الرواية وإشكالية النهضة العربية
1850م-1916م

يعرب خضر
جامعة اللاذقية، سوريا

الملخص:

يعمد البحث إلى دراسة الرواية في سورية ولبنان وإشكالية النهضة العربية من عام (1850م) و(1916م)، بالاعتماد على مقولتي الإصلاح والتنوير، وذلك بهدف الكشف عن تحققات هذا الفن في مجتمع النهضة العربية، ومن خلال الربط بين بواكير هذا الفن والمنجز النهضوي العربي منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إذ ساعدت الرواية على نشر فكر النهضة والتنوير، وتجذيره في بنية المجتمع العربي وضمن آليات تفكيره، وقادت الحراك الاجتماعي ضد التخلف والاستبداد، وفي سبيل تحقيق مجتمع التمدن والتنوير. وجاءت المعركة بين القديم والجديد لتكثف حضور الرواية بما تمثله من تجديد على صعيد الشكل والمضمون، وبما تحمله من معطيات جذب لجمهور القراء الذي مل الإطناب والزخرف اللغوي والبلاغة التقليدية، واتجه إلى تذوق الجديد بعد أن أحس بالدهشة والاستلاب نتيجة المقارنة بين حاضره المتخلف وماضي أمته من جهة، وبين حاضره المتأخر الجامد وحاضر الغرب المتقدم من جهة ثانية.

الكلمات الدالة:

الرواية، النهضة العربية، سورية ولبنان، التجديد، التراث والحداثة.

***
The novel and the problematic of the Arab renaissance
from 1850 to 1916

Abstract:

The research aims to study the novel in Syria and Lebanon and the problem of the Arab renaissance from (1850 AD) and (1916 AD), relying on the arguments of reform and enlightenment, with the aim of revealing the realities of this art in the Arab renaissance society, and by linking the early stages of this art to the Arab Renaissance achievement since the second half of the nineteenth century. The novel helped spread the thought of renaissance and enlightenment, rooted it in the structure of Arab society and within its mechanisms of thinking, and led the social movement against backwardness and tyranny, and in order to achieve a society of civilization and enlightenment. The battle between the old and the new came to intensify the presence of the novel with what it represented in terms of renewal in terms of form and content, and with what it carried in terms of data that attracted the audience of readers who were tired of redundancy, linguistic embellishment and traditional rhetoric, and tended to taste the new after feeling surprised and alienated as a result of the comparison between its backward present and the past of his nation on the one hand and between its late rigid present and the present of the advanced West on the other hand.

Key words:

novel, Arab Renaissance, Syria, Lebanon, renewal.

***

النص:

تستمد الرواية معناها في الثقافة العربية من فعل (روى)، أي إعادة السرد لنقل الأحداث وتوصيل القصص والقصائد والتقاليد الأدبية.‏ وقد اختلط بمعنى (السير) أو القصة الطويلة التي تنقل ترجمة حياة بما يدخل في التخيل، وقد ظل هذا المعنى سائداً حتى منتصف القرن التاسع عشر. ثمّ تطور مفهوم الرواية في الأدب الحديث إلى سرد نثريّ خياليّ طويل(1).

الرواية بمعنى آخر إنتاج ثقافي(2) يخضع للمتغيرات الاجتماعية والسياسية، ويعبر عن ثقافة متجذرة في بنية المجتمع، ويمارس حضوره في إنتاج ثقافة جديدة ومختلفة. وقد "نُظِر إلى الرواية عند بداية القرن التاسع عشر كجنس أدبي حديث رافق صعوده صعود الطبقة البورجوازية في الغرب بكلّ ما رافق هذا الصعود من انهيار للبنى الاقتصادية والذهنية التقليدية"(3).

يطلق مصطلح النهضة (Renaissance) في أوروبا بشكل أساسي "على الفترة التاريخيّة التي تلت العصور الوسطى"(4)، وتم إطلاقه على تلك الفاعلية الفكريّة والثقافيّة التي جاءت نتاجاً لنضال النخب الأوروبيّة في سبيل انتصار قيم العقل، والحرية، والتقدّم، وترسيخها ضد واقع الخرافة والاستبداد، والجمود الموروث عن ظلامية القرون الوسطى في أوروبا، وهذا هو مضمون فكر التنوير؛ الذي ارتبط تاريخياً بقيام الرأسمالية في أوروبا بدءاً من النصف الثاني من القرن الخامس عشر، وبتجربة التحديث الفكري والسياسي لمجتمعاتها في القرن الثامن عشر.

وقد أجمع عدد كبير من الباحثين "على اعتبار ظهور حركة تنويرية في الشرق العربي، وبعث الآداب العربية، واتساع المزاج المعادي للإقطاع، وظهور الوعي القومي، والدعوة إلى الاستقلال السياسي، ونشوء حركة الإصلاح الديني الإسلامي، والتأثير القوي والحاسم من قبل الثقافة الغربية على الثقافة العربية... نهضةً عربية تبدأ من القرن التاسع عشر"(5). وكان مفهوم الإصلاح المعبر الأول عن حدث التغير المفترض والموازي لمفهومي النهضة والتنوير الغربيين، وفي بداية ظهوره كان عثمانيّ النزعة يقوم به موظفو السلطنة لإصلاحها وتحديثها من الداخل، ثمّ أصبح عند المتنورين العرب يعني إصلاح الولايات العربية تحديداً في نطاق السلطنة العثمانية أولاً، وهذا ما عرف بالجامعة الإسلامية. ثم غدا نشداناً للاستقلال عنها عندما اتضح أن الإصلاح العثماني غير مؤكد وغير ممكن، مما فتح الباب واسعاً لإعادة الاعتبار لمفهوم الأمة العربية، وظهور النظرية القومية، ومن خلال هذه المستجدات بدأ مفهوم النهضة ومصطلحها يتقدم ليحل مكان مفهوم الإصلاح، ومفهوم النهضة العربية ليحل مكان مفهوم النهضة الشرقية، وكان استخدام هذا المصطلح متأثراً بالغرب وبأفكار الثورة الفرنسية من حيث المضمون، لذا كانت المطالبة بالإصلاح، ومن ثمَّ بالنهضة، تهدف إلى التخلص من حالة التخلف والتقوقع والجمود، والتوصل إلى حالة متقدمة نسبياً على الطريقة الغربية من حيث العلوم، والفنون، والاختراعات، وامتلاك ناصية الشؤون الاقتصادية، والتنظيم الاجتماعي، وبناء الدولة، وتحديث الحياة بمختلف جوانبها.

وما يهم البحث على وجه الخصوص الجانب الفكريّ والأدبيّ؛ الذي حمل كل معاني التجديد، سواء على صعيد المضمون التنويريّ، أو الأجناس الأدبيّة المستحدثة والتي تتوازى مع ما يتم إنتاجه في الغرب، "فجاءت الفنون والأجناس الأدبيّة الجديدة، جاءت الرواية والمسرح والقصة القصيرة والفنون التشكيلية وحركة تجديد الشعر، وخلال كل ذلك كانت اللغة العربية تنهض وتجدد نفسها لتتنفس هواء الجديد، هواء العصر فتتغير دلالاتها، ويزداد غنى مفرداتها، ويتغير تركيب وبناء جملتها، وبعبارة تلخيصيّة، بدا كل شيء وكأنّه يتغير، ونحو الأمام، بل ونحو الأفضل: وهذا سر النبرة الرسوليّة لدى ممثلي هذه المرحلة، فقد كانت المهمة واضحة لدى مفكري وأدباء هذه المرحلة ألا وهي: النهضة"(6).

1 - بواكير الرواية في سورية ولبنان:

اختلفت الآراء حول نشأة القصة والرواية العربيتين فرأى بعض النقاد أن العرب قد كتبوا الأدب الروائي القصصي مثل سيرة عنترة، ورأس الغول، وسيف بن ذي يزن، والسيرة الهلالية، وحكايات ألف ليلة وليلة، وحي بن يقظان، وغيرها. في حين رأى آخرون أنّ القصة شكل أدبيّ مستحدث ومستورد من الغرب منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وعلى وجه العموم فإنّ جذور القص والحكاية كانت أحد نتاجات الموروث الشفوي للحضارات الإنسانية المتعاقبة وذلك على شكل حكايات شعبية، أو أساطير، أو ملاحم سواء عند العرب أو غيرهم من الأمم. لكن من المتعين أن فن الرواية غربيّ الجذور والمنبت، "وتتّفق كلّ المصادر الأدبية بأن الرواية لون أدبي حديث في الأدب العربي، مع أن العرب عرفوا أشكالاً مختلفة من النثر مثل المقامة والحكاية والسيرة"(7)، وكان ذلك نتيجة طبيعية للانفتاح الواسع من الشرق العربي على الغرب الأوربي بفضل الجهود النهضويّة؛ التي كانت الرواية أحد أدواتها الأساسية في إطلاق فكر اليقظة والإصلاح والتغيير، وكانت البداية بترجمة الأعمال الروائية الغربية وتعريبها، ونشرها على نحو واسع في الدوريات، والصحف، والمجلات العربية بهدف تقديم هذا المنتج الجديد للقارئ العربي.

استطاعت الرواية مع المقالة والمسرح، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، التقدّم إلى الصف الأمامي للفنون المرهصة للنهضة مغيّرة بذلك الأسس والاشتراطات التي قامت عليها مفاهيم التاريخ الأدبيّ بحكم تغير الخارطة الأدبية، وتبدل مكوناتها الأساسيّة وفقاً للمنظور التقليدي للأدب من رسائل، ومقامات، وغيرها، إلى سياق الأدب العالمي وفنونه، وقد وجد الأدباء من أبناء الطبقة البرجوازية والمتوسطة الصاعدة ممن قادهم تعليمهم المدني إلى وعي أكثر تنويراً، ودفعتهم أصولهم الطبقية إلى مدى أكثر رحابة في إدراك العالم. وجد هؤلاء في فن الرواية ما يلبي طموح الفرادة الإبداعيّة وحلم النهضة والتقدم عندهم، ولنا في منجزهم الإبداعي في الحقل الروائي ما يتسع للبحث أفقياً وعمودياً، وذلك لكثرة ما تم إضافته من نصوص تعدّ بدايات للرواية العربية بخصائص عصر النهضة وتمايزاته الفكريّة، ونزعاته العقلانيّة والتنويريّة، سواء على مستوى التأليف، أو الترجمة والتعريب، أو على مستوى التحفيز وتمهيد الأرضية للتغيير، إذ استطاع أحمد فارس الشدياق (1804-1887م) في رواية (الساق على الساق 1855م) أن يقتحم عالم القص الروائي برائعةٍ أدبيّة "كتب فيها السيرة الذاتيّة بأسلوب روائي، وذكريات الطفولة والشباب بقدر ما أحيا أدب الرحلات، والحكاية والمقامة، والأدب الجنسي. وفي كلا الحالين، كان يبلور أسلوبه الفذّ القائم على حسّه المرهف للمفارقة، وملكته النقدية، وارتقائه بالسخرية إلى مستوى الفن القائم بذاته"(8)، وكان داعية حرية وتمدن، نافح عن حرية الفكر والمعتقد، وسعى إلى إصلاح حال الأمة، وتحرير المرأة.

وهناك من حاول تأكيد الهوية العربية، جرياً على أن يكون الانكليزي إنكليزياً، والفرنسي فرنسياً، والعربي عربيّاً، وكان ذلك بمنزلة مهماز في خاصرة العقل العربي ليشحذ آلة التأويل، وينبه مكامن الوعي بنقرات من الأفكار السامية خشية الملل، على حدّ قول خليل الخوري (1836-1907م) في مقدمة روايته (ويْ، لست إذن بإفرنجي) الصادرة عام (1859م)، والتي نشرها في جريدته (حديقة الأخبار) على شكل حلقات متسلسلة ثمّ طبعها ثانية في كتاب مستقل.

كما قدّم لنا فرنسيس المرَّاش (1839-1874م) من منظور التمثيل الرمزي الحرية والتحرر بمختلف معانيهما، وكان في محاولته الروائيّة أنموذجاً للمفكر النهضوي الذي وجد في الرواية ضالته في التعبير الرمزي عن أفكاره التنويرية، وقد "نشر في حلب عام (1865م) كتاباً تحت عنوان (غابة الحق)، وهو عمل ينضح بالأفكار المثالية والفلسفية، ويعتبر حكاية رمزية عن الحرية"(9).

وهناك أيضاً سليم البستاني (1848-1884م) الذي ألّف في فترة قصيرة عدداً كبيراً من الروايات تراوحت موضوعاتها بين التاريخ والاجتماع، ونشرها في مجلة (الجنان)، ومن رواياته (الهيام في جنان الشام) عام (1870م)، وهي قصة بين رجل وفتاة يلتقيان تارة ويفترقان تارة أخرى و(زنوبيا) عام (1871م)، التي تتخذ موضوعها من الحدث التاريخي الذي يدور حول موجبات الصراع بين ملكة تدمر والرومان، و(بدور) عام (1872م)، التي تحكي عن أميرة أمويّة عشقت عبد الرحمن الداخل.

وقام جرجي زيدان (1861-1914م) بكتابة تاريخ التمدن الإسلامي بصيغة روائية تُعيد بناء الماضي من منظور الحاضر وقضاياه. وكانت البداية برواية (المملوك الشارد) (1891م)، وتبعتها حلقات السلسلة الروائية التي تواصل إصدارها على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، فأدّت مع غيرها من الروايات الفلسفيّة كرواية (العلم والدين والمال) أو (المدن الثلاث 1903م) لفرح أنطون (1874-1922م) دوراً في "تنبيه جمهور القراء إلى الأنماط القصصية، وفي الوقت نفسه في استخدام حوار مستنبط من تاريخ المنطقة كوسيلة لإثارة وتعزيز الوعي القومي العربي الآخذ بالنمو"(10).

وكتبت زينب فواز (1846-1914م) روايتها (حسن العواقب أو غادة الزاهرة) عام (1899م)، وهي رواية سياسية، واجتماعيّة، وأخلاقيّة، تكشف لنا نمط العلاقات الاجتماعيّة، والمناخ السياسي السائد في تلك الفترة، و"قد تعمدَّت هذه الرواية تبديل أسماء الأشخاص والبلدان تحاشياً من ذكر الباقين منهم في قيد الحياة، وحرصاً على شرف البيوتات الكريمة التي دنسها بعض أبنائها الذي هان لديه بذل شرفه في سبيل نوال شهواته"(11).

ونشرت لبيبة هاشم (1882-1952م) رواية (قلب الرجل) عام (1904م)، وفيها حكت قصة الفتنة الأهلية التي وقعت أحداثها في لبنان عام (1860م)، وما جرّته من نكبات وآلام، وويلات، وتشرد قسري، ومذابح وسفك دماء، ولذلك كانت شخصيات الرواية "تعاني التشتت والغربة جراء التعصب المرهون بوعي اجتماعي هو من منظور الرواية، وعيٌ خاطئٌ وأعمى تمارسه تشكيلة اجتماعية قائمة، بحكم الواقع، على التنوع والاختلاف في الانتماء الطائفي والديني"(12).

وقد دفع واجب الإصلاح بالكاتب الحلبيّ ميخائيل الصّقال (1852-1937م) إلى نشر روايته الوعظية الأخلاقية، والتربوية التعليمية، المعنونة بـ(لطائف السمر في سكان الزُّهرة والقمر أو الغاية في البداءة والنهاية) عام (1907م)، وهي تنقل وتُشخّص "الحالة الاجتماعية التي كانت تعيشها مدينة حلب على وجه الخصوص في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين"(13).

وفي مجلة المقتبس نشر شكري العسلي (1886-1916م) روايته (فجائع البائسين) عام (1907م)، على شكل حلقات متسلسلة، وقد قدّم لها بالقول: "هذه رواية وطنية أخلاقية واقعية تمثل للقارئ ما تئن منه هيئتنا الاجتماعية من البؤس، وما يتخلل نظام بيوتنا من الخلل"(14).

وهناك أيضاً الجهود الروائية للكتّاب الذين مضوا إلى المهجر، وهناك أتيح لهم الإطلاع على النماذج القصصية والروائية الغربية بأكمل صورها، فتأثروا بها تأثراً كبيراً، ونضجت أعمالهم، إذ تظهر فيها روح التمرد على عوامل الجمود وموانع التطور، فنجد رواية (بديعة وفؤاد) للأديبة عفيفة كرم (1883-1924م) المنشورة عام (1906م)، "وحين نطلع على الرواية نجد أنفسنا أمام رواية متكاملة البناء، تتميز بلغتها المتينة، وثقافة صاحبتها الغزيرة، ووعيها بالشكل الفني الروائي وخصوصيته"(15).

كما جاءت رواية (الأجنحة المتكسرة 1912م) لجبران خليل جبران (1883-1931م)، لتكون "لوناً من البوح الشخصي أرّخ فيه جبران حبّه الأول في بيروت، في صورة صادقة نمت على ما كان يصطرع في نفسه - وهو المراهق آنذاك - من العواطف المكبوتة والإحساسات الخامدة التي تفجرت بقوة عند أول احتكاك عاطفي"(16).

2 - الفن الروائي بين الإصلاح والتنوير:

أ - البحث عن مكونات الذات الحضارية:

كانت الرواية بفاعليتها الفكرية، وأدواتها الفنية، وبعدها الاجتماعي والثقافي، الحامل الموضوعي والمجسد الأمثل للرؤية النهضويّة والتنويّرية، فقد تركز عملها التنويري على تعميم فكر النهضة عبر العلاقة الفاعلة بين هذا الفنّ وجمهوره، وذلك بسبب ما انطوى عليه هذا الفنّ الجديد من إمكانات وجد فيها الفكر النهضوي ضالته الإبداعيّة، من خلال القدرة على التجسيد الحي لأفكار اليقظة والتنوير وقيمها المستجدة، وذلك بالمقارنة مع الشعر الذي استمر في إعادة إنتاج أصوله في سياق التقليد والامتثال لتقاليد عصوره الذهبية. إضافة إلى ما يتمتع به الفنّ الروائي من خصائص نوعية، أهمها قدرته على تحقيق أوسع مدى من الانتشار على المستوى الأفقي، ومن ثم تأثيره الإيجابي في مسارات الوعي كونه يحمل في مختبره الفني كثيراً من الأفكار والتناقضات، والشخصيات، والملامح، وأيضاً يُمَكِّن من إحداث فروق نوعية عبر الحفر عميقاً في وعي الجمهور، مع ما تسمح به طبيعته الفنيّة من رصد حالات التغير، وخاصة تلك القائمة في نظام العلاقات المجتمعية التي تتحول بها أوضاع الفرد والمجتمع، نتيجة عمليات التحفيز المنتجة للتجديد والتنوير، وتحديداً ذلك الوقت الذي بدأ فيه الانقلاب التاريخي لمجرى الأحداث والتحول تدريجياً من الوعي المطابق لبنى التخلف إلى أفق التنوير والنهضة بكل ما فيه من تيارات متعارضة، واتجاهات متنوعة، واختلافات كثيرة، لكنها جميعاً تلتقي حول وجوب النهضة، ووضع المسلمات والموروثات جميعها موضع النقاش والمساءلة المعرفيّة، وهذا يحتاج بالضرورة إلى فن يحتكم بطبيعته إلى الحوار، وتعدد الأصوات، ويرهص للمدنيّة وفقاً لقوانينها الجديدة، وتصوراتها التي تتوازى مع قوانينه الإبداعيّة ذاتها في إطار العلاقة الجدليّة بين الرواية والمدنيّة، حيث يجد الفرد صوته في إيقاع البحث والتعبير عن العلاقات المعقدة لمجتمع المدينة، وفي استنباطه وتبنيه لمستوى جديد من العلاقات التي يجب أن ينبني عليها مجتمع النهضة.

وقد استطاعت الرواية إحراز مكانة متقدمة ضمن مشروع النهضة نتيجة قدرتها على التجدد والتحرر من قيود التقليد الممتدة تاريخياً، مع ما تسمح به خصائصها الفنية ومرونتها من إمكانات متعددة لا تحصرها في شكل أو قالب محدّد، وتجعلها قابلة للتحول إلى ساحة لصراع الأفكار الواجبة لتحقيق النهضة المنشودة، ووسيلة لعرض الآراء ذات المنشأ الخلافي، في الوقت الذي تُقدّم فيه حمولتها المعرفية التنويرية في إطار تعليميّ ووعظيّ، وبقدر من التورية التي تسمح بتقديم العميق والجذري من أفكار التنوير، وذلك بتقنيات روائية يستخدم فيها الكاتب الاستعارات الرمزية والتمثيلات الكنائية، ويداور، ما أمكنه ذلك، حماية لنفسه في إطار العلاقة مع سلطة الاستبداد والتخلف، مع التركيز، قدر الإمكان، على وصول الأفكار العقلانية التنويرية إلى الجمهور الآخذ بالازدياد اطراداً مع انتشار هذا الفن عبر وسائل الطباعة، أو الصحف التي أخذت على عاتقها مهمة إيصاله إلى أكبر شريحة من القراء باتباع طريقة النشر على شكل حلقات متسلسلة كانت تلقى الرواج والقبول.

استفاد فن الرواية الجديد من التراث في أبعاده الإنسانيّة والمدنيّة، وذلك على صعيد لغوي اتخذ من اللغة الأيسوبية التراثية من مثل "كليلة ودمنة" إطاراً رمزياً لتقديم الفكر المضاد لخطاب القمع والاستبداد والبطش السلطانيّ المحاط بثوابت التقليد. وقد استطاعت الرواية إخراج الوعي المديني من وهن الخوف، وإنطاق مسكوتاته بما يمثل تقدماً نوعياً لمجتمع النهضة على سابق عهده القريب.

وعلى الضفة الأخرى من مشروع الكتابة النهضوية التنويرية وقف القارئ ليساهم في المشروع بالاستجابة للجديد مضموناً وشكلاً، والتفاعل مع ما يتم تقديمه من فن روائي مستحدث، والإقبال على قراءته بوصفه موضوعاً جديداً، ومدخلاً للتفكير بروح عصريّة، وبالموازاة مع خطابات أخرى اقتصادية وسياسية وإيديولوجية وفكريّة، ونزوعاً عقلانياً نحو الإبداع، ومحاولة للفكاك من أسر القديم باتجاه نصوص موازية تنحرف نسبياً عن القديم أسلوباً وموضوعاً، وتضغط بمهمازها على مناطق الجدّة، وتحثّ الخطا على مسارات التنوير ومساربه المتنوعة.

وقد رحب قراء العربية بهذه الروايات لتقوم مقام القصص الشعبيّ الذي كانت حكاياته شائعة بين عامة الناس في ذلك العهد، من مثل حكاية الزيبق وسيرة سيف بن ذي يزن والملك الظاهر وسيرة بني هلال ونحوها، وحكايات كسيرة عنترة وألف ليلة وليلة، ووجدوا الروايات المنقولة عن اللغة الأجنبية أقرب إلى الواقع والمعقول، وتُماشي روح العصر، فأقبلوا على قراءتها بحب وشغف كبيرين(17).

ب - الحراك الاجتماعي وأزمة القديم والجديد:

لم يستطع الأدب التقليديّ من حيث هو منظومة اجتماعيّة وفكريّة وفنيّة الصمود أمام الجديد، ولم يكن للمعرفة التراثية، وفقاً لصيغتها في القرن التاسع عشر، القدرة على الوقوف في وجه المعرفة القادمة من الغرب، وكان لحالة الجمود والموات التي يعاني منها الموروث الفكريّ والبلاغيّ العربي عهدئذٍ ما يسوّغ النزوع إلى التجديد، بعدما بلغت الأمور درجة متقدمة من النكوص والانحدار، سواء على صعيد الشكل أو المضمون. وما الذي تستطيعه المضامين الجامدة سوى الظهور في شكلها المتعين سلفاً، والمنصوص عليه في آليات التفكير، والثقافة، ونوعية السياسة المفروضة على المجتمع، في إطار الجهل أو التجهيل المستمرين، والإقامة في الماضي على حساب الحاضر، والالتزام بالأميّة والاستبداد، والدّفع بالثقافة إلى مزيد من الاضطراب والتأزم، وذلك بالتوازي مع واقع مجتمعيّ يتردد بين عالمين، ويوزع جهده في محاولة لإعادة فهمهما وفقاً للرّاهن ومستجداته، ولعلّ هذا ما جعل الفكر النهضويّ يقع في أسر عدد كبير من الثنائيات مثل؛ التقدم/التخلف، التحرر/الاستبداد، الشرق/الغرب، التمدن/التوعر... وغيرها، وجعله يتحرك على مسارات مختلفة تحددها درجة الاقتراب أو البعد عن أحد طرفي الثنائية، "إنه منطق الثنائيات، والرؤية الموقفية، وبمقتضاهما، يتمفصل العالم، وتتحدد الأشياء إلى شبكات من الثنائيات والمتضادات"(18) التي تزيد من حدّة الفروق واستمرار الأزمات وتنوعها.

لكن الفكر النهضويّ، بما يمثله من فعل تجديدي، استطاع بحراكه المستمر أن يُعطي للفكر والثقافة وظيفة اجتماعيّة نقديّة على درجة كبيرة من الأهمية، وفتح المجال للتخلص من حالة الوهن والضّعف إلى وضعية التأمل العميق، وصوغ الحلول العملية للخروج من الركود، وضخ دماءٍ جديدةٍ عبر الترجمة، والتربية والتعليم، أو التنوير بصيغته الأكثر اتساعاً وشمولاً، وخَلْقِ أفقٍ من الحوار بين التيارات السياسية والاجتماعية والفكرية، يجعل المناخ ملائماً للتجدد بعيداً عن التعصب والانغلاق، وسيطرة التصورات التقليديّة المرتبطة بالتخلف الاجتماعيّ فكراً وممارسةً.

وعلى هذا الجديد شكلاً ومضموناً يجب أن ينبني الهيكل النهضويّ، وتأسيساً عليه لا بدَّ من إخراج اللغة من مستودع البلاغة القديمة، وشحنها بطاقاتٍ تعبيرية تُجاري طبيعة العصر وذائقة التلقي لمجموعة من القراء، لم يعد التزويق اللفظيّ، والتكلف الفنيّ، والتبئير الصوتي يناسب حساسيتها، وخاصة إذا كانت على حساب المضمون كماً ونوعاً، "وكان تجديد اللغة العربية تجديداً للذهن وللعلوم وللأجناس الأدبية، وهو ما ساهم في إدخال العرب بلغتهم، وعبر لغتهم، مجال العصر الحديث، محتفظين في الوقت نفسه بشخصية مميزة، أبرز سماتها وجود ثقافة مستمرة عبر (أبجدية) أو (لغة) أو (حرف) عربي مستقل"(19).

وتحت ضغط التحولات العميقة ومتطلباتها النهضويّة تم إعادة النظر في الآداب العربية صيغة ومفهوماً؛ فظهرت مفاهيم جديدة كمفهوم الأدب العربيّ، وتاريخ الآداب العربية، وتم تصنيف الأنواع، وتحديد الفنون وفقاً للصور التي انتقلت إليها عبر عملية المثاقفة مع الآداب الأجنبية(20). وكان السؤال الملح لماذا تأخرنا؟ هو السؤال الذي صبغ أغلب مستويات الحراك الاجتماعيّ، وفتح الباب لمزيد من الحوار في قضايا كانت تُعدّ حتى وقت قصير مقدسات لا تُمس، وتحولَ الموقف الضدي للتخلف والوهن إلى هاجس فكريّ نتج عنه إعادة إحياء التراث العربي في الصيغة التي عرفتها عصور الازدهار والقوة، طمعاً في القبض على تلك اللحظة الأصيلة التي وضعت الحضارة العربية في مقدمة الحضارات الإنسانية، وبناء عليه فإن الفكر الإحيائي "يتحرك بين حدّين: البداية أو النموذج الأصلي، والغاية أو التقدم نحو تحقيق النموذج نفسه. وهو حين ينزع في حركته نحو التقدم، لا يتفلت أبداً من محاكاة نموذجه"(21).

وفي مقابل ذلك تنتظم رؤية أخرى منطلقة في الإجابة عن السؤال الراهن لماذا تأخرنا؟ بمقارنة الوضعية المستقرة في الفكر والثقافة والسياسة بما يتم خارج الحدود، وهنا يظهر البون شاسعاً بين البنيتين، وتبرز ثنائية القديم/الجديد كوجه من وجوه الأزمة المجتمعية، "والتاريخ الانتقالي يشهد عادة أزمة في البنى المجتمعية، هي أزمة التناقض الموضوعي المُستولد من مفاعيل انكسارها، بين الجديد والقديم، أو بين ما عبر عنه الفكر النهضوي العربي: الحداثة والتراث، المعاصرة والأصالة"(22). ونظراً لتنوع الإجابات ستتنوع التيارات والمواقف الفكرية، وتتشابك الرؤى، لكنَ الغاية الأساسيّة للتنوير والتقدم ستفرض نفسها عبر اللجوء إلى التوفيق والمواءمة بين حديّ الثنائية، وذلك في البحث عن جذور للمفاهيم الجديدة في التراث العربي، وإدماجها في الفكر العربي الإسلامي، جزءاً لا يتجزأ منه، وهنا يجري إنشاء المطابقة بين الديمقراطية الغربية والشورى الإسلاميّة على سبيل المثال لا الحصر، وفي المقلب الآخر يتم البحث عن العقلانية التنويرية، التي أنتجت نهضة الغرب، في الفكر العربيّ الإسلاميّ، على غرار ما قام به فرح أنطون عندما أعاد قراءة فلسفة ابن رشد، "الذي دعا إلى العقلانية بدل التحجر وتغييب العقل، وحاول إخضاع الدين للفلسفة والتوفيق بين الحكمة والشريعة"(23).

وفي معرض إجابته عن سؤال التأخر وجد سليم البستاني نفسه وجهاً لوجه أمام واقع اجتماعي يحكمه التعصب الديني، وتفرقه الأهواء المذهبية، التي نشأت بحكم التربية الرديئة والجهل، والاقتداء بالحاكم؛ فعادات الشعب من عادات الحكومة، إضافة إلى الانشقاق الداخليّ نتيجة انتشار العادات السيئة كالتباغض والحسد والملامة، مما يثقل كاهل الأمة ويحرض أبناءها بعضهم على بعض بدلاً من ادخار جهدهم في مواجهة الآخرين(24).

جـ - المضمون التنويري والموروث البلاغي:

كان للانبهار بالثقافة الغربية، شكلاً ومضموناً، أثره الواضح في الثقافة والفكر العربيين في عصر النهضة، فقد برزت، ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، النظرة التجديدية لكلّ مجالات الأدب والحياة والثقافة، وكان الجدال محتدماً بين التيارات الفكرية التي توزعت اتجاهاتها بين الأخذ الكامل من الغرب فكراً وموضوعاً، وبين الرفض التام لهذا الغرب وثقافته الكولونيالية التي تبتغي، على حد زعم هذا التيار، القضاء على الموروث الثقافيّ والحضاريّ والأدبيّ لأمتنا العربية الإسلامية، وبين أنصار التوفيق الذين عمدوا إلى الأخذ من الغرب بما يتفق مع هوية الأمة وبما ينسجم مع تراثها، فأقاموا التجديد على قاعدة المواءمة بين المضمون التنويريّ الغربيّ والموروث البلاغيّ والثقافيّ العربيّ الإسلاميّ، وكان عملهم انتقائياً نهجوا فيه نهج الأخذ بما يصلح للتغيير سواء أكان المصدر من الغرب وثقافته أم من التراث وبلاغته، وكان لأدبهم في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ النهضة صفة الهجانة على صعيد اللغة والتأليف، وهذا ما تؤكده أساليبهم اللغوية التي احتفت بفن المقامة واستخدمت أسلوبها في التعبير عن المضامين التنويرية الجديدة، وكان الشدياق سباقاً إلى صيغة التوليف بين القديم والجديد، فكتب المقامة بمضامين معاصرة، فهو ينتقد في إحداها جهل المطارنة والمعلمين والشعراء، ويتكلم في الثانية على الطلاق وموجباته، وفي الثالثة على العلاقة بين الزوج وزوجه وما يحدث بينهما من مناكدة، وأما الرابعة فتتحدث عن معيشة المتزوج والعازب وأيهما أكثر رغداً. وهذه الموضوعات تبتعد عن غرض المقامة التقليدي المتمثل بالكدية وما شابهها من أدب الاحتيال والمكر، والمخادعة، والمفاكهة. وفي الجانب اللغويّ يلاحظ أنّ "لغة الشدياق تُلبِس لكلّ حال لبوسها فمرّة تبدو عصرية حينما يعالج موضوعات لا تحتاج إلى تعمق في المفردات والمترادفات وألفاظ المعاجم، وأخرى تبدو كأنّها صيغت لأعرابي قح لم ير الحضر في حياته"(25)، وذلك لأنّه لم يستطعْ التخلص بشكل قطعي من الأسلوب المتكلف والسائد عصرئذٍ؛ نتيجة لضعف الملكات الأدبية والعلمية، وسيطرة اللغة التركية بعدما نقل السلطان (سليم) لغة الدواوين العربية إلى التركية، وبسبب تدني مستوى التعليم والمتعلمين إلى درجة الوقوف عند حفظ المتون والحواشي في النحو والصرف والبلاغة وغيرها من كتب الفقه والتفسير، وعندما يكتبون لا يكاد يخلو سطر من الأخطاء اللغوية والتركيبية(26)، وتلك وضعية رجال العلم والمعرفة فكيف الحال مع بقية شرائح المجتمع، وهنا يظهر الشدياق بأسلوبه الأدبيّ، ولغته العربية الرصينة كمن يغرّد خارج السرب، وهو المثقف النهضويّ المتعدد الثقافات الموسوعيّ الإطلاع، الذي لا يترك مجالاً دون أن يخوضه لإحياء اللغة وتخليصها من أغلال السّجع، والتكلف البلاغيّ، والتحـجر الأسـلوبيّ، وبـث الحياة في أوردتها. ومن هنـا كثرت استعمالاته لمفردات وتعابير قديمة بهدف إحيائها وتذكير الناس بها، لكنه آثر الأسلوب السهل المرسل في الغالب طمعاً في نقل أفكاره لأكبر عدد من القراء، والتأثير إيجابياً في حركة الكتابة والتأليف، وإن استطاع في متن كتابته أن يتخلص من ثقل السّجع، إلا أنّه ظلّ المدخل الذي يراه القارئ في أول لقاء، والعتبة الأولى التي يلجها نحو النّص، وهنا تتوضع اللغة على قوالب السّجع وتتخذ أسلوبه في التعبير، وذلك في أغلب العناوين التي كتبت في تلك الفترة، وكثيراً ما كانت تستخدم في مقدمات الكتب والمؤلفات، وكان للشدياق في مقدمة كتاب (سر اللّيال في القلب والإبدال) موقف من السجع إذ وجد فيه مزية من المزايا التي تتفوق بها اللغة العربية على اللغات الأخرى(27)، رغم أنه يحذر في روايته (الساق على الساق فيما هو الفارياق) من خطورة استعماله الزائد على المبنى الإبداعيّ، وهذا جزء من نظرته التوفيقية؛ التي تتخذ من الموروث البلاغي مرجعيّةً لها بعد تخليصه، قدر المستطاع، من الحشو والزيادات والنواقص والمبالغات المفرطة والمخربة لقيمته.

وفي رواية الصقال نجده يستخدم التوازن الصوتي بين مكونات العنوان الأساسيّ (لطائف السمر) و(سكان الزهرة والقمر)، ومكونات العنوان الفرعي: (الغاية) و(النهاية)، فجاء تكرار حرف الراء في كلمتي (السمر) و(القمر)، وحرف التاء في كلمتي (الغاية) و(النهاية)، ومن ثم جاءت بنية الوحدات اللغويّة (السمر، القمر) و(الغاية، النهاية) في صيغة صوتية متماثلة، لتثير انتباه المتلقي إلى العنوان صياغة وإيقاعاً، وليحقق العنوان وظيفته الإشهاريّة في سياق الإعلان عن حضوره شكلاً ومضموناً، ذلك أنّ تراصف هذه الوحدات قد أمدّه بموسيقى صوتية أكسبته تناغماً يساعد القراء بل يجتذبهم إلى اكتناه أعماقه الداخلية. والصقال هنا كما الشدياق فيما سبقت الإشارة إليه وكما هو الحال عند زينب فواز في كتابها (الدر المنثور في طبقات ربات الخدور)، بآية أنّهم جميعاً لا يخرجون عن استراتيجية العنونة كما عرفها التراث العربي سابقاً، فيعمدون إلى محاكاة صيغها وآليات اشتغالها، لكن عملهم يتوافق مع صيغ الهجانة والتوليف التي أقرّها منطق العصر واشتغالاته اللغويّة والأسلوبيّة، رغم خروج عدد كبير منهم عن هذه الاستراتيجية في العنونة لمؤلفاتهم كرواية (غابة الحـق) لفرنسيس المراش، و(قـلب الرجل) للبيبة هاشم، و(فجائع البائسين) لشكري العسلي، ورواية (بديعة وفؤاد) لعفيفة كرم، حيث يتم تكثيف الدلالة المركزية للنص، ويبتعد فيها الكاتب عن التبئير الصوتي، أو التوازن الإيقاعي، إلى مستوى جديد من التعبير المباشر عن غائية النص، وطبيعة استدراجه للقارئ بسلوك أقربِ الطرق البلاغية إليه، والمتمثلة في التركيب الإضافي لصيغة العنوان، إذ يجتمع المضاف والمضاف إليه ويباشران في إنتاج الدلالة المباشرة للنص الموافق لهما.

ولعلّنا نجد في تخلص العناوين من تأثير الأسلوب البلاغي القديم، وابتعادها النسبي عن النموذج التقليدي الذي حاكته لوقت طويل، تطوراً في أسلوب الكتابة النثرية، وكما تتطور الأنواع الأدبية بتطور أساليبها في التعبير، تتطور الأساليب بتطور أنواعها، فقد رافق تطور النوع الروائي التطور في الأداء اللغوي.

الهوامش:
1 - ينظر، د. عبد الله أبو هيف: "مصطلحات تراثيّة للقصَّة العربيّة، مجلة التراث العربي، العدد 48، السنة 12، دمشق 1992.
2 - ينظر، أحمـد الدغمومي: الرواية المغربية والتغير الاجتماعي، دراسة سوسيو-ثقافية، إفريقيا الشرق، 1991، ص 17.
3 - محمد الصالحي: قنديل أم هاشم- قراءة وتحليل، دار توبقال، المغرب 1995، ص 9.
4 - J. A. Cuddon: The Benguin Dictionary of Literary Terms and Literary Theory, Benguin Books, England 1991, pp. 784-787.
5 - د. أحمد نسيم برقاوي: محاولة في قراءة عصر النهضة (الإصلاح الديني، النزعة القومية). الرواد للنشر والتوزيع، ط1، دمشق 1988، ص 15-16.
6 - محمد كامل الخطيب: الإصلاح والنهضة (قضايا وحوارات النهضة العربية)، وزارة الثقافة، دمشق 1992، ج1، ص 7.
7 - د. بثينة شعبان: 100 عام من الرواية النسائية العربية (1899-1999)، دار الآداب، ط1، بيروت 1999، ص 46.
8 - فواز طرابلسي وعزيز العظمة: سلسلة الأعمال المجهولة (أحمـد فارس الشدياق)، رياض الرّيس، ط1، بيروت 1955، ص 9.
9 - روجر آلن: الرواية العربية (مقدمة تاريخية ونقدية)، ترجمة حصة إبراهيم المنيف، المجلس الأعلى للثقافة، 1997، ص 37.
10 - المرجع نفسه، ص 53.
11 - زينب فواز: غادة الزاهرة (أول رواية عربية)، دراسة وتقديم حلمي النمنم، مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر 2004، ص 33-34.
12 - لبيبة هاشم: قلب الرجل، تقديم د. يمنى العيد، المدى، دمشق (د.ت)، ص 12.
13 - ميخائيل الصقال: لطائف السمر في سكان الزُّهرة والقمر أو (الغاية في البداءة والنهاية)، تقديم ودراسة موسى بيطار، مطبعة جامعة حلب، ط1، حلب 2006، ص 30.
14 - شكري العسلي: رواية فجائع البائسين، إشراف د. محمد يوسف نجم ومحمد كرد علي، دار صادر، بيروت، (د.ت)، ج1، ص 50.
15 - عفيفة كرم: بديعة وفؤاد، تقديم د. سعيد يقطين، دار الزمن، الرباط 2008، ص 9.
16 - د. محمد يوسف نجم: القصة في الأدب العربي الحديث (1870-1914)، المكتبة الأهلية، ط2، بيروت 1961، ص 122.
17 - ينظر، جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، القاهرة 1914، ج1، ص 230.
18 - د. سعيد يقطين: السرد العربي (مفاهيم وتجليات)، رؤية للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة 2006، ص 28.
19 - محمد كامل الخطيب: اللغة العربية آراء ومناقشات (قضايا وحوارات النهضة العربية)، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 2004، ج1، ص 5.
20 - ينظر، د. سعيد يقطين: المرجع السابق، ص 77-78.
21 - د. فؤاد خليل: الفكر النهضوي العربي، دار الفارابي، ط1، بيروت 2002، ص 81.
22 - المرجع نفسه، ص 177.
23 - ميشال جحا: فرح أنطون، رياض الرَّيس، ط1، بيروت 1998، ص 59.
24 - محمد كامل الخطيب: الإصلاح والنهضة (قضايا وحوارات النهضة العربية)، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1992، ج1، ص 94-96.
25 - د. محمد رشدي حسن: أثر المقامة في نشأة القصة المصرية الحديثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر 1974، ص 103.
26 - سعيد الأفغاني: من حاضر اللغة العربية، دار الفكر، ط2، بيروت 1971، ص 15.
27 - ينظر، مقدمة سر الليال، ضمن، محمد كامل الخطيب: اللغة العربية آراء ومناقشات (قضايا وحوارات النهضة العربية)، منشورات وزارة الثقافة، دمشق 2004، ج1، ص 9.
الإحالة إلى المقال:

* يعرب خضر: الرواية وإشكالية النهضة العربية 1850م-1916م، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني عشر 2012. http://annales.univ-mosta.dz

***