المرسل. فترتبط المفاجأة بالمتلقي، والانزياح هو الذي يحققها. وتقوم شعرية الانزياح على جذب الانتباه، وهو المرحلة الأولى للوصول إلى لذة النص. وتأتي هذه الانزياحات؛ لتحقق دلالات جديدة لا تؤديها اللغة العادية، وتحقق إيقاعا برصف الألفاظ بطريقة تخرج عن القاعدة.

2 - عناصر الشعرية:

لقد استعانت الناصة بعناصر من علم البيان، لتقدم من خلاله نصوصها الغائبة في قالب شعري وجمالي يتلاءم مع لغة النص: "في النهاية لم يكن من شيء أحتمي به في ذلك الصباح سوى مقولة الشاعر الأيرلندي شيماس هيني: "أمش في الهواء مخالفا لما تعتقده صحيحا"، وهكذا رحت أمشي على عكس المنطق"(14).

ويتغلغل بذلك النص الغائب في نسيج البنية السردية، ليصبح جزءا لا يتجزأ من كيانها الملتهب، ومن صيرورة الأحداث فيها، "لحظتها كان زوربا بوعي الخذلان المبكر يواصل الرقص حافيا على شاطئ الفاجعة، فاردا ذراعيه إلى أقصاها كنبي مصلوب، يقفز على مقربة مني على واقع الطعنات المتلاحقة، بشراسة وجع يجعلك مازوشيا حد النشوة فرحت أواصل الرقص معه منتفضة كسمكة خارجة توا من سطوة البحر"(15)، تستدعي ذراعي زوربا الممتدة امتداد قامته، ملامح اليسوع المصلوب وذلك تعزيزا للجو المأسوي على شاطئ الفاجعة، ويتأكد هذا التأويل عبر صورة شعرية زادها شعرية كثافة المخيال التشبيهي، بدءا بالانزياحات التي شملت الأمكنة المفتوحة فتشكل شاطئ البحر معادلا موضوعيا للفاجعة.

يأخذ النص بعده الشعري أكثر فأكثر، من خلال تحول (أنا) البطلة (حياة) إلى سمكة تنتفض، كناية عن الإحساس بالاختناق والرغبة في الانتحار، ذلك "ليست الإشكال في التحليل سوى أدوات متنوعة، تعتمد عليها اللغة لإنتاج هذا النوع من الكثافة الجمالية الشعرية"(16).

تمسك مقولة بودلير بزمام الحدث الروائي، إذ يرد "كلمات وسؤال لا أكثر ويصبح العالم أجمل، وتصبح الأسئلة أكبر، ولكن لا وقت لي للإجابة عنها، مأخوذة أنا بهذه الحالة العشيقة، مأخوذة حد الأرق بمقولة لبودلير: منعتني من النوم كل إنسان جدير بهذا الاسم، تجثم في صدره أفعى صفراء تقول (لا) كلما قال (أريد)، قضيت ليلي في محاولة قتل تلك الأفعى، اكتشفت قبل الفجر بقليل أنها أفعى بسبعة رؤوس وأنك كلما قتلتها ظهرت لك (لا) أخرى، شاهرة في وجهك لأسباب أخرى أكثر من حرفي نهي وتحذير، وبرغم ذلك غفوت وأنا أقرض تفاحة الشهوة على مرأى من رؤوسها"(17).

تشكل الرواية بذلك متحفا للغة الشعرية، التي تتبدى عبر عدة مستويات وأشكال حيث يجري فيها السرد الفني العالي، جنبا إلى جنب مع القصيدة النثرية، والقصائد الشعرية والنصوص الشعبية، والتناصات المختلفة "كل الأشياء التي تصادفني، والتي أصبح اسمها (نعم) يا كل الكون الذي يستيقظ جميلا على غير عادته، من نقل إليك خبر (نعم) أيتها الأغاني التي يرددها المذياع هذا الصباح، كأنه يدري ما حل بي، أيتها الطرقات المشجرة التي تمتد أشجارها حتى قلبي، أيتها الطاولات التي تنتظر على رصيف شتوي عشاقه"(18) تحيلنا هذه القصيدة النثرية بمختلف ألوان البيان، إلى ظاهرة أخرى وهي تفاحة الشهوة، لتذهب بذاكرة القارئ مباشرة إلى قصة "سيدنا آدم" مع التفاحة، التي أخرجته من الجنة، لقوله تعالى: "فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى، فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى"(19).

تستثمر أحلام مستغانمي هذا الوعي بالنص الغائب، مستعينة بعناصر الشعرية لتضفي على السرد عمقا آخر، وتحوله إلى عنصر نشط وفعال تحيله إلى تأويلات متعددة "مذهل هو عالم الأيدي، في عريه الفاضح لنا، ولا عجب أن يكون الرسامون والنحاتون، قد قضوا كثيرا من وقتهم في التجسس على أيد كانوا يدخلون منها إلى لوحاتهم ومنحوتاتهم، حتى إن النحات (رودان) الذي أخذت الأيدي كثيرا من وقته وتركت كثيرا من طينها على يديه كان يلخص هوسه بها قائلا "ثمة أيد تصلي وأيد تنشر العطر وأيد تبرد الغليل... وأيد للحب"، فكيف له إن ينحت واحدة دون أخرى؟ ذلك أن اليدين تقولان الكثير من أشيائنا الحميمية، تحملان ذاكرتنا، أسماء من احتضنا يوما، من عبرنا أجسادهم لمسا أو بشيء من الخدوش"(20).

تواصل الناصة استحضارها للنصوص الغائبة، التي لها علاقة بعناصر الشعرية في نصها الروائي "لم أفهم كيف؟ بغباء مثالي وقعت في فخ كل الإشارات المزورة التي وضعها الحب في طريقي، وإذا بي أثناء وهمي باكتشاف رجل، كنت أكتشف آخر، لا أدري في أية محطة أخطأت قطار الحب (الأول)، فأخذت قاطرة أوصلتني إلى حب آخر؟ كسائح شارد يأخذ الميترو لأول مرة، كمغامر يكتشف قارة دون قصد وفي لحظة شرود عاطفي، أخطأت وجهتي وقلبي، أخطأ كولومبس فاكتشف أمريكا ومات وهو يعتقد أنه اكتشف الهند"(21).

تواصل الروائية توظيفها الشعري للنصوص الغائبة، "وإذا بالطاولة المربعة التي تفصلها، تصبح رقعة شطرنج، اختار فيها كل واحد، لونه ومكانه واضعا أمامه جيشا... وأحصنة وقلاعا من ألغام الصمت، استعدادا للمنازلة.
- أجابته بنية المباغتة: الحمد لله.
الأديان التي تحدثنا على الصدق، تمنحنا تعابير فضفاضة، بحيث يمكن أن نحملها أكثر من معنى أو ليست اللغة أداة ارتياب؟
- أضافت بزهو من يكتسح المربع الأول: وأنت؟
ها هي تتقدم نحو مساحة شكه وتجرده من حصانة الأول، فهو لم يتعود أن يراها تضع الإيمان برنسا لغويا على كتفيها"(22).

فالشعرية تأخذ من فنيات علم البلاغة كالاستعارة والتشبيه، والتي "تتصدر النص، ليست حلية يتزين بها النص كي يفتن القارئ ولكنها لب وجوده وسر سحره"(23) كما يحمل هذا النص في طياته صورة كنائية، رمزية تظهر من خلال لحظات الترقب والتوتر التي يثيرها النص الغائب (الشطرنج)، من خلال رموز مشفرة بلغة الاحتدام والرغبة في مباغتة الطرف الآخر وإلحاق الهزيمة به، إن التحريف الذي يلحق باللغة المعيارية هو الذي "يشكل الخلفية التي تعكس الانحراف الجمالي المتعمد للغة الشعرية، فوجود اللغة الشعرية، إذن، مرتهن بوجود هذه اللغة المعيارية"(24).

يزيح قول لاعب الشطرنج (كاسباروف) بمخزونه المقترن بأجواء الانتصار والترقب المشهد الروائي برمته صوب فضاء شعري، تشكل فيه المقولة محورا موحيا للروائية لتحيطه بألوان البيان، إذ يرد منعكسا من خلال وعي (حياة)، "أي حجر شطرنج تراه سيلعب، هو الذي يبدو غارقا في التفكير مفاجئ، وكأنه يلعب قدره في كلمة؟

تذكرت وهي تتأمله ما قاله كاسباروف الرجل الذي هزم كل من جلس مقابلا له أمام طاولة شطرنج قال: "إن النقلات التي نصنعها في أذهاننا أثناء اللعب، ثم نصرف النظر عنها تشكل جزءا من اللعبة، تماما كتلك التي ننجزها على الرقعة".

لذا تمنيت لو أنها أدركت من صمته، بين أي جواب وجواب تراه يفاضل، فتلك الجمل التي يصرف القول عنها تشكل جزءا من جوابه"(25).

3 - الإيقاع:

يعد الإيقاع عنصرا مهما من عناصر الشعرية، ونجده بأشكال مختلفة في النص الأدبي. وقد تحقق الإيقاع في ثلاثية أحلام مستغانمي بنسبة كبيرة جدا فلم يفسد نثرية الرواية، ولم يؤثر في سردها أو حوارها. وقد ظهر في ثنايا الخطاب التأملي والحكمي.

تضم هذه الرواية في ثناياها تيارا من الإيقاع وتموجاته الرنانة، ينساب مع بعض النصوص الغائبة ويؤدي وظيفة شعرية، مع العلم أن إيقاعها قد يبدو خافتا وقليل الظهور إلا أنه موجود، "فأعود رفقة البحر مشيا على الأقدام، أمشي وتمشي الأسئلة معي وكأنني أنتعل علامات الاستفهام، نيتشه كان يقول: "إن أعظم الأفكار هي تلك التي تأتينا ونحن نمشي"، فأمشي ولكن كل فكرة يأتيك بها البحر تذهب بها الموجة القادمة"(26)، ظهر جمال الإيقاع من خلال التكرار، تكرار الحروف، والتشابه بين الألفاظ. وهو ما يعرف بالجناس حين تجتمع لفظتان في الحروف، وتختلفان في المعنى، فيحقق هذا الأمر إيقاعا مائزا. فيشكل هذا التكرار أحد عناصر الإيقاع، "لأن تكرار الإيقاع هو إعادة للماضي فكأننا في اللازمن، وتفرض الموسيقى نفسها في أذهان متلقيها بتكرار عناصر البناء"(27).

من الملاحظ أن اللغة الشعرية تتجسد في "فوضى الحواس" بشكل واضح، منذ بدايتها إلى نهايتها، فهذه المستويات الكثيفة من الشعرية تدفع السرد إلى مناطق قصية من الكتابة الجمالية، فليس غريبا أن يتحول هذا المقتطف السردي إلى قطعة موسيقية فقد سعت أحلام مستغانمي إلى استنباط أقصى ما عند اللغة لتفعل بها ما فعله "بيتهوفن مع قصيدة شلر (الفرح)، ومثل تحول روميو وجولييت إلى باليه، وكذلك تتحول القصائد إلى لوحات مرسومة"(28). "النوم في النهاية هو أكثر خيباتك ثباتا، وجوارها سؤال بالقلم بصيغة أكبر، تأتي كما لو أنها الجملة الأولى في السيمفونية الخامسة لبتهوفن: "والحب إذن؟"، ويصمت الأزرق"(29).

4 - الوطن:

يشكل المكان أحد الفضاءات المهمة في شعرية البنية السردية للنص، فهو بمثابة "القاعدة المادية الأولى التي ينهض عليها النص ويستوعبها حدثا وشخصية"(30) حيث مع الحياة عبر حيثيات لها جذورها الموغلة نحو الماضي، التي تدعم بناء الحاضر وترصد المستقبل وهذا ما تشكله قسنطينة كمعادل موضوعي بالنسبة إلى (حياة)، التي تحاول الهرب من قيود التقاليد والأعراف، فتلجأ إلى مقولة بودلير ولكن ببعد مضاد، فهي تجعل قسنطينة مدينة شرعية ترفض الشهوة.

تعي أحلام مستغانمي جيدا دور الوطن في النفوس، فتحاول بلغتها الشعرية أن تقدسه، أن تمنحه بعض العرفان بالجميل، أن تعزيه وتمسح الغبار عن ألوانه "أولئك الذين ظنوا أن جثمانه قد يمر سهوا في غفلة من الوطن، أن موته قد يكون حادثا لا حدثا في تاريخ الجزائر. تراهم توقعوا له... جنازة كتلك؟ انهيار صاعق للأشياء، وطن يغمى عليه يدخل حالة من الهستيريا، يبكي رجاله كالأطفال في الشوارع يهتفون "إنا هنا" تخرج نساؤه ملتحفات بالأعلام الوطنية، حاملات مع موتاهن رجلا لم يحكم كي تغطي صوره الشوارع... إنما كي تغطي صورة الجزائر صور القتلى الذين يملأون صفحات الجرائد. رجل لم يمش يوما باطمئنان على تراب الوطن، تحمله القلوب، أمواجا بشرية نحو التراب"(31).

تتجسد شعرية الوطن هنا من خلال العلاقة بين "الشعرية والسياسة وهو أمر بإمكان الجميع ملاحظته، لكنه يستدعي تفكيرا في نظرية اللغة وفي التاريخ"(32) وتفكير في الوطن وما آلت إليه أوضاعه، ومن الملاحظ أن أحلام ناقشت أكثر المواضيع السياسية تأزما والتي خلقت الفوضى التي عاش فيها الشعب الجزائري. "ليخرج العالم العربي بألحان حماسية تطالب بإطلاق سراح الزعماء الخمسة، أناشيد تلقفتها أفواه أطفالنا وحناجر رجالنا وزغاريد نسائنا. كنا نبكي... ووحده التاريخ كان يضحك، فهو وحده كان يدري ما لم يتوقعه أحد"(33).

تواصل الروائية حكايتها مع قسنطينة التي تشكل الفضاء الأوسع، وبؤرة التأزم "أعود إلى قسنطينة متحاشية النظر إلى هذه المدينة، كنت أتمنى لو أراها بعيون بورخيس عندما يرى "بوينس آيرس" بعينين فاقدتي البصر، عساني أحبها، دون ذاكرة بصرية... أحيانا يجب أن نفقد بصرنا، لنتعرف مدنا لم نعد لفرط رؤيتها نراها"(34).

ففي هذه الرواية تطل الذات (أنا حياة) إطلالات زمنية ومكانية كثيرة، يتشابه فيها الماضي مع الحاضر، من خلال بنية السرد التي تناسب أجواء الخطاب الروائي ذلك أن "الشعرية هي وظيفة من وظائف العلاقة بين البنية العميقة والبنية السطحية"(35).

5 - التصوير:

لغة النثر لغة إخبارية، ولغة الشعر تصويرية إيحائية، لكن الأجناس الأدبية تتجاور، ويحدث تبادل في المواقع "فإذا الشعر نثر إذا كان نظما، وإذا النثر شعر إذا كان مشبعا بالصور، مثقلا بالرؤى الشفافة، محملا على أجنحة الألفاظ ذات الخصوصية الشعرية"(36). ينبع جمال الصور لدى مستغانمي من التنافر، فهي تجعل من المتنافر تماثلا دالا على وعي ثقافي تجاه موضوعات الحياة التي تقدمها، فتصور عالمها الروائي توافقا وتضادا عبر نظام نسقي خاص يجعل هذه الأنساق تشغل وظائف جمالية لا حصر لها، وتحفز المتلقي؛ لتأويلها. فقد تجسد الحزن، وتحول إلى طوابق يكتشفها الرائي، وهو يتسلقها، وصاحب العمارة يقف مذهولا. أبرز ما يميز الصور الشعرية لدى مستغانمي خروجها عن المألوف فهي مدهشة، مبتكرة، تولد من اللفظ العادي دلالات مجنحة. "الوطن الذي يملك، متى شاء، حق تجريدك من أي شيء، بما في ذلك أحلامك، الوطن الذي جردها من أنوثتها، وجردني من طفولتي، ومشى، وها هو ذا يواصل المشي على جسدي وجسدها، على أحلامي وأحلامها، فقط بحذاء مختلف، إذ ليس معي جزمة عسكرية... ومعها حذاء التاريخ الأنيق"(37).

يصعب تسمية الخطاب السردي لدى أحلام مستغانمي خطابا روائيا؛ ذلك لأنه خطاب شعري بالدرجة الأولى، وسننطلق من فكرة أن النص الإبداعي يتمرد على كل القوانين، ويتجاوز القوالب الجاهزة. فالإبداع يعتمد على التجاوز والتخطي.

الخاتمة:

لقد استعانت الكاتبة في نسيج روايتها بالشعر وجعلته ينسل إلى نصها ليغدو جزءا من أجزاء الرواية على مستوى اللفظ والصورة وعملت على أن يصهر هذه الظواهر الشعرية في بنيته القصصية وأن يضبط بوصلته داخل النص الروائي بحيث لا يخرج عن طبيعة النص القصصية السردية.

هذه اللغة قد أفسحت المجال للكاتبة أن تعيش لذة أدبية يشاركها فيها القارئ كذلك، لقد أرادت الكاتبة من خلال ألفاظها الشعرية أن تصنع عالما لغويا تنتظمه مجموعة من العلاقات، لا مجموعة من الألفاظ، فتتحرك هذه اللغة من خلال هذه العلاقات وفضاء النص لخلق مكونات معرفية جديدة، فيعمل على إعادة إنتاج الهوية الثقافية الجزائرية من جديد أعمق وأشمل.

إن الشعرية في رواية "فوضى الحواس" تمثل عنصرا أساسيا في إنشائية هذا النص وتجلى البعد الشعري في نفس الوقت في أسلوبية الرواية وتجلت عناصر الشعرية في هذه الرواية وربطت أحلام مستغانمي العلاقة بين السردي والشعري وحققت التفاعل بين هذين الجنسين.

رسمت الكاتبة الصورة الشعرية، صنوف الخرق والعدول ومظاهر الشعرية وحضور الأنا الغنائي، شعرية الشخصيات، شعرية المكان والزمان في مستوى الرواية.

الهوامش:
1 - جماليات التناص في فوضى الحواس. univ-tiaret.dz
2 - عثمان ميلود: شعرية تودروف، الدار البيضاء 1990، ص 8-9.
3 - كمال أبو ديب: في الشعرية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1987، ص 14.
4 - عدنان بن ذريل: اللغة والأسلوب، دار مجدلاوي، ط2، 2006، ص 86.
5 - جمالیات التناص في فوضى الحواس.
6 - وائل بركات: ترجمة في مفهومات بنية النص، دار المعهد، دمشق 1996، ص 56.
7 - مفيد نجم: شعرية اللغة وتجلياتها في الرواية العربية. nizwa.com
8 - عدنان بن ذريل: اللغة والأسلوب، ص 88.
9 - سمر الديوب: شعرية النثر في ثلاثية أحلام مستغانمي. aladabia.net
10 - زهرة كمون: الشعرية في روايات أحلام مستغانمي، دار صامد، سلسلة بحوث أكاديمية، صفاقس 2007، ص 23.
11 - كمال أبو ديب: في الشعرية، ص 127.
12 - جمالیات التناص في فوضى الحواس.
13 - عبد الملك مرتاض: الكتابة من موقع العدم، دار الغرب، وهران 2003، ص 53.
14 - أحلام مستغانمي: فوضى الحواس (رواية)، دار الآداب، ط5، بيروت 1998، ص 64.
15 - المصدر نفسه، ص 291.
16 - صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص، ص 70.
17 - أحلام مستغانمي: المصدر السابق، ص 255.
18 - نفسه.
19 - سورة طه، الآية 120-121.
20 - أحلام مستغانمي: فوضى الحواس، ص 176.
21 - المصدر نفسه، ص 329.
22 - المصدر نفسه، ص 21.
23 - عبد الله الغذامي: الخطيئة والتكفير، ص 25.
24 - جماليات التناص في فوضى الحواس.
25 - أحلام مستغانمي: فوضى الحواس، ص 22.
26 - المصدر نفسه، ص 328.
27 - عبد الله الغذامي: الخطيئة والتكفير، ص 24.
28 - المصدر نفسه، ص 325.
29 - أحلام مستغانمي: المصدر السابق، ص 222-223.
30 - خليل شكري هياس: فاعلية الذاكرة في الكتابة الشعرية، ص 177.
31 - أحلام مستغانمي: المصدر السابق، ص 338.
32 - جماليات التناص في فوضى الحواس.
33 - أحلام مستغانمي: المصدر السابق، ص 241.
34 - المصدر نفسه، ص 331.
35 - كمال أبو ديب: في الشعرية، ص 57.
36 - عبد الملك مرتاض: النص الأدبي من أين وإلى أين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1983، ص 26.
37 - أحلام مستغانمي: فوضى الحواس، ص 102- 38.
الإحالة إلى المقال:

* زهراء ناظمي: اللغة الشعرية في رواية فوضى الحواس لأحلام مستغانمي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث عشر 2013. http://annales.univ-mosta.dz

***