المكونات العربية في الشعر العبري الأندلسي
موسى بن عزرا نموذجا

أمينة بوكيل
جامعة قسنطينة، الجزائر

الملخص:

يتناول هذا المقال مظاهر تأثير الشعر العربي القديم في الشعر العبري الأندلسي من خلال الشاعر اليهودي موسى بن عزرا، نتعرض فيه لنشأة الشعر العبري الأندلسي من خلال تظافر مجموعة جهود لغوية ونقدية أسهمت بدورها في تطوره بهدف مقاربة إشكالية علاقة الشاعر اليهودي بالشعر العربي متتبعين دوافع هذا التأثر ودلالاته إلى جانب المكونات اليهودية في القصيدة من خلال شعر موسى بن عزرا، أما المنهج المتبع في هذا المقال فهو المنهج التاريخي لأنه يتابع تطور هذه الظاهرة الأدبية من خلال النص الشعري في ضوء سياقه التاريخي العام الذي يمثل مجالا خصبا وميدانا تتفاعل فيه مختلف العناصر.

الكلمات الدالة:

الشعر العبري، الأندلس، التأثير والتأثر، المنهج التاريخي، المثاقفة.

***
The Arabic components in the Andalusian Hebrew poetry
Musa Ibn Ezra as a model

Amina Boukail
University of Constantine, Algeria

Abstract:

This article deals with the manifestations of the influence of ancient Arab poetry on Hebrew-Andalusian poetry through the Jewish poet Musa Ibn Ezra, in which we examine the emergence of Hebrew-Andalusian poetry through the combination of a group of linguistic and critical efforts that contributed in its development in order to approach the problem of the Jewish poet’s relationship with Arab poetry, following the motives of this affection and its connotations as well as the Jewish components in the poem through the poetry of Musa Ibn Ezra. As for the approach followed in this article, it is the historical approach because it tracks the development of this literary phenomenon through the poetic text in light of its general historical context, which represents a fertile field and a field in which the various elements interact.

Keywords:

Hebrew poetry, Andalusia, influence, historical method, interculturality.

***

النص:

النص الشعري كيان مستقل يمتد وجوده إلى تاريخ وجود الحضارة والثقافة، ويستمد مكوناته من خصائص لغته ومن السياق العام للنص الشعري، وقد يستمد مكوناته من أدب أجنبي أو ثقافة أجنبية نتيجة الاحتكاك بالآخر سواء في حالة السلم أو الحرب لأنه ليس معفى من هذه المؤثرات حتى ولو كان قوي المناعة، فالمؤثرات الأجنبية تتسرب إليه عبر وسيط أو مباشرة وبأشكال مختلفة: أفكار، إيقاع صور، جنس أدبي.

لطالما استمرت النصوص الخالدة في تأثيرها في آداب مختلفة رغم اختلاف الزمان والمكان متفاعلة مع النصوص المتأثرة في حوار مع مكوناتها، تبني أو تهدم مكونات قديمة في فضاء إبداعي غير ملتزم بالحدود الجغرافية أو السياسية، من بين هذه النصوص الشعرية: الشعر العربي القديم ما يمثله من رصيد ضخم من التجارب الشعرية المختلفة، أثر في آداب أخرى لما يتميز به من بناء دقيق، دقة متناهية، وبخصائص جمالية في غاية الحساسية، إضافة إلى دعم ومواكبة النقد القديم له، حيث كان موضوعه الرئيسي ومحور اهتمامه وميدان استثماره، ومن بين الآداب التي تفاعل معها: "الشعر العبري الأندلسي"، فقد هيأت الظروف السياسية والاجتماعية احتكاك اليهود بالثقافة العربية والنهل من ينابيعها المتعددة لإعادة إنتاج شعري عبري جديد يختلف عما كان في المضمون والشكل، إلا أن هذا التأثير الواضح والواعي يختلف من شاعر يهودي إلى آخر باختلاف مستويات المعرفة والإدراك وكيفية توظيف المكونات العربية، ومن بين الذين أدركوا وعملوا بهذا التأثير لأجل بعث الشعر العبري الشاعر "موسى بن عزرا"، وكان ذلك عن طريق تنظيره في كتاب "المحاضرة والمذاكرة" من جهة وعن طريق شعره من جهة أخرى، فما هي المكونات العربية التي تسربت إلى شعر "موسى بن عزرا" وما هي دلالات هذا التوظيف؟

1 - نشأة الشعر العبري الأندلسي وتطوره:

تتفق أغلب المصادر على أن الوجود اليهودي قديم في إسبانيا، يعود إلى دمار الهيكل الثاني في القدس سنة (70 ق.م)، جاء على شكل هجرات يهودية مختلفة إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، استمرت حتى سقوط إسبانيا بأيدي القوطيين (Visigoths). في البداية كان التعايش بين اليهود والقوطيين لكنه سرعان ما تحول إلى تنافر وصدام، خاصة بعد اعتناق القوطيين المسيحية، وتميزت هذه الفترة بإجبار اليهود على اعتناق المسيحية بالقوة والنفي والتضييق والاضطهاد، ووصل الحال إلى عد اليهود طاعون يدنس الأرض الإسبانية(1).

بقي اليهود على هذا الحال حتى فتحت إسبانيا سنة 710 للميلاد من طرف المسلمين على يد "طارق بن زياد" الذي حقق انتصارا كبيرا على الملك "لذريق" (Rodéric)، وفي خضم هذا الحدث الهام ظل اليهود في البداية متقوقعين في بيوتهم، يترقبون النتائج بحذر شديد، وبعد تأكدهم من انتصار المسلمين، خرجوا فرحين مستقبلين المسلمين كمحررين لهم من الاضطهاد المسيحي، وهكذا دخل اليهود عهدا جديدا تميز بتغييرات جذرية ومصيرية(2).

تجمع اليهود في هذه الفترة في أحياء خاصة بهم، ويطلق على هذه الأحياء اسم "الحارة"، حيث انتظموا في شكل جاليات يتزعمها الرئيس الذي يسمى بـ"الجاوون" تليه مجموعة من الموظفين يتولون الإشراف على جمع التبرعات ورعاية المعابد اليهودية، كما يوجد "الخزان" الذي يصدر الفتاوى ويفصل في المنازعات بين اليهود(3).

أما من الناحية الاقتصادية فقد شارك اليهود في الحياة الاقتصادية بالأندلس، حيث اشتغلوا في التجارة الداخلية والخارجية كتجارة الذهب والأحجار الكريمة وعملوا كسماسرة في أسواق الأندلس وفي مجالات الصرفة(4).

وانعكست الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية على الحالة الثقافية ليهود الأندلس، حيث ازدهرت الثقافة اليهودية لاسيما في فترة عبد الرحمان الثالث بقرطبة، حيث ظهرت المراكز الثقافية بقرطبة وغرناطة، إشبيلية، ولهذا تمثل هذه الفترة للفكر اليهودي والأدب العربي "العصر الذهبي" لما تميزت به من حيوية وبغزارة الإنتاج الفكري.

فبعد استقرار المسلمين في الأندلس، بدأ اليهود في التكيف مع الأوضاع الجديدة، حيث واكبوا موجة التعريب التي بلغت ذروتها في القرن التاسع والعاشر، وقد تمت هذه العملية بالتدريج في مختلف ميادين الأدب واللغة والعلوم، ولكي تنضج التجربة الشعرية سبقتها مجموعة جهود تضافرت ليتمخض عنها شعر عبري أندلسي الطابع.

أ - الجهود اللغوية:

كانت البداية الفعلية للدراسات اللغوية العبرية مع احتكاك اليهود بالثقافة العربية ولغتها عندما لاحظ اليهود في البداية مدى اهتمام المسلمين الشديد بالقرآن الكريم وانكبابهم المعمق على شرح عباراته وتحديد مواضع الإعجاز باعتباره النموذج الأعلى للبلاغة، فحذا اليهود حذو المسلمين متأثرين بهم خاصة في مناهج البحث اللغوي والمصطلحات الدقيقة.

من أبرز النحاة في هذه الفترة "يهودا حيوج"(5) الذي عاش في قرطبة، وأهم مؤلفاته اللغوية: كتاب عن الحروف اللينة، كتاب الأفعال ذوات المثلين، وكتاب التنقيط.

كما تمثل مؤلفات العالم اللغوي اليهودي "مروان بن جناح"(6) النموذج الواضح عن تأثير النحو العربي في الدراسات اللغوية العبرية فكثيرا ما اتبع في مؤلفاته المنهج المقارن بين العربية والعبرية، ولم يكتف بذلك بل كان يستشهد باللسان العربي دون أن يجد في ذلك حرجا من أهم مؤلفاته: كتاب المستحق، كتاب التشوير، رسالة التنبيه، رسالة التقريب، وكتاب التنقيح(7).

وهكذا قننت اللغة العبرية وفق أقسام النحو العربي وعلم الصرف وهذا ما نجده في العناوين المذكورة سابقا وأدى ازدهار الدراسات النحو العبري إلى ازدهار الشعر العبري فقد شجع الشعراء اليهود على الاقتباس من الشعر العربي.

ب - الجهود النقدية:

أهم كتاب نقدي حاول أن يضع أسسا للشعر العبري هو كتاب "المحاضرة والمذاكرة" لموسى بن عزرا حيث اهتم بالشعر العبري متخذا الشعر العربي أساسا لهذا التأليف كما أنه تضمن دعوة صريحة ومباشرة لكي يستفيد اليهود من البلاغة العربية.

أما الناقد الثاني فهو "يهودا الحريزي"(8)، عرض في كتابه الشهير "تحكموني" آراءه النقدية حيث يقول بأسلوب حماسي: "إن بقي شعبنا، بعد جلائهم عن أرض كنعان، قد قطن الكثيرون منهم بني يعرب في أوطانهم، وألقوا التحدث بلغتهم والتفكير بتفكيرهم، وبامتزاجهم بهم تعلموا منهم صناعة الشعر"(9).

جـ - الجهود الشعرية:

بعد ازدهار الدراسات اللغوية والنقدية، اتجه اليهود نحو الشكل الأرقى في اللغة، أي اللغة الشعرية، يقلدون البحور الشعرية العربية، ومواضيع الشعر العربي (الغزل، المدح، الوصف، الزهريات، شعر الخمر) بلغة عبرية صافية، وقد سجلت بداية هذا الشعر ولادة مدرسة شعرية جديدة واضحة الأسس والمعالم(10)، وفي هذا المناخ الثقافي المتميز ظهرت شخصية هامة في قرطبة أحدثت ثورة جذرية في بنية الشعر العبري هو "دوناش بن لبرط"(11) الذي كان مدعما من طرف الوزير حسداي بن شبروط، حيث استعار أوزان الشعر العربي وكيفها مع قواعد اللغة العبرية، وخلق دوناش بهذا الاختراع عهدا جديدا للشعر العبري من حيث الجمال الفني والتأثير الموسيقي ومن حيث الشكل رغم ما لقاه من معارضة شديدة في البداية لكن سرعان ما أقبل الشعراء اليهود على إلباس أشعارهم وأحاسيسهم قوالب عربية الصور، وسنعرض الآن لأهم شاعر في هذه الفترة وهو "موسى بن عزرا".

2 - المكونات العربية في شعر موسى بن عزرا:

حياته و آثاره:

هو أبو هارون موسى بن عزرا بن يعقوب الغرناطي، ولد سنة 1055 ميلادية بغرناطة، في عائلة عريقة وثرية، أخوه أبو إبراهيم إسحاق أديب وشاعر، هو من ربى موسى ودعمه في مسيرته الأدبية، عاش طفولة هادئة في عصر الزبير بن الصنهاجة، لكن سرعان ما انقلبت هذه الطفولة إلى أحداث أثرت فيه بعمق، حيث وقعت في ديسمبر 1066 للميلاد. وقد أشار إليها "أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني" في "الذخيرة" قائلا: "وقد استطان الناس على اليهود، وقتل منهم يومئذ نيف وأربعة آلاف"(12).

وعلى إثر هذا الحدث رحل موسى بن عزرا مع الآلاف من يهود غرناطة إلى أليسانة التي كانت آنذاك مدينة الشعر والثقافة بامتياز، وهنالك أكمل دراسته اليهودية حيث تتلمذ على يد "إسحاق بن غياث" رئيس الأكاديمية اليهودية بـ"أليسانة"، وعمق في هذه المرحلة معارفه بالتوراة وتفسيرها والنحو العبري، ثم عاد إلى غرناطة بعد أن عاد الهدوء، وهنا أكمل دراسته في الأدب أين أظهر شغفا لا مثيل له بالشعر، كما درس الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية.

في هذه الفترة برزت موهبة موسى الشعرية التي أكسبته إعجاب وتقدير الجميع، كما راسل في هذه الفترة العديد من اليهود المثقفين، واندمج أيضا في الجو الثقافي العام في غرناطة الذي تميز بالازدهار في فترة حكم الأمير عبد الله (1098م-1173م)، واشتغل وظيفة هامة كانت توكل دائما لعائلته في غرناطة ولهذا سمي "رأس الشرطة"(13).

إلا أن هذا الهدوء لم يدم طويلا في غرناطة، فسرعان ما عصفت بها أحداث هزت موسى بن عزرا وغيرت مجرى حياته، فبعد سقوط طليطلة سنة 1085 للميلاد، استدعى الأندلسيون المرابطين الذين أزالوا حكم عبد الله، وقد عرف عهدهم بسلطة الفقهاء والقضاة الذين وضعوا بعض القيود على حياة الأندلسيين التي تميزت بالتحرر وأدى ذلك إلى شعور موسى بن عزرا بالغربة فقرر الهروب إلى إسبانيا المسيحية سنة 1095 للميلاد بحثا عن أفق أرحب، لكن هذه الخطوة لم تزده إلا شقاء وحزنا، خاصة وهو يحمل معه قصة حب فاشلة ومستحيلة، فعاش في غربة جغرافية وثقافية، ولم يجد الجو الثقافي الذي تعود عليه في غرناطة.

كانت هذه الفترة قاسية على موسى بن عزرا، قضاها وحيدا مشردا بين "أراجون" و"نافارا" و"قشتالة"، وعلق على هذه الفترة في كتابه "المحاضرة والمذاكرة" قائلا: "ما رماني به الدهر في آخر العمر من الاغتراب الطويل والاختباء المنفصل في أفق بعيد وثغر سحيق، فأنا مسجون في حبس بل مدفون في رمس"(14)، وقد طبعت هذه الفقرة القاتمة شعره بطابع الكآبة والحزن.

توفي سنة 1135 للميلاد بإسبانيا المسيحية دون أن يحقق أمنيته في رؤية محبوبته غرناطة، ورثاه الشاعر "يهودا هاليفي" في قصيدة مطولة. لم تمنعه حياته المريرة من التأليف في عدة مجالات منها الشريعة والفلسفة والتفسير والأدب، وتميزت مؤلفاته بالتنوع والشمولية، رغم أن نسبة كبيرة منها قد ضاعت، وأهم مؤلفاته:
- مقالة في فضائل أهل الأدب والحسب: وفيها سير علماء يهود الأندلس منهم من اشتهر في العلوم الدينية والثقافة اليهودية.
- مقالة نصيحة الأبرار للمختارين من الغيار: وهو كتاب ذو طابع أخلاقي غرضه الوعظ والإرشاد.
- مولد موسى بن عمران عليه السلام: لا زال مخطوطة بمكتبة أكسفورد.
- الحديقة في معنى المجاز والحقيقة: اندثر أصله العربي ولم يبق لنا إلا فقرات من ترجمته العبرية المعروفة باسم: "أرجات ها بوشيم"، وهو كتاب ذو طابع فلسفي يجمع طائفة من الأمثال والحكم.
- كتاب المحاضرة والمذاكرة: "وهو أهم مؤلف اشتهر به موسى بن عزرا كما هو أيضا أهم كتاب بلاغة وشعر عبري في العصر الوسيط، وقد استوحى عنوان هذا الكتاب من أجواء مجالس غرناطة الثقافية وأحاديث الفكر والأدب التي كانت منتشرة آنذاك، كُتب باللغة العربية وترجمه إلى العبرية في حياته "يهودا الحريزي"(15).

3 - المؤثرات العربية في شعر موسى بن عزرا:

يعتبر موسى بن عزرا من أكبر شعراء العصر الذهبي لإنتاجه الشعري المتنوع والضخم ويتميز شعره على العموم الديني والغير الديني بشكله الفني المكتمل، المحمل بالزخرفات اللفظية والصور المتنوعة المستقاة من البيئة الأندلسية، كما يتميز بخفة وتنوع الأوزان، المقتبس من الشعر العربي القديم وأهم العناصر العربية التي انتقلت إلى شعره ما يلي:

‌أ - المكون الموضوعي:

من المعروف أن الكثير من مواضيع الشعر العربي انتقلت إلى الشعر العبري، ووظفت لغايات جمالية متعددة وأهم موضوع برز فيه موسى بن عزرا هو الحب، فقد ألهمه كل من الشعر العربي وتجربته الشخصية في ذلك، كما ساعدته البيئة الأندلسية في أن يستقي منها أجمل الصور، وعبر عن هذا الموضوع في قصائد مطولة.

ويختلف توظيف هذا الموضوع من مرحلة إلى أخرى في حياة موسى بن عزرا إلى أخرى ففي الفترة التي كان فيها في غرناطة، تميز شعره بالحيوية والفرح ووصف جمال حبيبته وصفا حسيا ونفسيا مليئا بالبهجة، وإغراقه في وصف ملذات الحياة وهي انعكاس طبيعي لبيئته التي كان يعيش فيها كقوله(16):

أمنية قلبي ورغبة عيني حبيبة بقربي وكأس بيدي

أما شعر الحب في فترة النفي والاغتراب، فقد اصطبغ بطابع الحزن والأسى وجاء كتنفيس لعذابه وخيبته في الحياة، وظف بكثرة الأطلال التي هي تعبيرا رمزيا عن الماضي السعيد والحاضر التعيس، وحول مأساته من دائرة الشخصية إلى دائرة القومية اليهودية، ومثالنا على ذلك وقوفه على الأطلال عل طريقة الشعراء العرب في قوله(17):

رفقا بي يا أصحابي فقد أخذوا قلبي بين متاعهم ورحل ركبهم

كما وظف بكثرة صورة "الحمامة النائحة" في شعره لما توحي به من أجواء حزينة، وهي صور نجدها أيضا في الشعر العربي في قوله(18):

حمامة في الحديقة عشها بين الأريج فلما هذا البكاء؟
ابك شريدا وابك سليبا سلبته المصائب لقاء الأحبة
هاتي جناحيك كي أطير وأحط بأرضهم متمرغا في أرضهم الحبيبة

من المعروف أن مخاطبة الحمام في موضوع الحب أمر شائع ومعروف في الشعر العربي، فالحمامة بإمكانها أن تلعب دور الرسول بين الأحبة الذين تفصلهم المسافات البعيدة، ويوحى سجعها بأنه بكاء حزين عن حبيب قد ضاع، تحيلنا مباشرة على أبيات الشاعر ابن شهيد(19):

على غصن إلفا والدموع تجود كلانا معنى بالخلاء الفريد

وظف موسى بن عزرا تقريبا نفس معاني بيتي ابن شهيد لكن دلالات موسى بن عزرا تتعدى معاني الحب والفراق والألم، حيث استخدم آلامه الفردية للدلالة على آلام قومه، والألفاظ التي ذكرها (شريدا، سليب، أرضهم...) هي جزء من معجم الإغراب اليهودي، وهي ظاهرة "عرفها التاريخ اليهودي في كل عصوره، وانعكست آثارها على الحياة اليهودية في كل أشكالها، وبنيت الديانة اليهودية ذاتها وفي كثير من مظاهرها على أساس قوي من عزلة الإنسان اليهودي وغربته عن بقية البشر"(20).

ولهذه الألفاظ جذور توراتية وردت في العهد القديم إلى جانب نماذج أدبية معبرة عن الاغتراب إذن وظف موضوع الحب بطابعه السوداوي للتعبير عن معاني الاغتراب والتيه.

‌ب - المكون التخيلي:

لكي يعبر الشاعر عن المواضيع لابد من وجود المكون التخيلي فهو عنصر هام يتشكل منه الشعر، حيث يقوم الشاعر باستحداث علاقات بين عناصر مختلفة كي تنسجم وتتناغم لتؤلف صورة جمالية تحقق الغاية المنشودة، وأهم هذه الوسائل "البيان" الذي تفنن فيه العرب منذ القديم، ومع أن لكل لغة بيانها وخصائصها الفنية والأسلوبية التي هي بمثابة بطاقة هوية خاصة بأدب ما إلا أن الشعر العبري قد اكتسى حلل البلاغة العربية في الأندلس، فكما رأينا سابقا أن الشعراء اليهود نشئوا في جو ثقافي عربي وقرأوا كتب الأدب والبلاغة العربية وبدأوا ينسجون على منوال بلاغتهم، فإذا بهم يولون اهتماما بالتشبيهات والاستعارات لأثرها الجذاب على الشعر والمتلقي، وفي مقدمة هؤلاء موسى بن عزرا حيث وظفها في شعره بجلاء كالتشبيه مثلا في هذا البيت الذي يصف فيه الهلال ويشبهه بسوار في يد الأفق قائلا(21):

ارتفع الهلال إلى الأعلى فبدا في يد الأفق كنصف سوار
وقد استمد هذا التشبيه من بيت "أبي علي تميم بن معمر" في وصفه أيضا للهلال قائلا(22):
وانجلى الغيم عن هلال تبدى في يد الأفق مثل نصف سوار
وكأن بيت موسى بن عزرا ترجمة عبرية للبيت العربي.

أما الاستعارة فقد أسهب "موسى بن عزرا" في الثناء عليها، فقال في كتابه "المحاضرة والمذاكرة" إنها من أشرف أقطاب الكلام وألطف محامد النثر والنظام، كما تحدث عن أثرها في جمال الأسلوب قائلا: "وإن الكلام إذا كسوته ثوب الاستعارة، جملت ديباجته ورفعت زجاجته"(23)، أما من ناحية شعره فقد برزت خاصة في شعر الطبيعة، راسما بكلماته لوحات ناطقة، ممزوجة بألوان عربية أندلسية، كوصفه للربيع في غرناطة قائلا(24):

لبست الحديقة قميصا مزدهرا الألوان وارتدى عشبا كثوب مزركش لأطراف
وارتدت كل شجرة معطفا مرقما امتلأت كل عين منها جمالا
أما البرعم فخرج ضاحكا مرحبا بالفصل الجديد القادم

هذه المقطوعة التي تصف "فصل الربيع" تعج بالاستعارات المختلفة، ومن الوهلة الأولى عند قراءة هذه المقطوعة نستحضر مباشرة قصيدة البحتري في وصف الربيع(25):

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما
ومن شجر رد الربيع لباسه عليه كما نشرت وشيا مبهما
أحل فأبدى للعيون بشاشة وكأن قذى للعين إذ كان محرما

ففي المقطوعة التي مرت بنا، وظف موسى بن عزرا العديد من الاستعارات (لبست الحديقة، ارتدى عشبا، ارتدت كل شجرة، امتلأت كل عين...) وهي صور مستمدة من الشعر العربي بوضوح ومن البيئة الأندلسية الخلابة.

نستنتج مما سبق أن موسى بن عزرا استمد هذا المكون من الشعر العربي لتصوير مظاهر الطبيعة تصويرا حسيا حيا، مشخصا تلك المظاهر، متأثرا بطبيعة الأندلس الخلابة، وإن كان هذا النوع من الشعر يندرج ضمن فترة حياته في غرناطة التي كانت مستقرة وسعيدة، وبالتالي جاءت صوره جذابة تعج بالحياة والحبور، وعلى كل حال فإن هذه الصورة قد أسهمت في تحلية المعاني وإلباس المجرد منها ثوب المحسوس وتشخيص الأشياء الصامتة، فالطبيعة تلبس وتخلع، تحزن وتفرح وهي صور متحركة تتجانس فيها مختلف العناصر لهذا اعتبر موسى بن عزرا شاعر البيان في الشعر العبري الأندلس.

جـ - المكون الإيقاعي:

ولكي تكتمل العملية فلابد من المكون الإيقاعي الذي هو أقوى الوسائل تأثيرا في الملتقى حيث يظهر في شكله الخارجي الذي يحققه الوزن والقافية، وفي الشكل الداخلي أيضا من خلال انسجام وتآلف الكلمات والحروف، وقد أدرك الشعراء اليهود أهمية هذا العنصر في الشعر العربي فهو العمود الفقري للشعر فإذا استوى يستوي معه الشعر، فأولى موسى بن عزرا هذا العنصر أهمية قصوى في كتابه "المحاضرة والمذاكرة" حيث سمى فصلا "في صنعه القريض العبراني على قانون العرب"، موضحا أهمية موسيقى الشعر وكيفية انتقالها إلى الشعر العبري، مؤكدا على أن الشعر العبري القديم لم يعرف الوزن والقافية الموحدة(26)، وفي شعره نلمح عناية فائقة لهذا العنصر، من خلال اختياره الأوزان الملائمة لمواضيعه وهي في غالب الأحيان البسيطة والمجزوءة، كما التزم بالقافية الموحدة في الشعر في قوله(27):

رب عفراء يخجل من وجهها نور الصباح
بعينيها قتلت الكثير من دون دواء للجراح

اختار موسى بن عزرا في هذين البيتين البحر المتقارب القصير التفعيلة المتمثل في وزن "بعـوليم" ست مرات.

أما الموسيقى الداخلية فقد عرف عن موسى بن عزرا اختياره الدقيق للكلمات المتألقة الحروف والمعبرة عن الأحاسيس والمشاعر الدافئة وذلك من خلال المحسنات البديعية التي تبرز بأنواعها المختلفة في شعره ومن خلال الكلمات المتقاربة الحروف والمخارج (الميم، النون)، (الألف، العين، الهاء...) كل هذه العناصر أضفت على البيت جرسا موسيقيا جذابا.

الخاتمة:

إن مظاهر تأثير الشعر العربي القديم في الشعر العبري الأندلسي عديدة الجوانب والمستويات تمثل جانبا هاما من جوانب التفاعل الثقافي في الأندلس، وعلى ضوء ما سبق يمكن أن نستخلص ما يلي:
- نشأ موسى بن عزرا في بيئة عربية ودرس الشعر العربي والفلسفة الإسلامية بأليسانة وغرناطة إلى جانب دراسته التوراة والشريعة اليهودية.
- أما شعر موسى بن عزرا فقد وظف موضوع الحب مندمجا مع الاغتراب وحول مأساة حبه إلى قضية قومية يهودية.
- لم يكن اليهود بحاجة إلى وسائط أخرى أو ترجمات للاطلاع على الشعر العربي فقد تربوا في بيئة عربية كانت فيها العربية لغتهم اليومية كما استخدموها حتى في أعمالهم النثرية.
- كان هذا التأثر واعيا ومنظما ينم عن حاجة ماسة لإخراج الأدب من عزلته وتوسيع آفاق الإبداع الشعري وعدم اقتصاره فقط على المواضيع الدينية؛ كما كان هذا التأثير شاملا حيث شمل البنية والموضوع.
- يدل هذا التأثير على ازدهار الشعر العربي وبلوغه مرحلة متطورة من النضج الفني كما يدل على خصوصية البيئة الثقافية الأندلسية.
- لهذا التأثير أهمية كبيرة بالنسبة لتاريخ الأدب العبري فرغم أن عمر الشعر العبري الأندلسي لم يدم أكثر من ثلاثة قرون فقد اعتبر بإجماع الباحثين الغربيين واليهود منهم أنه العصر الذهبي للأدب العبري.

الهوامش:
1 - Julio Valdeón Baruque: Cristianos, judíos y musulmanes, Editorial Crítica, Barcelona 2006, p. 17.
2 - Haïm Zafrani : Juifs d’Andalousie et du Maghreb, p. 25.
3 - مسعود كواتي: اليهود في المغرب الإسلامي، دار هومة، الجزائر 2000، ص 122.
4 - المرجع نفسه، ص 140.
5 - هو أبو زكريا يحيى بن داود، ولد بفاس 945م، هاجر إلى قرطبة وتوفي بها 1000م.
6 - هو أبو الوليد مروان بن جناح ولد بقرطبة 990م وتوفي 1050م بسرقسطة، أشهر النجاة اليهود في الأندلس.
7 - حسن ظاظا: اللسان والإنسان، دار القلم، ط2، دمشق 1999، ص 148.
8 - يهودا الحريزي ناقد وشاعر يهودي عاش بالأندلس في القرن الثالث عشر للميلاد، ترجم العديد من المؤلفات العربية إلى العبرية.
9 - ربحي كمال: دروس في اللغة العبرية، دار العلم للملايين، بيروت 1963م، ص 50.
10 - Arie Schippers : Les Juifs d’Andalousie, Revue le monde de la Bible, N° 130, Payard presse, France, Octobre-Novembre 2000, p. 28.
11 - عاش دوناش بن لبرط بين (920م-990م)، ولد بفاس في أسرة عريقة ثم رحل إلى بغداد، وهناك تتلمذ على يد "سعديا الفيومي"، ترك ديوان شعر ضخم متنوع.
12 - أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني الأندلسي: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عباس، الدار العربية للكتاب، تونس 1975، القسم الأول، مج 2، ص 769.
13 - Paul Fenton : Philosophie et exégèse dans le jardin de la métaphore de Moise ibn Ezra, philosophie et poète andalou du XIIe siècle, Brill 1997, p. 16.
14 - موسى بن عزرا: المحاضرة والمذاكرة، تحقيق منتسرات أبو ملهم، المجلس الأعلى للأبحاث العلمية، معهد علم اللغات، مدريد 1985، ص 8.
15 - Paul Fenton : op. cit., p. 19.
16 - موسى بن عزرا: شيري هحل، تحقيق حاييم برداي، مطبعة بياليك، 1953، ص 241.
17 - المصدر نفسه، ص 397.
18 - المصدر نفسه، ص 7.
19 - ديوان عبد الملك بن شهيد القرطبي، تحقيق يعقوب زكي، دار الكاتب، القاهرة، (د.ت)، ص 99.
20 - محمد خليفة حسن أحمد: دراسات في التاريخ وحضارة الشعوب السامية القديمة، دار الثقافة، مصر 1975، ص 187.
21 - موسى بن عزرا: شيري هحل، ص 131.
22 - ابن الأبار القضاعي: الحلة السيراء، تحقيق حسين مؤنس، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1963، ج1، ص 299.
23 - موسى بن عزرا: المحاضرة والمذاكرة، ص 243.
24 - موسى بن عزرا: شيري هحل، ص 7.
25 - البحتري: ديوان البحتري، دار صادر، بيروت 1983، المجلد الأول، ص 147.
26 - موسى بن عزرا: المحاضرة والمذاكرة، ص 148.
27 - ربحي كمال: دروس في العبرية، ص 399.
References:
1 - Al-Buḥturī: Dīwān, Dār Ṣādir, Beirut 1983.
2 - Baruque, Julio Valdeón: Cristianos, judíos y musulmanes, Editorial Crítica, Barcelona 2006.
3 - Fenton, Paul: Philosophie et exégèse dans le jardin de la métaphore de Moise ibn Ezra, philosophie et poète andalou du XIIe siècle, Brill, Leiden 1997.
4 - Ḥasan Aḥmad, Muḥammad Khalīfa: Dirāsāt fī at-tārīkh wa ḥaḍārat ash-shu‘ūb as-sāmiyya al-qadīma, Dār al-Thaqāfa, Cairo 1975.
5 - Ibn ‘Ezra, Mūsā: Kitāb al-muḥāḍara wa al-mudhākara, (Le Livre de la conversation et des évocations), edited by Muntasarāt Abū Mulhim, Madrid 1985.
6 - Ibn al-Abbār al-Quḍā‘ī: Al-ḥulla as-sayrā’, edited by Ḥussein Mu’nis, Lajnat al-Ta’līf wa al-Tarjama, Cairo 1963.
7 - Ibn Bassām Al-Shantirīnī, ‘Alī: Adh-dhakhīra fī maḥāsin ahl al-jazīra, edited by Iḥsān ‘Abbās, Al-Dār al-‘Arabiyya li al-Kitāb, Tunis 1975.
8 - Ibn Ezra, Musa: Shiri haḥal, edited by Hayim Braday, Bialik 1953.
9 - Ibn Shuhayd al-Qurṭubī, ‘Abd al-Mālik: Dīwān, edited by Ya’qūb Zakī, Dār al-Kitāb, Cairo (n.d.).
10 - Kamāl, Rabhī: Durūs fī al-lugha al-‘ibriyya, Dār al-‘Ilm li al-Malāyīn, Beirut 1963.
11 - Kouatī, Messoud: Al-yahūd fī al-Maghrib al-islāmī, Dār Houma, Alger 2000.
12 - Schippers, Arie: Les Juifs d'Andalousie, Revue le monde de la Bible, N° 130, Payard presse, France, Octobre-Novembre 2000.
13 - Zafrani, Haïm: Juifs d'Andalousie et du Maghreb.
14 - Ẓāẓā, Ḥasan: Al-lisān wa al-insān, Dār al-Qalam, 2nd ed., Damascus 1999.
الإحالة إلى المقال:

* أمينة بوكيل: المكونات العربية في الشعر العبري الأندلسي، موسى بن عزرا نموذجا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث عشر، سبتمبر 2013. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

المؤثرات العربية في النحو العبري الوسيط
حوليات التراث، العدد 11، 2011.

***