المؤثرات الخارجية في إنتاج جبران الأدبي
العواصف والنبي نموذجين

د. ماسيلا جيي
جامعة شيخ أنت جوب دكار، السنغال

الملخص:

إن جبران خليل جبران شخصية بارزة في أدب المهجر، مكانته ككاتب عبقري معترف بها شرقا وغربا، وإليه وإلى غيره من أدباء المهجر يرجع فضل التجديد الذي طرأ في الأدب العربي الحديث فتبوأ بذلك منزلة مرموقة في الأدب العالمي. وما كان في جبران من طبيعة ثورية وروح الإبداع والخيال وكذلك حرصه الدائم على تحرير الشعر من القيود والقواعد التقليدية والضجة الكبرى التي أثارها إنتاجه الأدبي في العالم العربي وسمعته والتزامه وتنوع مؤلفاته، كل هذه الأمور شوقتني في البحث بتأن وتؤدة عن العوامل التي أثرت في كتابي جبران (العواصف والنبي) وأعتقد أن هذا العمل مساهمة متواضعة في دراسة جزء من الأدب العربي الحديث ومحاولة لإلقاء الضوء على مؤلفات هذه الشخصية الغامضة.

الكلمات الدالة:

خليل جبران، أدب المهجر، الأدب العالمي، النبي، الشعر.

***
The external influences in the literary production of Gibran
The Storms and The Prophet as models

Abstract:

Gibran Khalil Gibran is a prominent figure in the literature of the Diaspora, his position as a genius writer recognized in the East and the West, and to him and to other writers of the Diaspora owes the merit of the innovation that occurred in modern Arabic literature and thus assumed a prominent position in world literature. And what Gibran had in his revolutionary nature and spirit of creativity and imagination, as well as his constant eagerness to liberate poetry from traditional restrictions and rules and the great uproar that his literary production in the Arab world caused, his reputation, commitment and the diversity of his books, all these matters compelled me to carefully research and study the factors that influenced two books of Gibran (The Storms and the Prophet). I believe that this work is a modest contribution to studying part of modern Arabic literature and an attempt to shed light on the writings of this mysterious personality.

Key words:

Khalil Gibran, diaspora literature, world literature, Prophet, poetry.

***

النص:

1 - تقديم لكتابي العواصف والنبي:

العواصف: أصدر جبران هذا الكتاب في سنة 1920، يضم مقالات كثيرة منها: (حفار القبور، العبودية، يا بني أمي، الأضراس المسوسة، نحن وأنتم، الملك السجين، مات أهلي...). ثار جبران على الأسس العائلية ولام قومه لأنهم تركوا حقوقهم في الحياة واستكانوا للذل والعبودية، وإذ كلامه وقفة عنيفة أمام الوجود وسخرية رهيبة تجاه البشر.

حفار القبور: عبارة عن حوار بين الراوي وشبح. ويدور الحوار في إطار مخيف حافل بالظلمة والوحدة في واد مرصوف بالعظام والجماجم بجانب نهر دماء ودموع في منتصف الليل حينما تخرج الأرواح من أوكارها تذهب وتجيء في همس. فالحوار يرتكز على ثلاثة عناصر: الثورة ضد التسمية والمهنة والزواج.

أخذ الشبح يسأل اسمه فقال له: "ما اسمك؟ فأجاب اسمي عبد الله. فقال: ما أكثر عبيد الله وما أعظم متاعب الله، فهلا دعوت نفسك سيد الشياطين وأضفت بذلك إلى مصائب الشياطين مصيبة جديدة"(1). فقال: اسمي عبد الله وهو اسم عزيز أعطاني إياه والدي يوم ولادتي فلن أبدله باسم آخر. فقال: "إن بلية الأبناء في هبات الآباء، ومن لا يرحم نفسه من عطايا آبائه وأجداده يظل عبد الأموات حتى يصير من الأموات"(2).

وهنا تبدأ ثورة جبران برفض الاسم الذي اختاره الوالدان لابنهما، وقبول هذا الاسم عبودية لأنه يربطه بهما ويجعله يتبع مراسيمهما وتقاليدهما وتعاليمها.

فالنقطة الثانية تدور حول مفهوم المهنة. سأل الشبح عن صناعة الراوي فقال له: "أنظم الشعر وأنثره ولي في الحياة آراء أطرحها على الناس"(3)، فقال له الشبح: "هذه مهنة عتيقة مهجورة لا تنفع الناس ولا تضرهم"(4). وكذلك يدعو جبران إلى التخلص من الحرفة على أساس أنها ترديد لتقليد وليس في التقليد خير.

فالنقطة الثالثة تتناول مفهوم الزواج. قال الشبح في هذا الصدد: "وما حياة المرء بين زوجه وأولاده سوى شقاء أسود مستتر وراء طلاء أبيض"(5).

وهكذا يدعو الشبح الجبراني إلى تفكيك الأسس الاجتماعية وأخيرا فيما يتعلق بالمسألة الدينية، أجاب الراوي عن سؤال الشبح "ما دينك؟" فقال: "أؤمن بالله وأكرم أنبياءه وأحب الفضيلة ولي رجاء بالآخرة"، فقال له الشبح: "هذه ألفاظ رتبتها الأجيال الغابرة ثم وضعتها الاقتباس بين شفتيك، أما الحقيقة المجردة فهي أنك لا تؤمن بغير نفسك، ولا تكرم سواها ولا تهوى غير أميالها، ولا رجاء لك إلا بخلودها، منذ البدء والإنسان يعبد نفسه ولكنه يلقبها بأسماء مختلفة باختلاف أمياله وأمانيه فتارة يدعوها البعل وطورا المشتري وأخرى الله"(6). فالشبح الجبراني يرى أن الإيمان بالله وتكريم الأنبياء وحب الفضيلة ورجاء الآخرة، كل ذلك رتبتها الأجيال السابقة وما هي إلا أوهام وأغلال وكذب ونفاق.

العبودية: وفي هذه المقالة يندد جبران بالتقاليد والعادات والزواج المعقد من طرف الوالدين دون الأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر المعنيين بالأمر ويقول في هذا الصدد: "وأغرب ما لقيته من أنواع العبودية وأشكالها، العبودية العمياء وهي التي توثق حاضر الناس بماضي آبائهم وتنيخ نفوسهم أمام تقاليد جدودهم وتجعلهم أجسادا جديدة لأرواح عتيقة"(7).

ولم يقف إلى ذلك إنما دعا إلى الخروج على المستبدين والملوك والحكام وقال: "والعبودية الجرباء وهي التي تتوج أبناء الملوك ملوكا، والعبودية السوداء وهي تتسم بالعار أبناء المجرمين الأبرياء، والعبودية للعبودية نفسها هي قوة الاستمرار(8).

الأضراس المسوسة: وفي هذه المقالة يصف جبران الظلم والنفاق والاستبداد التي كان أهل الشام فيها في ظل الحكم العثماني، وهنا يحرض جبران السوريين واللبنانيين على الثورة ضد الطغيان والاضطهاد والظلم لأجل تحسين وضعهم الاقتصادي والاجتماعي حاضرا ومستقبلا. ويسخر بالشام ويقول إنه أضراس مسوسة وسخة سوداء ومنتنة، كما أنه أشار إلى قطاع ثلاثة حيث يتدهور الوضع من حالة سيئة إلى حالة أسوأ، وهي المدارس والجامعات والمحاكم وديار الأغنياء. كما أنه ندد بموقف رجال السياسة وصورهم كأطباء يملأون ثقوب أسنان الأمة المسوسة بالرصاص المذهب بدلا من أن يستأصلوها، سعني يمسك السياسيون الشعب في الخضوع والألم.

يا بني أمي: عبر جبران عن وطنيته في هذه المقالة، ولكنها يشوبها بلوم وتوبيخ. كان جبران يحب وطنه وشعبه حبا شديدا ولم يقدر التحمل على إذلالهم وإهانتهم وقال في هذا الصدد: "كنت أبكي على ذلكم وانكساركم وكانت دموعي تجري صافية كالبلور، ولكنها لم تغسل أدرانكم الكثيفة بل أزالت الغشاء عن عيني وبللت صدوركم المتحجرة بل أذابت الجزع في قلبي... أنا أكرهكم يا بني أمي لأنكم تكرهون المجد والعظمة، أنا أحتقركم لأنكم تحتقرون نفوسكم. أنا عدوكم لأنكم أعداء الآلهة ولكنكم لا تشعرون". فالكاتب في هذا النص يبدو أنه يبغض ويكره قومه نتيجة يأسه منهم لكنه في الواقع كان يضمر لهم في قرارة نفسه أعمق الحب.

النبي: يعد هذا الكتاب من أروع كتب جبران وأكثرها رواجا، وقد فكر في هذا الكتاب مدة طويلة قبل وضعه، وكانت المسودة بالعربية كتبها ثلاث مرات، وأخيرا أصدر الكتاب بالإنكليزية في سنة 1923 ونال شهرة كبيرة إذ أن الكتاب ترجم إلى عشرين لغة، الأمر الذي كرس له صيتا عالميا واسع النطاق.

فالكتاب عبارة عن سلسلة مقالات في شكل قصة تبدأ بذكر نبي اسمه مصطفى وهو بطل الرواية، انتظر اثنتي عشر سنة في مدينة تسمى أرفليس وهو يترقب عودة سفينته إلى المدينة ليركبها عائدا إلى الجزيرة التي ولد فيها. وفي أثناء تلك المدة كان مصطفى يعلم أبناء أرفليس حتى أصبح فيهم المعلم المحبوب، ولما وصلت السفينة وتأهبت للرحيل، خرج أبناء أرفليس ليودعوه ويظهروا له محبتهم وأخذوا يسألونه الأسئلة الأخيرة وهو يجيب عنها ويحدثهم ما بين الولادة والموت فيلقي عليهم مواعظ كثيرة حول موضوعات كثيرة منها: المحبة والزواج والأبناء والعطاء والفرح والترح والجرائم والعقوبات والعقل والعاطفة والخير والشر والدين والحياة والموت...

وهكذا يمتد الكتاب فهو عبارة عن أسئلة وأجوبة حول الحياة والوجود وكل هذا بمنظور فلسفي. تتعلق الموعظة الأولى بالمحبة وهي في نظر جبران أساس كل شيء لذلك بنى فلسفته كلها على المحبة. جبران يعتقد أن للحياة جوهرا واحدا وهو المحبة، يطلب من الناس أن يتبعوا المحبة مهما تكن مسالكها وعرة، فالمحبة تكلل الإنسان المحب وترفعه إلى أسمى المستويات ولكنها في الوقت ذاته تصلبه وتطحنه لكي تجعله نقيا كالثلج.

ويجب أن نلفت الأنظار إلى مفهوم المحبة عند الكاتب. وحسب وجهة نظر جبران يوجد نوعان من المحبة يقابلان منطقتين في الإنسان: المحبة الجسمية، والمحبة الروحية. ويعتقد جبران أن هذين النوعين من المحبة ليسا متناقضين ولكن من الممكن أن يكونا في الصراع تارة، ولا شك أن هذه الفكرة سبقت نظرية جبران حول الموضوع، لقد نشأت قبله مدرستان:

مدرسة تدعو إلى استماتة الجسم استماتة شاذة وإخفات اللذة خوفا من إزعاج الروح، وتعتقد أن الروح مسجونة في الجسم، ومدرسة تدعو إلى استرضاء الجسم استرضاء شاذا. أما جبران فإنه اتخذ موقفا متوسطا بين المدرستين لأن الإنسان ليس روحا محضا كالملائكة ولا مادة محضة كالأنعام.

وفيما يخص "بالعطاء"، يقول جبران: "لا قيمة للعطاء ما لم يكن جزءا من ذات المعطي، وما البخل إلا الخوف من أن تحتاج غدا ما بين يديك اليوم وما هو مضاربات وحسابات لا يمكن أن تقيك من احتمالات وتوقعات الغد"، ويقول في هذا الصدد: "أوليس الخوف من الحاجة هو الحاجة بعينها".

وفي نظره، ينقسم الناس إلى فئات: فئة تعطي لأجل الشهرة وجزاءها الشهرة، وفئة تعطي بألم وألمها معمودية إليها، وفئة تعطي بفرح وفرحها مكافحة لها، وفئة تعلم حقا معنى العطاء وهي التي تعطي بدون ألم ولا فرح ولا رغبة في الشهرة". ويقول هؤلاء: "لا يعرفون معنى للألم في عطائهم ولا يتطلبون فرحا ولا يرغبون في إذاعة فضائلهم هؤلاء يعطون مما عندهم كما يعطي الريحان عبيره في ذلك الوادي. بمثل أيدي هؤلاء يتكلم الله، ومن خلال عيونهم يبتسم على الأرض". ويأمر أن يضم الناس إلى هذه الفئة قبل فوات الأوان "فكل ما تملكه اليوم سيتفرق لا شك يوما ما، لذلك أعط منه الآن ليكون فصل العطاء من فصول حياتك أنت دون ورثتك"(9).

يعتبر جبران المعطي والذي يقبل العطاء في قدم المساواة، ولا فضل للمعطي على المعطى لأن الحياة هي التي تعطي وما المعطي سوى شاهد بسيط.

أما قوله في العمل: فقول عذب مليء بالمعاني، فنظريته للعمل ترتكز على عنصرين: العلم والمحبة، وأنه علاقة وثيقة بين الحياة والعمل والعلم والمحبة. وقال: "فالحق أقول لكم، إن الحياة تكون بالحقيقة ظلمة حالكة إذا لم ترافقها الحركة، والحركة تكون عمياء لا بركة فيها إن لم ترافقها المعرفة، والمعرفة تكون عقيمة سقيمة إن لم يرافقها العمل، والعمل يكون باطلا وبلا ثمر إن لم يقترن بالمحبة، لا إنما تربطون أنفسكم وأفرادكم بعضها ببعض ويربط كل واحد منكم بربه"(10).

أما نظريته حول مفهوم الخير والشر ففيها بعض الغموض، حسب رأيه وجود الخير والشر معا تناقض، وليس في الوجود تناقض لأن الحياة تناسق وانسجام وجمال وحق. وقال في هذا الصدد: "أليس الشر هو بعينه الخير المتألم آلاما مبرحة من تعطشه ومجاعته؟ فإني الحق أقول لكم، إن الخير إذا جاع سعى إلى الطعام ولو في الكهوف المظلمة، وإن عطش فإنه يشرب حتى من المياه الراكدة المنتنة".

وحسب رأي الكاتب لا يمكن الفصل بين العادل والظالم وبين الصالح والشرير، وبرهن قوله بما يلي: "من شاء منكم أن يرفع الفأس على شجرة ليقطعها اسم الصلاح عليه أن يتفقد جذورها أولا، والحق أقول لكم أنه يجد الجذور الصالحة والطالحة والمثمرة وغير المثمرة ملتفة معا في قلب الأرض الصامتة"(11). وقال في الشرائع: "إنكم تستلذون أن تضعوا شرائع لأنفسكم بيد أنكم تستلذون بالأكثر أن تكسروها وتتفقدوا فرائضها، لذلك أنتم كالأولاد الذين يلعبون على الشاطئ يبنون أبراجا عظيمة من الرمل بصبر وثبات، ثم لا يلبثون أن يهدموها ضاحكين صاخبين"(12).

وفي نظر جبران يوجد نوعان من الشريعة: الشرائع الطبيعية أو الأبدية وأركانها: السماحة والجمال والمحبة والحكمة اللاهية والشرائع البشرية: هي التي وضعتها السلطات السياسية أو السلطات الدينية لصالحا الخاص.

وبعد أن ندد جبران بالشرائع البشرية تحدث عن الجرائم والعقوبات، وأطرح مشكلة عجز الحكام عن فهم حالة المجرم فهما كاملا، أي الدوافع التي أدت إلى ارتكاب الجريمة. وقال في "رمل وزبد": "لا تستطيع أن تحكم على رجل بأكثر مما تعرف عنه وما أحقر معرفتك"(13).

كما أنه طرح مشكلة المسؤولية الجماعية. وأثبت أن الإنسان لا يكمن أن ينجح في الحياة بدون مشاركة الآخرين، ولا يمكن أن يرتكب جريمة إلا بمشاركتهم ولو جزئيا، وقال في هذا الصدد: "ورقة الشجرة الصغيرة لا تستطيع أن تحول لونها من الخضرة إلى الصفرة إلا بإرادة الشجرة ومعرفتها الكامنة في أعماقها، هكذا لا يستطيع فاعل السوء بينكم أن يقترف إثما بدون إرادتكم الخفية ومعرفتكم التي في قلوبكم"(14).

ونرى أن فلسفة جبران لا تقبل الحكم بالإعدام إنما يدعو إلى الإصلاح العقلي والاجتماعي للمجرم.

2 - المؤثرات الخارجية من حيث الأسلوب الكتابي:

سنحاول دراسة العوامل التي أثرت في أسلوب جبران خليل جبران وذلك من خلال كتاب الإنجيل وشخصيتين: الفيلسوف الألماني فريديرِكْ نيتْشه (Friedrich Nietzsche) والشاعر الأمريكي والْت وِتْمان (Walt Whitman).

الإنجيل: كان جبران يؤمن بالكتاب المقدس وبتعليماته ولكن يختلف إيمانه عن إيمان المسيحيين الآخرين، فهو يرى أن الناس يستغلون الدين لمصالحهم الخاصة وعلى رأسهم السلطة السياسية ورجال الدين والمثقفون الأنانيون. ثار جبران على هؤلاء وعلى كيفية استعمال الدين.

تأثر جبران بالكتاب المقدس خاصة في الأسلوب الكتابي، لقد استعمل كما في التوراة الخطاب الحكمي والاستعارة، فإنه فسر الحياة تفسيرا توراتيا بصفة مثيرة للعاطفة، وكل ذلك على لهجة المرشد والمصلح والواعظ. لقد استعمل جبران بعض الرموز والقوالب اللفظية من الإنجيل، مثلا: "لقد قيل لكم كذا وكذا أما أنا فأقول لكم كيت وكيت..."، "والحق أقول لكم".

ويمكن ملاحظة هذا التعبير في كتاب النبي: "فإني الحق أقول لكم، إن الخير إذا جاع سعى إلى الطعام ولو في الكهوف المظلمة". فجبران يستعمل المثل لتبليغ رسالته وهناك تقارب بين أسلوبه وأسلوب الإنجيل نذكر في هذا الصدد قطعة من إنجيل لوقا: مثل السراج: "ما من أحد يوقد سراجا ويغطيه بوعاء أو يضعه تحت سرير بل يضعه في مكان مرتفع ليستنير به الداخلون، فما من خفي إلا سيظهر ولا من مكتوم إلا سينكشف ويعرفه الناس فانتبهوا كيف تسمعون كلام الله، لأن من له شيء يزاد، ومن لا شيء له يؤخذ منه حتى الذي يظنه له"(15).

ومن جهة أخرى ففلسفته للمحبة تلخيص لمواعظ المسيح. أذكر بعض مواعظ المسيح حول المحبة:

محبة الأعداء: "ولكني أقول لكم أيها السامعون: أحبوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم، وباركوا لأعينكم وصلوا لأجل المسيئين إليكم، من ضربك على خدك، فحول له الآخر ومن أخذ رداءك، فلا تمنع عنه ثوبك، ومن طلب منك شيئا فأعطه، ومن أخذ ما هو لك فلا تطالبه به، وعاملوا الناس مثلما تريدون أن يعاملوكم، فإن أحببتم من يحبونكم فبأي فضل لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يحبون من يحبهم، وإن أحسنتم إلى المحسنين إليكم فبأي فضل لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يعملون هذا، وإن أقرضتم من ترجون أن تستردوا منهم قرضكم فبأي قرض لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يقرضون الخاطئين ليستردوا قرضهم ولكن أحبوا أعداءكم وأحسنوا وأقرضوا غير راجين شيئا فيكون أجركم عظيما، لأنه ينعم على ناكري الجميل والأشرار (16).

إدانة الآخرين: "لا تدينوا فلا تدانوا، لا تحكموا على أحد، فلا يحكم عليكم أحد، أغفروا يغفر لكم، أعطوا تعطوا كيلا ملآن مكبوسا مهزوزا فائضا تعطون في أحضانكم لأنه بالكيل الذي تكيلون يكال لكم"(17).

نلاحظ أن جبران استقى من الإنجيل فكرة التسامح والعطاء ووسع آراءه حسب ميوله والكلمات السابقة ذكرها تنبئ كثيرا بذلك.

فريدريك نيتشه(18): تقوم فلسفة نيتشه على التنديد بالمثالية وقلب الميتافيزيقا (علم ما وراء الطبيعة)، ويعتقد أن الميتافيزيقا أسطورة وأكذوبة سببها حقد الحياة، وتتميز بإدانة حياة الدنيا وإبداع آخرة قد تكون الحياة الحقيقية وهي تخيل ثنائية: عالم حسي وعالم مثالي. فالخوف والألم هما المسببان لأفكار الميتافيزيقا(19). ندد نيتشه بالمجتمع واستنكر المسيحية والأنشطة الاجتماعية لأنها عبودية واقترح عقيدة الرجوع الخالد بدلا من الميتافيزيقا والدين، وسع هذه الفكرة في كتابه: (La volonté de puissance) وفي كتابه "هكذا تكلم زرادشت" وأسلوبه أسلوب حكمي جارح ولاذع قاس وملون بتحليق مسيحي. تتميز فلسفته بالثورة ضد ما تسمى بـ(Establishment) أي المؤسسات الاجتماعية والدينية.

ونجد في كتاب النبي أن القالب الفني الذي اتخذه جبران شبيه جدا بالقالب الذي اتخذه نيتشه:
نيتشه اتخذ زرادشت نبيا وبوقا لأفكاره.
جبران اتخذ مصطفى نبيا وبوقا لأفكاره.
زرادشت يعود إلى جزائره السعيدة.
جبران يعود إلى الجزيرة التي ولد فيها.
زرادشت يودع تلاميذه قائلا: وإني لن أعود إليكم إلا متى أنكرتموني كلكم.
مصطفى يودع أصحابه قائلا: أما إذا تلاشى صوتي في آذانكم وطار حبي من ذاكرتكم فإني عائد إليكم مرة ثانية.
زرادشت يصعد جبلا يشرف على البحر ويخاطب.
مصطفى يصعد هدبة ويخاطب البحر.

وعلى هذا الأساس نعتقد أن هذا التشابه أقرب بكثير من التأثر مما هو أقرب من المصادفة.

نجد في كتاب "العواصف" لا سيما في "حفار القبور" "ويا بني أمي" و"العبودية" الأسلوب النيتشوي الثائر. قال جبران وهو يهاجم الشعب اللبناني بلهجة زرادتشية: "يا بني أمي وقد أضر بي الحي ولم ينفعكم، واليوم صرت أكرهكم والكره سبيل لا يجرف غير الغضبان اليابسة ولا يهدم سوى المنازل المتداعية... كنت أبكي على ذلكم وانكساركم وكانت دموعي تجري صافية كالبلور ولكنها لم تغسل أدرانكم الكثيفة بل أزالت الغشاء عن عيني، ولا بللت صدوركم المتحجرة بل أذابت الجذع في قلبي"(20)، كما أنه اتهم المتدينين بالرياء والنفاق وتمنى لهم الموت، قال: "دينكم رياء ودنياكم ادعاء وآخرتكم هباء فلماذا تحيون والموت راحة الأشقياء... أنا أكرهكم يا بني أمي لأنكم تكرهون المجد والعظمة، أنا أحتقركم لأنكم تحتقرون أنفسكم، أنا عدوكم لأنكم أعداء الآلهة ولكنكم لا تعلمون"(21).

فالت وِتْمانْ(22): كان فالت ويتمان يعتبر نفسه صوت من لا صوت لهم وصوت كل من هو عادي وفصيح وبليغ كالعشب(23). تناول أيضا في هذا الكتاب موضوعات كالروح والتأمل والخلوة في لهجة شعبية مباشرة، ومجد فيه الحساسية الأمريكية وتغنى بالحرية في أشعار منثورة وأخرى مرسلة. أثر هذا الشاعر الأمريكي في كثير من شعراء المهجر. وقال عمر الدسوقي أنهم قلدوا فالت وتمان في شعره المنثور(24)، هذا التأثير ظاهر في "العواصف" و"النبي". فالقطعة التالية المقتبسة من كتاب "النبي" تبرهن على ذلك من ناحية الأسلوب:

أيتها الغمامة أختي الغمامة أنا وأنت الآن شيء واحد
لم أكن ذاتا منذ زمن طويل الجدران انحدرت
السلاسل انكسرت وأنا ارتفعت إليك

وسنبحر معا إلى أن يأتي يوم الحياة الثانية عندما يلقيك الفجر قطرات الندى في حديقة ويقذف بي طفلا في حضن امرأة(25).

3 - المؤثرات الخارجية من حيث المضمون:

وفي هذا الجزء نحاول أن ندرس العناصر التي أثرت في أدب جبران من ناحية المضمون من خلال نقاط ثلاثة وهي: البوذية والرومانسية والشاعر الرسام ويليام بليك (William Blake).

البوذية(26): البوذية دين يرتكز على أربع حقائق نبيلة وهي أن (الحياة ألم، والألم ينشأ من الرغبة والرغبة غير المشبعة تعود من جديد، وعندما تقف الرغبة يقف البعث وأسمى الإتمام والاكتمال هو البعث.) "نرفانا"(27).

فإننا إذا تأملنا في إنتاج جبران الأدبي نجد هذه الآراء وهذه المعتقدات بصفة واضحة. يقول مصطفى جبران في "النبي" لأبناء أرفليس: "ولكن إذا تلاشى صوتي في آذانكم وزالت محبتي من قلوبكم فحينئذ آتي إليكم سريعا وأخاطبكم ثانية بقلب أوفر عطفا من قلبي وشفتي، أجل أنني سأرجع مع المد"(28)، وقال أيضا فيما يخص عقيدة التناسخ: "قليلا لا ترونني وقليلا ترونني لأن امرأة أخرى ستلدني... سنبحر معا إلى أن يأتي يوم الحياة الثانية عندما يلقي الفجر قطرات الندى في حديقة ويقذف بي طفلا في حضن امرأة"(29). وسبق أن قال نيتشه في كتابه هكذا تكلم زرادُشْتَرَا مثل هذا: "يا أصدقائي من أجلي تحبون الأرض كثيرا، سأرجع إلى الأرض لأبحث فيها الاستراحة في حضن المرأة التي أنجبتني"(30)، من جهة أخرى نجد أن آراءه في مفهوم الخير والشر قريبة من آراء المصلح الديني زرادشت(31).

ويليام بليك(32): أشعار ويليام بليك تتميز بطابع سري وصوفي الشيء الذي جعل استيعابه صعبا. كان شديد التعلق بعالم الأرواح وشديد الميل إلى التأمل والخيال. إذا تناولنا كتاب "النبي" فأول ما نشعر هو أن كل صفحة وكل سطر من سطوره حافل بطابع روحاني وصوفي وخيالي. فوجهة نظر بليك تجاه الشاعر كصاحب رسالة سامية إلى البشر يتجلى بوضوح في كتاب "النبي"، لكل فصل من فصول الكتاب أبعاد تبشيرية.

المدرسة الرومانسية: في القرن الثامن عشر نشأت في إنكلترا نزعة أدبية جديدة غيرت وجه الأدب والسياسة والفلسفة. وقد أطلق على هذه النزعة اسم الرومانسية أو الرومانتيكية ثم انطلقت إلى ألمانيا وفرنسا. تتميز الرومانسية بالعاطفة والتحرر الوجداني ورفض الرضوخ للأصول والقواعد التقليدية للأدب، كانت تمثل روح الثورة والتمرد وتسعى إلى الانطلاق والحرية ولكنها انتهت إلى نوع من العكوف على اللذات والفرار إلى الطبيعة حب الحلم الصوفي والبحث عن الافتنان الخارق للعادة وتلمس المثل العليا في عالم الأرواح والخيال والأحلام(33).

إذا تأملنا في موضوعات "العواصف" نجد فيها روح الثورة والتمرد والتطلع إلى عالم الحرية والتعبير عن الألم البشري وغيرها من الموضوعات التي تناولها الأدب الرومانسي. فقول جبران في "يا بني أمي" يظهر الألم الشديد الذي يشعر به: "ماذا تريدون يا بني أمي؟ أتريدون أن أبني لكم من المواعيد الفارغة قصورا مزخرفة بالكلام وهياكل مسقوفة بالأحلام، أم تريدون أن أهدم ما بناه الكاذبون والجبناء وأنقض ما رفعه المراؤون والخبثاء... نفوسكم تتلوى جوعا وخبز المعرفة أوفر من حجارة الأودية ولكنكم لا تأكلون وقلوبكم تختلج عطشا ومناهل الحياة تجري كالسواقي حول منازلكم فلماذا لا تشربون؟".

وقال في "مات أهلي": "مات أهلي أذل ميتة وأنا هاهنا أعيش في رغد وسلام وهذه هي المأساة المستتبة على مسرح نفسي، لو كنت جائعا بين أهلي الجائعين مضطهدا بين أهلي المضطهدين لكانت الأيام أخف وطأة على صدري، وليالي أقل سوادا أمام عيني، لأن من يشارك أهله بالأسى والشدة يشعر بتلك التعزية العلوية التي يولدها الاستشهاد بل يفتخر بنفسه لأنه يموت بريئا مع الأبرياء".

إن مؤلفات جبران خليل جبران أثارت جدلا كبيرا شرقا وغربا وذلك فيما يتعلق بالأسلوب الكتابي الذي انتهجه من جهة والرسالة التي أراد أن يتسم بها أدبه من جهة أخرى. وتوصلنا من خلال هذا البحث إلى إبراز مدى تأثر جبران بعديد من شخصيات بارزين ومعتقدات فكرية ودينية. وذلك أن أسلوب الإنجيل معكوس في مؤلفاته: فالخطاب الحكمي والاستعارة ولهجة المرشد والمصلح والواعظ واستعمال بعض الرموز والقوالب اللفظية الإنجيلية وفكرة المحبة والتسامح والعطاء... تتجلى بوضوح فيها. الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه مثل دورا مهما في توجيه الفكر الجبراني من ناحية الأسلوب والمضمون: أسلوب الأمثال واللهجة الزرادتشية الثورية. وتأثره بالشاعر الأميركي ويتمان يتجلى في مؤلفاته من ناحية استخدام الشعر المنثور والمرسل. وأن فكرة تناسخ الأرواح التي تؤمن بها البوذية تتجلى بوضوح في كتاب النبي. وأن كثيرا من آراء الشاعر الرسام الإنكليزي فليام بليك، وعديدا من مبادئ الرومانسية مثل التمرد وعدم مراعاة القواعد الشعرية والأحلام الصوفية والفرار إلى الطبيعة... عناصر اتسم بها الأدب الجبراني.

الهوامش:
1 - جبران خليل جبران: العواصف، المكتبة العلمية الجديدة، بيروت، (د.ت)، ص 9.
2 - نفسه.
3 - نفسه.
4 - نفسه.
5 - المرجع نفسه، ص 11.
6 - نفسه.
7 - ميخائيل نعيمة: جبران خليل جبران، المؤلفات الكاملة، مكتبة النهضة، بغداد 1983، ص 373.
8 - نفسه.
9 - أنطوان بشير أرشمندر وشرارة عبد اللطيف: المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران، دار بيروت، 1964، ص 93.
10 - نفسه.
11 - نفسه.
12 - نفسه.
13 - المرجع نفسه، ص 180.
14 - نفسه.
15 - مرقس 4، 21-25، متيه 5، 15.
16 - متيه 5، 38-48 و7، 12.
17 - نفسه.
18 - ولد نيتشه في روكن بروس (Röcken, Prusse) في سنة 1844 وكان يدرس الفلسفة في بال وهو في الخامسة من عمره، وتأثر باسكوبنهور (Schopenhauer) وبأفكار علم الجمال من صديقه رشارد وغنير (Richard Wagner)، وتوفي في ويْمار سنة 1900.
19 - Nouvelle Encyclopédie autodidactique, Quillet, SA, Paris 1989, T.3, p. 129.
20 - جبران خليل جبران: العواصف، ص 45.
21 - نفسه.
22 - فالت ويتمان شاعر أمريكي ولد في نيوجرزي (New Jersey) في سنة 1892 كان يصدر صحيفة تناول فيها انطباعات وأفكارا صوفية. كانت هذه الأفكار تمهيدا لكتابه: أوراق العشب (Leaves of Grass) الذي أصدره سنة 1847 وأعلن فيه أنه سيصبح شاعرا للإنسان العادي ودرعا للدمقراطية.
23 - Dictionnaire des Lettres, Laffont Bompiani, SEDE, Paris 1961.
24 - عمر الدسوقي: الأدب الحديث، دار الفكر العربي، القاهرة 1970، ج3، ص 230.
25 - المؤلفات الكاملة لجبران، ص 484.
26 - نشأ هذا الدين على يد البوذا ولد حوالي 500 قبل ميلاد المسيح في المنطقة الشرقية من بلاد الهند. كلمة بوذا تعني اليقظة والملهمة وصاحب الرؤيا.
27 - Histoire générale des littératures, Librairie Aristide, Quillet, Paris 1961, T.1, p. 311.
28 - أنطوان بشير شمندر: المرجع السابق، ص 137.
29 - نفسه.
30 - Friedrich Nietzsche : Ainsi parlait Zarathoustra, Flammarion, Paris 1996, p. 114.
31 - انظر كلمة (Avesta) تعني جميع النصوص المقدسة عند زرادشت:
Dictionnaire des Lettres, SEDE, Paris 1961, p. 56-57.
32 - ولد بليك في لندن سنة 1757م، كان شاعرا رساما وكان يستهوي الفن الإغريقي كما أنه قرأ كثيرا للشاعر الإنكليزي شكسبير وملتوون والإنجيل. وفي سنة 1783 أصدر كتابا عنوانه مشهد مسرحي (Poetical sketches).
33 - Edouard Tunk : Histoire universelle de la littérature, Ed. Stauffacher, SA, Zurich-Paris-Bruxelles 1961, T.3.
الإحالة إلى المقال:

* د. ماسيلا جيي: المؤثرات الخارجية في إنتاج جبران الأدبي - العواصف والنبي نموذجين، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث عشر 2013. http://annales.univ-mosta.dz

***