نحو مهاد قرآني لنظرية سرد عربية

د. محمد فكري الجزار
جامعة المنوفية، مصر

الملخص:

يقف القصص القرآني، إزاء نظريات السرد الغربية مقولات ومناهج وإجراءات، باعتباره إشكالا نصيا بشكل امتنع - حتى الآن - على أي تناول منهجي، الأمر الذي يفرض علينا أن نبتدئ التأسيس لنظرية سردية عربية مستمدة من التراث العربي حتى يمكن امتحان المقولات والإجراءات المنهجية الغربية على هدي منها. وقد حاول هذا البحث البدء من نظرية الأدب حيث إنها تمثل التصور الفلسفي المجرد الذي يقدم المهاد التأسيسي لحركة المناهج النقدية التحليلية الممكنة. ولأن الأدبي الدنيوي، وكذا الإعجازي الديني، يرتكز إلى اللسان الذي اختاره لنصه، فقد عدنا إلى اللغة العربية نستقرئ شيئا من نحوها وآخر من معجمها، ثم التفتنا إلى المعارف والعلوم التي نشأت حول القرآن الكريم عموما من إعجاز وتفسير، وأخيرا لما يخص الأدبي من نقد. ولما كان الذي حصلناه من هذه الجولة الاسترشادية غير مقنع إلى حد ما، عدنا إلى النص الذي كان حافزا للبحث: النص القرآني، فكثيرا ما حمل النص موضوع النظرية أو النقد ما يمكن اعتباره مؤشرات على هذا أو تلك أو كليهما معا.

الكلمات الدالة:

القرآن الكريم، السرد، التراث الإسلامي، النص، النقد.

***
Towards a Quranic establishment of an Arabic narrative theory

Abstract:

Quranic stories stand against Western narrative theories as sayings, methods and procedures, as a textual problem that has refrained - until now - from any systematic approach, which forces us to begin establishing an Arab narrative theory drawn from the Arab heritage so that Western sayings and methodological procedures can be examined according to its guidance. This research has tried to start from the theory of literature, as it represents the abstract philosophical conception that provides the foundation for the movement of possible critical and analytical approaches. And because the secular literary, as well as the religious miracle, is based on the tongue that he chose for its text, we returned to the Arabic language and read something from it and another from its dictionary, then we turned to the knowledge and science that arose around the Holy Qur’an in general from miracles and interpretation, and finally to the literary criticism. And since what we got from this guided tour was somewhat unconvincing, we returned to the text that was the catalyst for the research: the Qur’an text, often the text of the topic of theory or criticism bears what can be considered indicators of this or that, or both.

Key words:

Quran, narration, Islamic heritage, text, criticism.

***

النص:

إن بناء منهج نقد أدبي - أيا كان نوعه - لابد ويتكئ في مقولاته وإجراءاته، على قاعدة فلسفية أو شبه فلسفية من "نظرية الأدب" تتناول موضوع ذلك النقد تحديدا لماهيته وتعريفا بتنوع ظاهراته وحتى تخصيصا لموقعه داخل ثقافته ومجموع علاقاته بها. من هنا كانت نظرية الأدب ضرورة لكل منهج نقدي، ليس لفهم الظاهرة المسماة أدبا قبل أن تتحقق في نصوص، وإنما لفاعلية المنهج، إذ تتحرك مقولاته الخاصة والنوعية على هدي من مقولات أكثر تعميما وشمولا. إن نظرية الأدب تحدد ماهية "الأدبي" ثم يستظهر المنهج الأدبي كيفيات تحققه وتجلياته المتنوعة داخل النص الفردي. ونظرية الأدب تحدد أنواع ذلك "الأدبي" كل ضمن منظومة من الخصائص، ثم يبني المنهج النقدي تصورات مقاربته النصوص على ضوء منظومة الخصائص التي لنوع هذه النصوص.

وتصبح نظرية الأدب أكثر ضرورة حين يكون المنهج النقدي خارجا من ثقافة مختلفة عن ثقافة النص الذي يطبق عليه والذي سيكون حاملا، ولابد، وسم ثقافته وغاياتها وحتى طرائقها في خطاب الآخرين من غير أهلها وتصوراتها عنهم. ووحدها نظرية الأدب - في حال أصالتها ثقافيا - يمكنها أن تضبط حدود المنهج وتمتحن مقولاته وتؤطر حركة مقاربته للنصوص الأدبية. وإن ثقافة تخلو من نظرية أصيلة عن أدبها لهي ثقافة توشك أن تنأسر لسواها من ثقافات، وأن تستخذي إزاء خطاباتها، وأن تشرع الاستلاب معرفة وعلما.

وقد شاع في خطاب مؤرخينا عن الأدب العربي نسبة الأنواع السردية فيه إلى تواصلنا مع الغرب تعريبا وترجمة إلى أن استوت على ساقها نوعا أدبيا، ملتفتين على استحياء إلى بعض الأنواع السردية العربية القديمة من أيام ومجالس ومقامات ومنامات وليال، وغالبا ما غضوا النظر عن القصص القرآني، بينما لم يروا - مطلقا - لبعض القصص الشعري أية قيمة تخص الأنواع السردية. ولم يكن لنقاد السرد الأدبي العربي، أمام قناعات مؤرخينا الأدبيين لتي صارت مسلمات، إلا أن يتوسلوا بمناهج الآخرين ما دامت نصوصنا السردية مستمدة من ثقافات الآخرين وليست متأثرة بهم فحسب. وهكذا اكتملت دائرة الاستلاب المعرفي تاريخيا ونقديا، وليس ثمة من حل إلا بناء نظرية عربية للسرد مستمدة بالكامل من التراث العربي. فمما لا شك فيه أنه لا مجتمع بلا قص، بل إن أغلب تاريخ المجتمعات القديمة هو مجموع قصصه، وإننا لنزعم أن في خطابات تراثنا الديني والأدبي والمعرفي عموما ما يمكن أن يقدم أسسا مهمة لبناء تلك النظرية.

1 - في التراث العربي:

على هيئة المجتمع، تكون قصصه وتكون فنيات هذا القصص أيضا، وبغض النظر عن تاريخ القصص العربي الذي سبق الإسلام، وهو تاريخ غير قصير، فقد كان ختام هذا التاريخ نزول القرآن الكريم الذي عهد إلى الفن القصصي ببعض مقاصده وبخاصة في قصص بعض أنبياء الله صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم أجمعين. ولم يكن للقرآن الكريم أن يتوسل بالقصص إلى هذه المقاصد لو لم توجد قاعدة معرفية وجمالية لدى المخاطبين بتلك القصص. وأقول معرفية لأعني وعيا بأساليب العربية في القص كنمط من أنماط الأداء اللغوي، وأما القاعدة الجمالية، فأعني بها القدرة على التمييز بين مختلف تجليات تلك الأنماط وتفاوتها فنيا، هذا وذاك ليصح تحدي الله عز وجل أولئك المخاطبين وعجزهم أن يأتوا بسورة من مثله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، (البقرة، الآية 23).

ولقد كان للعرب من القصص الجاهلي ما وفر لهم تلك القاعدة بصفتيها: المعرفية والجمالية. فقد كان لهم قصصهم الخاص بأيامهم ووقائعهم وتاريخهم وأمثالهم. ثم إنهم كانوا - كذلك - على جانب من المعرفة بقصص أقوام آخرين تواصلوا معهم من فرس وروم وأحباش. كما كانوا على شيء من القصص الديني عند الأمم السابقة من يهود ونصارى(1). وبظهور الإسلام ووجود القصص الديني في القرآن الكريم، ظهرت طائفة من الناس أخذت موقعها إلى جانب الشعراء والخطباء، هم طائفة القصاص، وتطورت قصصهم من المجالس إلى المقامات إلى الليالي والمنامات(2) ومنطقي ألا يكون للعرب هذا التاريخ السردي الذي يبدأ بما قبل الإسلام، والأنواع السردية المتعددة، دون أن يكون هذا وذاك مرتكزا إلى مجموعة من المعطيات النظرية الخاصة بهذا الفن اللغوي، وإن تكن موزعة هنا أو متناثرة هناك لا ينظمها إطار محدد يضعها مكافئة في الأهمية للفنون الشعرية والنثرية التي كانت سائدة.

2 - تراث اللغة:

أ - النحو:

قبل أن نتعرض لهذا القصص من التنزيل الكريم نبدأ من اللغة، أعني من نظام اللغة، إذ لا أدب، فضلا عن أنواع أدبية، إلا وابتدأ من مقولة لغوية أساس. وفي نحونا العربي أشكل، فيما أزعم، أحد الضمائر على النحويين، فقد تأبى على تصنيفهم الثلاثي المحيل إلى اسم سبق، فتحدثوا عن ضمير القصة أو الحكاية أو الشأن، ثم أشكلت، فيما أزعم كذلك، بعض الجمل عليهم، فأولوها بتقدير ضمير للقصة (أو الحكاية أو الشأن) محذوف. فما هو هذا الضمير المشكل؟

مفهوميا، يقول أبو البقاء الكفوي في "الكليات": "وإذا وقع قبل الجملة ضمير غائب إن كان مذكرا يسمى ضمير الشأن. وإن كان مؤنثا يسمى ضمير القصة، ويعود إلى ما في الذهن من شأن أو قصة، أي: الشأن أو القصة مضمون الجملة التي بعده. ولا يخفى أن الشأن أو القصة أمر مبهم لا يتعين إلا لخصوصية يعتبر هو فيها ويتحد هو مع مضمونها في التحقيق، فيكون ضمير الشأن أو القصة متحدا مع مضمون الجملة التي بعده، ولهذا لا يحتاج في تلك الجملة إلى العائد إلى المبتدأ"(3).

وقاعديا، هو ضمير يلزم الإفراد والغيبة، ويأتي متصلا ومنفصلا، ولكنه يخالف سائر الضمائر في كونه لا يعطف عليه، ولا يؤكد كما لا يبدل منه، ولا يتقدم خبره عليه، ولا يفسر إلا بجملة اسمية خبرية، ولا يقوم الظاهر مقامه، ولابد أن يكون مبتدأ، أو ما كان أصله مبتدأ ثم دخل عليه ناسخ. ويأتي ضمير الشأن مستترا أحيانا كثيرة، وجملته المفسرة لها موضع من الإعراب.

فيما يبدو أننا إزاء ضمير نوعي، وما زعمناه من إشكاله يتمثل في كونه "ضميرا" خارج وظيفة الضمائر كافة دلاليا وتركيبيا، وفي موقعه من الكلام: مبتدأ، وفي شرط أن يكون خبره جملة وتحديدا اسمية. كما أن ضمير الشأن يرد - كما يقال - حين يراد تفخيم أمر أو تعظيمه في نفس المستمع بالتشويق إليه، فيأتي بضمير بعده جملة تبين الغرض منه، ومن أقرب أمثلة ذلك قوله تعالى: "قل هو الله أحد"، (الإخلاص، الآية 1)، فـ"هو" ضمير الشأن وجملة "الله أحد" بينت الغرض منه. و"إنها لا تعمى الأبصار"، (الحج، الآية 46)، فـ"ها" ضمير القصة.

أخيرا، لقد كان لدينا إحساس يتكون على مهل بأن النحويين على وشك تأسيس منظور لساني للقص لولا وعيهم بحدود مهامهم. فثمة ضمير غائب لا يحدده ما قبله، كما هو حال كل ضمير، ولكنه مرتهن إلى ما بعده من جملة (اسمية خبرية). ولكن السؤال: لماذا كانت هذه الأداة ضميرا (لشأن أو لقصة)؟ والإجابة: لعلة شكلية البنية الصوتية للدال، وكذلك لعلة معجمية، فالضمير من الإضمار أحال لما قبله كما في الضمائر الشخصية، أو لما بعده كما في ضميرنا. وإذا ما جمعنا معنى الإضمار وطبيعة الإحالة إلى أي من "الشأن" أو "القصة-الحكاية"، فما الشأن إلا قصة أو حكاية، أمكن أن نقيم علاقة ما بين الخطاب النحوي والسرد.

من اليسير نقل الجملة إلى مفهوم النص على قاعدة إفادتها، فلو زعمنا مع النحو النصي بأن الدلالة النصية لا تتحقق بمجموع دلالاته الجزئية بل إن دلالات هذه الأجزاء لا تتمكن من موقعها الدلالي إلا بالدلالة النصية، ومن ثم يمكن الزعم بكون النص جملة مفيدة من المنظور النصي، أو أن الجملة المفيدة نص من المنظور النحوي، أي أنه يمكن تبادل المواقع بين الجملة والنص. وإذا ما وضعنا باعتبارنا أن الجملة المفسرة لضمير الشأن جملة خبرية، وأن ليست القصة أكثر من خبر (أو مجموعة أخبار) تقع ضمن شروط تحدد نوعيتها. هذا إضافة إلى عنصر التشويق الذي تحدثوا عنه في وظيفة ضمير الشأن أو القصة لا فرق. إذا وضعنا ما سبق باعتبارنا استطعنا بسهولة أن نكتشف أية علاقة تواز مسكوت عنها في الخطاب النحوي نظرا لطبيعته، وبالرغم من كونها كذلك، فهي تلفتنا إلى عدد من الإمكانات التي يقدمها النظام اللغوي (النحوي) لقيام نظرية أدب للسرد منغرسة في مجتمعه وثقافته، ومتشكلة على هيئة خصوصية الاثنين.

ب - المعجم:

ولأن المعجم هو - في معنى من معانيه - بنية من التراكمات التداولية التي توسلت بالنظام اللغوي لأداء مقاصدها، ينكشف المسكوت عنه في النظام النحوي، لنجد ابن منظور يروي عن "الليث: القص فعل القاص إذا قص القصص، والقصة معروفة. ويقال في رأسه قصة يعني جملة من الكلام، ونحوه قوله تعالى: "نحن نقص عليك أحسن القصص"، أي نبين لك أحسن البيان، والقاص: الذي يأتي بالقصة على وجهها"(4) ويضيف الرجل بعد استطراد إلى معاني أخر: "والقص: الخبر وهو القصص. وقص علي خبره يقصه قصا وقصصا: أورده. والقصص: الخبر المقصوص. والقص: البيان، والقصص بالفتح: الاسم، والقاص: الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها"(5). إن الخطاب المعجمي شديد الوضوح والتحديد في دلالة الكلمة، فهي تحيل إلى عنصرين مهمين جدا بالنسبة للقص الفني، الأول: الموضوع: مجموع ما يسند إلى شخص أو أكثر من أخبار أو أحداث. والآخر: الأسلوب، وهو ما نفهمه من تتبع المعاني والألفاظ.

جـ - علوم القرآن الكريم:

يبدو توتر المعجم بين نوعين من الدلالات، الدلالة اللغوية فعلا، أعني: الإتيان بالخبر، ودلالة ناتجة عن تأثم المعجم من أن يمنح الكلمة نفسها الدلالة نفسها حين ترد في القرآن الكريم فألحقها بالبيان، بشكل لا يميزها من كلمات أخرى وصف بها القرآن الكريم في أكثر من موضع وبأكثر من صيغة، يقول عز وجل "هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين"، (آل عمران، الآية 138)، ويقول "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى"، (النحل، من الآية 89)، ويقول "الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين"، (الحجر، الآية 1). لقد نظر المعجم إلى الآية القرآنية "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين"، (يوسف، الآية 3)، من منظور الآيات السابقة فعمم دلالتها من الإحالة الخاصة جدا إلى القصة المعروفة (على حد قول صاحب اللسان) لتدخل في دلالة عامة محيلة إلى القرآن الكريم كله. إننا نتوقف أمام وحدتين دلاليتين فيما سبق وهما، الأولى: كون القصة معروفة وهي - فعلا - كذلك في كل قوم وفي كل ثقافة، كما سبق القول. والأخرى: كون القاص قاصا لكونه يتتبع معاني قصته وألفاظها، وهذا التتبع يأخذ منحى آخر في الخطاب النقدي الحديث (الغربي).

إذا كان هذا ما يخص مصطلح "القصص" وفعله "القص" وفاعله "القاص" فثمة مصطلح آخر يشيع في الخطاب الغربي ونجد له تأسيسا عربيا أشد وضوحا وجلاء، هو السرد (narrative) الذي يضم تحته أنواع القص كافة، والسرد في العربية له عدة معان، يجمعها صاحب اللسان في مقدمة حديثه عن الكلمة بقوله: "السرد في اللغة: تقدمة شيء إلى شيء تأتي به متسقا بعضه في إثر بعض متتابعا"(6). والتتابع منظور فيه إلى زمن الخطاب المسرود نفسه، وهي خاصية ينفرد بنا النوع الأدبي: "القصص" دون سواه. ثمة لفتة مهمة أوردها ابن منظور يمكن أن تسهم في منظورنا العربي للسرد، يقول "سرد الحديث ونحوه يسرده سردا إذا كان جيد السياق له"(7) ومن ثم يضاف إلى محض التتابع بعدا بنائيا يخص الكيفية المتماسكة والمنسجمة لحدوثه. ولربما في هذه الكيفية - تحديدا - تقع دلالة قوله تعالى "ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير، "(سـبأ، الآيات 10-11). فالتقدير - هنا وحسب السياق - بمعنى الإحكام، أي التطابق بين طبيعة الأداة وماهية الوظيفة المقصودة منها. ويرصد الراغب الأصبهاني البعد الاستعاري في الاستخدام القرآني لكلمة: "السرد"، فيقول: "السرد خرز ما يخشن ويغلظ كنسج الدرع وخرز الجلد، واستعير لنظم الحديد قال (وقدر في السرد)"(8). إن دلالة النظام في كل من الخرز والنسج والنظم من حديث الراغب تؤكد على البعد ألبنائي في معنى الكلمة: "السرد".

د - النقد الأدبي العربي:

الغريب أننا حين كنا نستجلي ملامح "القص-السرد" في النظام اللغوي نحويا ومعجميا، كان ثمة قناعة تتشكل بأن خطابنا النقدي سيتسع - ضرورة - بتلك الملامح داخلا بها في شيء من التأسيس لما يشبه نظرية في القص الفني، ولكن الأمر جاء بخلاف هذه القناعة. لقد كان الخطاب النقدي - في هذا الصدد - مرتهنا بشكل قوي إلى الشعر حتى في تناوله للقصة. وبلغ هذا الارتهان حد أنه أول القصص الإعجازي بتصوره لورود القصة داخل الشعر أي بشروط الشعر، فكأنه وازى بينه وبين ورود القصة في القرآن، على الرغم من أن قصة يوسف (على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام) قد شغلت مساحة السورة كاملة ونقول كاملة ونحن على وعي بفاتحة السورة وبنهايتها: ماذا هو ولماذا؟

لقد جاء محصول خطابنا النقدي القديم، في مسألة القصص، فقيرا للغاية وتحت مصطلح أكثر غرابة عما يحيل إليه وهو: "الاقتصاص"، والذي يحمل، ضمنا، في صيغته الصرفية رؤية واضعه أو المتواضعين عليه، ومن ثم نجد مؤلف "معجم النقد العربي القديم" في تقديمه للمادة المصطلحية للاقتصاص قد غض النظر، محقا، عن "قص الخبر" ومن ثم التفت إلى "قص الأثر" وأقام علاقة مبهمة للغاية بين الاثنين على مستوى التفاصيل. وإننا لا نكاد نخطئ شيئا غير هين من التأثم والحرج في خطابنا النقدي، كما في المعجم تماما، إزاء وصف قصص القرآن بالقصص على الرغم من وصف الله سبحانه وتعالى لبعض آي كتابه وسوره بهذه الكلمة، ودائما ما كان الالتفات عن المعنى المباشر - لحرج أو لسواه - يدخل إلى دلالات تتعدد ولابد، ليحقق هدفين:
- التعمية على المعنى المباشر الملتفت عنه.
- تكريس المعنى الملتفت إليه عبر عدد متنوع هو من قبيل المبررات أكثر من كونه دلالات.

وهذه هي الدلالات المتعددة التي حملها خطاب النقد العربي القديم في "القصص" تحت المصطلح: "الاقتصاص".
- يأخذ "الاقتصاص" دلالة قريبة من التضمين عند الصاحبي الذي يقول "هو أن يكون كلام مقتصا من كلام آخر في سورة أرى أو في السورة معها"، ويتناقل التعريف - بعد الصاحبي - كل من الزركشي والسيوطي.
- ويختلف الأمر عند العسكري الذي يأتي ذكر الخبر في معرض كلامه تحت عنوان الضرورة وليس القصد، ومشروطا خلقيا بتوخي الصدق وتحري الحق، الأمر الذي نلمح معه فضاء دينيا يؤطر كلامه، يقول: "وإذا دعت الضرورة إلى سوق خبر واقتصاص كلام فتحتاج إلى أن تتوخى الصدق وتتحرى الحق، فإن الكلام - حينئذ - يملكك ويحوجك إلى إتباعه والانقياد له".
- والأمر نفسه كان عند ابن طباطبا ذاكرا الضرورة نفسها، ولكن محددا إياها في عمل الشاعر، يقول: "على أن الشاعر - إذا اضطر إلى اقتصاص خبر في شعره - دبره تدبيرا يسلس له معه القول ويطرد فيه المعنى، فبنى شعره على وزن يحتمل أن يخشى بما يحتاج إلى اقتصاصه بزيادة من الكلام يخلط به أو نقص يحذف منه وتكون الزيادة والنقصان يسيرين غير مخدجين لما يستعان فيه بهما، وتكون الألفاظ المزيدة غير خارجة من جنس ما يقتضيه بل تكون مؤيدة له وزائدة في رونقه وحسنه".
- وأفرد الحاتمي في "حلية المحاضرة" بابا سماه: أوجز شعر تضمن قصصا.
- أما ابن أبي الإصبع المصري فقد حدد الاقتصاص في دائرة "القص" وصرح بلفظ القصة في القرآن الكريم، فقال: "هو أن يقتص المتكلم قصة بحيث لا يغادر منها شيئا في ألفاظ قليلة موجزة جدا بحيث لو اقتصها غيره لم يكن في مثل طبقته من البلاغة أتى بها في أكثر من تلك الألفاظ. وأكثر قصص الكتاب العزيز من هذا القبيل كقصة موسى عليه السلام في "طه" فإن معانيها أتت بألفاظ الحقيقة تامة غير محذوفة وهي مستوعبة في تلك الألفاظ"(9). هذا حديث يستفاد منه، إذا ما غضضنا النظر عن كون القص أسلوبا أدائيا أكثر من كونه نوعا أدبيا، عند ابن أبي الإصبع. ما يستفاد من هذا الحديث أن لغة القص لغة عرفية وليست مجازية، فألفاظها مطابقة لما تسرده على الحقيقة. ولكن على الرغم من هذه الفائدة، فالقصور الشديد يطبع الخطاب النقدي ويحول بينه وبين متابعة نوع أدبي عهد الله سبحانه وتعالى بأداء بعض مقاصده من تنزيله.

والمدهش الغريب أن أحد المحدثين بلغ من تأثمه وورعه أن جعل القصص القرآني محض أسلوب مثله مثل أساليب (عامة) أخرى، يقول الأستاذ أحمد الشايب: "من الخير أن أشير في إيجاز شديد إلى بعض الأنواع الأدبية التي اشتمل عليها القرآن، ومكان القصص منها، حتى لا يختلط الأمر فيها عند القراءة أو الدرس. من هذه الأنواع الأدبية أو الفنون الأدبية كما قد تسمى التقرير، والتصوير، والأمثال أو التمثيل والجدل، ومنها القصص"(10).
- المفسرون وأهل الإعجاز: بدهي ألا نجد للمفسرين جهدا نوعيا حول القصص القرآني، فقد حصر العدول منهم اهتمامهم بالتفسير، إن بالأثر وإن بالرأي، وتكلف آخرون مشقة تفسير القصص القرآني بالقصص التوراتي دون أن يأبهوا للقصة القرآنية في ذاتها، فلم يخرجوا عما أورده الشوكاني في مقدمة تفسيره لسورة يوسف، عن إعجاز القصص القرآني: "قال العلماء وذكر الله أقاصيص الأنبياء في القرآن وكررها بمعنى واحد في وجوه مختلفة، بألفاظ متباينة على درجات البلاغة. وقد ذكر قصة يوسف ولم يكررها، فلم يقدر مخالف على معارضة ما تكرر ولا على معارضة غير المتكرر"(11). إلى هنا ويتحول الشوكاني ليمارس مهماته كمفسر، فيفسر السورة كما كل سورة أخرى بلا أدنى فارق. وأما أهل الإعجاز فقد انصرفوا بكليتهم إلى التحليل البلاغي والمقارنة بين بلاغة القرآن وبلاغة الشعر والنثر، ولعل الباقلاني النموذج الأمثل في هذا الصدد(12) إلا أن للرجل التفاتة غير صريحة في مسألة القصص عموما والقصص القرآني خصوصا، وذلك في قوله: "فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص، وحديث من هذه الأحاديث، فعبر عنها بعبارة من جهتك، وأخبر عنه بألفاظ من عندك حتى ترى فيما جئت به النقص الظاهر وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر"(13). وإننا نتوقف أمام قول الباقلاني: "فإذا كنت من أهل الصنعة" ثم يورد في معرض التحدي بإعجاز القرآن إلى القصص القرآني، فهذا حديث من يرى أن القص فن أو على حد تعبيره صنعة يبلغ بها صاحبها ما يبلغه فلا يداني إعجاز القصص القرآني.

إن ما سبق لا ينفي أنه كان لنزول القصة، في سلم القيمة الاجتماعية ومن ثم الفنية، عن كل من الشعر والخطابة مسئولا إلى حد كبير عن إهمال الخطاب النقدي للقصة، بل تهكم البعض بفاعليها (القصاص) هذا من جهة(14)، كما عن تورع المعجميين عن التصريح بالقصة القرآنية، وكان الأكثر منهم ورعا المفسرون وأهل الإعجاز فلم يفردوها لا بتفسير نوعي ولا ببلاغة خاصة. ويمكن أن نضيف إلى نزول القصة أو الحكاية في سلم القيمة عن النوعيين الأدبيين السائدين اجتماعيا، الاختلاف الجذري لبلاغة القصة عن بلاغة ذينك النوعين، ومن ثم فقد أشكلت معرفيا على النقاد والبلاغيين معا، فلم يجد المفسرون ولا أهل الإعجاز بين أيديهم خطابا معرفيا حول القصص القرآني، ومن ثم نفوه من دائرة الشعر إيمانا، وكذلك لم يلحقوه بجنس النثر تأثما وتحرجا، وبالتالي ظل في دائرة الإعجاز وليس بين أيديهم لدرسه - أعني القصص القرآني - إلا ما وظفوه في غير القصص من القرآن، فدرسوه تراكيب لغوية وجملا بغض النظر عن الإطار الفني الذي ينظم هذه التراكيب والجمل، ملاحظين فيه من مظاهر الإعجاز ما سبق أن لاحظوه في غير القصص من القرآن الكريم. ولعلي أتفق مع شارف مزاري في "أن الدراسات التي أقيمت من حول هذا المعطى الجمالي المجسد في المتن القرآني - والتي كان وراءها أعلام اشتهرت بمؤلفاتها في إعجاز القرآن - لم تتجاوز حدود الاستحضارات البلاغية من بيان وبديع، الشيء الذي جعل نظرة أغلبهم مجرد رؤية تأملية حققت في مجملها آية (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) ولم تتجاوز مبدأ الانبهارية والإعجاب"(15). ونحن في حل من تصوراتهم حول المفهوم البلاغي لإعجاز القرآن، كما أننا في متسع من أمر ربنا "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"، (النساء، الآية 82)، متسع من أمر ربنا يطلق عقولنا في اكتشاف وجوه إعجاز أخرى غير الوجه البلاغي الذي كافأ بين أساليب القرآن جميعا من قصص وحوار وخطاب. إلى آخره، تحت راية البلاغة فحسب.

3 - النص القرآني:

صار بين أيدينا الآن، من السياقات المعرفية ما يمكن أن نقارب به القصص القرآني باعتباره النص الأكثر تلقيا من يوم نزل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (إلا أن يشاء ربي أمرا ثالثا) بما يجعله المكون الأكثر تجذرا في الشخصية العربية من جهة، ومن جهة أخرى، المحفز الأكثر فاعلية لكل أداء جمالي. وإذا كان هذا موقع القرآن من الثقافة العربية، فإن للقصص فيه موقعا مركزيا إلى حد أنه لم تخل سورة منه إلا أفرادا معدودة. وقد كان قصص الأنبياء مع قومهم الموضوع الأكثر تردادا، ثم جاءت بعض القصص عن غير الأنبياء، كأصحاب الجنة وأهل الكهف وذي القرنين، كما خلت سور قليلة جدا من هذا القصص(16) وفضلا عن القصص كفن وتواتره في أغلب السور، فمفردة القصص كان لها نصيبها من القرآن الكريم ولذا فمن البديهي أن نتأمل فيه ونرى ما يمكن أن يمنحنا إياه في سبيل غايتنا لبناء نظرية عربية في السرد.

إن التكرار غير المتكرر في القرآن الكريم لمفردة لغوية والذي لا يضارعه إلا مفردات ذات دلالة اصطلاحية، هذا التكرار يلفتنا إلى الأهمية الخاصة للجذر اللغوي: "قص" في الخطاب القرآني، أهمية إن لم تدخل مشتقاته دائرة الاصطلاح الديني، فهي تأبى على العودة إلى مستوى التكافؤ اللغوي مع سواها من المفردات اللغوي في ذلك الخطاب. وإجمالا، نتبين من الآيات السابقة أن للجذر "قص" وما يشتق منه أهمية نوعية، فهي ترتفع إلى دلالة مقدسة إذ تكاد تكون مرادفة للوحي، ثم هي - في الوقت نفسه - لا تنفصل عن الدلالة الاستعمالية لها، أعني الإنسانية، باعتبار دلالة الخبر فيها، وأخيرا تتوسل بهذه الدلالة الأخيرة لتدخل في حقل دلالي آخر هو اقتفاء الأثر.

إذن، فثمة محاور دلالية مختلفة لمادة: "قصص" في القرآن الكريم تخرج عن موضوعنا كاقتفاء الأثر في قوله تعالى: "قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا"، (الكهف، الآية 64)، وقال تعالى: "وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون"، (القصص، الآية 11)، وكالعقوبة العادلة المكافئة للجرم، قال تعالى: "الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين"، (البقرة، الآية 194)، وقال تعالى: "والجروح قصاص"، (المائدة، من الآية 45)، وقال عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص"، (البقرة، من الآية 178)، وقال سبحانه: "ولكم في القصاص حياة"، (البقرة، من الآية 179)، وبالرغم من الاختلاف الدلالي فثمة منطقة التقاء بين قص الأثر والقصاص من جهة وبين قص القصص من جهة أخرى، فثلاثتهم يلتقون في التتبع: التتبع التام للأثر في اقتفاءه، وللجرم في جزائه، وللخبر في حكايته.

أما دلالة القصص كتتبع للخبر فيأتي على دلالتين، دلالة عامة تعادل الوحي باعتباره خبر السماء، وهو ما نفهمه من قوله تعالى: "يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي"، (الأعراف، من الآية 35)، ودلالة خاصة نميز فيها نوعين: نوع يخص محتوى القصة، وآخر يخص نوع الأداء، فقوله تعالى: "فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين"، (القصص، من الآية 25)، وقوله عز وجل: "كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا"، (طه، الآية 99)، يخص المحتوى (الخبري) أما قوله سبحانه "نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين"، (يوسف، الآية 3)، فيخص الشكل الإعجازي (حتى لا نقول: الفني) الخاص بالسرد في الاصطلاح الغربي.

والمبدأ الذي نتحرك من خلاله داخل القصص القرآني يتمثل في أن لله سبحانه وتعالى مقاصد من تنزيله تتجاوز الدلالة اللغوية لافتة النظر إلى طرائق أداء تلك الدلالة، وأساليبها، وتجليات إعجازها المتنوعة والمتعددة، ولعلنا - في هذا الصدد - نؤكد أن واحدة من أهم صور هذه التجليات أن تتعدد الأساليب في السورة الواحدة وأن تتعدد موضوعات هذه الأساليب ولا يخطئ القارئ أو يكاد مستوى من التناسب النظمي الذي يرتفع إلى حد التماسك النصي، الأمر الذي يلفتنا إلى أن نتأمل في مفهوم "السورة" أولا.

المعنى اللغوي: للمعجميين العرب في ما عملوه من كتب ومعاجم شجون وشئون، فقد قدموا ما علموا من معاني اللغة دون أن يفرقوا بين عرف واصطلاح، ولا قاعدة وأداء، ولا يخفى هذا الذي نذهب إليه عند تعرضهم لمعاني الكلمات القرآنية، ففي لسان العرب محاجة على كلمة "سورة" رد فيها بعضهم على بعض (أبو الهيثم على أبي عبيدة) وفيه كذلك، خلاف بين الكوفيين والبصريين، وفيه اشتباه بين "السؤر": البقية، والسور: الحائط، والسورة المعلومة من القرآن الكريم، كل هذا على قاعدة تخفيف الهمزة من عدمه(17) فلم يتمكنوا من إقامة نسق يضبط العلاقات بين محكم الدلالة ومتشابهها، صريحها ومشتبهها، على ضوء ما للسورة من القرآن من معطيات خاصة بها، ومن ثم فلم نطمئن إلى شيء مما قالوه اللهم إلا ما رووه عن النابغة في قوله:

ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب

وتابع بعض اللغويين النابغة، فقال ابن الأعرابي: "السورة من القرآن معناها الرفعة، لإجلال القرآن، قال ذلك جماعة من أهل اللغة"(18) غير أن التعليل بسيط بساطة مخلة، فلولا وضعوا دلالة الرفعة في ضوء التحدي الإلهي بأن يأتوا بمثلها لاستقام الأمر، إنها رفعة إعجاز ومن عجز عن شيء سلم لمنشئه وصدق على ما أنشأ.

ولعل من الواجب أن نضع اصطلاحي السورة والآية في الإطار الاصطلاحي الأكبر، أعني القرآن الكريم. إن لفظ القرآن في الأصل مصدر مشتق من قرأ يقال قرأ قراءة وقرآنا، ومنه قوله تعالى: "إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه"، (سورة القيامة، 17-18)، ثم نقل لفظ القرآن من المصدرية وجعل علما على كلام الله تعالى المنزل على سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لفظا ومعنى، والمنقول إلينا بالتواتر، والمعجز أو المتحدى بأقصر سورة منه والمتعبد بتلاوته، ثم هو المكتوب بين دفتي المصحف المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس.

وفي تعريف أكثر تفصيلا لما نحن بصدده: قرآن يشتمل على آي ذوات فاتحة وخاتمة، وأقلها: ثلاث آيات وهى سورة الكوثر. وقيل هي: الطائفة المسماة باسم خاص بتوقيف من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). والسورة تشتمل على آيات، والآية اصطلاحا: قرآن مركب من جمل ولو تقديرا، ذو مبدأ ومقطع، مندرج في سورة، وأصلها العلامة، ومنه قوله تعالى: "إن آية ملكه"، (البقرة، الآية 248)، لأنها علامة للفضل والصدق، أو الجماعة لأنها جماعة كلمة. والحكمة في تقطيع القرآن سورا هي الحكمة ذاتها في تقطيع السور آيات معدودات، لكل آية حد (أي نهاية) ومطلع، حتى تكون كل سورة، بل كل آية، فنا مستقلا وقرآنا معتبرا(19).

ثمة نقاط خمس نلتفت إليها من كل ما سبق:
الأولى: تقوم آي القرآن وسوره على شيء من الاستقلال يجعل الانتقال من أسلوب لغوي إلى آخر ممكنا ومتناسبا - بالتالي - مع تنوع أغراض السورة الواحدة وتعددها.
والثانية: أن مفهوم الإعجاز لا ينفك عن الآي مفردات كما لا ينفك عن السورة مكتملة.
والثالثة: من إعجاز الآي مفردة إلى إعجاز السورة مكتملة، فإن الأساليب القرآنية كافة معجزة كذلك، ومن بينها الأسلوب القصصي.
والرابعة: الإعجاز بالمفهوم السابق بمثابة النصية الأكبر التي تسم عناصرها بوسمها.
والخامسة: هذه النصية نصية مضاعفة ومتراكبة، بحيث أن كل مستوى منها يمنح ما يضمه من آي أو أساليب أو سور وحدة نوعية، تختلف عن الوحدة التي تمنحها نصية أخرى في مستوى مختلف.

إن مادة القصص الإعجازي في القرآن الكريم حقائق تاريخية، ويؤدي هذا إلى أن أهم خصائص هذا النوع الأدبي عدم وجود شرط على مادته، وقد مر الغرب بقرون ليتحدث عن رواية تسجيلية وأخرى وثائقية تشتغل على وقائع التاريخ. وتؤدي هذه الخصيصة إلى الثانية فعدم وجود شرط على مادة القص يعني أن الخصائص المحددة للنوع الأدبي قارة في تقنيات الأداء. وتحمل مقاصد القرآن الكريم من قصصه خصيصة أخيرة يمكن تعميمها، إذ إن هذه المقاصد لا تنحصر في دلالة القصص، بل تتجاوزها إلى استهداف المتلقي بهذه الدلالة، ومن ثم فالقرآن الكريم يلفتنا إلى أن نموذج الاتصال اللغوي لا يتحقق بوظائفه كاملة في نوع أدبي تحققه في نوع القصص. ويبقى في قراءتنا لمحمول القرآن الكريم من موضوعنا، ما تحمله دلالة صفة الإعجاز للقصص القرآني، والتي تؤكد على تحرر تقنيات أدائه من أية شروط عليه فيكون قصصا تداوليا، أي اجتماعيا، أو قصصا جماليا، أي فنيا، أو قصصا إعجازيا أي قرآنيا.

4 - في مسألة النوع الأدبي:

إن مظاهر قصص القرآن الكريم متنوعة أشد ما يكون التنوع بين الإيجاز والطول، كما بين الاجتزاء والاكتمال، وكذلك من القصد للنوع إلى أسلبة الخطاب بشيء من أساليبه. غير أن كله هذا التنوع وقع تحت الاسم: القصص. بينما نجد النظرية الأدبية الغربية في مسألة الأنواع تطرح عددا من الأنواع الأدبية من قبيل: القصة القصيرة والقصة والرواية، كل تحت مصطلح: السرد، إلى أن وصفوا به نظرية هذه الأنواع فسموها: النظرية السردية. ولكن المصطلحية الغربية فيما يخص هذه النظرية تفسد عليها اطمئنانها فثمة "سرد" يحيل إلى النوع الأدبي و"سرد" بمفهوم جزئي (نقدي تحليلي)، كما ثمة قصة: مفرد "قصص" كنوع أدبي و"قصة" بمفهوم جزئي (نقدي تحليلي) كذلك(20) الأمر الذي يجعل اختيار واحد منهما لدلالة أوسع تحيل إلى النوع كله أمرا فيه كثير من الخلط وينتج عنه كثير من الاضطراب المفهومي في استخدام المصطلح. ونحن في حل من التورط بخلطهم المصطلحي وفي حل من معاناة اضطرابهم المفهومي. ولربما كان بإمكان كلمة "القصص" أن تقيم فارقا بين ما هو لنظرية أدب وما هو للنقد التحليلي، فهذه الكلمة ليست جمع قصة، إذ جمعها: قصص، بكسر القاف، على وزن قمة قمم، وذمة ذمم. إن القصص مصدر من قص يقص قصصا، وفيما يبدو لي أنها بمعنى الأخبار التي حدثت وهو ما يتواءم مع قول أغلب المفسرين والمعجميين الذين رأوا القصة من معاني الخبر. ومن ثم نختار كلمة القصص، بفتح القاف، مصطلحا لنظرية الأدب يحيل إلى النوع الأدبي المعروف، ونستبقي السرد للنقد الأدبي التحليلي. ورفعنا لكلمة القصص إلى مستوى المصطلح يبرره أن دلالة كلمة "قصص" اللغوية دلالة شديدة التعميم، وغير متعينة في مرجعية معينة، بل تحيل إلى نمط من المحتوى أيا كان الشكل الذي يأخذه هذا المحتوى. واختيار كلمة للدخول بها في عالم المصطلح مشروط بعمومية الدلالة اللغوية، فالقوة الاصطلاحية لها مرتهنة بشكل ما إلى شرط عمومية دلالالتها اللغوية. هذا بالإضافة إلى استخدامها القرآني في الإحالة إلى ذلك النمط من المحتوى، فهي تتمتع بقابلية لغوية للانتقال إلى الاصطلاح، وكذلك باختيار قرآني لها دون سواها في السبيل نفسه. إذن "القصص" مصطلح يحيل النوع الأدبي الذي يحيل إلى عدد من الأجناس تقع تحته من قبيل المقامات والمنامات والقصة بنوعيها والسيرة بنوعيها والرواية بمختلف أنواعها.

5 - في خصائص النوع الأدبي، القصص:

من تأملنا في القرآن الكريم والمعجم العربي يمكن إجمال خصائص النوع الأدبي: "القصص"، كما استنتجناها، فيما يلي:
1 - كلمة القصص في القرآن الكريم تمتلك دلالة اصطلاحية (أدبية) مضافة إلى الدلالة اللغوية ومستمدة منها.
2 - القصص فن أداء الموضوع الذي يمثل مادته الأولية، وليس ثمة شرط على مادة القصص أكانت متخيلة، أم واقعية، أم تاريخية.
3 - لا شرط على لغة القص، وتتدرج من النثرية العادية وحتى أعلى مستويات الشعرية، أعني الإعجاز.
4 - الخصائص المحددة للنوع القصصي قارة في تقنيات أدائه.
5 - لا شرط على تقنيات الأداء وبالتالي فهي مفتوحة على كافة الإمكانات.
6 - نموذج الاتصال يتحقق تحققا كاملا في النوع القصصي خصوصا.
7 - يتميز القصص بالقابلية الفائقة في استيعاب المغاير له من الأساليب والاحتفاظ بالتماسك البنائي بين وحداته السردية، وليس اللغوية فحسب.
8 - بنائية القصص تعود إلى مركزية مفهوم الزمن فيه.
9 - أخيرا نلتفت إلى كون القصص القرآني - كما هو حال القرآن الكريم بكل أساليبه - قصصا غائيا، وكل ما يرد فيه متعلق بهذه الغاية من البدء إلى النهاية.

6 - آفاق النظرية:

إن شيئا غير هين من النقد السردي الغربي لم يكن له مدخل في القراءة والتحليل بقدر ما انحصر دوره في ضبط علاقة المنهج بالأسس المعرفية التي ينحاز إليها، فإلغاء فاعلية المؤلف الفعلي والقارئ الفعلي لا يقدم للتحليل إجراء، ولا للمتصور النقدي إضافة، ولم يكن الاهتمام بالنص السردي وحده بحاجة إلى هذا العنف بطرفي تداول ذلك النص وبمسئوليتهما الأدبية كما الأخلاقية عن فعليهما، إنما كان الأمر أمر المنظور اللساني الذي تعلقت المناهج الغربية بمقولاته حتى غير المجدي منها سرديا. وكان تجريد مفهوم العلامة كما قدمه "دي سوسير" المنظور المركزي والأساسي الذي حاولت المناهج النقدية جميعا، لا ألا تخرج عليه فحسب، بل أن توثق به علاقاتها في كل وحدة من وحدات خطابها، ومن ثم فلا عجب أن كانت المناهج حتى غير البنيوي منها بنيوي بصورة أو بأخرى.

ولقد عرف العرب المسلمين العلامة وعرفوا مكونيها: الدال والمدلول، فضلا عن الدلالة، إلا أن معرفتهم كانت معرفة تطبيقية، مجالها النص، ومعيارها جدواها، ولم يكن الدخول إلى التنظير من قبيل التفلسف بقدر ما كان ذا مقاصد تعليمية، ولعل البلاغة العربية شاهد صدق على ما نذهب إليه. وما علينا لو تابعنا أسلافنا الماثلين فينا - شئنا أو أبينا بالقوة أو الفعل - في اعتبار أولية النص على المنهج والنظرية واختبار الأخيرين على معيار الجدوى.

إن ثقافتنا ثقافة جدوى، حتى إنها لترفع العلم الدنيوي إلى مرتبة العلم الشرعي بحكم نفعه وجدواه، ولأنها كذلك فهي - بالتالي - ثقافة مسئولية لا يمكن تحت أي دعوى نفي المسئولية عن الفاعلين الثقافيين أيا كانوا، وأيا كانت طبيعة فعلهم الثقافي. ومن ثم فإن الزعم بطرفين افتراضيين ضمنيين في النص القصصي يتحملان مسئوليته هو زعم ينطوي على مخاطرة بالنص عموما وإهدار لنوعيات من النصوص لا إمكان لتذوقها ولا لفهمها إلا على ضوء علاقتها بمنشئها، وإذا ند نص ما عن فاعلية المنهج صار من الواجب إعادة النظر في المنهج ولابد.

والفن الذي يؤسس جمالياته على تشكيل لغة موضوعه، كما هو حال الشعر، يختلف اختلافا جذريا عن الفن الذي يقوم على بناء موضوع لغته كما هو حال القص، فإذا كانت اللغة تذهب بالموضوع مذاهبها في الحالة الأولى، فإن الموضوع هو الذي يفعل ذلك في الحالة الأخرى. والموضوع القصصي لا يوجد بذاته وطبيعته ليست محددة سلفا، وإنما يعود هذا وذاك إلى علاقة الذات به إيجادا ووسما، وربما لهذا السبب اهتمت السرديات الغربية بنفي هذه العلاقة أو استلابها في مقولات تحصر النظر النقدي داخل النص. والمفارقة أن هذا النص تتبدى أخص خصائصه أنه يتجاوز لغته ليخلق عالما ممكنا (استعاريا) من حيث كونه متخيلا، ومن جهة أخرى موازيا للعالم الواقعي ومؤولا به من حيث كونه مبنيا على هيئته، الأمر الذي يحتم اعتبار الذات الفعلية اعتبارا منهجيا وليس استلابها. إن استشكالنا الأساسي مع النظرية السردية يتمثل في موقفها من الذات الفعلية أكانت المؤلفة أم القارئة، وهو عماد التصورات الغربية لتلك النظرية وهو الموقف نفسه عماد استشكالنا عليها.

خاتمة:

لقد قدمت قراءتنا للمعطى القرآني عددا من المقولات حول النوع الأدبي: القصص، يمكن اعتمادها إطارا لتفعيل ما يتفق مع ثوابتنا فنأخذه، ومنطقا للجدل مع ما يختلف فنغير فيه، وحجة على ما يتناقض فنرده غير آبهين بموقعه من الخطاب النقدي الغربي. صحيح، إن ما استخرجناه من مقاربتنا النظرية للقرآن الكريم والسياقات المعرفية المحيطة عن فن القص في ثقافتنا، لا يخرج عن الخطاب النقدي الحديث، غير أن المسافة تظل شاسعة بين التصورات النظرية للمناهج الغربية ونظرية السرد العربية التي استجلينا ملامحها سابقا. فأيا كانت أوجه اتفاق، فالنظرية الغربية نظرية علمانية الأصول علمانية الغايات، وبين الأصول والغايات كان على النظرية تصورات ومصطلحات وإجراءات أن تحتفظ بالوسم العلماني في ثنايا خطابها، وهذه طبيعة تجعل استعانتنا بها محفوفة بعدد من المحاذير ومنطوية على كثير من المحظورات. وللبعض أن يتساءل أليست الرواية العربية - هي الأخرى - علمانية الأصول علمانية الغايات، والإجابة التي لا أوري عنها أن لا، لا أصولا ولا غايات كذلك. إن تضافر اللغة والمجتمع في إبداع الرواية العربية يمتنع معه وسمها بالعلمانية أيا كانت اتجاهات مبدعها الفكرية، فالموقف الفكري من الدين لروائي ما لا يتمكن من وسم الرواية بالعلمانية في ظل لغة قامت جميع معارفها المباشرة وغير المباشرة على الدين وكتبه الكريم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، في ظل الفاعلية التأويلية لقارئ هو متدين بالفعل كان تدينه أو بالقوة، من جهة أخرى. هذا وذاك يجعل من الضروري بناء نظرية سردية عربية ترتكز إلى التراث العربي في بناء أصولها، وترتكز إليه في حوارها مع الآخر الغربي للاستفادة مما يمكن الاستفادة به منه.

الهوامش:
1 - د. علي عبد الحليم محمود: القصة العربية في العصر الجاهلي، دار المعارف، ط2، القاهرة 1870.
2 - سعيد جبار: الخبر في السرد العربي، المدارس، ط1، الدار البيضاء 2004، ص 23.
3 - أبو البقاء الكفوي: الكليات، دار الرسالة، بيروت، ص 570.
4 - ابن منظور: لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، المجلد الخامس، مادة قصص، ص 3650.
5 - المرجع نفسه، ص 3651.
6 - المرجع نفسه، المجلد الثالث، مادة سرد، ص 1987.
7 - نفسه.
8 - الراغب الأصبهاني: المفردات في غريب القرآن، تحقيق محمد سيد كيلاني، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1961، ص 230.
9 - جميع هذه التعريفات مأخوذة عن كتاب د. أحمد مطلوب: معجم النقد العربي القديم، دار الشئون الثقافية، بغداد 1989، ص 209-212.
10 - الأستاذ أحمد الشايب: في القصص القرآني، مجلة رسالة الإسلام، القاهرة، العدد 53-54، ص 32.
11 - الإمام محمد بن علي الشوكاني: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، مراجعة يوسف الغوش، دار المعرفة، بيروت 2002، ص 682.
12 - ينظر، أبو بكر الباقلاني: إعجاز القرآن، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار المعارف، ط5، القاهرة، (د.ت).
13 - الباقلاني: المرجع السابق، ص 190.
14 - ينظر، د. محمد خير شيخ موسى: النزعة القصصية في الأدب العربي، حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، الحولية السادسة والعشرون، الرسالة الخامسة والأربعون بعد المائتين، 2006، ص 29 وما بعدها.
15 - شارف مزاري: مستويات السرد الإعجازي في القصة القرآنية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001، ص 8.
16 - يراجع، د. فضل حسن عباس: ترتيب القصص القرآني في القصص:
http://www.balagh.com
17 - ابن منظور: لسان العرب، المجلد الثالث، مادة: سور، ص 2146-2147.
18 - المرجع نفسه، ص 2148.
19 - موسوعة المفاهيم الإسلامية، موقع وزارة الأوقاف المصرية، المادة من وضع، د. عبد الصبور مرزوق:
http://www.islamic-council.com
20 - يراجع، جيرالد برنس: قاموس السرديات، ترجمة السيد إمام، دار ميريت، القاهرة 2003، ص 120 وما بعدها، وكذلك ص 187 وما بعدها.
الإحالة إلى المقال:

* د. محمد فكري الجزار: نحو مهاد قرآني لنظرية سرد عربية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث عشر 2013. http://annales.univ-mosta.dz

***