العلاقات الثقافية بين العرب والإفرنج خلال القرون الوسطى

د. محمد عباسة
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

كان لاتصال الأوروبيين بالعرب في المشرق والأندلس خلال القرون الوسطى أثره البالغ في تطوير الفكر الأوروبي. فالأوروبيون الذين كانوا يعيشون في عصور مظلمة، بدأوا يهتمون بعلوم العرب منذ احتكاكهم بالأندلسيين. وأهم ما لجأوا إليه، هو تعلم اللغة العربية، والتردد على مدارس العرب بحواضر الأندلس لنهل العلم من شيوخها، وترجمة المعارف العربية الإسلامية من اللغة العربية إلى مختلف اللغات الأوروبية. لقد قام علماء أوروبا بالإضافة إلى بعض المسلمين واليهود، الذين وظّفهم الحكام الإفرنج في معاهدهم، بدور فعال في نقل علوم العرب إلى البلدان الأوروبية. وفي هذه الدراسة، حاولنا تسليط الضوء على العوامل الرئيسية التي مكنت العلماء الأوروبيين، في القرون الوسطى، من الاتصال بثقافة العرب ونشرها في البلدان الأوروبية. هذه العوامل كانت من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تطوير الفكر الأوروبي.

الكلمات الدالة:

الثقافة العربية، الأندلس، الإفرنج، الترجمة، عوامل التأثير.

***
The cultural relations between Arabs and Franks in the Middle Ages

Abstract:

The European contact with Arabs in the Levant and Andalusia during the Middle Ages had a great impact on the development of European thought. The Europeans, who were living in dark ages, began to take an interest in the sciences of the Arabs since their contact with the Andalusians. The most important thing that they resorted to is learning the Arabic language, and going to Arab schools in Andalusia to gain knowledge from its Sheikhs, and translating Arab-Islamic knowledge from the Arabic language into various European languages. European scholars, in addition to some Muslims and Jews, who were employed by the Frankish rulers in their institutes, played an effective role in transferring Arab sciences to European countries. In this study, we tried to shed light on the main factors that enabled European scholars, in the Middle Ages, to communicate with the culture of Arabs and spread them in European countries. These factors were among the main reasons that led to the development of European thought.

Key words:

Arabic culture, Andalusia, Franks, translation, influence factors.

***

النص:

تعد العلاقات الثقافية بين الشعوب من العوامل التي تؤدي إلى التأثير والتأثر في شتى الميادين الفكرية والثقافية. وكان لاتصال الأوروبيين بالعرب في المشرق والأندلس أثره البالغ في تطوير الفكر في أوروبا. بدأ الأوروبيون الذين كانوا يعيشون في عصور مظلمة، يهتمون بثقافة العرب وعلومهم منذ منتصف القرون الوسطى. وأهم ما لجأوا إليه، هو تعلم اللغة العربية، والتردد على مدارس المسلمين بالأندلس من أجل طلب العلم، وترجمة علوم العرب من اللغة العربية إلى اللغات الأوروبية. لقد قام علماء من نصارى ومسلمين ويهود، ممن وظّفهم الحكام الإفرنج، بدور فعال في نقل المعارف العربية إلى البلدان الأوروبية.

نحاول من خلال هذه الدراسة تسليط الضوء على العوامل الرئيسية التي مكنت العلماء الأوروبيين، في القرون الوسطى، من الاتصال بثقافة العرب المسلمين ونشرها في البلدان الأوروبية. هذه العوامل كانت من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تطوير الفكر الأوروبي. يكمن هذا التأثير خاصة في الفلسفة والأدب، وكان التروبادور الأوكسيتانيون أول من أدخل خصائص الشعر العربي من موضوعات وأشكال، في الشعر الأوروبي في بداية القرن الثاني عشر من الميلاد.

العلاقات الثقافية بين العرب والأوروبيين متشعبة وترجع إلى بداية الإسلام عند لقاء الملتين أثناء الحروب والمناسبات الأخرى. غير أن التبادل الثقافي بينهما ازدهر بشكل متميز في الأندلس وأثناء الحروب الصليبية في المشرق. وكان من أبرز عوامل هذا التفاعل الثقافي، انتشار اللغة العربية عند الدارسين الأوروبيين والمستعربة الإسبان، واطلاع المفكرين الأوروبيين على الثقافة العربية الإسلامية، وإقبالهم على ترجمة معارف العرب من اللغة العربية إلى لغاتهم اللاتينية.

لقد انتشرت اللغة العربية في الأندلس منذ استقرار العرب في شبه الجزيرة الأيبيرية. وكان السكان الأصليون قد اتخذوا لغة القرآن للتفاهم والتعامل فيما بينهم، بل فضلها بعضهم على لغته الأصلية. لقد قام هؤلاء المستعربة الذين كانوا يتقنون لغة العرب، بدور الوسيط في نقل الكثير من بذور الحضارة العربية الإسلامية إلى الممالك الشمالية(1). وكانوا يتنقلون باستمرار بين الأندلس والمناطق الشمالية المسيحية(2). كما كان بعضهم ينظم الشعر باللغة العربية(3).

ولم تنحصر اللغة العربية في المناطق الأندلسية ذات السيادة الإسلامية، بل انتشرت كذلك في ليون (León) وقشتالة (Castilla) ونفارا (Navarra) وغيرها من المناطق الإسبانية، وتحدث بها النصارى(4). ولما استولى النصارى بقيادة ألفونسو السادس على طليطلة (Toledo)، المدينة التي ضمت في قصورها شعراء العرب والإفرنج، بقيت اللغة العربية لعدة قرون تستخدم في المجال الإداري وفي الحياة اليومية(5). وكان أمراء الشمال المسيحي يتعلمون العربية لاستخدامها في التعامل مع المسلمين. ومن أبرز هؤلاء الأمراء، بدرو الأول ملك أراغون (Aragón) الذي كان يوقع على الوثائق باللغة العربية(6). أما ألفونسو العاشر (ت 683هـ-1284م) فكان ينظم الشعر باللغة العربية ويرعى الشعراء الإسبان والإفرنج والعرب أيضا.

أما الفلاسفة والمفكرون الأوروبيون، في القرون الوسطى، فكان تعلم اللغة العربية عندهم شرطا من شروط المعرفة. لقد كان الفيلسوف الإسباني المتصوف رايموندو لوليو (Raimondo Lulio) (ت 715هـ-1315م) "يكتب العربية كما يكتب لغته الكتالونية، وأنه كان يستعملها في مجادلاته مع المسلمين وفي التبشير في بلاد المغرب، وقد كتب بعض مؤلفاته بالعربية أولا، ثم ترجمها بنفسه إلى الكتالونية، ثم نقلت إلى اللغات الأوروبية الأخرى"(7). وقد تأثر هذا الرجل في فلسفته بالمتصوفة المسلمين الأندلسيين والمغاربة. وكان القس الدومنيكي الكتالوني رايموندو مارتين (Raimondo Martín) (ت 685هـ-1286م)، قد تعلم اللغة العربية خصيصا لمجادلة المسلمين(8).

وفي جزيرة صقلية كان الأمراء النورمان يتحدثون باللغة العربية، كما جعلوها لغة القصر إلى جانب لغتهم الأصلية. لقد كان غيوم الأول بن روجار الثاني (ت 562هـ-1166م) يفضل الشعر العربي ويرعى الشعراء العرب. وأكد الرحالة ابن جبير (ت 614هـ-1217م) بأن غيوم الثاني كان يتكلم العربية ويكتبها، وكانت حاشيته كلها من العرب المسلمين(9). وكان يكافئ الشعراء ذهبا على مدحهم له، كما فعل مع الشاعر ابن قلاقس الإسكندراني(10). أما فريدريك الثاني، فهو من أشهر أمراء النورمان الذين كانوا يتقنون اللغة العربية ويؤلفون بها.

ولم تنحصر اللغة العربية في الأراضي الإسبانية فقط، بل بلغت مشارف جبال البرانس ومنطقة البروفنس بحيث تأثر بها التروبادور (Troubadours) في لغتهم الشعرية. وكان من الطبيعي أن يتأثر هؤلاء الشعراء الجوالون بثقافة العرب نظرا لروابطهم الاجتماعية والثقافية بشمال إسبانيا وخضوع شعوب هذه المناطق، في حقبة معينة، لسلطان المسلمين(11). وقد نجد أسماء عربية في أشعار التروبادور ينطقونها سليمة من الشوائب كما لو أنها من أسمائهم. لقد ذهب سيديو (Sédillot) إلى "أن اللهجات السائدة لولايات أوفرن وولاية ليموزي الفرنسيتين محشوة بالكلمات العربية، وأن أسماء الأعلام فيها ذات مسحة عربية"(12). أما المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون فهو يذهب إلى أن الأثر العربي في اللغة الأوكسيتانية في جنوب فرنسا، واضح ولا يحتاج إلى أدنى شك(13).

لقد اشتهر العرب في العصور الوسطى بالقراءة وجمع الكتب وإنشاء المكتبات، وكانت الكتب العربية تحفظ في قصور الأمراء والقضاة والوزراء وغيرهم من رجال الدولة وخزانات المؤرخين والفلاسفة والمفكرين والأدباء. وكان الحكم الثاني بن عبد الرحمن الناصر من أبرز الأمراء الذين اهتموا بجمع الكتب وتكوين المكتبات(14). كما اشتهرت عدة مدن أندلسية بمكتباتها الضخمة، ومن بينها مدينة قرطبة التي كان يؤمها الناس من كل أطراف البلاد ومن الممالك المسيحية المجاورة. لقد ذهب ترند (Trend) إلى أن سكان الشمال الإسباني كانوا يسمعون بما هو أشبه بالدهشة والأحلام، عن تلك المدينة التي تحوي سبعين مكتبة، وكان حكام ليون أو نفارا أو برشلونة، إذا ما احتاجوا إلى شيء من ذلك، فلا يتجهون إلا إلى مدينة قرطبة(15).

كان للتسامح الديني في الأندلس أثره البالغ في توافد طلبة العلم على المدن الأندلسية من كل أنحاء أوروبا وخاصة شمال إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وإنكلترا، وذلك لتلقي العلوم العربية. لقد أكد فارمر (Farmer) على أن الطلاب الأوروبيين كانوا يدرسون العلوم العربية مباشرة دون وساطة المترجمين(16). لأن عددا من الأوروبيين في القرون الوسطى، كانوا يفهمون العربية. وذهب لويس يونغ (Lewis Young) إلى أن العلوم العربية قد انتقلت بصورة مبكرة في القرن العاشر الميلادي إلى شمال فرنسا وألمانيا(17)، وذلك بفضل المترجمين النصارى واليهود.

والجدير بالذكر، أن عددا من الدارسين والطلاب الأوروبيين كانوا يترددون مرارا على بلاد الأندلس للدراسة وترجمة معارف العرب المسلمين. ومنهم جربرت دورياك (ت 394هـ-1003م) الذي اعتلى الكرسي البابوي في سنة (390هـ-999م) باسم سلفستر الثاني (Sylvestre II). وقد عمل جربرت على نشر علوم العرب في فرنسا على الرغم من معارضة الرهبان(18). وكان قد قدِم إلى كتالونيا وأمضى ثلاث سنوات بإسبانيا في دراسة العلوم(19). وتتلمذ في جامع قرطبة الذي كان يعد أكبر جامعة في أوروبا يفد إليها الطلاب من كافة أنحاء العالم لتلقي العلوم والآداب والفنون.

إن الأوروبيين في القرون الوسطى، كانوا واثقين من أن كل تقدم فكري أو ثقافي في بلادهم يجب أن يرجع إلى الاحتكاك بالمسلمين. ويلاحظ على رجالات الكنيسة الإفرنج المستقلين أنهم أولوا اهتماما خاصا بالثقافة العربية الإسلامية، وذلك على الرغم من عدائهم للمسلمين. فكانوا يترددون على طليطلة منذ القرن الحادي عشر للميلاد، وكان لذهابهم وإيابهم بالغ الأثر في تسهيل التبادل الثقافي بين الإفرنج في الشمال والمسلمين في الجنوب(20). ومنذ عهد الملك ألفونسو السادس، أصبحت طليطلة المركز الرئيس الذي تنتشر منه الثقافة العربية إلى كافة أنحاء أوروبا(21).

لقد وفد على المدن الأندلسية عدد من المفكرين الإيطاليين لطلب المعرفة. فالإيطالي برونيتو لاتيني (Brunetto Latini) أستاذ دانتي أليغييري (Dante Alighieri)، قد اتصل بمترجمي مدرسة طليطلة ومدرسة إشبيلية(22). وقد أكد أسين بلاثيوس (Asín Palacios) على أن تأثير الثقافة الإسلامية في كتابات دانتي قد تم بفضل برونيتو لاتيني (ت 694هـ-1294م). وأبرز الطلاب الذين تتلمذوا على العرب، ليوناردو البيزي وأرنالدو دي فيلانوفا، وغيرهما ممن تلقوا تعليمهم في الأندلس على يد الشيوخ العرب ونشروا معارفهم في أوروبا(23).

لقد ازدهر التأليف عند العرب في القرون الوسطى نظرا لحرية التعليم، والترجمات التي قام بها علماء العرب والمسلمين في المشرق والمغرب. كما ترجم العرب مئات الكتب العلمية والفلسفية من اليونانية والسريانية والفارسية والهندية والقبطية. فإذا كان الأوروبيون لا يعرفون من فنون الرومان إلا القليل، فإنهم كانوا لا يعرفون شيئا مطلقا من فنون اليونان، في حين كان العرب قد ترجموا الكثير من علوم الإغريق وفلسفتهم، وكان الأوروبيون على علم بمعرفة العرب المسلمين لعلوم اليونان، لذا عكفوا على دراسة كتابات العرب، فاستفادوا من اليونان والعرب في آن.

بدأ الأوروبيون يهتمون بالثقافة العربية الإسلامية منذ القرن الثامن الميلادي، وقد أولوا اللغة العربية عناية خاصة. وزاد اهتمامهم بحضارة العرب المسلمين عند احتكاكهم بالأندلسيين في القرن التاسع الميلادي. وفي القرن الحادي عشر الميلادي، عكف النصارى على ترجمة علوم العرب، وتحمسوا كثيرا إلى هذه الترجمة خاصة لما علموا أن العرب قد ترجموا في المشرق والمغرب، أغلب مؤلفات اليونان واقتبسوا من مناهل فكرهم. ولقيت هذه الترجمات ترحابا كبيرا لدى ملوك النصارى، وقد انتشرت في كافة أنحاء أوروبا.

وينبغي أن نشير إلى أن الأوروبيين قد اختلفت نواياهم عند ترجمتهم لكتب المسلمين باختلاف طبقاتهم ومراكزهم الاجتماعية. فالكنسيون كانوا يترجمون الكتب الإسلامية للرد على المسلمين ومجادلتهم، وكان رجال الدولة وضباط الجيش يهتمون بالجغرافية والتاريخ الإسلامي رغبة منهم في إخضاع الشعوب الإسلامية واستعمارها، أما بعض الطلاب والعلماء المستقلين فكانوا يهدفون من وراء شغفهم بعلوم العرب، إلى نشر معارف العرب المسلمين في أوروبا والنهوض بمجتمعهم.

لقد عمل بعض المترجمين الأوروبيين على عدم ذكر أسماء المؤلفين العرب بسبب الحقد الذي كانوا يكنونه للعرب المسلمين، فمنهم من وضع اسمه بدلا من اسم المؤلف العربي، أو أبقى على الكتاب المترجم مجهول المؤلف، ومنهم من تعمد تحوير اسم المؤلف العربي أو تغريب لفظه مثل (Avicenne) و(Averroès) وغيرهما. أما بعض المترجمين الذين وظّفتهم الكنيسة فقد عملوا على تحريف التعاليم الإسلامية وتحريض الأوروبيين على معاداة الإسلام والمسلمين.

وتجدر الإشارة إلى أن هؤلاء الأوروبيين قد اعتمدوا طرائق شتى في نقل خصائص الحضارة العربية الإسلامية إلى العالم الغربي في القرون الوسطى؛ منها الترجمة الشفاهية التي قام بها علماء أوروبا العائدين من الأندلس، إذ كانوا يملون على تلامذتهم ما تعلموه من بلاد المسلمين؛ ومنها أيضا حديث الفرسان العائدين من الحروب الصليبية ورواياتهم عما لاحظوه وتعلموه في بلاد الشرق، بالإضافة إلى الكتب التي ألفها العرب مباشرة باللاتينية في إيطاليا وشمال إسبانيا.

وقد جند الأوروبيون لهذه الحملة عددا من المترجمين ينتمون إلى أقطار وطبقات مختلفة، وأنشأوا لذلك مدارس للترجمة وظّفوا فيها النصارى من الأوروبيين والشرقيين، كما وظّفوا المسلمين المحترفين واستخدموا الأسرى والجواري. أما اليهود الذين كانوا يتقنون اللغات الشرقية والغربية، فيُعدون من أهم الوسطاء الذين مرت بفضلهم علوم العرب إلى أوروبا.

ولعل أهم بلد انطلقت منه ترجمة المعارف العربية إلى اللاتينية في القرون الوسطى، هو وسط إسبانيا. لقد كانت طليطلة أول مدينة ظهرت فيها حركة الترجمة، بحيث لما استولى النصارى بقيادة الملك ألفونسو السادس على هذه المدينة في سنة 1085 للميلاد، وجدوا مكتبة حافلة بالمؤلفات العربية، فعملوا على ترجمتها إلى اللغات اللاتينية بفضل العلماء ورجال الدين الذين استقدمهم الملك ألفونسو السادس من كل أنحاء أوروبا.

لقد جعل النصارى من طليطلة مركزا مهماً انتشرت منه علوم العرب المسلمين وفنونهم إلى أوروبا، إذ قام ملكها ألفونسو السادس بإنشاء "معهد المترجمين الطليطليين" الذي ذاع صيته في أوروبا عندما لجأ إليه نفر من المثقفين اليهود والمستعربة الإسبان والأندلسيين المسلمين في عهد ألفونسو السابع. أما أشهر مترجمي معهد طليطلة، فهم الإنكليزيان روبرت الكتوني وأدلار الباثي، والإيطالي جيراردو الكريموني واليهوديان أبراهام بن عزرا وأخوه(24).

وأشهر من وصلت إلينا أسماؤهم من المترجمين الإسبان، دومينيكوس غنديسالفي وهو من رجال كنيسة طليطلة، ويوحنا بن داود الإسباني اليهودي المتنصر، اللذان كانا يعملان مشتركين، فقد ترجما إلى اللاتينية عدة كتب في الطب والفلسفة من بينها كتاب "النفس" و"الطبيعة" و"ما وراء الطبيعة" لابن سينا (ت 428هـ-1037م)، و"مقاصد الفلاسفة" للإمام أبي حامد الغزالي (ت 505هـ-1111م)(25).

غير أن أبرز شخصية عرفها معهد المترجمين بطليطلة هو الدون رايموندو (ت 545هـ-1150م) الذي يرجع إليه الفضل في ترجمة النصوص العربية العلمية والأدبية إلى اللغات اللاتينية، إذ كان مستشارا لملك قشتالة في تلك الفترة، وتولى رعاية جماعة مترجمي طليطلة في عهد الملك ألفونسو السابع، وقد ألحّ عليهم أهمية نقل المؤلفات العربية(26). وفي عهده، توافد على هذه المدرسة عدد من الأوروبيين لنقل معارف العرب.

بلغت ترجمة معارف العرب وعلومهم ذروتها في عهد ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم (Le Sage) الذي كان يأوي في قصره عددا من الشعراء البروفنسيين. وقد التفّ حوله جماعة من المثقفين من مسلمين ونصارى ويهود، كما أشرف بنفسه على توجيه الترجمة والاقتباس والنشر. وفي مرسية، أنشأ معهدا للدراسات الإسلامية بمساعدة فيلسوف مسلم من الأندلس، ثم نقله إلى إشبيلية حيث قام بتدريس علوم العرب بمساعدة بعض المسلمين الذين وظّفهم في مدرسته(27).

لقد تم بفضل الملك ألفونسو العاشر نقل الكثير من مؤلفات العرب المسلمين العلمية والأدبية والفلسفية إلى اللغات الأوروبية، في طليطلة وإشبيلية ومرسية. كما أمر هذا الملك بنقل القرآن الكريم إلى الإسبانية، وكان القرآن الكريم قد ترجم إلى اللغة اللاتينية في عهد الملك بدرو الجليل (Pedro el Venerable) في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي. وقد أمر الملك ألفونسو أيضا بترجمة كتاب "كليلة ودمنة" إلى اللغة الإسبانية(28).

أما في إيطاليا فقد استخدم رجال الدين المسيحي الأسرى والمرتدين في ترجمة معارف العرب والاطلاع على أحوالهم. ويعد قسطنطين الإفريقي (Constantin l'Africain) (ت 480هـ-1087م) التاجر القرطاجني الذي أصبح راهبا بندكتيا، من أهم المترجمين الذين عرفتهم أوروبا في القرن الحادي عشر الميلادي(29). وقد ترجم هذا المرتد وألف كتبا عديدة حول تاريخ العرب وجغرافية بلدانهم وأحوالهم. ولعل أشهر من استخدمهم الإكليروس في الترجمة والتأليف بروما، هو الحسن بن الوزّان الملقب بليون الإفريقي (Léon l'Africain) (ت 962هـ-1554م) الذي أجبِر على التنصر وترجمة معارف العرب والتأليف لمدة سبع عشرة سنة، وذلك قبل أن يفر من مجتمع روما الكنسي مستغلا صراع رجال الدين فيما بينهم.

وتعد جزيرة صقلية من أهم الجسور التي مرت بواسطتها ثقافة العرب المسلمين إلى أوروبا، خاصة في العهد النورماندي. لقد استقدم الكونت روجار الأول (Roggero I) (ت 495هـ-1101م) عددا من الشعراء والعلماء والمؤرخين العرب إلى قصره(30). أما الكونت روجار الثاني فقد دعا الشريف الإدريسي إلى صقلية لإنجاز كتاب "الجغرافية"(31). وكان غيوم الثاني (Guillaume II) يتكلم العربية ويكتبها، كما كانت حاشيته كلها من العرب المسلمين(32)، وفي عهده، ترجمت الكتب العربية إلى اللغة اللاتينية.

ولعل أشهر من ساهموا في نشر علوم العرب والمسلمين، هو الإمبراطور فريدريك الثاني (ت 648هـ-1250م) الذي تلقى علومه على يد المعلمين العرب(33). لقد كان يشرف على تدريس العلوم العربية في قصره ببالرمو، كما ألف عددا من الكتب باللغة العربية وترجم بعضها إلى اللاتينية. وفي سنة (621هـ-1224م)، أنشأ جامعة نابولي لتدريس ونشر علوم العرب وآدابهم. قامت هذه الجامعة بدور بالغ الأهمية في ترجمة العلوم العربية واستقطاب الطلاب الأوروبيين إليها، الذين استفادوا من علوم العرب ونشروها في بلدانهم(34).

ومن مترجمي صقلية البارزين، اليهودي فرج بن موسى الذي وظّفه شارل دانجو ملك صقلية (Charles d’Anjou) (ت 684هـ-1285م) في بلاطه، وقد ترجم كتبا كثيرة من العربية إلى اللاتينية، من أهمها كتاب "الحاوي" للرازي، وقام بدور عظيم في تعليم الطب وممارسته في أوروبا. والجدير بالذكر، أن صقلية وقعت في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي تحت حكم الإفرنج بالتواطؤ مع الكنيسة، وقد أزيح النورمان عن حكمها بسبب شغفهم بالعلوم العربية وتسامحهم مع العرب المسلمين.

وفي فرنسا اشتهرت عدة مدن بمراكز الترجمة في القرون الوسطى. نذكر من بينها مدينة مرسيليا التي ترجم فيها بعض العلماء في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي عددا من الكتب العلمية الأندلسية. أما تولوز فقد برز فيها هيرمان الدلماشي الذي اختص بترجمة كتب علم الفلك العربية. وفي ناربونة اشتهر أبراهام بن عزرا وأخوه(35)، وقد ترجم هذان اليهوديان في ذلك العصر عدة كتب عربية من بينها شرح البيروني على جداول الخوارزمي.

ومن أشهر المدن الفرنسية التي أولت اهتماما بالغا بعلوم العرب، مدينة مونبيليه التي كانت مركزا للدراسات الطبية والفلكية في فرنسا(36). ومن أبرز أعلامها أرنو دي فيلانوفا (Arnau de Vilanova) (ت 713هـ-1313م) الذي كان يتقن اللغة العربية، وقد درّس في جامعتها، كما يرجع إليه الفضل في تطور دراسة الطب بهذه الجامعة. وقد ترجم عددا من الكتب العربية من بينها مؤلفات ابن سينا والكندي وغيرهما. أما مدينة كلوني (Cluny)، التي كان يضم ديرها عددا من الرهبان الإسبان والإفرنج، فكانت من أهم المراكز التي عملت على نشر العلوم العربية في القرن الثاني عشر للميلاد.

لقد ظلت ترجمة الكتب العربية، ولا سيما الكتب العلمية مصدرا للتدريس في جامعات أوروبا أكثر من خمسة قرون. أما الكتب الطبية العربية الإسلامية فظلت تدرّس في أوروبا، وعل الخصوص، في جامعة مونبيليه إلى وقت قريب من عصرنا. ومن جهة أخرى، فإن ترجمة كتب العقاقير والحشائش والتداوي بالأعشاب من العربية إلى اللاتينية في العصر الوسيط، هو الذي أدى إلى تطور علم الصيدلة وصناعة الأدوية في أوروبا.

أما الإيطالي ليوناردو البيزي (Leonardo Pisano) المدعو (Fibonacci) (ت 602هـ-1250م)، وهو من المترجمين الذين نقلوا العلوم العربية إلى الأمم الأوروبية في العصور الوسطى، فيعد من أبرز العلماء الذين تطور على يدهم علم الرياضيات في أوروبا، وذلك بفضل استفادته من علوم الحساب العربية. لقد قضى ليوناردو عدة سنوات في مدينة بجاية بالجزائر، رفقة والده الذي كان يملك مركزا تجاريا، ثم عاد إلى مدينة بيزة حيث ترجم عدة كتب من العربية، ويكون من خلال تآليفه قد أسهم في تهذيب الأرقام العربية وإذاعتها، لأن أوروبا لم يكن لها أرقام قبل ليوناردو هذا، بل كانت تعتمد على الحروف اللاتينية في حسابها.

وفي الفلسفة كان ابن رشد الحجة البالغة في جامعات أوروبا منذ القرن الثالث عشر للميلاد، وخاصة في جامعة السوربون بفرنسا وجامعة بادو بإيطاليا. وفي منتصف القرن الثالث عشر للميلاد كانت جميع كتب هذا الفيلسوف العربي قد ترجمت إلى اللغة اللاتينية في أوروبا. غير أن هذه الفلسفة العقلانية ناقضت كثيرا من آراء أرسطو وتعاليم الإكليروس، مما جعل الأساقفة في سنة 1277 للميلاد، يدينون جملة من نظريات ابن رشد بسبب اعتمادها على العقل وتعارضها مع أهداف الكنيسة. ورغم عداء الكنيسة لها استمرت الفلسفة الرشدية في الغرب لعدة قرون. ويبدو أثر أبي الوليد بن رشد واضحا في تآليف المفكرين الغربيين الذين تمسكوا بمبدأ حرية الفكر وتحكيم العقل.

وكان ابن رشد قد اتهم أيضا في بلاط يعقوب المنصور الأندلسي وأدانه الفقهاء، رغم أنه كان هو أيضا من كبار الفقهاء، ومع ذلك تعرض للنفي وأتلفت بعض كتبه بسبب آرائه الفلسفية. ومن هنا، نرى أن فرار العلماء والفلاسفة من الأندلس إلى شمال إسبانيا وجنوب فرنسا في عهد المرابطين والموحدين كان بسبب نفوذ الفقهاء، وأن اضطهاد هؤلاء العلماء من مسلمين ونصارى ويهود في ذلك العهد، لم يكن بخلاف ديني وإنما بسبب الفكر المبني على العقل والحكمة. لقد استغل النصارى لجوء هؤلاء العلماء والمفكرين واستخدموهم في ترجمة علوم العرب. بينما انتشر في الأندلس، في الفترة نفسها، شعر الزجل، وكثر المداحون الذين جابوا الأسواق بمدائحهم وحكاياتهم.

ومن جهة أخرى، فإن الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري قد تأثر بالإسلام في كتابه "الكوميديا الإلهية"، ولا سيما برسالة "التوابع والزوابع" لابن شهيد و"رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري وكتاب "المعراج" لمحي الدين بن عربي. وقد تعرف دانتي على الثقافة العربية الإسلامية بفضل أستاذه برونيتو لاتيني الذي كان قد اتصل بعلماء المسلمين في الأندلس عندما كان في مهمة في طليطلة عام 1260 للميلاد لدى الملك ألفونسو الحكيم(37).

ولعل أهم ما تأثر به الأوروبيون منذ بداية القرن الثاني عشر الميلادي هو الشعر الغزلي. لقد نظم شعراء التروبادور في جنوب فرنسا في العصر الوسيط، شعرا مقطعيا (Poésie strophique) غنائيا يتحدث عن العفة والمجاملة وتمجيد المرأة، لأول مرة في أوروبا. إن هذا الشعر الذي يشبه في شكله ومضامينه الشعر العربي، وعلى الخصوص، الموشحات والأزجال الأندلسية قد تأثر فيه الأوروبيون بالشعراء الأندلسيين. غير أن تأثرهم لم يكن بواسطة الترجمة، وإنما العرب هم الذين كانوا ينظمون الجزء الأخير من موشحاتهم بالعجمية ويسمونه الخرجة. فعن طريق الخرجة انتقلت إلى الشعر الأوروبي في العصور الوسطى، أغلب مواضيع الشعر العربي وأغراضه وقوافيه.

وفي الختام ينبغي القول إن القرن الحادي عشر الميلادي هو العصر الذي شهد الانتقال المتميز لثقافة العرب وعلومهم إلى أوروبا، ويعد أيضا بداية ترجيح الكفة بين الحضارتين إلى أن بدأ تفوق الأوروبيين في القرن الخامس عشر الميلادي. فالصراع الذي كان قائما بكل أنواعه بين المسيحيين والمسلمين في كل من الأندلس وصقلية والمشرق، كان من بين الأسباب التي أدت بالأوروبيين إلى تبني ثقافة العرب المسلمين والاقتباس من معارفهم. وقد اتخذت الحضارة العربية الإسلامية شكلا عمليا في دول أوروبا. فبعد استفادتهم من الترجمة والاقتباس، بدأ الأوروبيون يهضمون علوم العرب ويطبقونها في سائر فروع الحياة، إلى أن تفوقوا في أغلب الميادين.

الهوامش:
1 - H.-R. Gibb: Literature, in The Legacy of Islam, Oxford University Press 1965, p. 188 ff.
2 - د. أحمد هيكل: دراسات أدبية، دار المعارف، القاهرة 1980، ص 63.
3 - أنخل جنثالث بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة د. حسين مؤنس، القاهرة 1955، ص 486-487.
4 - S.-M. Imamuddine: Some Aspects of Socio-Economic and Cultural History of Muslim Spain, Leiden 1965, p. 187.
5 - Maurice Morère : Influence de l’amour courtois hispano-arabe sur la lyrique des premiers Troubadours, Melun 1972, p. 11.
6 - A.-G. Palencia : Historia de la España musulmana, 3a ed., Barcelona-Buenos Aires 1932, p. 189.
7 - أ. غ. بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ص 549-550.
8-المصدر نفسه، ص 541.
9 - ابن جبير: الرحلة، دار صادر، بيروت 1964، ص 197 وما بعدها.
10 - Réto Roberto Bezzola : Les origines et la formation de la littérature courtoise en Occident, Ed. Champion, Paris 1944-1963, 3e P., T.2, p. 508.
11 - جوزيف رينو: الفتوحات الإسلامية في فرنسا وإيطاليا وسويسرا، تعريب د. إسماعيل العربي، دار الحداثة، بيروت 1984، ص 262.
12 - غوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، بيروت 1979، ص 533.
13 - المصدر نفسه، ص 535.
14 - G.-B. Trend: Spain and Portugal, in The Legacy of Islam, p. 9.
15 - Ibid.
16 - H.-G. Farmer : Music, in The Legacy of Islam, p. 371.
17 - لويس يونغ: العرب وأوروبا، ترجمة ميشيل أزرق، دار الطليعة، بيروت 1979، ص 120.
18 - غوستاف لوبون: حضارة العرب، ص 678. وقد ذهبت المستشرقة سيغريد هونكي إلى أن الطفل الذي وُجد في سنة (334هـ-945م) أمام موناستير أورياك في الأوفرن، وسمّاه الرهبان فيما بعد جربرت، يكون من أب عربي وأم إفرنجية مجهولين. انظر،
Sigrid Hunke : Le soleil d’Allah brille sur l'Occident, Maison des Livres, Alger 1987, p. 379.
19 - و. مونتكمري واط: تأثير الإسلام على أوروبا في العصور الوسطى، ترجمة د. عادل نجم عبو، جامعة الموصل 1982، ص 95.
20 - ليفي بروفنسال: حضارة العرب في الأندلس، ترجمة ذوقان قرقوط، بيروت (د.ت)، ص 96.
21 - د. أحمد هيكل: دراسات أدبية، ص 63.
22 - أ. غ. بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ص 572.
23 - المصدر نفسه، ص 534.
24 - لويس يونغ: العرب وأوروبا، ص 120.
25 - أ. غ. بالنثيا: المصدر السابق، 537-538.
26 - A.-G. Palencia : Historia de la España musulmana, p. 202.
27 - Ibid., p. 114.
28 - أ. غ. بالنثيا: المصدر السابق، ص 574.
29 - لويس يونغ: المصدر السابق، ص 12.
30 - د. إحسان عباس: العرب في صقلية، دار الثقافة، الطبعة الثانية، بيروت 1975، ص 287.
31 - Réto Roberto Bezzola : Les origines et la formation de la littérature courtoise en Occident, 3e P., T.2, p. 491 ss.
32 - ابن جبير: الرحلة، ص 197 وما بعدها.
33 - Robert Briffault : Les Troubadours et le sentiment romanesque, Ed. du Chêne, Paris 1943, p. 142.
34 - لويس يونغ : المصدر السابق، ص 15.
35 - R. Briffault : op. cit., p. 114.
36 - Jean Rouquette : La littérature d’Oc, P.U.F., 3e éd., Paris 1980, p. 23.
37 - أ. غ. بالنثيا: المصدر السابق، ص 572.
الإحالة إلى المقال:

* د. محمد عباسة: العلاقات الثقافية بين العرب والفرنجة خلال القرون الوسطى، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثالث عشر 2013. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

نشأة الشعر الديني عند العرب وأثره في الآداب الأوروبية
حوليات التراث، العدد 1، 2004.
العلاقات الاجتماعية بين العرب والفرنجة وتأثيرها على الأدب والفكر
حوليات التراث، العدد 3، 2005.
حب الآخر في الشعر الأندلسي والبروفنسي
حوليات التراث، العدد 4، 2005.
الترجمة في العصور والوسطى
حوليات التراث، العدد 5، 2006.
اللهجات في الموشحات والأزجال الأندلسية
حوليات التراث، العدد 9، 2009.
التصوف الإسلامي بين التأثر والتأثير
حوليات التراث، العدد 10، 2010.
الفلسفة العقلانية عند ابن رشد
حوليات التراث، العدد 11، 2011.
الحروب الصليبية ونزعة الحب الكورتوازي
حوليات التراث، العدد 12، 2012.

***