التصوف الإسلامي في غرب أفريقيا

د. موسى عبد السلام أبيكن
جامعة ولاية كوغي أينبا، نيجيريا

الملخص:

إن للحركة الصوفية في غرب أفريقيا دورا حيويا في بناء المجتمعات الإنسانية، روحيا وثقافيا، قديما وحديثا. لقد كان أغلب العلماء الذين يفتتحون المدارس العربية الأهلية في أرجاء البلاد بالمنطقة معظمهم - إن لم يكن كلهم - ينتمون إلى إحدى الطرق الصوفية. لقد كانوا ولا يزالون يقضون معظم أوقاتهم الثمينة في إحياء التراث العربي الإسلامي عن طريق التأليف والدعوة والإرشاد. فالطريقة الصوفية رابطة روحية قوية، تأسست بها الدول الإسلامية في بعض دول غرب أفريقيا لمدة من الزمن، لأنهم يعتقدون أن الأوراد والأذكار التي يلتزمون بها صباحا مساء، لها تأثير كبير في استجابة دعواتهم، أو أن الولي الذي ينتسبون إليه إنما حصل على درجة الولاية من تلك الأوراد والأذكار. ومن العوامل الرئيسة التي انتشر بها الإسلام في بقاع غرب أفريقيا من يوم فجره إلى اليوم التصوف الإسلامي الذي يدعو إلى تزكية النفس بالخلق النبيل، وله إنجازات كبيرة بالمنطقة كلها.

الكلمات الدالة:

التصوف، غرب إفريقيا، اللغة العربية، الإسلام، الأولياء الصالحون.

***
The Islamic Sufism in West Africa

Abstract:

The Sufi movement in West Africa has a vital role in building human societies, spiritually and culturally, in the past and present. Most of the scholars who opened private Arab schools across the country in the region were most - if not all - of the Sufi ways. They were and still spend most of their precious time reviving the Arab and Islamic heritage through composition, advocacy and guidance. The Sufi way is a strong spiritual bond, by which Islamic countries were established in some West African countries for a period of time, because they believe that the rituals and remembrances that they adhere to in the morning and evening have a great influence on the response to their prayers, or that the saint to whom they belong only obtained the degree of guardianship from that Wird and remembrance. Among the main factors that spread Islam in parts of West Africa from the day of its dawn to this day is Islamic Sufism, which calls for self-purification of noble manners, and has great achievements in the whole region.

Key words:

Sufism, West Africa, Arabic, Islam, pious worshippers.

***

النص:

ظهر الإسلام في الجزيرة العربية في أوائل القرن السابع الميلادي على يد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حينما بعث للناس كافة هاديا وبشيرا، وانتشر دين الإسلام حتى عم الجزيرة العربية، وبلاد الشام، وفلسطين، وما والاها من بلاد فارس والروم. ثم سطع نوره في أفريقيا، وذلك بفتح مصر في عهد أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، وبقيادة الفاتح العظيم، عمرو بن العاص، وعن طريق مصر، دخل الإسلام إلى أفريقيا، وانتشر بين البربر وغيرهم من سكان الشمال الأفريقي. وفي القرن الأول الهجري، توغل الإسلام إلى داخل القارة الأفريقية، واعتنقه أهلها، واستظلوا بهديه، وسعدوا بحضارته، وعمت كلمة لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله(1).

كان الدعاة إلى الإسلام في بلاد السودان الغربي (غرب أفريقيا اليوم) أمة واحدة على ملة واحدة في المذهب الأشعري كأصول العقيدة، وفي المذهب المالكي كفروع العبادة، وفي الطرق الصوفية كمنهاج التربية النفسية، وليس بين هؤلاء الدعاة خلاف جوهري جذري، وإن ظهر بينهم خلاف أحيانا فلا يكون إلا عرضيا سريع الزوال(2).

وعلى ذلك، ظل الإسلام يسير سيره الطبيعي حتى شمل الأقطار والأمصار، وعمرت فيها المساجد، وبنيت بها المعاهد والمدارس، وتخرج منها فحول العلم، ورجال الدولة الذين شيدوا الأمجاد، ووطدوا الأوتاد، ورفعوا علم الإسلام يرفرف على سماء غانا ومالي، وسنغي وبرنو وتكرور وكنو وسوكوتو وغيرها، قرونا عديدة قبل هجوم الاستعمار على تلك البلاد(3).

وقد دخلت الطرق الصوفية إلى غرب أفريقيا في القرن الخامس عشر الميلادي على أيدي رجال من توات (بضم التاء) الذين استقروا بتمبكتو، ومن هذه المدينة، انتشر نشاطهم إلى نيجيريا، واشتهر من بين هذه الطريقة جبريل بن عمر، الذي كان يعتبر مثالا في العلم والورع، تتلمذ له كل من الشيخ عثمان بن فوديو (مؤسس الدولة الإسلامية بشمال نيجيريا) وأخيه عبد الله، وقضى معظم حياته يدعو إلى الإسلام في مملكة غوبر(4).

فالطريقة الصوفية في غرب أفريقيا رابطة روحية قوية، وطاقة نفسية صلبة، تنظم أفرادا من الأتباع في سلك واحد، وتحت قيادة مسموعة ومتبوعة، وكانت الطريقة تعمل عمل الجمعيات الخيرية الحديثة في السلم، وتعمل عمل الجيش الإسلامي في الحرب. وقد كانت الزوايا لتي تتمركز فيها أصحاب الطرق، تقوم مقام الملاجئ للفقراء والمساكين، وتقوم مقام المعاهد والمدارس لطلبة الثقافة من القرآن والحديث والفقه والأخلاق، وتقوم مقام المساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، حتى أنجبت الثقافات والحضارات والدول والحكومات التي يذكرها التاريخ، ويفتخر بها المسلمون اليوم في غرب أفريقيا، وفي العالم، وكل ما يذكر من آثار العلم والأدب والثقافة في تلك البلاد، إنما هي غرس من أغراس رجال الصوفية(5).

يقول الشيخ أحمد سيكرج المغربي عن الطرق الصوفية:

لو لم تكن طرق الأذكار منتشره لعمر الكفر بالتبشير أوطانا
ولا يزال بها الإسلام منتشره بالحق منتصرا قد فاق أديانا
وإن أعانت ذوي التبشير شرذمة قد صيروها لهدم الدين أعوانا
رامت قضاء على الطرق التي نصرت ليخلو الجو للتبشير إعلانا

وفي ذلك يقول عبد الرحمان الزكوي الشاعر النيجيري في تأييد الطرق الصوفية(6):

إن التصوف بالإسلام موصول حقيقة إنه زهد وتبتيل
فلا انفكاك له عن ديننا أبدا مهما تقاومه من قوم أباطيل
فإنه الشرح للإحسان حيث أتى من النبي حديث عنه منقول
إن التصوف صابون وتزكية للقلب ثم لهذا الدين تجميل
لكن عمدته علم ومعرفة إن التصوف دون العلم تضليل
فإنما العلم قلب للتصوف بل من ادعاه على الجهلات معذول
فبالتصوف قد طابت معيشته دعاءه لو دعا الرحمن مقبول

وقد كان أغلب مسلمي غرب إفريقيا يلتزمون طريقة من الطرق الصوفية كالقادرية والتجانية والسنوسية، ومن رجال هذه الطرق، تكونت الجيوش الإسلامية التي قادها الدعاة الذين أسسوا الدول والحكومات الإسلامية بغرب أفريقيا على أنقاض الدول والحكومات الجاهلية الأولى، وكان من أسباب تمسك الأفارقة بأوراد هذه الطرق وأذكارها ما يأتي:
أولا: اعتقادهم أن لها تأثيرا كبيرا في استجابة دعواتهم أو أن الولي الذي انتسبوا إليه، إنما حصل على درجة الولاية من تلك الأذكار.
ثانيا: فطرة التدين في نفوس الكثيرين منهم فلم تطب نفوسهم بالاقتصار على الفرائض دون إضافة النوافل الخيرية إليها باعتبار أن الفرائض رؤوس الأموال، والنوافل هي الأرباح التي تؤخذ منها لتكميل الفرائض إذا انتقضت.
ثالثا: كان العلماء يتشددون في ضرورة الأخذ بالتجويد لقراءة القرآن، فيهرب العوام من تلاوته إلى الإلتزام بالأوراد التي يحصل لهم فيها الأجر والثواب دون تلاوة القرآن التي يأثمون منها إذا لم يجودوا القرآن كما يجب(7).

فالصوفيون في إلهامهم يصيبون ويخطئون، وإن كان صوابهم أكثر من خطئهم.
أصناف من نشروا الإسلام في غرب أفريقيا:

إذا كان الإسلام قد انتشر في الشمال الإفريقي عن طريق الفتح، فإن انتشاره في غرب إفريقيا قد تم بوسائل أخرى من أهمها:
أولا: الفاتحون الذين أقاموا دولة الإسلام في مختلف ربوع إفريقيا.
ثانيا: التجار المتجولون الذين ينقلون البضائع والسلع التجارية من مكان إلى مكان.
ثالثا: الدعاة الصوفيون الذين جمعوا بين نشر الإسلام، ونشر محاسن الصوفية وطرقها.
رابعا: الدعاة المعلمون الذين اتخذوا التعليم العربي الإسلامي مهنة لهم.

أما الفاتحون فهم الذين عملوا على نشر الإسلام أولا في غرب أفريقيا، ووطدوا السبل، ومهدوا الطرق بفتوحاتهم، وأقاموا دولا إسلامية بعد نجاحهم من أيام عقبة بن نافع الصحابي الجليل، ومن ولي على أفريقيا من بعده من المرابطين والموحدين والملاويين والوناغرة والسنغاليين والفلانيين والبرناويين. أولئك الذين مهدوا السبل للدعاة المجهولين، الذين كانوا يتطوعون للدعوة في أماكنهم، ويتوزعون لها في أقاصيهم وأدانيهم، لا تبعثهم حكومة، ولا تشرف عليهم إدارة، ولا تنظمهم قيادة، بل هم مبعثرون في تلك البقاع يستعملون مختلف الوسائل الممكنة لنجاح دعوتهم.

أما التجار المتجولون، فإن القوافل التي وصلت بين شمال إفريقيا وغربها، كانوا من الفينيقيين والقرطاجنيين والرومان والعرب. وصح أن العرب في صدر الإسلام كانوا ينقلون بضائع الأسلحة كالسيوف والرماح والملابس الصوفية والحريرية من شمال إفريقيا إلى غربها، ويتوزعون لبيعها في غانا ومالي وتكرور، وسنغى وكاثنة، وكنو وبرنو، ثم يعودون إلى هذه البلاد بريش النعام والعاج والعبيد(8).

وكانوا بطبيعة الحال، يسافرون جماعات وزرافات لتبادل هذه السلع، وتلك البضائع، مزودين بالأسلحة التي تحميهم من المعتدين، وإذا حلوا ببلد، أقاموا في حي لهم مستقل عن الحي الأصلي الوثني، وكونوا لنفسهم جالية إسلامية تقيم إقامة دائمة بالبلد، وتحيي بها شعائر الإسلام كعادتهم في بلادهم يتوضؤون ويقيمون الصلاة جماعات. وإذا جاء شهر رمضان، أحيوا لياليه بالاجتماعات للتراويح، وتلاوة القرآن، ومجالس الوعظ والذكر، وإذا أفطروا أو تسحروا تزاحموا جميعا على الإفطار والسحور في وقت واحد بصورة جذابة، وطريقة مغرية، وإذا حل فيهم عيد الفطر، احتفلوا به، وخرجوا لصلاته في المصلى، يظهرون في ذهابهم وإيابهم مزايا الإسلام ومحاسنه، وإذا أدركهم عيد النحر عظموا ضحاياهم، وقدموها قربانا لله، ثم فرقوا لحومها بين فقرائهم، وتزاوروا فيما بينهم.

كل هذا وذاك يؤثر على عقول الصغار من غير المسلمين، ويلفت أنظار الكبار ممن شرح الله صدورهم للإسلام، فيدخلون مع المسلمين في دين الله، ويعد من قبيل ذلك تسامح المسلمين المقيمين مع غيرهم في التعامل معهم بالخلق الحسن، والتودد إليهم بالقول اللين، وتأليف قلوبهم بالهدايا والهبات، ومداوة مرضاهم، وإغاثة ملهوفيهم حتى يفضلوا دين الله على دين آبائهم فيدخلون فيه(9).

أما الدعاة الصوفيون فهم العباد والنساك المعروفون بلزوم الأذكار والأوراد، والإعراض عن زهرات الدنيا وزخارفها، والزهد في ملذتها وشهواتها. لهؤلاء الصوفيين جهود ملموسة في نشر الإسلام، ونفوذ كبير في إقامة الممالك الإسلامية. ولما انتشر الإسلام، وعم نوره خارج الجزيرة العربية، واتسع نطاق الدولة الإسلامية، نشأت الطرق الصوفية، وفي ركاب تلك الطرق، انتشرت الزوايا(10) في البلاد الإسلامية، ومنها غرب أفريقيا التي كانت صالحا لنشر مبادئ تلك الطرق، وتكوين أنصار لها.

ولقد انتشر الإسلام في غرب أفريقيا على يد الدعاة المعلمين الذين وهبوا أنفسهم لنشر هذا الدين بين سكان القارة، وهؤلاء الدعاة لا يمثلون فئة مرسلة من قبل هيئة إسلامية أو حكومة مركزية، بل كانوا يقومون بهذا العمل بدافع الواجب الديني، ورغبة منهم في كسب رضى المولى جل وعلا، لذا لم تكن هناك هيئة تشرف نشاطهم، وكانوا يجوبون بلاد إفريقيا من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، زادهم الإيمان، ورفيقهم القرآن، وعونهم الصبر الجميل على مكابدة المخاطر، وهدفهم نشر كلمة التوحيد بين تلك الأمم التي تعيش على الفطرة والصفاء(11).

وهناك عوامل أخرى ساعدت على نشر الإسلام في غرب أفريقيا خاصة، وفي أفريقيا عامة.

التصوف عاطفة ووجدان كما كان معرفة وسلوكا، لذلك فالصوفية ألوان وأشكال، ففيهم العلماء والجهلاء، وفيهم المفكرون والسذج البسطاء، وفيهم الدعاة والأدعياء، ومن الجور أن نكيلهم بالكيل الواحد. وبفضل التصوف والطريقة القادرية، استطاع الشيخ عثمان بن فوديو أن يكون الجيش الإسلامي ليحارب بهم الطغاة الجبابرة من ملوك السودان، حتى أسس أكبر دولة إسلامية اكتسحت جميع ما يعرف بشمال نيجيريا، ويبلغ عدد سكانها اليوم نحو ستين مليونا ونصف على الإحصاء التقديري، وبفضل التصوف والطريقة التجانية، استطاع الحاج عمر الفوتي أن يؤسس بالسنغال ومالي دولة إسلامية، قاومت الاستعمار الفرنسي عند احتلالهم للبلاد طوال ربع قرن من الزمن(12).

الهوامش:
1 - فضل كلود الدكو: الثقافة الإسلامية في تشاد في العصر الذهبي لإمبراطورية كانو من 1200- 1600، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، ط1، 1998، ص 119.
2 - آدم عبد الله الإلوري: آثار العلم والفلسفة والتصوف في مسيرة الدعوة الإسلامية، ط1، القاهرة 1999، ص 68.
3 - المصدر نفسه، ص 68-69.
4 - علي أبو بكر: الثقافة العربية في نيجيريا من 1750 إلى 1960، ط1، بيروت 1972، ص 67-68.
5 - الإلوري: المصدر السابق، ص 73.
6 - عبد الرحمان عبد العزيز الزكوي: نشر الياسمين في قصائد عيد الأربعين، مطبعة مركز العلوم، أغيغي، لاغوس 1991، ص 7.
7 - آدم عبد الله الإلوري: توجيه الدعوة والدعاة في نيجيريا وغرب إفريقيا، ط1، مطبعة الأمانة، القاهرة 1979، ص 79-80.
8 - آدم عبد الله الإلورى: الإسلام في نيجيريا والشيخ عثمان بن فوديو الفلاني، ط2، 1978، ص 4.
9 - المصدر نفسه، ص 40-41.
10 - الزاوية: لفظ شائع بين علماء غرب إفريقيا، وتدل على مكان يتخذ للعبادة والتعليم والتأديب.
11 - الدكو: الثقافة الإسلامية في تشاد، ص 136.
12 - الإلوري: آثار العلم، ص 73-74.
الإحالة إلى المقال:

* د. موسى عبد السلام أبيكن: التصوف الإسلامي في غرب أفريقيا، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث عشر 2013. http://annales.univ-mosta.dz

***