خطاب الرؤيا في القصص القرآني
قراءة تأويلية

د. رشيد حليم
المركز الجامعي بالطارف، الجزائر

الملخص:

التأويلية مساحة ضافية من المساحات القراءتية الساخنة التي تتداخل فيها العلاقات التركيبية مع الإيحاءات النفسية والاجتماعية، والتي يمكن جملها ضمن علم اجتماع المعرفة. ولم يكن النص القرآني في ذاته خلوا من هذا الحدث اللساني بل هو الجوهر المنشئ لهذه المساحة. تتعرض مقالتي إلى موضوع يتصل بالنص القرآني الكريم باعتباره خطابا لغويا فريدا ومتميزا. كما تعالج مقالتي أنماطا من دوال التأويل الواردة في خطاب الرؤيا المنصوص عليها في القصص الرباني المعجز، معضدة بآليات المدرسة التأويلية التراثية ومخصبات أفكارها.

الكلمات الدالة:

اللغة، القرآن الكريم، القراءة التأويلية، القصص، الخطاب.

***
The vision speech in the Quranic stories
an interpretive reading

Abstract:

Hermeneutics is an extra area of heated literary spaces in which synthetic relationships overlap with psychological and social overtones, which can be summed up within the sociology of knowledge. The Qur’an text was not in itself devoid of this linguistic event, but rather the founding essence of this space. My article deals with a topic related to the Noble Quranic text as a unique and distinct linguistic discourse. My article also deals with the types of interpretation functions included in the vision speech provided for in the divine stories the miracle, supported by the school's traditional hermeneutic mechanisms and the fertilization of its ideas.

Key words:

interprétation, Coran, lecture, récits, discours.

***

النص:

اللغة وسط مادي شمولي، وهي الميدان الرحب الذي نمت في أحضانه الممارسة الفهمية والإفهامية، حيث يعتمد على هذه الأداة المعرفية المهمة في إرساء هذه الوظيفة فاللغة هي القناة التي تمر بواسطتها جميع الدلالات المختلفة.

وإذا كان الفهم غرضا تروم اللغة تحقيقه، فهذا يعني أن المخاطبين يتداولون منزلة الفهم حيث يقوم المخاطب مقام المخاطب في استيعاب دلالات الملفوظ، فيستولي - ضمنا - على مبتغاه في الإفادة، ذلك أن حقيقة الفهم تعني إمكانية استيلاء شخص معين مرتبة المتلقي ليعبر عما فهمه(1)، بيد أن استخراج جميع الدلالات التي يكتنفها الكلام أو إعادة تشكيله يحيل إلى مسالة ذات أهمية تتمثل في أن اللغة وفي وظيفتها(2) قد تنطوي على عراقيل لسانية تعيق إدراك المقاصد، وتتيح عسرا في الفهم مما ينتج عنه صدام لساني، وفي هذه الحالة يجب النظر في إرادة الصياغة اللغوية بوصفها أفعالا إرادية ناتجة عن متكلم ذي وعي بفعله.

هذا الوعي بتوصيف الفعل اللغوي ركز عليه منظرو الفكر المذهبي في إطلاق مصطلح الكلام وبيان حده(3)، حيث نعتوا الظاهرة الكلامية بأنها تمثيل للواقع حسب قصد المتكلم وإرادته ودواعيه(4).

ويمثل النص ركحا كلاميا يجمع هوية لغوية تؤسس لعلاقة غائية بين الإنسان ومحيطه، فجوهر الوجود الإنساني وتفاعلاته إنما تبرز في مسيس الحاجة إلى خطوات وسيطة بينه وبين غاياته(5). فالنص والإنسان كائنان يتقاطعان في أنهما موجودان وجودا غير مباشر.

وأعظم نص خلود، ذاك الذي صدر عن الذات المعظمة، ممثلا في القرآن ولغته وآداءاته(6) فقد حفظت الذاكرة العربية هذا النص العظيم، بل إن أساس قيام الأمة وحضارتها إنما بناها هذا النص المحوري، وهو يمثل سلطة البناء ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ولا شك في أن تلك الحضارة مشار إليها بثقافة الكتاب المنشور، إذ استقامت مقوماتها على مقدرات التأليف(7) التي أحاط بها النص المعجز الذي ما فتئ يشكل قطبها المحوري(8)، والنص القرآني عند بعض الباحثين خطاب عقل، فكان لزاما تبني منهج العقل في بيان ملفوظه واستخلاص مضمونه، ففسح المجال لجذب مفرداته وبيانه إلى ميدان المقاربات الفهمية والإفهامية فتنوعت آليات القراءة واختلفت ممارسات التقبل منه.

والممارسة التأويلية صناعة عقلية سلكها العاملون في الحقل الديني للوصول إلى استحكام المعرفة المرتبطة بالدلالات التي تتصل بآيات الذكر الحكيم، كما حافظوا على مقاييس اللسان العربي وضوابطه في فهم الدلالات، وتشكيلها معتمدين على تحوير شراك اللفظ المختلف وسطوة علاقته المادية.

إن دور التأويل تسويغ هذا التباين اللساني في التركيب وتبريره، إن مهام التأويل مطالب بإبراز عالم النص ومكوناته المختلفة(9).

1 - التأويل من منظور لساني:

دال التأويل متجذر في لغة العرب صاحب استعماله تنوعا في دلالاته اللغوية الاصطلاحية.
أ - لغـة: لفظ التأويل منقول بكثافة في معاجم العرب ودل على معان كثيرة نجملها:

إن أصل التأويل من باب التفعيل وهو من" أوّل" من آل يؤول ويفيد:
- الإصلاح: سئل أبو العباس عن معنى الفعل فأجاب: أوّلت الشيء أؤوله إذا جمعته وأصلحته.
- التفسير: تفسير ما يؤول إليه الشيء.
- العود والرجوع: ويتعدى فعل التأويل بحرف الجر "إلى" أو "عن" نحو آل الرجل عن الشيء أي ارتد عنه، ويقال أوّل الحكم إلى أهله أي أرجعه ورده إليهم.
- الخثور: آل اللبن يؤول أولا أي خثر.
- التدبير والتقدير: أول الكلام تأوله(10).
- العاقبة: عن الزركشي معنى قولهم ما تأويل هذا الكلام؟ أي إلام تؤول العاقبة في المراد به، ومنه أوّلته فآل أي صرفته فانصرف، وقيل أصله من الايالة، وهي السياسة فكأن المؤول يسوق الكلام ويضع فيه موضعه(11).
ب - اصطلاحا: ورد مصطلح التأويل لمعان ثلاثة:
1 - صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، وهذا هو المتعارف عليه عند كثير من المتأخرين.
2 - الدلالة على التفسير: فهذا الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه.
3 - التأويل هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما حدث القرآن الكريم عن الذات الإلهية وصفاته تعالى، على إنه إخبار حقيقة عن حقائق الصفات، وتأويل ما اخبر الله تعالى به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر(12).

2 - التأويلية في النص الديني:

أ - جذورها في النص التوراتي:

ارتبط موضوع التأويلية بالنص الديني في الفكر العربي والغربي على حد سواء، حيث كانت في منطلقاتها الأولى متصلة بفهم الأغراض الدينية، وتفسير نصوص الكتاب المقدس وما حملته الإصحاحات من ترميز.

عرف تاريخ المنهج التأويلي مؤولين عظام انصرفوا لتفسير التوراة وتأويل علاماتها الرمزية والمجازية، وبرز العالم فيلون الإسكندري (25ق.م) في مباحثة للنص التوراتي، وتجلى عمله في سعيه لشرح التوراة شرحا رمزيا، كما اختار أنساقا من قصص بني إسرائيل وتلمودهم كهدف إجرائي لمحاولته في الممارسة التأويلية، من ذلك تطرقه لموضوع الذات الإلهية وصفاتها وجوهرها الذي يغطي الوجود المطلق وهو بريء من المادة، مخالفا في بعض تصوراته مذاهب الفكر اليهودي ومشاربه.

وشاركت الفلسفة اليونانية ما شاع من مذاهب التأويل الرمزي والمجازي العبري ووظفت في شرح هوميروس وغيره(13)، ولقي هذا التوجه ترحيبا من منظري الفكر اليهودي الذين توسطوا في المزاوجة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي، وصل شعاع النهجة التأويلية إلى الثقافة الإسلامية ممثلة في شخص موسى بن ميمون (1135-1204م) الذي حاول أن يوفق بين فلسفة أرسطو وبين العهد القديم وذلك تحت تأثير المنتوجات الفلسفية لعلماء الإسلام العظام أمثال الفارابي (ت 950م) وابن سينا (ت 1037م). وكان ابن ميمون يمزج الفلسفة الوضعية بالنصوص الدينية، وانتهى به منهجه إلى جعل فلسفة أرسطو مقصورة على ما يتعلق بالأرض، أما ما وراء ذلك فينبغي أن يؤخذ من الكتاب المنزل(14).

لم يتخلف بعض علماء الدين المسيحي عن مواكبة هذا التيار الفكري، فانضم بعضهم إلى ما يعرف بتيار المؤولين الأحرار، فاهتم كلمانت الإسكندري (150-213م) بموضوعات تساهم في مماسات بين الفلسفة الإغريقية والعقيدة المسيحية. وكان الفيلسوف كلمانت منبهرا بآراء فيلون في قضايا التأويل المجازي، ومعجبا بأفكار أفلاطون الفلسفية، وقد تصدى رجال الكنيسة وحماة مذاهبها لمحاولات بعض علماء التأويل، فكفروا من خالف مفاهيمهم، وكان ممن صبت عليهم لعناتهم العالم (أورجين) (185-254م) أحد آباء الكنيسة المشهورين وأحد علماء الإسكندرية، حيث رفًض منهجه في تأويل النص الديني، وعزف عن تأويلاته، وأكثر من ذلك عدّه بعض اللاهوتيين مرتدا(15).

لا شك في أن جذور التأويلية مغروسة في الفكر الديني القديم حيت كانت منطلقاتها الأولى متصلة بفهم موضوعات توراتية ثم تأويل النصوص القديمة الفلسفية منها خاصة، ثم تطورت في العصور الوسطى والحديثة إلى دراسة الجوانب الانتروبولوجية التي ترتبط بمجموع الأنشطة الإنسانية، وهذا ما يؤكد أن الفعل التأويلي ممتد في أخاديد العصور الماضية ومتصل بالنصوص ذات الأصول الدينية والفلسفية.

وفي عهد ليس ببعيد، ارتبطت التأويلية بإسهامات المدرسة الرومانسية الألمانية التي قاربت بشكل متميز الدلالات التي تضمنتها النصوص المؤثرة، تلك التي حملت إشكالات كبرى ابتداء من القرن التاسع عشر، مع إسهامات ديلتاي، وبعده ارتبطت التأويلية بالظاهرتية بفضل إسهامات هيدجر حيث صارت تحمل توجهات تتعلق بجانب الوجود.

فعلا، لقد لزم النشاط التأويلي النص منذ عهود قديمة، إذ ظهر مصطلح الهرمونيوطيقا في حقل الدراسات اللاهوتية ليرصد جملة الشروط والمحددات التي يخضع لها القارئ أو المفسر في فهم النص الديني وبالضبط الكتاب المقدس(16). ومن ثمة كانت نقطة البدء عند فلاسفة التأويلية هي التركيز على علاقة المفسر بالنص(17).

ب - جذورها في النص القرآني:

إنّ الحديث عن العلم والقرآن الكريم حديث مفعم بالاجتهادات التي رافقت متصورات البشرية، وما الاهتمام بقضايا النص القرآني إلا جزء هام من منطلقات المشاريع الفكرية التي شغلت العلماء والمجتهدين على اختلاف تخصصاتهم.

ويعتبر النص القرآني في أبسط مظاهره إنجازا لغويا لاتقيده الاعصار ولا تسري فيه الأعمار، يحوي في مضامينه أحداثا متجددة ممكنة التحقيق، يكشف غيبها بالقراءات الجديدة لأنه نظم فريد خالف أسلوبه كل أدوات التحويل الفكري التي عرفها التاريخ على مستوى الثورات الفكرية والحضارية(18).

وجاء المضمون القرآني مبنيا على هذه المادة المعرفية، فصيغ بنهج إنشائي دفع باللغة إلى كمالها الحضاري، فوجود مثل هذا النص اللغوي المعجز يعد مكسبا معرفيا من شأنه ضمان فعالية النتائج التي يمكن الخلوص إليها.

وفي هذا المضمار لا بد من الإشارة إلى لا نهائية القراءة، لأن النص القرآني لم يرسل مخصوصا لبيئة عربية محددة مكانا وزمانا، بل ما فتئ يستوعب مضامين الحياة المتجددة باعتباره حاملا للعالمية المكنونة في جوهره، فترتب عن هذه المزيات إعادة قراءته بالارتكاز على مقتضيات الواقع الذي تنجذب إليه مضامين أخرى وافدة من خبرات المحيط داخله وخارجه.

والقراءة التأويلية مساحة ضافية من المساحات القراءتية الساخنة التي تتداخل فيها العلاقات التركيبية مع الإيحاءات النفسية والاجتماعية والتي يمكن جملها ضمن علم اجتماع المعرفة(19). ولم يكن النص القرآني في ذاته مجردا من هذا الحدث اللغوي بل هو الجوهر المنشئ لهذه المساحة، قوله تعالى: "ومَا يَعلمُ تأويلَهُ إلا اللهُ والرَاسخُونَ في العلْم"(20).

لقد ورد لفظ التأويل خمس عشرة مرة في القرآن الكريم(21) وشمل ما ذكرنا من دلالات اصطلاحية نحو الجزاء والمصير كما أوّل الطبري (ت 310هـ) في قوله تعالى: "وأحْسَن تأْويلَا"(22) أي جزاء(23) وشرحها ابن تيمية (ت 728هـ) عن السلف: أحسن عاقبة ومصيرا(24).

3 - في تأويلية خطاب الرؤيا والحلم:

لابد من الاعتراف بان حقيقة الرؤيا وخطاباتها لا تزال مخفية حتى على العلماء ذوي الاختصاص، لذلك ترى أن نظرتهم العلمية مختلفة في تفسير مشاهدات الإنسان في المنام، ففرويد نظر إليها من زاوية البعد النفسي بقوله: إن الأحلام تلجأ إلى الرموز لتخفي الأغراض التي يحظرها المجتمع.

ويعتبر الخطاب الحلمي أفعالا غرائيبية، وتعبير الحلم وتأويله إنما هو فهم مضامينه وفك شفراته، ذلك باسترجاع مشاهدات النائم في منامه ومحاولة إسقاطها على الواقع الخارجي للشخص الرائي أو الذي ترى الرؤيا له.
أ - مصطلح الحلم: لغة، قال في القاموس: الحلم والحلم بالضم وبضمتين الرؤيا، والاسم الحلم على وزن فعل نحو عنق.

وقيل في تعريف الرؤيا هي ما يرى في المنام وهي على وزن فُعلى، وقد قد يخفف فيها الهمز، فيقال: روي تجمع على رؤى، ما يراه النائم في المنام، قال تعالى: "لقدْ صدقَ اللهُ رسولَه الرؤيا بالحق" والرؤيا مثل مصطلح الرؤية - بالتاء - غير أن الثانية تتصل بالمشاهد البصرية الحية أما الثانية فتختص بما يكون في المنام، وقد فرق بعضهم بين الرؤيا والحلم، إذ قالوا الرؤيا ما يراه النائم من خير والحلم ما يراه من شر تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم: الرؤيا من الله والحلم من الشيطان.

والحقيقة إن الرؤيا أو الحلم يتمتعان بدلالة واحدة، والرؤيا عبارة عن نشاط لدوائر في المخ يدركها النائم وهي من عجائب الأمور، وتعبير الرؤيا أو تأويله إنما هو فهم الرؤيا وفك رموزها ومن ثمة تطبيق المشاهدات التي سجلها الحالم على الواقع الخارجي للشخص الرائي أو للذي يعبر الرؤيا له.
ب - بنية خطاب الرؤيا: يندرج خطاب الرؤيا ضمن بنيات القصص الموضوعي أو ما يعرف بالحكي الاسترجاعي، ذلك أن البطل هو الذي يحكي حكاية حدثت له في الزمن الماضي ولكن ليس في عالم الحضور - القصص الذاتي - وإنما في عالم الرؤيا والأحلام وهو الشاهد الأوحد على أحداثها، معنى ذلك مزاوجة الوظيفة فيها، أي أن شخصية الراوي وشخصية البطل تتحدان في هذا النمط من القصص.

ولاشك في أن مادة الرؤيا وأغراضها من تشكيل المتون الحكائية التي يجيء أسلوب سردها بصفة استرجاعية جرت أحداثها في عالم اللاوعي والحلم والرؤيا، وفضاء هذا العالم يتحرك في ميقات النوم، يتم نقله بصياغة سردية تعتمد إعادة مكونات الأحداث التي جرت وقت النوم.

وتعتمد استقبالية المتلقي لمضامين هذه الرؤى على قناعة الراوي وصدقه لصوره من جهة ولم يشهد على مجريات حكايتها الحلمية، فالراوي (الرائي) هو الشاهد (البطل) الوحيد على مجرى الأحداث القصصية في الحلم.

4 - تمظهر دوال الرؤيا في النص القرآني:

1 - قراءة تأويلية لدوال الرؤيا:

قد تأسست القراءة التأويلية على مجموعة من المؤيدات النظرية والمسلمات العقائدية، وشكّلت فيما بينها أرضا تؤسس عليها آليات التأويل وأنساقها الدلالية.

والرؤيا في القرآن حقيقة ثابتة، وهي على ضربين:
- رؤية لا تحتاج إلى تعبير، وهي بشرى من الله سبحانه وتعالى يراها الأنبياء، وتكون إليهم جزءا من الوحي، وقد تكفل الحق بإبانتها بصريح اللفظ.
- من ذلك رؤية النبي عليه السلام الصالحة المصدقة "لقدَ صدقَ اللهُ رسولَه الرؤيا بالحَق لتدخلنَّ المسجدَ الحرامِ إنْ شاءَ اللهُ آمنينَ" سورة الفتح، 27.
- تصديق رؤية خليل الرحمان إبراهيم، قوله تعالى: "قالَ يا بُني إنّي أرَى فِي المنامِ أنِي أذبحكَ". وقوله "قدْ صدَّقت الرُؤيا إنَّ كَذلكَ نَجزي المُحسنينَ" سورة الصافات، 102-105.
- رؤية تحتاج إلى تعبير أو تأويل.

ولقد اتسمت المعالجة القرآنية لخطاب الدوال الحلمية بولادات تأويلية منتجة في سياق يحتاج إلى ممارسة تداولية مكثفة. وقد صدر هذا الضرب من الرؤى في سورة يوسف التي شكلت مدارات قصصية متلاحمة. وقد قال محمد أركون: القرآن خطاب قصصي البنية.
أ - خطاب الرؤيا الأساسية: يبدأ القصص في السورة برؤيا مركزية هي جوهر الحدث وبؤرة الوقائع، فقد ورد عن الرائي المصدر، قوله تعالى على لسان نبيه يوسف - عليه السلام - "إذْ قالَ يوسفُ لأَبيهِ يا أبتِ إنِّي رأيتُ أَحدَ عشرَ كوكبَا والشمسَ والقمرَ رأيتهمْ لي ساجِدينَ" يوسف، 4. وتنتهي أحداث الرؤيا بخطاب تأويلي: "وقالَ يا أبتِ هَذا تأويلُ رُؤيايَ من قبلُ قد جعلهَا ربِّي حقَّا" سورة يوسف، 100. وبين البدء والختام مناجاة بين الابن وأبيه، وبين الرؤيا المصدر وتأويلاتها تقع توازنات ثلاثة. خطاب لدوال ثلاثة قمصان:
- قميص ملوث: "وجاءُوا على قميصهِ بدمِ كذب" سورة يوسف، 18.
- قميص ممزق: "وقدَّتْ قميصهُ منْ دُبُر" سورة يوسف، 25.
- قميص طاهر فيه برء: "اذْهبُوا بقميصِي هذَا فألقوهُ علَى وجْه أبِي يأتِ بصيراَ" سورة يوسف، 93.

ب - تأويلية ثلاثة أحلام:

اتسمت المعالجة القرآنية لبنية الدال التأويلي بولادات دلالية تأويلية منتجة في السياق القرآني تلك التي تكثف استخدامها في سورة يوسف(25) حيث توزع إنتاج الدال التأويلي على حقول متفرقة الأغراض:
1 - ذلك المشهد الباهر العظيم الذي لا يوصف، مشهد رؤية أجرام سماوية مهولة، تمكن يوسف من التعرف عليها وتمييز أحجامها، وإحصاء عددها:
- أحد عشر كوكبا،
- شمس واحدة،
- قمر واحد.
2 - حلم مزدوج لرفيقي السجن ذكرا معا في نفس الوقت.
3 - حلم الملك.

والحقيقة ارتكزت دوال الرؤيا على مظهرين من مظاهر التأويل:

أ - تأويل لدال مركزي: ويمثل حلم سيدنا يوسف:

يعتبر تفسير الأحلام(26) مظهرا سيكولوجيا، وهو حقل معرفي مشهور في علم النفس وذلك أنه يساعد الباحث المهتم بمسائل التأويل وآلياته في فهم الظواهر غير المألوفة خاصة ويقيد في شرح الظواهر الرمزية التي قد تتداعى في الرؤى المنامية أو في الأعمال الأدبية السريالية خاصة، تلك التي تمتلئ بالرموز والصور الغرائبية التي يثير عبورها في مساحة النص الحلمي الملفوظ دلالات يتم إيصالها بالتوظيف المقصود للكنايات والأسماء.

تشكل الرؤيا بؤرة الحدث اللغوي والفعلي في موقعية القصص الوارد في سورة يوسف، وقد انتشرت إحداثياتها في مطلع السورة وفي نهايتها، والبدء حلم سيدنا يوسف عليه السلام وهذا الحلم مركز الحدث، وتشاركت وقائع حلمية أخرى بطلها الملك مرة، ورفيقا يوسف مرة ثانية في صياغة مشهد متسلسل من الأحداث الرمزية التي تحتاج إلى تأويل يقوم به مؤولون مؤهلون.

وتجتمع هذه الأحلام في حقل مشترك يهدف إلى تصديق نبوءة سيدنا يوسف سرعان ما يتحقق تأويلها من قبل مؤول عارف هو الابن ووالده، نبي الله يعقوب - عليه السلام - أما ابنه فهو فرع منه، فكان اختصاصه بتأويل ثلاث رؤى ثانوية تثبت حقيقة رسالته السماوية من جهة وتعبر عن موضوع يتصل بالابتلاء. وهو غرض يتقاطع فيه حلم - إبراهيم عليه السلام - بتعبير يعقوب لرؤيا ابنه يوسف، قوله: "لا تقصصْ رؤْيَاك على إخوتكَ فيكيدوا لك كيدَا" سورة يوسف، 5.

والملاحظ في الرؤيا الأولى أن الرائي هو نفسه المؤول، وقد صيغ في بنية حوارية بين الوالد وولده، وقد ورد الحوار مقتضبا ومفاجئا قرينته اللغوية ملفوظ الصيغة (إذ)، والذي نعتقده أيضا أن يوسف كان مقلا في الحديث فلم يتكلم إلا في مقامات مقصودة.

ومن خصائص التأويل المحكي عن يوسف:
- وصف غير العاقل بصفة العاقل، وذلك في قوله تعالى: "ساجدين" حيث ذكر النحاة أنه لما كان السجود صفة من صفات العقلاء، وصفت الكواكب والشمس والقمر بصيغة جمع المذكر السالم التي هي للعقلاء، وهذا الكلام صحيح، لكنه كلام يكتفي بتفسير إيقاع صيغة العقلاء "ساجدين" على غير العقلاء (الكواكب والشمس والقمر)، وذلك بملاحظة المعنى المعجمي للكلمة، حيث يقولون: وجمعهم القرآن الكريم جمع من يعقل لصدور السجود له وهو صفة من يعقل.

وهذا التفسير يبعد القارئ عن تصور الرؤيا التي رآها ذلك الطفل الصغير، ولا أحد يعرف الهيئة التي يكون عليها سجود هذه الأجرام، حقيقة أو مجازا. والسؤال المطروح: كيف أدرك هذا الغلام بحلمه تلك الكواكب أنه سجود؟ إلا إذا كان على هيئة سجود البشر الذين يراهم يوسف في حياته.

إن التأويل في القرآن حمال أوجه:
- يحتمل أن تلك الكواكب جميعها أتت له في المنام على تمثلات بشرية مع وجود قرائن تشير إلى أصلها، كأن تكون وجوههم مثلا هي على ما يشير للكوكب والشمس والقمر وأجسادهم على هيئة البشر.
- الغالب على صيغة "ساجدين" أنها جاءت على أصلها، حيث رأى يوسف بشرا بالهيئة المعروفة للسجود ولكن لقرينة ما علم يوسف أن هؤلاء يمثلون الكوكب والشمس والقمر.

ب - تأويل دال تنبئي:

جاور الدال الإشاري دالا آخر مضافا حاملا معنى التنبؤ بالفعل قبل وقوعه(27)، وقد صدر عن صاحبيه في السجن، وقد عجزا عن إدراك ما حلمه كل منهما من مغزى دلالي وتمكن يوسف لما أوتي من علم من فك غامضها واستجلاء حقيقتها، وكان تأويله حسب فهمنا لا يقوم على شرح الصور الحلمية المشاهدة في ذاتها أو تأويل رموزها، وإنما أوّل الخطاب اللغوي الذي حدّث به كل واحد منهما، ويشكل وسطا علميا لنقل مشاهد الرؤيتين فأصبح تأويل يوسف - عليه السلام - في هذا الغرض موضوعه الدلالة الباطنية للأشياء من خلال وسيط هو الكلام.

لعل أطول تأويل صدر عنه - المعبر يوسف - كان مع صاحبيه في السجن حين استفتاه في حلمين رأياهما في المنام، فكانت استقبالية المتلقي لمضمون هذه الرؤى - إضافة إلى رؤيا الملك - مبنية على ثقة المؤول من جهة، وحسن دراية من جهة ثانية، عرفت بالمجاورة المعيشية في السجن.

وتجلت غاية كسب ثقة السجينين والاطمئنان إلى صحة التأويل، أن يوسف - عليه السلام - أخبرهما بأمر مفيد، أن ينبئهما برزق الأكل قبل أن يفد إليهما، ولم يسند هذه القدرة لنفسه وليس هذا الأمر من علم الغيب، وإنما تفضلا بمكرمة الله عليه.

2 - خصائص دوال الخطاب الحلمي:

لابد من الملاحظة في دوال الرؤيا لما ورد في سورة يوسف ما يلي:
- الوقفات الوصفية والمشاهد الحوارية، كلها ساهمت في تنامي الأغراض التأويلية لما ورد من قصص.
- اشتمال الرؤى الواردة في السورة على تقنيات السرد القصصي - الحوار - الشخصيات.
- الملفوظات المحدثة بخطاب الرؤيا والتي صدرت عن العابرين لم تكن عربية وبالتالي فلسانهم غير عربي، وهذا يقتضي القول إن الأقوال المحكية عنهم بما فيها من فنيات ليست لهم، وإنما لمنشئها - عز وجل - وضعها على ألسنتهم بما يعبر عن أدق مرادهم.
- إن الرائيين في القصص القرآني الذي مثلنا بجوانب من رؤِياهم ينتسبون في المركز الأخلاقي والاجتماعي إلى بيئة واحدة وهي الأرض المباركة وأسرة واحدة هي أسرة النبوة وعائلة واحدة، فإبراهيم - عليه السلام - هو جد يوسف ويعقوب، وقد وصفه في القرآن مع والده إسحاق بأنهم آباء يوسف، بدليل قوله تعالى في الخطاب الموجه له: "كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق" سورة يوسف، 6.

حقيقة لقد تأسست النظرية التأويلية في أحضان النص الديني، وأصبح هذا المصطلح شعبة من شعب المعرفة بالنص القرآني وسياقاته المتعددة التي يحاول القارئ الفطن ولوج كنهها، يتم ذلك عن طريق تحديث أدوات البحث ومناهجه بدراسة جوانب إبداعية فيه والتي تمثل منتهى المعرفة كما يؤكد الجابري "إن من الشروط الضرورية لنهضتنا تحديث فكرنا وتحديد أدوات تفكيرنا وصولا إلى تشييد ثقافة عربية معاصرة أو أصيلة معا"(28).

بعد تتبعنا لقراءة واصفة للدوال الحلمية من زاوية تأويلية، نخلص إلى صياغة جملة من النتائج.
- إن التأويلية غرض تفسيري، صدر في النص القرآن وارتبط عضويا بالدوال الرؤياوية التي تشكلت في قصص متميز لم يرد نظير له في الكلام المعجز.
- إن التحليل الـتأويلي الوارد في ما شرحنا كان قراءة تنبؤية من شخصية تمتعت بإلهام رباني، ولذلك كان خطابها دقيقا ختم بأسانيد تحققه، وهذا لم تصدق قراءته إلا في هذه النماذج القرآنية.
- إن تشكل الخطاب التأويلي في تلك الدوال لم يكن بمرجعيات اللسان العربي، وإنما كان الحدث لغير المتكلم به، لكن الرسالة اللغوية المنشأة في النص القصصي طابقت الخطاب الأصلي، بصورة مثالية، فكانت دقة الأسلوب القرآني وبيانه معبرة عن صور تلك المحطات.

الهوامش:
1 - هيثم سرحان: استراتيجية التأويل عند المعتزلة، دار الجوار، ط1، سوريا 2003، ص 17.
2 - ينظر، ميشال زكريا: مباحث في النظرية الألسنية وتعليم اللغة، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت، ص 172 وما بعدها.
3 - شاع مصطلح الكلام عند المشتغلين بالدرس النحوي العربي على مد العصور، فاختلفوا في التفريق بينه وبين الجملة. ينظر، سيبويه: الكتاب، تحقيق عبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، ج2، ص 88. ابن جني: الخصائص، تحقيق محمد علي النجار، دار الكتاب العربي، بيروت، ج1، ص 41. ابن هشام: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق محي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، القاهرة، ج2، ص 374. ابن يعيش: شرح المفصل، تحقيق إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 2001، ج1، ص 24. الاسترباذي: شرح كافية ابن الحاجب، تحقيق إميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1998، ج1، ص 31.
4 - القاضي عبد الجبار بن أحمد: المغني في أبواب التوحيد والعدل، إشراف طه حسين وإبراهيم مذكور، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، القاهرة 1965، ج 7، ص 48.
5 - فلوريان كولماس: اللغة والاقتصاد، ترجمة أحمد عوض مراجعة عبد السلام رضوان، مجلة عالم المعرفة، عدد 263، ص 15.
6 - هناك من أوجد فروقا بين القرآن وقراءاته، ينظر الزركشي: البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية بيروت، ج1، ص 318.
7 - أحمد أمين: فجر الإسلام، طبعة دار الكتاب العربي، ط10، بيروت 1966، ص 169 وما بعدها.
8 - ناصر حامد أبو زيد: مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء 1994، ص 10.
9 - بول ريكور: البلاغة والشعرية والهيرومينوطيقا، ترجمة محمد النحال، مجلة فكر ونقد، ع16، الرباط 1999، ص 114.
10 - ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، ج1، ص 32، مادة (أول).
11 - البرهان في علوم القرآن، ج2، ص 148- 149.
12 - مناع القطان: مباحث في علوم القرآن، مؤسسة الرسالة، ط34، بيروت 1998، ص 218.
13 - أميرة حلمي مطر: الفلسفة عند اليونان، دار الثقافة للنشر، ط2، القاهرة 1986، ص 412.
14 - ج. ت. ديبور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، نقله إلى العربية وعلق عليه محمد الهادي أبو ريده، دار النهضة العربية، بيروت، ص 340.
15 - دريس نعيمة: علاقة اللغة بالتأويل في فهم النص الديني، مجلة الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة، ع3، ص 44.
16 - نصر حامد أبو زيد: إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، بيروت والدار البيضاء 1994، ص 13.
17 - نفسه.
18 - عبد الحليم بن عيسى: اللسانيات والنص القرآني، مجلة الآداب والعلوم الإنسانية، ع5، جامعة الأمير عبد القادر، قسنطينة 2005، ص 292.
19 - يتناول علم اجتماع المعرفة علاقة الارتباط بين ثقافة المجتمع والظروف السائدة والنماذج المعرفية العليا التي يمكن أن يؤكدها كما يكشف عن العلاقة التي تربط بين الاعتقاد الديني ونظام القيم ومناهج التفكير السائدة في المجتمع، ودور نظام المعتقدات في عملية انتشار الثقافة وانحلالها داخل المجتمعات، ينظر نبيل علي، الثقافة العربية وعصر المعلومات، عالم المعرفة، الكويت 2001، ص 466.
20 - سورة آل عمران، 7.
21 - سورة يوسف 6، 21، 36، 37، 44، 45، 100، 101. سورة الكهف، 18، 82، 78. سورة النساء، 59. سورة الإسراء، 35. سورة آل عمران، 7. سورة الأعراف، 53. وسورة يونس، 39.
22 - سورة النساء، 59.
23 - تفسير الطبري، دار الفكر، بيروت 1405هـ، ج5، ص 151.
24 - مجموع الفتاوى، تحقيق محمد قاسم النجدي، مكتبة ابن تيمية، ج13، ص 291.
25 - حظي دال التأويل في سورة يوسف حضورا ملحوظا بلغ ثماني استعمالات، ينظر سورة يوسف، 6، 21، 36، 37، 44، 45، 100، 101.
26 - يستخدم مصطلح التعبير - خلافا لما يعرف عند البلاغيين - عند المهتمين بتفسير الأحلام في الثقافة العربية للدلالة على تأويل الأحلام ومنه العابر أي الشخص المهتم بتأويل الأحلام، ومنه قوله تعالى: "إنْ كُنتمْ للرُؤيَا تَعُبرُون" سورة يوسف، 43.
27 - قال تعالى: "لا يَأتيكُما طَعامٌ ترزَقانه إلَا نَبأتُكُما بتأْويله قَبلَ أنْ يَأتيكمَا" سورة يوسف، 37.
28 - الجابري: التراث والحداثة، المركز الثقافي، ط1، بيروت 1991، ص 33.
الإحالة إلى المقال:

* د. رشيد حليم: خطاب الرؤيا في القصص القرآني - قراءة تأويلية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني عشر 2012. http://annales.univ-mosta.dz

***