المدرسة المغربية في النقد العربي القديم

د. جميل حمداوي
جامعة الناظور، المغرب

الملخص:

تعد المدرسة المغربية في مجال النقد الأدبي مدرسة متميزة عن المدرسة المشرقية بآلياتها البلاغية والبيانية والمنطقية حيث وفقت بين الموروث البلاغي العربي والفلسفة اليونانية المتمثلة في علميها البارزين: أفلاطون وأرسطو. وقد تفردت هذه المدرسة كذلك بطابعها التنظيري والتأسيسي لشعرية نقدية وبلاغية ذات طابع كوني. إذاً، ما هو سياق هذه المدرسة المغربية؟ ومن هم روادها البارزون؟ وما هي آراؤها النقدية في تعريف الشعر وتحديد طبيعة الإبداع الشعري؟ وماهي أهم الملاحظات التي نخرج بها من خلال تقويمنا لهذه المدرسة النقدية؟

الكلمات الدالة:

المغرب العربي، الأندلس، النقد، البلاغة، الفلسفة.

***
The Maghreb school of ancient Arab criticism

Abstract:

The Maghreb school in the field of literary criticism is a school distinct from the Levantine school with its rhetorical and logical mechanisms, as it reconciled the Arab rhetorical heritage with the Greek philosophy represented by its two prominent scholars: Plato and Aristotle. This school was also unique in its theoretical and foundational nature of critical poetry and rhetoric of a cosmic character. So, what is the context of this Maghreb school? And who are its prominent pioneers? What are its critical views in defining poetry and determining the nature of poetic creativity? What are the most important observations that we come out with through our evaluation of this critical school?

Key words:

Maghreb, Andalusia, criticism, rhetoric, philosophy.

***

النص:

1 - المدرسة المغربية، السياق والرواد:

عرف المغرب العربي ما بين القرنين: السادس والتاسع الهجريين مدرسة نقدية متميزة بطابعها التنظيري القائم على التنظيرات البلاغية والفلسفية والمنطقية والتفريعات الأصولية على غرار المدرسة الفلسفية المغربية (ابن رشد - ابن باجة - ابن طفيل- ابن حزم...) التي تحدث عنها محمد عابد الجابري(1) ومن أعلام هذه المدرسة النقدية المغربية نذكر: ابن رشد صاحب المقالات والشروح والجوامع والتلخيصات التي أفردها لكتب أرسطو، وابن حزم الظاهري الأندلسي، وحازم القرطاجني صاحب كتاب "منهاج البلغاء وسراج الأدباء"، و"ما بقي من كتاب القوافي"(2)، وابن البناء المراكشي العددي في كتابه "الروض المريع في صناعة البديع"(3)، وابن خلدون في مقدمته لكتاب العبر(4)، وأبو المطرف أحمد بن عميرة المخزومي صاحب "التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات"، والكتاب هو في الحقيقة رد على أبي محمد عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني أحد أعلام النقد الإعجازي والبلاغي في المشرق صاحب كتاب: "التبيان في علم البيان، المطلع على إعجاز القرآن"(5)، وأبو محمد القاسم السجلماسي في "المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع"(6)، وابن عصفور الإشبيلي صاحب كتاب "ضرائر الشعر".

ولقد أشار كثير من الدارسين إلى وجود مدرسة نقدية وبلاغية في بلاد المغرب تحاول مقاربة الشعر من وجهة فلسفية ومنطقية قائمة على السبر والتقسيم والتجريد والتقعيد والتأسيس لشعرية عامة مطلقة وكونية، ومن هؤلاء محمد بنشريفة الذي قال: "فابن عميرة والقرطاجني والسجلماسي وابن البناء يمثلون اتجاها جديدا في التأليف البلاغي ويقدمون اجتهادا خاصا في التناول، وهم يجمعون بين المأثور البلاغي العربي والتراث اليوناني الأرسطي، وذلك بواسطة الفارابي وابن سينا وابن رشد على وجه الخصوص"(7)، وقد أورد محمد بنشريفة أعلاما نقدية وبلاغية أخرى كالشلوبين وابن طملوس وسهل بن مالك وابن القوبع وابن رشيد السبتي... ومن الذين تحدثوا عن هذه المدرسة محمد مفتاح(8)، وعلال الغازي أثناء تحقيقه لكتاب المنزع: "وإذا كانت الدراسات التي تعرضت لتطور النقد والبلاغة في المغرب تكاد تخلو من نصوص تكون حجة في يد الدارسين، فإن المنزع يمثل أهم النصوص النقدية والبلاغية التي وقفت عليها سواء في المناهج أو المضمون أو الاتجاه الذي جعل منه نظرية نقدية قائمة ناضجة نزع بخصائصها السجلماسي منزعا لم يسبق به إلا عند حازم في منهاجه، مع تفرد صاحبنا الواضح بأكثر من خاصية، وخصوصا في تطور المصطلح النقدي وبنية المنهاج"(9)، والأستاذ علي لغزيوي حينما قال: "وتشكل هذه المصنفات مدرسة متميزة، تقوم على الفهم العميق لأرسطو، فضلا عن التمكن من الثقافة العربية وأدواتها، وهي تمزج بين النقد والبلاغة بطريقة ذكية، وتتميز بعمق الرؤية وشمولية المنهج، ذلك بأن من أثر المنطق والفلسفة تعميق النظر إلى الظواهر الإنسانية، ومنها الشعر والأدب بعامة.

وقد سمحت الثقافة العالمية المتنوعة لأعلام هذا الاتجاه، وسداد الرأي، وسمو الذوق، بأن تظهر في هذه المدرسة كثير من الأصالة والتفرد، بالرغم من كون المادة الشعرية التي اعتمدوها مشرقية في معظمها"(10).

وقد أشار ابن خلدون إلى هذه المدرسة حينما اعتبرها مدرسة بديعية لا تهتم سوى بأدوات فن البديع تفريعا وتعريفا وتقسيما وإحصاء وتبويبا، أما المدرسة المشرقية فهي مدرسة بيانية: "وبالجملة فالمشارقة على هذا الفن (علم البيان) أقوم من المغاربة وسببه والله أعلم أنه كمالي في العلوم اللسانية والصنائع الكمالية توجد في العمران والمشرق أوفر عمرانا من المغرب... وإنما اختص بأهل المغرب من أصنافه علم البديع خاصة وجعلوه من جملة علوم الأدب الشعرية وفرعوا له ألقابا وعددوا أبوابا ونوعوا أنواعا وزعموا أنهم أحصوها من لسان العرب وإنما حملهم على ذلك الولوع بتزيين الألفاظ وأن علم البديع سهل المأخذ وصعبت عليهم مآخذ البلاغة والبيان لدقة أنظارهما وغموض معانيها فتجافوا عنهما، وممن ألف في البديع من أهل أفريقية ابن رشيق وكتاب العمدة له مشهور"(11). ولكن هذا الحكم قد ينطبق على ابن رشيق القيرواني والسجلماسي وابن البناء العددي... بينما هناك من النقاد المغاربة كانت لهم دراية كبيرة بفن البيان ومكوناته التخييلية. ويقول محمد مفتاح في هذا الصدد: "إن قول ابن خلدون صحيح في مجمله لا في تفاصيله؛ فمن حيث الإجمال إن الكتب المؤلفة في "فن البيان" قبل ابن خلدون وأثناء حياته يحتل فيها اسم "البديع" وألقابه وأبوابه وأنواعه مكانة مرموقة؛ وأما من حيث التفصيل فإن النماذج التي سنحللها تثبت أن البيانيين المغاربة لهم باع طويل في فن البيان وقوامة عليه"(12).

2 - الأصول النقدية للمدرسة:

أ - مفهوم الشعر:

إذا كان الشعر عند قدامة بن جعفر يرتكز على اللفظ والقافية والوزن والمعنى؛ فإن مفهومه عند ابن المعتز سينبني على علم البديع، وفي القرن الرابع الهجري، سيصبح المجاز (التشبيه والاستعارة) أس الشعر وجوهره الفني. ولكن الشعر مع معظم نقاد المدرسة المغربية سيكون مستنده هو التخييل والمحاكاة. فحازم القرطاجني يعرف الشعر قائلا: "الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ماقصد تكريهه، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه، بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام، أو قوة صدقه أو قوة شهرته، أو بمجموع ذلك. وكل ذلك يتأكد بما يقترن به من إغراب. فإن الاستغراب والتعجب حركة للنفس إذا اقترنت بحركتها الخيالية قوي انفعالها وتأثرها"(13).

يعتمد مفهوم الشعر عند حازم على مقومات شكلية كاللفظ والوزن والقافية على غرار قدامة بن جعفر صاحب كتاب "نقد الشعر"، وعلى مقومات سيكولوجية تتمثل في مقصدية الترغيب والترهيب أو مقصدية التحسين والتقبيح، وعلى مفهومي المحاكاة والتخييل لما لهما من آثار انفعالية وتأثيرية في نفسية المتلقي عن طريق الخرق والاستغراب. وهنا يذهب حازم مذهب الفلاسفة اليونان كأفلاطون وأرسطو عن طريق أساتذته في المشرق كالفارابي وابن سينا الذين يعرفان الشعر تعريفا فلسفيا ومنطقيا بعد قراءتهما لكتاب أرسطو فن الشعر وفن الخطابة. فابن سينا يقول عن الشعر إنه: "كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفاة" والكلام المخيل: "هو الكلام الذي تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار وبالجملة تنفعل له انفعالا نفسانيا غير فكري سواء كان المقول مصدقا به أو غير مصدق"(14)، ويقول الفارابي: "والأقاويل الشعرية هي التي شأنها أن تؤلف من أشياء محاكية للأمر الذي فيه القول، فإن محاكاة الأمور قد تكون بفعل، وقد تكون بقول، فالذي يفعل ضربان: أحدهما أن يحاكي الإنسان بيده شيئا ما - مثل أنه يعمل تمثالا يحاكي به إنسانا بعينه أو شيئا غير ذلك - أو يفعل فعلا يحاكي به إنسانا ما أو غير ذلك. والمحاكاة بقول هو: أن يؤلف القول الذي يضعه أو يخاطب به من أمور تحاكي الشيء الذي فيه القول، وهو أن يجعل القول دالا على أمور تحاكي ذلك الشيء، ويلتمس بالقول المؤلف مما يحاكي الشيء تخييل ذلك الشيء: إما تخييله في نفسه وإما تخييله في شيء آخر، فيكون القول المحاكي ضربين: ضرب يخيل الشيء نفسه، وضرب يخيل وجود الشيء في شيء آخر"(15) فالشعر - إذاً - عند الفارابي وابن سينا قول قائم على المحاكاة والتخييل الفني والجمالي والانفعالي.

ويذهب ابن البناء المراكشي إلى أن الشعر: "هو الخطاب بأقوال كاذبة مخيلة على سبيل المحاكاة، يحصل عنها استفزاز بالتوهمات"(16) أي إن الشعر عبارة عن إبداع يحاكي فيه الشاعر الذات أو الواقع عن طريق وصفه ونقله ولكن هذه المحاكاة تتجاوز الصدق إلى الكذب والمبالغة والتخييل لأن أصدق الشعر أكذبه كما عند فلاسفة اليونان. ولابد لهذا الشعر من إثارة المتلقي واستفزازه عن طريق التغريب والتعجيب والتوهيم الخيالي وإثارة الإدهاش وتخييب أفق انتظار السامع أو القارئ، وهذا التصور موجود عند حازم القرطاجني. والأكثر من هذا، إن ابن البناء يلتجئ إلى السبر والتقسيم والتفريع المنطقي والتجريد الرياضي والفلسفي في تحديد ماهية المفاهيم واستعمال التعريف بالإثبات والمخالفة على شاكلة المناطقة والفلاسفة كما هو الشأن في رصده لمفهوم المنظوم: "فالمنظوم أن يكون شعرا وغير شعر، كما أن الشعر يكون منظوما وغير منظوم. وأهل العرف يسمون المنظوم كله شعرا، ولا يسمون شيئا من المنثور شعرا، فعرض من أجل ذلك اشتراك في اسم الشعر"(17).

ويعرفه السجلماسي اعتمادا على مكون التخييل والمكون الإيقاعي (الوزن والقافية): "الشعر هو الكلام المخيل المؤلف من أقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة، فمعنى كونها متساوية هو: أن يكون كل قول منها مؤلفا من أقوال إيقاعية، فإن عدد زمانه مساو لعدد زمان الآخر، ومعنى كونه مقفاة هو: أن تكون الحروف التي يختم بها كل قول منها واحدة وكل معنى من هذه المعاني فله صناعة تنظر فيه إما بالتجزئة، وإما بالكلية ولأن التخييل هو جوهريته والمشترك للجميع، ينبغي أن يكون موضوعها ومحل نظرها"(18). أما ابن خلدون فيعرف الشعر بأنه: "هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة به"(19).

وإذا تأملنا هذا التعريف فإنه لايتناقض مع التعاريف السابقة بل يؤكدها ويقررها لأن الوصف هو المحاكاة التي تنقل عن طريق الرصد الذات والموضوع، أما الاستعارة فتندرج ضمن التخييل إلى جانب التشبيه وآليات المجاز. فصاحب المنزع البديع يدرج تحت جنس التخييل أربعة أنواع: نوع التشبيه، ونوع الاستعارة، ونوع المماثلة، ونوع المجاز، وجعل جنس التخييل المذكور هو موضوع الصناعة الشعرية"(20). فالتخييل إذن، عبارة عن بلاغة المشابهة والانزياح المجازي والتمثيلي. وهذا يظهر لنا أن المحاكاة أعم من التخييل لأن المحاكاة قد تكون مجازا أو خالية منه بينما التخييل فعل مجازي. وقد أثار مصطلحا المحاكاة والتخييل كثيرا من الإشكال، فهناك من يعتبرهما مصطلحين مترادفين، وهناك من يعتبرهما مختلفين. فالباحث المغربي محمد الولي يرى أن المحاكاة مرتبطة بالنص وواقعه، بينما التخييل مرتبط بعملية التلقي الجمالي عند القارئ. ويعني هذا أن المحاكاة مرحلة أولى نحو التخييل: "إن المحاكاة علاقة النص بالعالم الذي تصفه وصفا جماليا. أما التخييل فعلاقة النص بالمتلقي وبعبارة أدق استجابة المتلقي أمام النص المحاكي، وأن التوفيق الأدبي في لحظة المحاكاة يترتب عليه الفوز في لحظة التخييل لدى المتلقي وهذا يتضمن حتما صياغة النص في ذاته صياغة لائقة"(21). ويقول محمد مفتاح بتماثل المفهومين وترادفهما على الرغم من أن المحاكاة أكثر عمومية من التخييل المجازي: "ولكننا عند التدبر نجد تداخلا كبيرا وترادفا، فقد ترادف المحاكاة الوصف أحيانا. وهذا الترادف تؤيده نصوص من كتاب حازم. كما يعضده تعريف ابن خلدون للشعر... ومعنى هذا أن الأوصاف أعم من التخييل. والكلام البليغ مبني على الأوصاف، وعلى هذا، فإن المحاكاة أعم من التخييل كما حدده النقاد العرب المتأخرون. وأما إذا اعتبرنا التخييل يعني أكثر مما خصه العرب به فحينئذ يصبح التخييل والمحاكاة مترادفين أيضا. وهي أو هو (المحاكاة أو الوصف) تتحقق بتركيب الكلام بطرق معينة وجوهرها المجاز"(22). ويرى أستاذي علي لغزيوي أن هناك فرقا عميقا بين المحاكاة والتخييل، إذ إن المحاكاة وسيلة للتخييل: "إننا لو تتبعنا استعمال حازم للتخييل والمحاكاة، لوجدنا أن اقترانهما عنده لا يدل البتة على الترادف، وإن كان هناك ما يوحي بذلك عند النظر السطحي، والأصوب أن تعتبر المحاكاة وسيلة للتخييل"(23).

ويلاحظ أن نقاد هذه المدرسة يتوسعون في تعريف الشعر- أثناء مقارنتهم الشعر العربي بأشعار عالمية أخرى كالأشعار اليونانية مثلا - قصد البحث عن مميزات الشعر المطلقة والكونية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ثقافتهم العالمية الواسعة والمنفتحة على الآداب الأخرى. ويقول حازم في هذا الصدد: "الشعر كلام مخيل موزون، مختص في لسان العرب بزيادة التقفية إلى ذلك"(24)، ويقول السجلماسي: "الشعر هو الكلام المخيل المؤلف من أقوال موزونة متساوية وعند العرب مقفاة"(25).

ويتبين لنا من هذين التعريفين، أن الشعر يستند بصفة عامة لدى معظم الشعوب إلى الوزن والتخييل، بيد أن القافية هي من مميزات الشعر العربي، والشعر ليس مقتصرا على جنس دون آخر، بل هو موجود في كل الألسنة وخاصة لدى اليونان الذين استخدموه قالبا فنيا لسرد الملاحم والتمثيليات، ويقول ابن خلدون: "اعلم أن الشعر لا يختص باللسان العربي فقط بل هو موجود في كل لغة سواء أكانت عربية أو عجمية وقد كان في الفرس شعراء وفي يونان كذلك وذكر منهم أرسطو في كتاب المنطق أوميروس الشاعر وأثنى عليه"(26). وقد أبرز هؤلاء النقاد القواعد الكلية المطلقة الثابتة والمقومات المشتركة بين أشعار الأمم والعناصر الاختلافية المميزة لكل أمة على حدة كما أشار إلى ذلك ابن رشد: "الغرض من هذا القول تلخيص ما في كتاب أرسطوطاليس في الشعر من القوانين الكلية المشتركة لجميع الأمم، أو للأكثر، إذ كثيرا مما فيه هي إما أن تكون قوانين خاصة بأشعارهم وعاداتهم فيها وإما أن تكون ليست موجودة في كلام العرب وموجودة في غيره من الألسنة"(27). فابن رشد يبحث في المتن الأرسطي ترجمة وتلخيصا للبحث عن المعايير والآليات النقدية التي تسعفه في استخلاص القواعد المميزة لبلاغة الشعر ومقوماته في كل الألسن مهما كان الاختلاف بينها شاسعا أو قريبا. وهذا يلمح إلى مدى سعة ثقافة النقاد المغاربيين وسعيهم الجاد نحو التقعيد الكوني وتأسيس شعرية أجناسية عالمية تبرز الخصائص الجوهرية العامة المطلقة والمميزات الشكلية العرضية لنظرية الشعر.

ب - طبيعة الإبـداع الشعري:

لقد قلنا سابقا إن الشعر في جوهره قائم على المحاكاة والتخييل كما هو قائم على خصائص شكلية مثل اللفظ والمعنى والإيقاع والتقفية. ولكن للشعر منابع ومصادر تساهم في انبثاقه وإبداعه وخاصة المخيلة التي تخلق الصور الشعرية سواء أكانت حسية أم مجردة. وتوجد المخيلة عند الحيوان والإنسان معا، ولكن المخيلة الإنسانية تتسم بالإبداع والانزياح وبقوة الذاكرة والحفظ. وتمر المخيلة في تركيبها للصور الشعرية من عدة مراق ومراتب كالحس الظاهر والحس المشترك والعقل والمخيلة. ويعني هذا أن الصور الشعرية تنتقل من الحس وتمر عبر العقل لتنتقل إلى التخييل كالانتقال من المحسوس إلى المجرد. وللمخيلة هنا دور كبير في إبداع الصور الشعرية التخييلية المبنية على الوهمية والخرق والتجريد الروحاني. ويحصرها ابن رشد في القوة الجسمانية وقوة الحس المشترك وقوة المتخيلة وهي آخر طبقة في التجريد الروحاني: "وهذه الطبقة هي آخر طبقات العين، ومنها ينظر الحس المشترك إلى الصورة. وإذا قبلها الحس المشترك أداها إلى المصور، وهو القوة المتخيلة، فيقبلها المصور أكثر روحانية فتكون هذه الصورة في الرتبة الثالثة من الروحانية. فتكون هاهنا للصور ثلاث مراتب: المرتبة الأولى جسمانية، ثم تليها المرتبة التي في الحس المشترك، وهي روحانية، ثم الثالثة وهي التي في القوة المتخيلة، وهي أتم روحانية، ولكونها أتم روحانية من التي في الحس المشترك لم تحتج القوة المتخيلة في إحضارها إلى حضور المحسوس خارجا. بخلاف الأمر في قوة الحس. والمصور إنما ينظر إلى تلك الصورة وينزع مثالها ومعناها بعد سكون شديد... وهذا هو شأن القوة المتخيلة مع الصورة التي في الحس المشترك فإنه إذا غاب المحسوس غابت صورته عن الحس المشترك وبقيت الصورة المتخيلة متوهمة"(28). ويظهر لنا أن المخيلة باعتبارها قوة من قوى الإدراك النفسي مرتبطة بالتخييل والرؤيا والنبوة ما دامت مجردة وأكثر روحانية وأكثر إيغالا في الخيال وتجاوز المحسوسات الخارجية وظواهر العقل. وتتموقع بين الحس والعقل أي إن الصور الشعرية التي تبدعها المخيلة تلتصق بالمحسوس ثم تنفك عنها انزياحا وخرقا. وإذا كان الصدق مرتبطا بالحس والعقل، فإن التخييل قد يكون صادقا أو غير صادق. ومن ثم، فإن المخيلة تنتج الصور وتغلفها بالخيال وتركبها تركيبا ظاهرا أو مجردا وتفصلها حسب المقاصد والأغراض الشعرية بعد أن تكون هذه الصور قد رصدت الواقع عن طريق المحاكاة أو عن طريق التخييل الفني والتجاوز. فالمخيلة لها دور مهم في التركيب والتشكيل واستقبال صور النبوة والرؤيا والوحي في النسق الديني الإسلامي كما يشير إلى ذلك كثير من الفلاسفة المسلمين ولاسيما ابن رشد. ولابد للشاعر في عملية الإبداع من قوى أساسية يحتاج إليها كما يرى حازم القرطاجني كالقوة الملاحظة (الإدراك البصري)، والقوة الشاعرة (الطبع والشاعرية)، والقوة الحافظة (قدرة الحفظ والاستيعاب)، والقوة الذاكرة (الذاكرة والمعرفة الخلفية وقوة التناص)، والقوة المائزة (العقل) التي تجعل الشاعر قادرا على التمييز والتفريق والتركيب، والقوة الصانعة التي تهدف إلى التركيب وتحقيق الاتساق والانسجام النصي حتى يصبح العمل الإبداعي عملا فنيا متكاملا(29). وقد عدد حازم عشر قوى تساهم في خلق الشعر وإبداعه، وهي: 1) القوة على التشبيه، 2) القوة على تصور كليات الشعر ومقاصده، 3) القوة على تصور صورة القصيدة، 4) القوة على تخيل المعاني، 5) القوة على ملاحظة وجوه التناسب بين المعاني، 6) القوة على التهدي إلى العبارات الحسنة الوضع والدلالة، 7) القوة على التخيل في تسيير العبارات متزنة وبناء مباديها على نهاياتها ونهاياتها على مباديها، 8) القوة على تمثل الانعطافات النصية، 9) القوة على تحسين الوصل بين الأبيات الشعرية، 10) القوة المائزة حسن الكلام من قبيحه(30). وكل هذه القوى تساهم في خلق نص شعري متراكب تراكبا تخييليا عضويا ترفع صاحبه إلى مرتبة الشعراء الجديرين بالثناء والتقدير، بعد أن أصبح الشعر في عهد حازم شعرا راكدا أصابه الكساد والتصنيع والادعاء، وصار نظما فارغا خاليا من الشاعرية والرسالة الهادفة.

وقد تحدث حازم القرطاجني عن مقصدية الشعر فحصرها في فن المحاكاة: محاكاة تحسين (افعل)، ومحاكاة تقبيح (لا تفعل)، ومحاكاة مطابقة (محاكاة الواقع أو الشيء محاكاة حرفية). وتخضع هذه المحاكاة بأنواعها الثلاث لعدة مقاصد ينبغي مراعاتها في كتابة الشعر كمراعاة الدين والعقل والمروءة والكرم والمنفعة (ما تشتهيه النفس الإنسانية). وتكون المحاكاة مباشرة بدون واسطة على غرار أفلاطون ومحاكاة غير مباشرة (عبر واسطة) كما لدى أرسطو. وتكون المحاكاة أيضا مألوفة وغير مألوفة (محاكاة استغراب)، تامة وناقصة في عملية الوصف ورصد مظاهر الشيء الموصوف أو المنقول أو المحاكى(31). وتقوم المحاكاة على التشبيه والتمثيل والمجاز والتخييل والاستعارة وآليات البلاغة والتركيب العضوي للبناء النصي (الوحدة الموضوعية والعضوية وتحقيق صلة الوصل بين أجزاء النص وتلاؤم الموضوع مع إيقاع القصيدة وبحره الشعري دلالة وصياغة ومقصدية). وتساهم هذه الأنواع من المحاكيات الشعرية في التأثير على المتلقي بسطا وقبضا، تطهيرا واستمتاعا، تغريبا وتعجيبا، تحسينا وتقبيحا. وتكون هذه المحاكاة قديمة ومبتدعة وهذا بالطبع يؤدي بنا إلى طرح السرقات الشعرية أو قضية التناص من جديد التي تحيلنا إلى إشكالية الاحتذاء والخلق والإبداع في مجال الشعر.

هذا، وقد طرح حازم قضية الصدق والكذب في علاقاتهما بالتخييل، إذ ربط الخطابة بالإقناع والظن الغالب، وربط البرهان الفلسفي بالصدق، والجدل الكلامي بالافتراض، بينما الشعر جعله يتكئ على التخييل والمحاكاة دون التفات إلى صدق أو كذب(32). وأفضل الشعر عند حازم: "ما حسنت محاكاته وهيئته، وقويت شهرته أو صدقه، أو خفي كذبه، وقامت غرابته"(33). أما أردأ الشعر: "ما كان قبيح المحاكاة والهيئة، واضح الكذب، خليا من الغرابة"(34).

وقد ربط حازم التخييل الشعري بالإمكان والامتناع والاستحالة والواجب في خلق عملية الشعر إذ قال بأن "صناعة الشعر لها أن تستعمل الكذب، إلا أنها لا تتعدى الممكن من ذلك أو الممتنع إلى المستحيل، وإن كان الممتنع فيها أيضا دون الممكن في حسن الموقع من النفوس"(35)، وهنا يشير الناقد إلى قضية المبالغة في الوصف الشعري وهي تتشكل من الإمكان والامتناع والاستحالة، وللشاعر أن يبدع في حدود الصدق والإمكان والاقتراب إلى حد ما من درجة الامتناع، وألا يسقط بالتالي في الإحالة والكذب المفضوح، وأن يصيغ كل هذا بصياغة فنية تخييلية تتجاوز المرجع الحرفي إلى التخييل الفني الذي يخفي ماهو حسي منقول ظاهريا إلى ما هو مجرد روحاني يتداخل فيه الصدق والكذب والإمكان والاستحالة.

ونخلص من كل هذا إلى أن المدرسة المغربية في النقد الأدبي لقد جنحت نحو التنظير والتقعيد والتجريد وتفريع المقولات على ضوء الفلسفة اليونانية والمشرقية (الفارابي/ابن سينا) والمنطق الأرسطي والتصور الأفلاطوني في المحاكاة. كما أن هذه المدرسة حاولت أن تجد خصائص كلية ومطلقة لشعر كوني عام من خلال مقياس المقارنة والبحث عن عناصر الائتلاف والاختلاف بين أشعار الشعوب العالمية ولاسيما الشعرين: اليوناني والفارسي، فضلا عن كونها أثرت النقد العربي القديم والحديث أيضا بمفاهيم نقدية ومصطلحات نستطيع استثمارها وتوظيفها في المقاربات النصية والبلاغية بدلا من التقليد واستلهام مفاهيم نقدية من الغرب بعيدة عن حقلنا الإبداعي والنقدي، ويعني هذا أننا في حاجة إلى تأصيل المصطلح النقدي والأدبي. ولكن مايلاحظ على هذه المدرسة أنها كانت تعتمد كثيرا على الشاهد الشعري المشرقي وتردد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مفاهيم وتصورات النقد العربي القديم كما عند قدامة وابن سينا والفارابي والآمدي وعبد القاهر الجرجاني والزملكاني... كما أنها كانت تسقط في لعبة التجريد الشكلي والتفريع المقولاتي بطريقة منطقية فجة موضوعية وفلسفية تتجافى مع طبيعة الأدب والذوق الشعري وتتنافى مع فطرة الإحساس التخييلي في خلق الإبداع لأن المنطق العقلي يقتل العاطفة ويكبل الإحساس والخيال الروحاني.

الهوامش:
1 - د. محمد عابد الجابري: نحن والتراث، المركز الثقافي العربي، ط5، الدار البيضاء 1986، ص 167.
2 - أبو الحسن حازم القرطاجني: الباقي من كتاب القوافي، تحقيق الدكتور علي لغزيوي، دار الجسور، ط1، وجدة 1996.
3 - ابن البناء المراكشي العددي: الروض المريع في صناعة البديع، تحقيق رضوان بنشقرون، دار النشر المغربية، ط1، 1985.
4 - ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، دار الفكر، بيروت.
5 - حققه الدكتور أحمد مطلوب والدكتورة خديجة الحديثي، ط1، بغداد 1964م.
6 - السجلماسي: المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، تحقيق علال الغازي، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء 1980.
7 - ابن عميرة المخزومي: التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات، تحقيق محمد بنشريفة، دار النجاح، ط1، الدار البيضاء 1991، ص 9.
8 - د. محمد مفتاح: التلقي والتأويل، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء 1994، ص 15.
9 - السجلماسي: المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، ص 26.
10 - د. علي لغزيوي: النقد الأدبي القديم في المغرب، روافده واتجاهاته، ص 49.
11 - ابن خلدون: المقدمة، ص 552.
12 - د. محمد مفتاح: التلقي والتأويل، ص 16.
13 - حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1981، ص 71.
14 - ابن سينا: الشفا، فن المنطق (قسم الشعر)، تحقيق د. بدوي، القاهرة 1966، ص 24.
15 - الفارابي: كتاب الشعر، نشر الدكتور محسن المهدي، مجلة شعر البيروتية، العدد 12، بيروت 1959، ص 93.
16 - ابن البناء: الروض المريع في صناعة البديع، ص 81.
17 - المصدر نفسه، ص 82.
18 - السجلماسي: المنزع البديع، ص 216.
19 - ابن خلدون: المقدمة، ص 573.
20 - السجلماسي: المصدر السابق، ص 218.
21 - محمد الولي: الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، المركز الثقافي العربي، ط1، الدار البيضاء 1990، ص 138.
22 - د. محمد مفتاح: في سيمياء الشعر القديم، دار الثقافة، ط1، الدار البيضاء 1989، ص 48-49.
23 - د. علي لغزيوي: مناهج النقد الأدبي في الأندلس بين النظرية والتطبيق خلال القرنين السابع والثامن للهجرة، ص 111.
24 - حازم القرطاجني: المصدر السابق، ص 89.
25 - السجلماسي: المصدر السابق، ص 218 و407.
26 - ابن خلدون: المصدر السابق، ص 582.
27 - ابن رشد: تلخيص كتاب الشعر، تحقيق تشارلس شرورث، ص 53.
28 - المصدر نفسه، ج1، ص 205، ج2، ص 211.
29 - حازم القرطاجني: المصدر السابق، ص 42-43.
30 - نفسه، ص 200-201.
31 - نفسه، ص 99-106.
32 - نفسه، ص 62-72.
33 - نفسه، ص 71.
34 - نفسه، ص 72.
35 - نفسه، ص 136.
الإحالة إلى المقال:

* د. جميل حمداوي: المدرسة المغربية في النقد العربي القديم، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني عشر 2012. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

الرواية البيكارسكية أو الشطارية
حوليات التراث، العدد 8، 2008.

***