المصطلح والمصطلحية عند الصوفية

الصادق دهاش
جامعة المدية، الجزائر

الملخص:

تتناول هذه المداخلة موضوعا هاما وخطيرا، وهو المصطلحات الصوفية، فحاولنا دراسة الفكر الصوفي من خلال بعض المصطلحات، التي توضح مدى الزخم الكبير والكم المعرفي الهائل الذي يقدمه هذا الفكر في تطوير الثقافة العربية الإسلامية، هذا إن أعدنا النظر في هذه المصطلحات ودارسناها بتمعن وتبصر، لننزع عنها تلك الهالة والقداسة التي أثرت سلبا على مسيرة الفكر الصوفي. ولذلك يجب حماية تراثنا الثقافي والحضاري من التهديدات الخارجية ومنها خطر العولمة الذي أصبح يهدد كياننا وكينونتنا.

الكلمات الدالة:

المصطلحات الصوفية، الفكر الصوفي، العرفان، الزهد، الإسلام.

***
The term and the terminology by Sufis

Abstract:

This intervention deals with an important and dangerous topic, which is Sufi terminology, so we tried to study Sufi thought through some terms, which illustrate the extent of the great momentum and the tremendous amount of knowledge that this thought provides in the development of Arab-Islamic culture, if we reconsider these terms and study them carefully and with insight, we will remove from them the aura and holiness that negatively affected the course of Sufi thought. Therefore, our cultural and civilizational heritage must be protected from external threats, including the threat of globalization, which threatens our entity and being.

Key words:

Sufi terms, Sufi thought, Sufism, asceticism, Islam.

***

النص:

ظهرت الطرق الصوفية نتيجة للصراع الفكري والسياسي بين الفرق الدينية، وزاد من استفحال ظاهرة التصوف، ذلك الخلاف المرير الذي كان بين أهل السنة المذاهب الأخرى، فكثرت المنازعات والأزمات وصعبت الحياة، وكانت هذه الوضعية سببا مباشرا لهروب بعض النفوس من الواقع وانزوائها في الزوايا، إلى جانب الإسراف في البذخ والتبذير فخاف البعض على دينهم فمالوا إلى الزهد والتصوف، لذلك نشأ من رحم التصوف مصطلحات كثيرة معقدة، مما أدى إلى أن يكون علم التصوف علما قائما بذاته وبابا لا يدخله إلا العارفون بخبايا الخطاب الصوفي الذي كان يغلب عليه الجانب الفلسفي التعبدي.

1 - أصول التصوف:

وقع اختلاف كبير بين المثقفين المسلمين حول أصل التصوف، هل هو أصيل أم دخيل وهل هو عربي إسلامي، يمت بصلة قوية للثقافة الإسلامية، أو هو علم لا يمت بصلة بأي حال من الأحوال إلى الحضارة الإسلامية، والبعض الآخر يرى في التصوف مزيجا من مذاهب هندية وفارسية ويونانية، فهذبوها وصبغوها بصبغة الإسلام، ونظموها ووضعوا لها قواعد وأصول نظرا لما للتصوف من طهارة النفس وحب الخير، ومن الذين أرجع التصوف إلى جوهر الإسلام وروحه، زكي مبارك(1).

أما المستشرق الألماني كارل بروكلمان فهو الآخر يرى بأن أصول التصوف عربي إسلامي خالص(2)، أما الشيخ مبارك الميلي فيعترف من جهته بوجود سبعة أصول للصوفية الأتقياء هي: "التمسك بكتاب الله، والاقتداء بسنة رسول الله (ص)، وأكل الحلال، وكف الأذى واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق"(3).

2 - أنواع التصوف:

هناك نوعان من التصوف، تصوف فردي أو خاص وهم الذين لبوا دعوة التعبد والانقطاع للزهد، كان يقوم به أهل العلم، ولذلك فهو تصوف خاص بالنخبة المسلمة. ومنذ بدء عصر الضعف منذ القرن السادس عشر للميلاد، ظهر نوع جديد من التصوف هو التصوف الجماهيري وهو التصوف الذي انتشرت معه الدروشة وسادت الفوضى الدينية والثقافية بسبب تغيب دور العقل والعلم، فانتشرت الخرافات والبدع والأباطيل بين المسلمين ولاسيما في عقيدتهم.

وتفرع عن الطرق الصوفية فرعان هما فرع الغزالي وسموا بالسالكين، وهم الذين تمسكوا بالسنة والشريعة، والفرع الثاني أطلق عليهم المجذوبون إلى الله، وهم الذين أدركوا الحقيقة بمعزل عن الشريعة كالحلاج والبصري وجلال الدين الرومي(4).

3 - التنظيم الهيكلي للصوفية:

هناك تنظيم محكم يسود الطرق الصوفية، ينظم العلاقة بين العلماء والفقراء، وفرق صوفية تضم بين صفوفها صنفين من الناس علماء وفقراء، وهم الذين درسوا الطرق الصوفية. نجد هذا النوع مثلا في الطريقة القادرية، أما فرقة العيساوة والحنصالية فتضم الفقراء(5).

للطرق الصوفية تنظيم هيكلي يخص الإنسان البشري من الأعلى إلى الأسفل وذلك كالتالي:
- الغوث، فهو أعلى رتبة من التصوف، فهو العالم ويطلق عليه أيضا اسم الغوث الأكبر فهو القريب من الله.
- القطب، ويقال قطب القطوب، فهو محرر العالم(6) فهو الإمام المعصوم عند بعضهم. وهناك مصطلح القطبية الكبرى وهي مرتبة قطب الأقطاب ولا ينال هذه الرتبة إلا من كان على باطن خاتم النبوة المحمدية(7).

ويتحدث ابن عربي عن منزل القطب ومقامه وحاله قائلا: "القطب الأكبر الدائرة ومحيطها ومرآة الحق، عليه مدار العالم، له رقائق ممتدة إلى جميع قلوب الخلائق بالخير والشر على حد واحد، لا يترجح واحد عن صاحبه وهو عنده لا خير ولا شر ولكن وجود"(8)، ويواصل ابن عربي كلامه فيقول بأن القطب يحكم في زمانه على كل بر وفاجر، سواء أكان عيسويا أو موسويا، لأنه من مشكاة محمدية(9)، علما أن القطب هو نفسه الغوث عند ابن عربي فهما عبارة عن الواحد(10).

يتصف القطب بالرحمة والعصمة والخلافة والنيابة، وللقطب أربعة عشر علامة(11). يرى الشيخ أحمد بن عجيبة بفكرة تعدد الأقطاب في الزمان الواحد، وذلك في المقامات والأحوال والعلوم، فنقول قطب المقامات وقطب الأحوال وقطب العلوم، وإذا كان المقام الذي يتصف به القطب واحدا فقط يعبر عنه بالغوث، وهو الذي يصل منه المدد الروحي إلى دوائر الأولياء من نجيب ونقيب وأوتاد وأبدال، وله الإمامة والإرث والخلافة الباطنية، ولا يصل إلى مرتبة غوث إلا من كان له قسط كبير ونصيب أكبر من سر البقاء بالله(12).
- الأخيار أو الخيار وهم سبعة أفراد.

4 - النظام الإداري للصوفية:

أما نظام الطرق الصوفية فهو هرمي من الرأس إلى القاعدة:
- شيخ الطريقة، ويسمى شيخ الشيوخ وهو المعلم الكبير، ويضم إليه شيوخ الزوايا وعددهم بعدد زوايا الطريقة.
- النائب ويسمى أيضا باسم الخليفة أو الوكيل، وهو رئيس الزاوية، له عدة مهام منها تسيير وخدمة فقراء البلاد البعيدة، ويستقبل هبات المؤمنين، ويراقب الزيارات إلى ضريح الولي الصالح.
- المقدم (الأمامي).
- الشاوش فهو الإنسان الذي يهتم بإدارة وتسيير شؤون الفقراء، ويعد الوسيط الأكبر بين الخليفة ومختلف المؤمنين.
- الرقيب أي رقيب الطريق.
- الإخوان أو الفقراء، أو الدراويش، أو المريدون، ويطلق عليهم أيضا اسم "السالكون" الذين يمشون نحو الله، وأطلق عليهم تسمية أخرى هي المجذوبون وهم الموحدون الذين رضي الله عنهم وللمريدين تسمية أخرى هم "القناديز" وهو اسم بربري يعني الإخوان السالكين، هؤلاء جميعا يسمون بالمتمشيخين، وأصحاب الرتبة الروحية، وأصحاب التحلية والتخلية وأهل التصفية والتزكية والتسليك، والمقربون عند الله، والعارفون بالله، والزهاد والعباد والنساك والمتقشفين والطلبة، والخدام مفرد خديم.

وقال ابن عربي بأن المريد هو المتجرد عن إرادته، وهو من المنقطعين إلى الله(13). ومن الواجبات الضرورية العملية التي يقوم بها المريدون: العزلة، والخلوة، والصيام كانت هذه الصفات الثلاث إجبارية في كل الطرق قديما وحديثا والاختلاف في الصفات الأخرى والحضرة(14)، والزيارة، والصدقة أو الهدية أو الغفارة، والذكر.

أما المريد عند الشيخ أحمد بن عجيبة فهو من تعلقت إرادته بمعرفة الحق ودخل تحت تربية المشايخ، وأما الفقير فهو الذي لا يملك ولا يملك، أي لا يملك شيئا ولا يملكه شيء وهناك أربعة شروط للفقير: رفع الهمة، وحسن الخدمة، وتعظيم الحرمة، ونفوذ العزيمة(15).

5 - أنواع الذكر عند الصوفية:

ينقسم الذكر عند الصوفية إلى نوعين رئيسيين هما: الأول، الذكر الخفي الذي يقوم به المتصوف بصوت منخفض جدا أو ذهنيا، والثاني، الذكر الجلي وهي الأوراد التي تؤدى في العلن وعلى شكل حلقات وبصوت مرتفع(16).

6 - بعض مصطلحات الصوفية:

- مصطلح التصوف: اختلف المفكرون والكتاب في الاهتداء إلى تعريف جامع شامل للتصوف، وهذا لاختلاف المدارس الفقهية والمذهبية واللغوية، فالتعريف الشائع أن أصل كلمة التصوف مأخوذة من كلمة الصوف أما البيروني فيرى في كتابه "مقولات الهند" بأن الصوفي تعني صفاء السريرة أو صفاء النفس(17)، كما يقول الشيخ مبارك الميلي، بأن الصوفية نسبة إلى أهل الصفة وهم الفقراء الذين كانوا يصطفوا في مسجد رسول الله عقب كل صلاة(18).

أما ابن عربي فقد عرف التصوف بأنه الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا وباطنا، وهي الخلق الإلهية، وقد يقال بإزاء إتيان مكارم الأخلاق وتجنب سفا سفها(19)، يسانده في ذلك الشيخ عبد الرزاق القاشاني الذي أعطي تعريفا مشابها للتصوف وهو التخلق بالأخلاق الإلهية(20).

ويبنى التصوف على ثلاثة خصال هي: أولا، التمسك بالفقر والافتقار؛ وثانيا، التحقق بالبدل والإيثار؛ وثالثا، ترك التعرض والاختيار(21). أما الصوفي ابن عجيبة(22) فقد جعل علم الباطن هو نفسه علم التصوف، وأن الشيخ هو الذي ينقل المريد من مرحلة علم الشريعة (إصلاح الظاهر) إلى مرحلة علم الطريقة، لأن الشريعة تصلح الضمائر، والحقيقة تصلح السرائر.

ويذهب ابن عجيبة إلى حد جعل علم التصوف هو سيد العلوم ورئيسها، ولب الشريعة وأساسها، ويضيف ابن عجيبة بأن التصوف مشتق من كلمة الصفاء والتصفية أو من الصفة لأنه اتصاف بالكلمات(23).
- الأسفار في منظور ابن عربي: المسافر في نظر الصوفي محي الدين بن عربي هو الذي سافر بفكره في المعقولات وهو الاعتبار، وبذلك يكون قد عبر من عدوة الدنيا إلى عدوة التقوى، وبذلك يكون السفر هو سفر القلب إذا أخذ في التوجه إلى الحق في الذكر.

كما أعطى ابن عربي ثلاثة أقسام للمسافر هي: مسافر مطرود كإبليس وكل مشرك، ومسافر غير مطرود لكنه سفر خجل كسفر العصاة الحياء الذي غلب عليهم، وسفر اجتباء واصطفاء كسفر المرسلين.

أما المسافرون إلى الله فهم ثلاثة: مسافر أشرك بالله لأنه نسب إلى الله ما ليس فيه، فهو مسافر غير مطرود من رحمة الله ولكن بينه وبين الله حجاب، ومسافر نزه الله عن كل ما لا يليق به فهذا يصل إلى العتاب لا إلى الحجاب، ومسافر معصوم يخاف الناس ولا يخافون، ويحزن الناس ولا يحزنون(24). وتوجد ثلاثة أسفار أثبتها الله عز وجل وهي: سفر من عنده وهو الربح، وسفر إليه، وسفر فيه وهذا الأخير هو سفر التيه والحيرة، فالسفر الأول والثاني لهما غاية والأخير لا غاية له(25).

أما السفر الرباني من العماد إلى عرش الاستواء مثل سفر الرحمانية، وهناك سفر الخلق وسفر الإبداع، وسفر القرآن العزيز، وسفر الرؤية كسفر الإسراء، وسفر الابتلاء وهو سفر من علو إلى أسفل من قرب إلى بعد(26)، وسفر الأنبياء كسفر إدريس وهو سفر العز والرفعة وسفر النجاة وسفر نوح عليه السلام، وسفر الهداية وهو سفر إبراهيم، وسفر الإقبال وعدم الالتفات وهو سفر لوط، وسفر المكر والابتلاء في ذكر يعقوب ويوسف عليه السلام، أو سفر الميقات الإلهية لموسى عليه السلام، وسفر الخذر(27).

كما اجتهد الصوفيون في إيجاد مجموعة كبيرة من المصطلحات، فقد أحصى محي الدين بن عربي حوالي مئة وثماني وتسعون (198) مصطلحا من مصطلحات الصوفية سنة 615 هجرية، ومن أشهر هذه المصطلحات والتي اخترنا منها حوالي خمسة عشر لأهميتها العلمية والاصطلاحية وقمنا بترتيبها ترتيبا أبجديا وهي:
- الأحوال: وهي المواهب الفياضة على العبد من ربه(28).
- الاسم: ليس هو اللفظ بل هو ذات المسمى وهو نوعان: اسم لصفة وجودية كالعليم والقدير واسم صفة عدمية كالقدوس والسلام(29).
- الرقيقة: وهي اللطيفة الروحانية وهي بمثابة الوسيلة التي يتقرب بها العبد إلى الحق ويقال لها رقيقة العروج ورقيقة الارتقاء، ويطلق أيضا اسم الرقيقة على أفكار وعلوم وسلوك الطريقة(30).
- السر: هو الحق لأن السر هو الطالب للحق، والسر أنواع، سر العلم هو حقيقة العالم به وسر الحال، وسر الحقيقة، وسر التجليات، وسر القدر، وسر الربونية، وسر سر الربونية، وهناك مصطلح سر السر وهو من فرد به الحق عن العبد(31).
- الشريعة والحقيقة: يخطأ من يظن بأن الشريعة خلافا للحقيقة، فابن عربي يرى بأنهما عملة واحدة فإن الشريعة جسم وروح، "فجسمها علم الأحكام وروحها الحقيقة، وأن الشريعة علم الأحكام بالدنيا، أما الحقيقة فهي علم الآخرة"(32).

علما بأن الحقيقة الإلهية لا يمكن تحقيقها بالعين المجردة، وبالتالي فهي أسرار ليست في متناول كل واحد، بل تتطلب مجاهدة النفس، الشريعة والحقيقة واحد يكملان بعضهما البعض فلا بد أن يكون عمل الشريعة حقيقة، وعمل الحقيقة شريعة(33).
- الشيخ: وهو الإنسان الكامل في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة والكامل فيها، فهو عالم بآفات النفوس وأمراضها وأدوائها، وقدرته على شفائها والقيام بهداها(34).
- الصمت: يعطي ابن عربي قسمين للصمت هما: صمت باللسان وصمت بالقلب ثم يقول "فمن صمت لسانه ولم يصمت قلبه خف وزره، ومن صمت قلبه ولسانه ظهر له سره وتجلى له ربه، ومن لم يصمت لسانه فهو ناطق بلسان الحكمة، ومن لم يصمت لا بلسانه ولا بقلبه كان مسخرة للشيطان وملكا له. فصمت اللسان من مراتب العامة وأرباب السلوك، وصمت القلب من صفات المقربين (أهل المشاهدات)(35).
- الطاهر: هو من عصمه الله من المخالفات، فهناك طاهر الظاهر، وطاهر الباطن، وطاهر السر، وطاهر السر والعلانية وهو الذي أدى وأوفى حقوق الحق والخلق جميعا(36).
- العالم: وهو الظل الثاني فالعالم صورة الحق، والحق هوية العالم وروحه، والعوالم أنواع: عالم الجبروت وهو عالم الأسماء والصفات الإلهية، وعالم الأمر، وعالم الملكوت، وعالم الغيب، وعالم الخلق، وعالم الملك، وعالم الشهادة.
- العامة: هم الذين اقتصر عملهم على علم الشريعة ويسمى علمائهم: علماء الرسوم(37).
- العزلة: فالعزلة عند ابن عربي على قسمين، عزلة المريدين وهي بالأجسام عن مخالفة الأغياظ، وعزلة المحققين وهي بالقلوب عن الأكوان، كما أعطى ابن عربي ثلاث نيات للمعتزلين هي: نية اتقاء شر الناس، ونية اتقاء شر المعتدي، فالأول سوء ظنه بالناس والثاني سوء الظن بنفسه، ونية إيثار صحبة المولى من جانب الملأ الأعلى، ويرى ابن عربي بأن أرفع حالات العزلة هي الخلوة(38).
- الفناء: إن صاحب الفناء لا يرى في الوجود إلا الله، لذلك كّفر البعض الحلاج الصوفي المشهور لأنه يرى فناءه في الله، فأصبح يتصف بصفات الله(39)، ويقول ابن عربي بأن الفناء هو رؤية العبد للعلة بقيام الله على ذلك. وقّسم الشيخ أحمد بن عجيبة الفناء إلى ثلاثة أنواع هي: فناء في الأفعال، وفناء في الصفات وفناء في الذات(40).
- المشاهدة: أو المكاشفة وهي نوع من أنواع الرياضة التي تقوم بها نفس الإنسان، فتقوده إلى حياة التأمل، فإن التعمق في دراسة الشيء، تؤدي حتما إلى التعرف على حقيقة ذات الشيء من كل جوانبه، كدراسة القرآن التي تقود إلى معرفة الله(41).

ومن سلبيات المشاهدة أنها تلغي دور العلم الذي يأتي عن طريق المعلم، كما فهم ابن عربي المشاهدة أو المكاشفة على أنها هي السر(42)، بل ينظر ابن عربي للمشاهدة أنها لا تحتاج للفهم(43). وهذا بيت شعري لابن عربي يصور فيها المشاهدة التي لا ينالها إلا أصحاب العقول الراجحة، ومن ذلك قوله(44):

والكشف نور ولكن ليس تدركه إلا عقول لها في الوزن رجحان

وفي إطار تعريف ابن عربي لعمل الكشف الذي يراه بأن غاية المطالب وهو الرؤية فالعالم بين التجلي والحجاب(45).
- المكان: أما المكان في مفهوم ابن عربي فهو عبارة عن منزل في هذه الأرض ولا يكون إلا لأهل الكمال، الذين حققوا المقامات(46).

الخاتمة:

لقد تناول أقطاب الفكر الصوفي منذ القدم مصطلحات صوفية يغلب عليها الاستعارة والتشبيه وتعد مصطلحات علم التصوف من أخطر وأصعب المصطلحات فالقارئ يجد صعوبة كبيرة للسيطرة على هذه المصطلحات، خاصة إذا كان من خارج أهل التصوف أو الاختصاص العلمي، فهناك تداخل كبير بين رموز وإشارات ومعان كثيرة، وطلاسم متعددة، خاصة وأن الإنسان في إسلامه أربعة مراتب هي: إسلام، وإيمان، وإحسان، ويقين.

فالصوفية عالم مغلق لانغلاق معاني التصوف، التي لا يفهمها أحيانا حتى المتبحرون في علم التصوف، لطغيان النظرة المثالية على رجال التصوف.

لذلك يصعب علينا اليوم فصل المصطلحات الصوفية عن عموم الثقافة العربية الإسلامية فقد تفاعلت معها وأثرت وتأثرت بها، ولذلك صارت جزءا مهما من كينونة الأمة الإسلامية، وبالتالي تدخل هذه الدراسة في بعث عناصر التراث الشعبي كالمعتقدات والمعارف الشعبية.

الهوامش:
1 - زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي، منشورات المكتبة العصرية، بيروت 1924، ص 61.
2 - كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه فارس البعلبكي، دار العلم للملايين، ط5، بيروت 1968، ص 236.
3 - مبارك الميلي: رسالة الشرك ومظاهره، دار الغرب الإسلامي، ط4، بيروت 2000، ص 249.
4 - حليم بركات: المجتمع العربي المعاصر، بحث استطلاعي اجتماعي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، بيروت 1985، ص 265.
5 - Cappolani : Confrérie religieuse musulmane de Sidi Ammar Boucana, Adolf Jourdan éditeur, Alger 1894, p. 8.
6 - Louis Rinn : Marabouts et Khouan étude sur l'Islam en Algérie, Adolf Jourdan éditeur, Alger 1884, p. 55.
7 - عبد الرزاق القاشاني: اصطلاحات الصوفية، ويليه رشح الزلال في شرح الألفاظ المتداولة بين أرباب الأذواق والأحوال، تحقيق الدكتور عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلمية، بيروت 2005، ص 65.
8 - محي الدين بن عربي: اصطلاح الصوفية، مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد 1948، ص 2.
9 - المصدر نفسه، ص 7.
10 - عبد الرزاق القاشاني: المصدر السابق، ص 170.
11 - راجع، أحمد بن عجيبة: اللطائف الإيمانية الملكوتية والحقائق الإحسانية الجبروتية في رسائل العارف بالله الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني، تحقيق الدكتور عاصم إبراهيم الكيالي، دار الكتب العلمية، بيروت 2006، ص 252-254.
12 - المصدر نفسه، ص 253.
13 - ابن عربي: اصطلاح الصوفية، جمعية دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد الدكن، الهند، ص 2.
14 - الحضرة كلمة مشتقة من الحضور إلى التجمع والاجتماع لذكر اسم الجلالة.
15 - أحمد بن عجيبة: المصدر السابق، ص 251.
16 - حليم بركات: المرجع السابق، ص 265.
17 - ت. ج. دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، ترجمة وتعليق محمد عبد الهادي أبو ريدة، الدار التونسية للنشر، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر 1980، ص 134.
18 - مبارك الميلي: المرجع السابق، ص 63.
19 - ابن عربي: اصطلاح الصوفية، ص 17.
20 - عبد الرزاق القاشاني: المصدر السابق، ص 11.
21 - المصدر نفسه، ص 70.
22 - الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني، صوفي مغربي كان حيا إلى غاية 1224 ميلادي، فهو قطب أو غوث تلقى أسرار الحقيقة من أستاذه الشيخ سيدي محمد البوزيدي، وله تآليف كثيرة نذكر منها: قواعد التشوف في حقائق التصوف، وتفسير القرآن الكريم.
23 - أحمد بن عجيبة: المصدر السابق، ص 213-214.
24 - ابن عربي: الأسفار عن نتائج الأسفار، مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، الهند 1948، ص 6.
25 - المصدر نفسه، ص 3.
26 - المصدر نفسه، ص 23.
27 - المصدر نفسه، ص 27-63.
28 - عبد الرزاق القاشاني: المصدر السابق، ص 11.
29 - المصدر نفسه، ص 12.
30 - المصدر نفسه، ص 32.
31 - المصدر نفسه، ص 35.
32 - محي الدين بن عربي: الأسفار، ص 28.
33 - أحمد بن عجيبة: المصدر السابق، ص 154.
34 - المصدر نفسه، ص 38.
35 - ابن عربي: حلية الأبدال، مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية، حيدر أباد، الهند 1948، ص 4.
36 - المصدر نفسه، ص 42.
37 - عبد الرزاق القاشاني: المصدر السابق، ص 44.
38 - المصدر نفسه، ص 5-6.
39 - ميلود شكار: شخصية الحلاج الصوفية، مجلة رسالة المسجد، الشؤون الدينية والأوقاف بالجزائر، نوفمبر 2006، ص 38.
40 - أحمد بن عجيبة: المصدر السابق، ص 94.
41 - ابن عربي: حلية الأبدال، ص 17.
42 - المصدر نفسه، ص 24.
43 - المصدر نفسه، ص 54.
44 - ابن العربي: الوصايا، مطبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن، الهند 1948، ص 2.
45 - المصدر نفسه، ص 28.
46 - ابن عربي: اصطلاح الصوفية، ص 5.
الإحالة إلى المقال:

* الصادق دهاش: المصطلح والمصطلحية عند الصوفية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني عشر 2012. http://annales.univ-mosta.dz

***