بنية الانزياح التركيبي في بردة محمد بن سعيد البوصيري

حكيمة بوشلالق
جامعة المسيلة، الجزائر

الملخص:

يتحدث المقال عن بنية الانزياح التركيبي في بردة البوصيري، بدأنا بنظرة عامة حول القصيدة، فكان بعنوان البنية العامة للبردة التي تنتمي إلى شعر المديح النبوي. فالمقاربة الأسلوبية لنظم قصيدة البردة في مستواه التركيبي يحمل قيما تعبيرية عن حقائقها الفكرية والشعورية، وتجربة البوصيري في سياقها الزمني، علما أن المديح النبوي إنما هو استجابة شعورية تطهيرية لما تجيش به الذات الشعورية من النزوع إلى المثال المفقود في عالم الواقع لخطاب استغاثة موح بما في تجربته الصوفية من حسرة وضيق وهيام. فالبوصيري يلتمس في المدح النبوي الفرج بعد الشدة النفسية والاجتماعية التي غيبته عن الواقع المنهار، والبحث عن النموذج المخلص، وقد شكل بردته كقصيدة ملحمية مطولة لاستجلاء الحقيقة المحمدية في إطار رؤية متوازية.

الكلمات الدالة:

الانزياح التركيبي، البوصيري، البردة، المديح النبوي، الصوفية.

***
The structure of the syntactic displacement in the Burda
of Mohammed Ibn Said al Busayri

Abstract:

The article talks about the structure of compositional displacement in the Al-Burda of Al-Busayri. We began with an overview of the poem and was entitled to the general structure of the poem, which belongs to the poetry of the Prophet’s praise. The stylistic approach to the poem "Al-Burda" in its compositional level carries expressive values about its intellectual and emotional facts, and Al-Busayri's experience in its chronological context, Knowing that the prophetic praise is a purifying emotional response to what the emotional self is engaging in, from the tendency to the lost example in the real world for a rhetoric suggestive of the sorrow, distress and excitement in his mystical experience. In praise of the Prophet, Al-Busayri seeks relief after the psychological and social distress that missed him from the collapsed reality, and the search for a sincere model, and his "Al-Burda" was formed as a lengthy epic poem to elucidate the Muhammadan truth in a parallel view.

Key words:

syntactic displacement, al Busayri, Burda, Prophet's praise, Sufism.

***

النص:

لقد بدأ النظم في غرض المديح النبوي مع شعراء الدعوة في الحركة النبوية المحمدية واستمر في العصور اللاحقة.

ففي بداية الأمر، استعار الشكل الشعري العربي للمديح في إطار رؤية وتجربة شعرية متميزة في طبيعتها وملامحها، وتزايد نمو هذا الغرض - إبداعا ونقدا - في عصر الضعف الأدبي؛ وذلك لانتشار المد الصوفي في العالم الإسلامي.

ونشير بالخصوص في هذا العصر إلى البوصيري وبردته التي اكتمل فيها بناء النموذج أو النص الغائب في فن المديح النبوي لشعراء عصره والعصور التالية إلى العصر الحديث، الذين تأثروا بصنيعه ونسجوا على منواله حفظا وإنشاء ومعارضة وشرحا.

إن المقاربة الأسلوبية لنظم قصيدة البردة في مستواه التركيبي بعلاقاته الاستبدالية على محور الاختيار، والعلاقات التركيبية على محور التأليف والنظم المنتج لشعرية تحمل القيم التعبيرية عن حقائقها الفكرية والشعورية تجربة البوصيري في سياقها الزمني، ذلك أن الأدب وليد التفاعلات الذاتية والشعورية والجدليات الأخرى الخارجة عن الذات، وعلما أن المدائح النبوية إنما هي استجابة شعورية تطهيرية لما تجيش به الذات الشعرية من النزوع إلى المثال المفقود في عالم الواقع قبل أن تكون تركيبا شعريا مدرجا في غرض المديح النبوي، لخطاب استغاثة موح بما في تجربته الصوفية من حسرة وضيق وهيام وعشق وبإحساس مماثل في الخارج مع حالات الاحتياج أو المرض واختلال القيم الأخلاقية.

ومنه، فإن البوصيري يلتمس في المدح النبوي الفرج بعد الشدة النفسية والاجتماعية التي غيبته عن الواقع المنهار، والبحث عن النموذج المخلص، وهو الذي يقف وراء إنشاء البردة، بالإضافة إلى الواقع النفسي والثقافي الذي يوجه المسار الشعري بأنساقه وشفراته.

1 - البنية العامة لبردة البوصيري:

يرتفع البناء في البردة على مستوى التركيب وما يحمل من قيم تعبيرية مشيرا إلى الحقيقة المحمدية في بعدها الروحي والزمني وصلته الحقيقية التي تنفرج بها الكروب.

إن البوصيري بصرخته هذه ينفجر من الوطأة النازلة به كفرد داخل شبكة علاقات اجتماعية ضاغطة آملا أن تنسخ أزمان العوض والمرض بلحظات اليسر والفرج، وقد شكل بردته كقصيدة ملحمية مطولة لاستجلاء الحقيقة المحمدية في إطار رؤية متوازنة، ذلك أنه لم ينطلق في تصويرها من المعرفة الصوفية المتعالية بقدر ما انطلق من شخصيته الأدبية وأسلوب الشعر العربي الذي استطاع أن يحقق به التوحد بين التجربة الصوفية والأسلوب البلاغي، إذ الغايات والمقاصد في المديح النبوي - بدءا وانتهاء - تختلف باختلاف المشارب والمرتكزات المعرفية، ولكنها ترقى بسلوك الصوفي ومعرفته التي تخترق الحجب الفانية الآنية، ومن هذا المنطلق برز التباين الأسلوبي في المديح النبوي حتى ولو كان الممدوح واحدا وهو محمد عليه الصلاة والسلام في جميع الأحوال.

واستخلاصا من هذا التصور الصوفي والأسلوبي في آن واحد لحقيقة المديح النبوي فإنه لا يبقى مجال للفصل بين ما هو غير بلاغي زمني وعرفاني مثالي في الحقيقة المحمدية، وإذا كان لا بد من إيجاد فاصل شفيف بين العنصرين فإنه سيكون بمثابة مفتاح ملائم يفتح - بالحب الشريف - عالم المدائح النبوية، بعناوينها وبنيته (المدحة) الهيكلية (أقسام الخطاب) وصولا إلى ملامح (البردة) الأسلوبية في تركيب العبارات الشعرية للبردة (كالذكر والحذف والتقديم والتأخير والالتفات).

فبعد العنوان (عتبة النص) تتوالى تأليف أجزاء الخطاب وأقسامه بدءا بالنسيب، ويليه التحذير من هوى النفس، ثم مدح النبي بالكلام عن مولده ومعجزاته ويخص القرآن والإسراء والمعراج ثم جهاده وغزواته، ليتخلص إلى التوسل والمناجاة في قصيدة طويلة بلغت 160 بيتا لم تشذ عن الشائع من القيم الفنية في عصرها وما تقوم عليه من سمات وخصائص أسلوبية، وبالرغم من أن معظم الباحثين قسموا البردة إلى عشرة أقسام متتالية إلا أن القراءة الأسلوبية التي تستبطن روايتها وكيفية بنائها تجعلها ثلاثة أقسام كبرى، هي:

أ - المقدمة الغزلية الممهدة للغرض الرئيسي:

ويدور حول النسيب النبوي؛ وهو محبةٌ خالصة ٌللنبي (ص) وشوق سابق عارمٌ لمعالم نشأته ومواطن بعثته وميادين جهاده، يليها بعض التحذير من أهواء النفس وحثها على التزكية والاستقامة والتنسك، ويبدأ من البيت الأول حتى البيت الثامن والعشرين.

ب - الغرض الأصلي:

ويدور حول المديح النبوي بالسرد التاريخي الشعري للسيرة النبوية، حيث المكانة العالية والمولد الشريف وإرهاصاته ومعجزاته عامة ومعجزتا القرآن الكريم والإسراء والمعراج خاصة، ثم كان الحديث عن جهاده وغزواته ممزوجة ببعض مشاعر التصوف ورمزيته.

جـ - الختام:

حيث ينتظم التوسل والتشفع بالرسول الخاتم، ثم المناجاة والتضرع والابتهال إلى الله عز وجل، ويتجلى الانسجام النصي والترابط مبتدئا فقد بدأ بالنسيب المتحول تأويلا عن المقدمة الغزلية تقليدا للسابقين عامة وكعب بن زهير وابن الفارض خاصة، ثم انتقل عن طريق اللائم إلى التحذير من هوى النفس لتطهير نفسية الشاعر ومن خلاله المتلقي؛ لكي يرتقي إلى رحاب النور المحمدي، ثم ينتقل من هذه الرحاب عن طريق تعداد ذنوبه جاعلا من تفريطه في السنة النبوية علاقة يتحدث عن صاحبها مولدا وحياة ويختم بالتوسل والتضرع.

ثم خلص من ذلك إلى الختام بوصفه ذاتيا مبينا أن مدحه النبي هدفه أن يستقيل من ذنوب عمر مضى في هيامات الشعر وأوديته ومتطلباته الحياتية التي لا يخلو تحصيلها من نفاق ورياء؛ حيث يبلغ التوتر الشعوري مداه الطافح بالأمل والخوف والرجاء متوسلا ومتشفعا عن طريق حديث ذاتي اعترف فيه بمآله وبأن الرسول (ص) هو المنقذ المخلص من آلامه الحسية والنفسية في الدنيا بالتوسل، ثم من العذاب بسبب التفريط في الآخرة بالتشفع ليكون التضرع والابتهال، وبعد ذلك مسك ومستقر عاطفة الحب المتأججة للذات المحمدية.

2 - العنوان:

إن اختيار مفردات العنوان (عتبة النص) تأتي جذبا وإثباتا للمتلقي للإبحار في عالم النص وتأسيسا لأفق المتلقي وتوضيحا لشفرات تركيبه وأسلوبه ودلالاته.

وأشهر عناوين هذا النص ثلاثة هي: (البردة، البرأة، الكواكب الدرية في مدح خير البرية).

أ - البردة:

وهو عنوان يدل على تأثره في إبداع قصيدته بكعب بن زهير لما رأى البوصيري في منامه بعد فراغه من إنشائه إياها بين يدي حضرة رسول الله (ص) أنه قد ألبسه بردته (كساءه) كما فعل ذلك مع كعب بن زهير.

وقد ورد عند بعض الباحثين أن (بانت سعاد) قصيدة بردة حقيقية تاريخيا، وميمية البوصيري قصيدة بردة حلمية خيالية.

وجاء في معجم القاموس المحيط (للفيروز آبادي): "أن البرد بالضم ثوب مخطط جمع أبراد وبرود، ألبسة يلتحف بها"(1)، فإطلاق البوصيري هذا العنوان هو احتذاءٌ لنظم وأسلوب المدح النبوي، الذي مثلته في التراث السابق (بردة) كعب بن زهير.

فالتعالق مع قصيدة (أو بردة) كعب هو مشروع ينطلق من عتبة النص، مما يجعل الشاعر راغبا في التواصل مع نص تتشكل أمام الذات المحمدية، واستقر في الذات الجماعية للمتلقي.

ب - البرأة:

أطلق عليها هذا العنوان لأن ناظمها أبرأه الله بعد فراغه من نظمه إياها من علة الفالج التي كان يشكو منها، أي أن وظيفة الخطاب الشعري تعدت التأثير الفني في المتخيل الموروث إلى وظيفة الشفاء أي شافية في زعم غيره من المتصوفة ولذا أطلق عليها قصيدة الشدائد، وسواء تعلق الأمر بالشدائد أو بالبرأة (البرء من الشدائد)، فإن العنوان يحيل على وظيفة ثانية للقصيدة؛ أي كونها تعويذة يلتمس من خلالها الشفاء، ومن الواضح أن هذا المعنى امتداد آخر للقداسة التي رأيناها سابقا مع عنوان البردة.

جـ - الكواكب الدرية في مدح خير البرية:

عنوان مسجوع فيه تأثر بالمعجم والتركيب القرآني (الكواكب الدرية) وفيه تصويرٌ استعاري لقيمة أبيات البردة، حيث أن الكواكب جمال وهداية كذلك أبيات البردة تجلي الحقيقة المحمدية تجليا مضيئا لامعا بقيم تعبيرية محكمة، وبعبارة أخرى فإن العنوان مركب من:

كواكب درية خير البرية

فهو يريد للقصيدة أن تكون سامية منيرة (كواكب درية) وهي مكانة استمدتها من (مدح خير البرية).

كما يثبت أغلب الدارسين ريادة البوصيري في فن المديح عموما والنبوي خصوصا تتويجا النبوي تتويجا لتأسيسات سابقة وامتدادا في إبداع لاحق، يقول شوقي(2):

المادحون وأرباب الهوى تبع لصاحب البردة الفيحاء ذي القدم

"إذ ليست البردة البوصيرية إلا تتويجا للهاشميات في آل البيت وللمدائح قبلهن من شعر حسان، إلا أن هذا يحجب الظلال الوارفة التي سربلتها البردة على من جاء بعدها من شعراء الوتريات والبديعيات وغيرها مما يضرب في هذا الفن بنصيب"(3).

إن المدائح النبوية في الأدب العربي قد تنوعت من حيث عدد الأبيات، وبنية البردة قامت على تأليف لأقسام الخطاب في البدء والسرد والختام في تركيب شعري يتصدر فيه النسيب مطلع المديح والسؤال الذي يثار عن هذا الاختيار في بناء قصيدة المديح النبوي بهذا النسيب هل هو تقليد شعري للقصيدة العربية في بنائها منذ النشأة والتطور؟ أم أن ذلك أفق استبدالي ضمن التحول التأويلي الذي أسسه المتصوفة في قصائدهم؟

وقد أجاب النقاد القدامى عن هذا التساؤل مستفيدين مما في مصادر النقد العربي القديم وخاصة ما سطره ابن قتيبة عن العلاقة الجدلية بين النسيب والاستجابة الوجدانية المفتوحة في استهلال مقدمة القصيدة "لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب"(4)، أما شعر المديح النبوي فيراعى فيه الحالة الوجدانية للشاعر وموضوع القصيدة.

ومن النقاد المحدثين من اعتبر "النسيب في البردة يتصل بالشوق إلى المعالم العربية... واختيار البوصيري تلك المواطن لصلتها بمولد الرسول (ص) وخاصة إذا ما لاحظنا أن النسيب لا يقصد بذاته وإنما هو نسيب وقع موقع التمهيد"(5).

وهو نفس التعليل الذي ذكره محمود علي مكي: "فالفصلان الأول والثاني يضمان مقدمة غزلية تقليدية، غير أننا نلاحظ فيها تساميا روحيا واضحا فليس فيها تغن بمحاسن محبوبته، كما رأينا في مدحه كعب بن زهير، وإنما نرى الشاعر يشكو آلام الغرام ويتحدث عن زيارة الطيف وعن لائميه في حبه العذري والوشاة الكاشفين لستره مهما بالغ في كتمانه، كذلك نراه يردد أسماء مواضع حجازية ونجدية مثل ذي سلم وكاظمة وإضم، على نحو الذي أشاعه في الشعر العربي الشريف الرضي ومهيار الديلمي وكل ذلك دليل على أن هذه المقدمة الغزلية الأولى إنما هي تعبير رمزي عن حبه للرسول (شوقه لزيارته)"(6).

هذا فيما يخص النسيب في مطلع البردة الذي لم يفارق الأسلوب الغزلي العربي بنيته ولكنه قرأه وأنتجه تأويليا في سياق تواصلي للمديح النبوي والإبداع الصوفي عموما.

أما السرد الملحمي فتجلى في الغرض الرئيس للبردة ذو طابع السير الشعبية الدينية التي تؤثر في المخيال الاجتماعي (البطل) في جدليته مع التحولات الاجتماعية يتجلى ذلك في الاحتفاء بالغريب والعجيب الذي يرافق ميلاد (البطل) ومراحل حياته ومعجزاته وأثره، فقد عني المماليك ومن تبعهم بالأعياد المختلفة وبالأخص الاحتفال بالمولد النبوي في مهرجان شعبي ورسمي وكان ذلك منطلقا لحركة شعرية واسعة النطاق في العالم الإسلامي الذي اكتسحه التصوف وموضوع تلك المدائح النبوية مما كان ينشد بمناسبة هذا الاحتفال، ووظيفة الخطاب الشعري تمثل في حمل المسلمين على العودة إلى شخصية الرسول وسيرته وسنته يستمد منها العون في مواجهة واقع اجتماعي بائس.

ويؤكد هذا قول زكي مبارك: "ولا نعرف متى نشأت هذه الأخبار عند المسلمين وأغلب الظن أنها من وضع القصاص الذين أرادوا أن يصوروا مولد الرسول (ص). وقد أكثر مؤرخو المولد من هذه الأخبار وطاف بها جمهور الناظمين من المدائح النبوية"(7).

بالإضافة إلى تأثر البوصيري بما حرصت كتب السيرة على ذكره من الإرهاصات التي سبقت ومهدت للمولد النبوي، والمعجزات الحسية وخاصة قصة الإسراء والمعراج ومعجزة القرآن، وما تأثر به الشعر من روح التصوف التي شكلت منهاج القارئ الثقافي والسلوكي في عصره من الأولياء وكرامتهم والمعارف الصوفية المتداولة في عصره كل هذا السرد السيري بضمير الغائب (هو).

ويختم البوصيري بردته بمناجاة شجية عن طريق الالتفات قائلا(8):

يا أكرم الرسل مالي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
ويعود لمخاطبة نفسه قائلا:
يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت إن الكبائر في الغفران كاللمم
ويبتهل إلى الله عز وجل قائلا:
يا رب واجعل رجائي غير منعكس لديك واجعل حسابي غير منخرم

هي نداءات ثلاثة في القسم الأخير من البردة نداء خص به الرسول الشفيع (ص)، ونداء خص به النفس الآثمة، ونداء خص به الله الذي هو ملاذه الأخير، فتجمع خير الدنيا والآخرة وتتغلغل في باطن الشاعر لنقرأ قصة النفس في هذا الصراع قصة البردة بكاملها... فلعله يشفى من مرضه ولعله يبرأ من علته(9).

إن صهر البلاغي العربي والمتخيل السردي الرمزي والصوفي في أسلوب البردة تعبيرا عن تجربة شعرية بأبعادها الدينية والذاتية هو الذي أعطى البردة فرادتها الأسلوبية ومنحها قيمة فنية وتداولا واسعا بين عموم المتلقين.

وبعد تحليل أقسام الخطاب الكبرى وأساليبها المؤلفة لها سنحاول إظهار بعض الملامح الأسلوبية في بناء العبارة الشعرية لقصيدة البردة من خلال (الذكر والحذف والتقديم والتأخير).

3 - الحذف بين الانزياح الأسلوبي وجمالية التلقي في البردة:

تجلى الحذف في البردة كملمح أو سمة أسلوبية في تركيبها الشعري، وظاهرة الحذف (الفراغ النصي) تتمثل في انحراف استعمال اللغة الأدبية الناقصة عند قياسها بالنسبة للنظام اللغوي على مستوى المفردة والجملة والخطاب الشعري ككل، ولا وجود لحالة يكون فيها القول بحذف عنصر من بنية دون أن يناظر ذلك بنية يوجد فيها ذلك العنصر، وبالتالي فإن التعرف على حالات الحذف يكون بمقارنة بنية ناقصة ببنية تامة، توافقها وترجع إليها مع القرائن المتعددة الدالة على المحذوف، ويجعل من هذا الملمح عنصرا يوجه الكلام إلى معان شعرية عديدة، "ولا قوام للحذف إلا بالمخاطب وكذا الشأن بالنسبة إلى سائر ما يأتيه المتكلم في كلامه، وليس للمخاطب دورٌ فعلي في نشأة الكلام فهو لا يشاطر المتكلم في التلفظ به، وله مع ذلك دور حاسم في توجيه صياغة الكلام إلى وجهة دون أخرى، من ذلك أن للمخاطب المنزلة المحورية في عملية الحذف، فالمتكلم لا يحذف إلا ما كان معلوما غير ملبس عند المخاطب، ومتى علم المخاطب ما يعني"(10).

فالتحليل الأسلوبي لا يقف عند وصف بنية التركيب في الخطاب الأدبي بل يتتبع طرق الاستعمال الفني المتنوعة عن قواعد النظام اللغوي في أشكال تعبيرية كالتقديم والتأخير والحذف وغيرها.

فلكل شكل فيها ملمح أسلوبي ذو دلالة خاصة بتركيبه ضمن النسق اللغوي للخطاب وله أثر فني، ودور المتلقي في اعتبار المحذوف وتأويله (ملء الفراغ النصي) يقوم على تقدير المحذوف وتعليل المعنى الذي يغير عملية الحذف في التشكيل الشعري؛ ذلك أنه لا يمكن تعليل الحذف بعلم المخاطب، بل ينبغي ربط ظاهرة الحذف بسياق المعاني الذي تحدث فيه تنوعا وثراء لتأويل المخاطب، ويجعل من الحذف عنصرا يوجه الكلام إلى معان فنية متعددة، وهو: "بابٌ دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن"(11).

فالحذف - إذن - أمر مقصود من طرف المرسل، قصد استثارة المتلقي، وإيقاظ ذهنه، مما يجعله يشارك في إنتاج الرسالة وإعطائها دلالتها، وذلك من خلال فهم السياق، ومن ثمة يملأ المتلقي الفراغات التي يحتويها النص فتكتمل الرسالة.

والأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل على المحذوف، فإن لم يكن هناك دليل على الحذف فإنه لغو من الحديث لا يجوز بوجه، ولا تكاد تخلو الجملة من الجمل من الحذف، وقد يكثر استخدامه، وتتنوع مظاهره من جملة إلى أخرى من النص الواحد بقدر تقدم النص، واتضاح جوانب الموضوع المدروس بسبب دلالة بعض المذكور على بعض المحذوف إلى حد يصبح معه الحذف عملية آلية لأن: "الأصل في المحذوفات جميعها على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل على المحذوف، فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف، فإنه لغو من الحديث لا يجوز بوجه ولا بسبب"(12).

ويرى علماء البلاغة أن الحذف إذا عوضه الذكر فسد الكلام، يقول ابن الأثير: "ومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنه متى أظهر صار الكلام إلى شيء غث، لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن"(13).

كما يعد الحذف عنصرا من عناصر تحقيق الدلالة، وقد اهتم كل من النحاة والبلاغيين به كل حسب حاجته له، فالجملة عندهم تتكون في نواتها من مسند ومسند إليه، وتضاف إليها عناصر أخرى تؤدي وظائف مخصوصة، وبذلك فإن عدم ذكر أي واحد من ذلك يعني وجود حذف، وعلى المتبصر أن يبحث عن علة الحذف البلاغية أو النحوية، وأمثلة ذلك في العربية كثيرة فهناك حذف في جزء من الكلمة نحو: "لم يك"، وهناك حذف في حروف المعاني في قوله تعالى: "قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين"(14)، والتقدير لا تفتأ، وحذف المبتدأ نحو قوله تعالى: "وما أدراك ماهيه نارٌ حاميةٌ"(15) والتقدير: هي نار، ومن أمثلة الحذف أيضا حذف الفعل، فإن سأل أحدهم من جاء؟ وأجاب آخر فقال: علي؛ حيث حذف المسند (الفعل) وهو "جاء"، والحذف أدى معنى الإيجاز(16).

ويقول محمد عبد المطلب: "وأولى التحولات التي تصيب الدوال هي (الحذف) واختيار (المصدر) للتعبير عن هذه الحالة، إذ الهدف من هذا الاختيار هو استحضار المبدع إلى الصياغة؛ لأن الحذف على الحقيقة ليس صفة للدال، وإنما صفة لمن يقوم بفعل (الحذف) وهو المتكلم"(17)، فمن شأن المبدع أن يكثر الحذف في المواضع التي يريدها سواء كانت بوعيه أم بدون وعي، وعلى المتلقي أن يصوغ أو يستبطن هاته المحذوفات جميعها بشرط أن يكون المبدع في مستوى الإبداع الذي يرغب المتلقي أن يصل إليه.

وأضيف أيضا أن المتلقي يمثل جانبا مهما من جوانب عملية التكلم، فقصيدة البردة موجهة إليه في الأساس، كي يتفكر ويعمل عقله ومشاعره فيها، ولا شك أن القصيدة تكتسب حياتها من خلال المتلقي سواء القارئ لها أو المستمع إليها، إذ هو الذي يفك شفراتها، ويملأ فراغاتها النصية والانحرافات الموجودة فيها ويستخرج ما فيها من دلالات وبنى عميقة، إذ أن كل متلق يفسرها حسب ثقافته وأفقه ومعرفته بعالم الشعر وسياقه، ذلك الأفق الذي يمكنه من إدراك ما في القصيدة من أفكار ومبادئ بل وجماليات أيضا، كما يمكنه من ملء الفراغ الكامن بين عناصر القصيدة على وجه الخصوص، وربما تبرز مهمة المتلقي هنا أكثر.

ومن هنا فإن قضية الحذف من أهم وسائل التماسك النصي، التي تبرز أهمية المتلقي، إذ هو الذي يدرك عبر آفاقه القرائية الكثيرة مواضع الحذف وكيفية قيامه بوظائف إبلاغية وبلاغية متعددة. لكننا سندرس ظاهرة الحذف في أسلوب البردة من خلال علاقته بالانحراف الأسلوبي وجمالية التلقي:

إن دراسة الانزياح الأسلوبي أو الانحراف الأسلوبي (stylistic deviation) هو ظاهرة تعتمد على الخروج عن النمط المثالي للأداء، وتتبع مظاهره في شعر البوصيري الذي ينزاح في أسلوبه عن النمط المعهود بحثا عن تركيب غير عادي يوائم بين نفسه وأدائه الفنية، ولو أدى ذلك إلى الإخلال ببنية الكلمة أو نظام الجملة.

إن البوصيري ينزاح في اختيار الألفاظ وتوزيعها وترتيب أجزاء الجملة لغايات فنية وجمالية انحرافا يسبب للمتلقي هزة غير متوقعة، فهو يواجه الواقع (الحياة) من خلال اللغة بنفس كبيرة، ويميل للأساليب والألفاظ التي فيها شيء من الغرابة أو الصعوبة؛ وذلك نظرا لامتلاكه معجما لغويا ثريا وكبيرا ينحرف به إلى دلالات كثيرة، وفي مواقع متفرقة، فنلاحظ الانزياح في الصامت أكثر ما تدعو إليه ضرورة الإيقاع الشعري؛ لأنه مرتبط بالنسق الإيقاعي وليس بالبنية المعنوية، رغم تأثيره على دلالة الوحدة، ومثال ذلك قوله(18):

والطف بعبدك في الدارين إن له صبرا متى تدعه الأهوال ينهزم

تضمن الشطر الثاني من البيت حذفا في لفظه "تدعه" وتقدير الكلام "تدعهو"؛ لأنه سبق بأداة شرط جازمة، فحذفت "الواو" لأجلها، وفي هذا يقول المبرد في باب ما يختار فيه حذف الواو والياء من الهاءات: "اعلم أنه إذا كان قبل هاء المذكر ياء ساكنة، أو واو ساكنة، أو ألف ساكنة كان الذي يختار حذف الواو والياء بعدها؛ وذلك لأن قبلها حرف لين وهي خفية، وبعد حرف لين، فكرهوا اجتماع حرفين ساكنين كلاهما حرف لين ليس بينهما إلا حرف خفي...، واعلم أن الشعراء يضطرون فيحذفون الياء والواو، ويبقون الحركة؛ لأنها ليست بأصل كما يحذفون سائر الزوائد"(19).

ولعل هذا ما ينطبق على قول البوصيري الآن، فقد حذف الواو للضرورة الشعرية تجنبا للثقل، وكذلك لالتقاء حرفين لينين وحذف إحداهما وهو حرف الواو، فأدى هذا الحذف دلالة الترجي ومناجاة الله سبحانه وتعالى، تجنبا لأهوال يوم القيامة، ومثله(20):

لو ناسبت قدره آياته عظما أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم

لم يذكر الجار والمجرور (به) بعد الفعل "يدعى" واكتفى بذكر الضمير المتعلق أو المتصل بالفاعل "اسمه" واستتر فيه.

ودلالة هذا الحذف الإيماء بفاعلية السر المحمدي في بعث الحياة الروحية في ميت العظام المادية.

ومثل هذا الحذف جاء متوفر بكثرة في البردة، مؤديا دلالات مختلفة، ولعل الدلالة المتفق عليها هي تأدية الإيقاع الموسيقي الجذاب وعلى القارئ أن يتنبه لهذا النوع من الحذف؛ لأن هذا الانحراف في الإيقاع الموسيقى أصبح بمثابة البصمة الأسلوبية التي تساعد في كشف شخصية البوصيري خلف قناع اللغة أو خلف معجمه اللغوي.

فظاهرة الانزياح الأسلوبي تدل على أن هناك أصلا تم الانزياح عنه، فما المقياس الذي على ضوئه يعد الأسلوب منزاحا وتعرف درجة انزياحه؟

إن المستوى العادي للغة الذي تستعمل فيه وفق النمط المثالي المألوف المتواضع عليه وتستعمل فيه الكلمات في معناها الأصلي هو الأساس الذي يقاس عليه الانزياح الأسلوبي، وتعرف درجة انحرافه.

فالاستناد إلى مستويات اللغة العادية في قياس الانزياح ليس على إطلاقه بل ينبغي الاستناد إلى مستويات اللغة العادية المعاصرة للآثار الأدبية المدروسة، وليس إلى مستويات من عصور بعيدة، بمعنى أن يقاس انزياح النص الأدبي إلى ما يعاصره من مستوى الكلام العادي.

ولعلني أرى بأن الانزياح الأسلوبي له أثرٌ كبير في الدراسات النقدية، إذ أن رصد ظواهره يساعد الناقد على قراءة النص قراءة استبطانية تعتمد على العلاقات بين بنى النص داخل العمل الأدبي وما لذلك من أبعاد دلالية وإيحائية بعيدا عن الانطباعية والتفسيرات الشخصية، مما يساعد على الخروج بالدراسة النقدية عن المباشرة والتقريرية.

إن الانزياح الأسلوبي ينمي مهارات الشاعر على إبداع أساليب جديدة، تستعمل فيها اللغة استعمالات غير مألوفة، فنجاح الشاعر في توليد أساليب جديدة يساعده على تشكيل لغته تشكيلا يمكنه من التعبير عن إحساسه ورؤاه بأساليب ذات أبعاد دلالية وإيحائية، خالية من الوضوح والابتذال.

وكما كان لظاهرة الانزياح الأسلوبي أثر على الدراسات النقدية وعلى الشاعر، فإن لها أثرا على المتلقي؛ لأن كسر رتابة النظام اللغوي يشحن المتلقي بطاقة انفعالية حين يصطدم فجأة بما لا يتوقع وما لم يتربى عليه ذوقه؛ ولذلك نظر اللغويون إلى لغة الشعر نظرة خاصة فأجازوا ما لا يجوز لغويا ونحويا، وذلك تحت اسم "الضرورة الشعرية" بمعنى يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره.

وهناك مظهر آخر من مظاهر انحراف البوصيري في اختيار الألفاظ، فهو يفاجئ المتلقي بشيء آخر، حيث يستخدم ألفاظ الحب في المدح ويستعمل ألفاظ الغزل والنسيب، وهذا ما رأيناه في مطلع قصيدته، فإذا توقف المتلقي وهو يقرأ المطلع فقط، فإن ذهنه يذهب إلى أنه يمدح أو يتغزل بإمرة وهذا ما توحي به مقدمته النسيبية، ولعل هذه ميزة تميز بها وهو خروجه عن النمط المألوف؛ حيث قام باستبدال المقدمة الطللية بمقدمة نسيبية غزلية.

ولحذف الجملة نصيب في بردة البوصيري، حيث قام بحذف جملة جواب الشرط في قوله(21):

مثل الغمامة أني سار سائرةٌ تقيه حر وطيس للهجير حمى

إن الصياغة الشعرية أتاحت للشاعر الاستغناء عن إتمام جملة جواب الشرط وتقدير السياق "أنى سار فهي سائرةٌ معه"، وبجمع المحذوفات في هذا البيت نجد مكونات الشطر اللفظية كالآتي: "هو مثل الغمامة أنى سار فهي سائرةٌ معه"، فإذا تقدم على الشرط أو اكتنفه ما يدل على الجواب وجب حذفه، حيث يجب الحذف إذا كان الجواب معلوما، دون أن يكون الدليل عليه جملة مذكورة في الكلام متقدمة لفظا وتقديرا(22)، مثلما جاء به البوصيري هنا.

كما لحذف جملة جواب القسم مكان في القصيدة في قوله(23):

استغفر الله من قول بلا عمل لقد نسبت به نسلا لذي عقم

فالحذف متعلق هنا بجملة جواب القسم، إذ السياق هو: "والله لقد نسبت"، والملاحظ على حذف الجملة أنه لم يؤثر في السياق العام ولم يحدث خللا يغير من اختيار البوصيري لمعجمه اللغوي، فيعتبر السياق القرين الوحيد لإدراك أسلوبه.
فالمتكلم لم يلجأ إلى الحذف ليحقق خللا ما في النص، بل العكس؛ إذ أن للحذف جماليات وأغراض كثيرة، ومع هذا لم يترك أمر الحذف لقائل النص ليفعل به ما شاء، بل وضعت ضوابط وشروط تحكم هذه الظاهرة، ونظرا لكون هذه الظاهرة ليست مرتبطة بلغة دون أخرى، فقد التقى رأي علماء العربية مع غيرهم من علماء اللغة حول وضع شرط للحذف على درجة كبيرة من الأهمية، وهو ضرورة وجود دليل على المحذوف(24).

وبهذا يمكن أن أقول بأن البوصيري ليس رجلا ساذجا بل كان رجلا ذكيا فطنا، فكان متقلب الشخصية، حيث نراه بسيطا في شعره الاجتماعي، يقظا في مديحه النبوي، يختار ألفاظه بدقة وحذر احتراما للمقام الذي هو فيه، فشخصيته الطاغية على شعره بشقيه - الديني والاجتماعي - قد أصبحت إحدى السمات الأسلوبية في شعره، وهي بمثابة البصمة الأسلوبية التي امتاز بها عن غيره من الشعراء المعاصرين له.

4 - التقديم والتأخير وعلاقته بالانزياح الأسلوبي في البردة:

يعتبر التقديم والتأخير في ترتيب العناصر اللغوية في الخطاب الأدبي من أكثر مباحث التركيب تحقيقا للانزياح فهو يقع بؤرة مباحث الأسلوبية الدائرة حول التركيب.

و"يمثل التقديم والتأخير واحدا من أبرز مظاهر العدول في التركيب اللغوي ليحقق غرضا نفسيا ودلاليا يقوم بوظيفة جمالية باعتباره ملمحا أسلوبيا خاصا، ويتم عن طريق كسر العلاقة المألوفة بين المسند والمسند إليه، وفي الجملة ليضعها في سياق جديد وعلاقة مميزة"(25).

فيكون للمتقدم من الكلام دور في النص على المقتضيات المقامية، في التواصل الأدبي أي دوره المتنوع لاستعمال الصيغة الفرعية التي وقع اختيارها معجما وإعرابا وترتيبا للمتأخر دور التأكد من حصول المستلزمات أي تحقق القصد والدلالة، ذلك أن: "دور التقديم والتأخير يتجاوز مجرد رد الفروع إلى الأصول إلى مباحث تتعلق بالفروق المعنوية الحاصلة عن الانتقال من البنية الأصلية إلى البنى المتفرعة عنها بواسطة التصرف في رتب العناصر في اللفظ، ولئن كانت هذه الظاهرة لا تنال من الأدوار النحوية المتعلقة بالمحلات الإعرابية فإن لها دورا حاسما في تحديد المعنى الحاصل من الجملة...، وهو ما تناولته بعض الدراسات الحديثة في مباحث اعتبرت لها وظائف دلالية وأخرى إعرابية وأخرى تداولية"(26).

وقد ألمح إلى ذلك النحاة والبلاغيون كسيبويه والجرجاني وجعل صاحب المثل السائر للتقديم والتأخير ضربين(27):
فالأول: يختص بدلالة الألفاظ على المعاني ولو أخر المقدم وقدم المؤخر لتغير المعنى. والثاني: يختص بدرجة التقدم في الذكر، لاختصاص بما يوجب له ذلك ولو أخر لما تغير المعنى، بينما الثاني يمثل البنية الأصلية الخاضعة للنظام اللغوي، والأول البنية المنزاحة لتحقيق شعرية العبارة في مقام التداول.

وبعد إحصائنا للانحرافات الأسلوبية المتعلقة بتوزيع واختيار الكلمات في البردة وجدنا هذه الظاهرة متوفرة على الترتيب التالي:
1 - التقديم والتأخير بين ركني الجملة.
2 - التقديم والتأخير بين أركان الجملة ومتعلقاتها.
3 - التقديم والتأخير بين متممات الجملة.

ولعلنا ركزنا النظر على النوع الثاني، وهو: التقديم والتأخير بين أركان الجملة ومتعلقاتها حيث يتصرف البوصيري في تشكيل أساليبه فهو لا يخضع لقواعد ثابتة مستقرة وهذه هي نواة الخطاب في شعره، لذا تجده يتصرف في أدائه الفني ولا يعبأ أحيانا بنظام ترتيب الكلمات وتوزيعها على النمط المعهود، فيقدم المفعول به على ركني الجملة من غير مسوغ أو استفهام أو من غير وجود فضاء تعليقي، فقد ورد في البردة تقديم المفعول به على الفاعل، وفي هذا يرى ابن جني: "أن تقديم المفعول به يكون على ضربين: أحدهما تقديم المفعول على الفعل الناصبة تقديم يقبله القياس، ويمثل له بقولهم زيدا يضرب عمر - وهذا الضرب لا يوجد في القصيدة في الغالب الأعم -، والضرب الثاني تقديم المفعول به على الفاعل"(28) فهذا موجود في القصيدة في هذا المثال(29):

لو ناسبت قدره آياته عظما أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم

لقد تم تقديم المفعول به "قدره" للفعل "ناسبت" على الفاعل "آياته" دون حدوث فضاء تعليقي بين الفعل والمفعول به، والمقصود بالفضاء التعليقي أنه لا توجد كلمات تحول بين الفعل والفاعل والمفعول.

ويمكن إعادة ترتيب الكلمات وإزالة الانزياح الأسلوبي بقولنا: لو ناسبت آياته قدره عظما.

فالدلالة التي يؤديها هذا البيت هو التخصيص، فقد مزج بين قدره وآياته، فقدره عليه الصلاة والسلام يدل على كمال قربه لله تعالى، وأن آياته هي أعلام على نبوته، ومثل هذا النوع من التقديم والتأخير كثير في البردة؛ حيث يظهر البوصيري المرونة في توزيع الكلمات والجمل، ويبدو للمتلقي وكأن له مطلق الحرية ولا يهمه ذلك مادام يحقق الدلالة المطلوبة.

إن هذا التصرف في توزيع الكلمات يجعلنا نرى بأن البوصيري يواجه الواقع من خلال اللغة بنفس كبيرة، ويتعب متلقيه، لذا نجده يتصرف في أداته الفنية وينزاح عن النمط المعهود بحثا عن تركيب غير عادي مما يعكس ذاته ونمط تفكيره وأحاسيسه وانفعالاته.

وهو لا يسير على نمط واحد من الانزياحات الأسلوبية المتعلقة بالإيقاع، فهو ينزاح بالتركيب من أجل الإيقاع الموسيقي وتكوين الأثر الصوتي.

ومن مظاهر مساهمة انزياح المستوى التركيبي في الإيقاع، أنه ينزاح في تركيب شطر بيت بالتقديم والتأخير يلتزم نفس التركيب في الشطر الثاني؛ بحيث يحدث تقابل في تركيب شطري البيت مما يؤدي إلى خلق نغمة موسيقية متميزة تقوم على التماثل التركيبي التام بين صدر البيت وعجزه، أنظر إلى قوله(30):

فما لعينيك إن قلت اكففا همتا وما لقلبك إن قلت استفق يهم

ومما يجدر الإشارة إليه أن الانزياح في التوزيع يؤدي أحيانا إلى غموض في شعر البوصيري، فينشغل المتلقي بفك طلاسم أو شفرات الأسلوب، ذلك أن بعض الأساليب الغامضة ليس لها دلالة فنية، إذ ليس لكل انزياح أثر جمالي، فقد يكون في بعض انزياحاته ما هي سوى أخاديع أسلوبية ليس لها دور شعري، ولهذا الأسلوب وسائل يستعين بها، وغايات يهدف إليها، فهو لا يحدث عبثا، إنما هو مقرون بفكر المخاطب ونفسه من جهة، وبنفس المخاطب من جهة أخرى، فحسب ترتيب الأفكار في ذهن الباث يترتب كلامه، ومهمة الأسلوبي أن يكشف عن السمات الأسلوبية التي يحققها الأسلوب.

وفي ختام الحديث عن الانزياح في الاختيار والتوزيع في شعر البوصيري يطرأ التساؤل التالي: ما هو سر بقاء وانتشار البردة بين العوام والخواص؟ أهي راجعة إلى الإلهام والعبقرية في الظاهرة الشعرية الإبداعية؟ أم هي راجعة إلى خصائص الأسلوب التي تبرز براعة الشاعر فيها؟

إن التصرف في الأسلوب عملية واعية تقوم على اختيار أدوات اللغة وتوزيعها واستغلال طاقاتها عن وعي وإدراك، فالذات وحدها الملهمة لكل هذه الاختيارات والتوزيعات وفي مختلف السياقات والأنماط، فهي قوة تلهم الشاعر وتمكنه من الإبداع مثلما نجد المغناطيس الذي يجذب قطع الحديد بقوة متصلة به، فالشاعر الملهم قد لا يملك وعيه وهو يبدع قصائده، ويبدو أن هناك خيطا رقيقا ينظم العلاقة بين الوعي واللاوعي.

الهوامش:
1 - الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، ط6، بيروت 1998م، مادة (برد).
2 - أحمد شوقي: الشوقيات في السياسة والتاريخ والاجتماع، دار الكتب العلمية، بيروت 2001، ج1، ص 156.
3 - زكي مبارك: المدائح النبوية في الأدب العربي، منشورات المكتبة العصرية، ط1، صيدا-بيروت 1955م، ص 108.
4 - أبو محمد بن قتيبة الدينوري: الشعر والشعراء، ضبط وتحقيق مفيد قميحة ومحمد أمين الضناوي، دار الكتب العلمية، ط3، بيروت 1426هـ-2005م، ص 20.
5 - زكي مبارك: المدائح النبوية، ص 108.
6 - محمود علي مكي: المدائح النبوية، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، ط1، مصر 1991م، ص 113.
7 - زكي مبارك: المدائح النبوية، ص 108.
8 - ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد الكيلاني، مطبعة البابي الحلبي، مصر 1955م، ص 200.
9 - محمود علي مكي: المدائح النبوية، ص 113.
10 - محمد الشاوش: أصول تحليل الخطاب، المؤسسة العربية للتوزيع، ط1، تونس 2001، ج2، ص 1136.
11 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تحقيق محمد ألتنجي، دار الكتاب العربي، ط1، بيروت 2005م، ص 106.
12 - ينظر، ضياء الدين ابن الأثير: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق الشيخ كامل محمد عويضة، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1998م، ج1، ص 62.
13 - نفسه.
14 - سورة يوسف، الآية، 85.
15 - سورة القارعة، الآية، 10.
16 - ينظر، صائل رشدي شديد: عناصر تحقيق الدلالة في العربية، دراسة لسانية، الأهلية، ط4، عمان، الأردن 2004م، ص 130-131.
17 - ينظر، محمد عبد المطلب، البلاغة العربية قراءة أخرى، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، ط1، الإسكندرية 1977م، ص 215-216.
18 - الديوان، ص 200.
19 - أبو العباس محمد بن يزيد: المقتضب، تحقيق حسن حمد، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت 1999م، ج1، ص 292.
20 - الديوان، ص 193.
21 - الديوان، ص 194.
22 - طاهر سليمان: ظاهرة الحذف في الدرس اللغوي، الدار الجامعية، الإسكندرية 1999م، ص 286.
23 - الديوان، ص 192.
24 - صبحي إبراهيم الفقي: علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، دراسة تطبيقية على السور المكية، دار قباء، ط1، القاهرة 1431هـ-2000م، ج1، ص 207.
25 - راشد بن هاشل الحسني: البنى الأسلوبية في النص الشعري، دراسة تطبيقية، دار الحكمة، ط1، لندن 2004م، ص 233.
26 - محمد الشاوش: أصول تحليل الخطاب، ج1، ص 526.
27 - ابن الأثير: المثل السائر، ج1، ص 20.
28 - ابن جني: الخصائص، ج1، ص 158.
29 - الديوان، ص 193.
30 - الديوان، ص 190.
الإحالة إلى المقال:

* حكيمة بوشلالق: بنية الانزياح التركيبي في بردة محمد بن سعيد البوصيري، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني عشر 2012. http://annales.univ-mosta.dz

***