ظاهرة الإعراب وأهميتها في اللغة العربية

خالد بلمصابيح
جامعة تيارت، الجزائر

الملخص:

أولى العرب الأوائل أهمية بالغة للغتهم فأصبح حكم تعلم الإعراب من الواجبات الشرعية، لأنه من أهم الوسائل لفهم القرآن الكريم. لقد احتفظت العربية بظاهرة الإعراب عبر الزمن، ومما يدل على أهمية الإعراب في اللغة العربية هو أن عنصر الإعراب كما امتد إلى بيان كثير من أحكام الشريعة الفرعية امتد إلى علوم أخرى كعلم التفسير والقراءات والحديث والوقف والابتداء والبلاغة والدلالة والأصوات. نحاول في هذه الدراسة أن نبين أهمية هذه الظاهرة والتي نعلم أنها قد كتب فيها الكثير من الكتب والرسائل والأبحاث. ولكننا أردنا الإسهام ببيان وجه آخر يمكن الاستدلال به على أهمية الإعراب وضرورته للغة من خلال أحكامه وقواعده وأهدافه.

الكلمات الدالة:

الإعراب، اللغة العربية، القرآن الكريم، القواعد، النحو.

***
Phenomenon of grammatical analysis and its importance
in the Arabic language

Abstract:

The first Arabs attached great importance to their language, so the ruling on learning to analyse became one of the legal duties, because it is one of the most important means for understanding the Noble Qur’an. Arabic has preserved the phenomenon of parsing over time, and what indicates the importance of parsing in the Arabic language is that the element of parsing has also been extended to explaining many of the provisions of the sub-Sharia extended to other sciences such as the science of interpretation, readings, hadith, endowment, initiation, rhetoric, connotation and phonemes. In this study, we try to show the importance of this phenomenon, which we know has written a lot of books, letters and research. But we wanted to contribute to a statement of another aspect that can be inferred from the importance of syntax and its necessity for language through its provisions, rules and objectives.

Key words:

grammatical analysis, Arabic, Quran, rules, grammar.

***

النص:

توشحت لغة القرآن الكريم بسمات كثيرة منها ظاهرة الإعراب التي انفردت اللغة العربية بدوامها فيها، فقد أكّد الباحثون أن لغات سامية عرفت هذه الظاهرة ولكنها فقدتها مع مرور الزمن ولم تحتفظ أكثر اللغات السامية بالنهايات الإعرابية(1). أما العربية فقد احتفظت بها ميزة عبر الزمن(2).

قال بروكلمان: "وقد ظل إعراب الاسم الموروث من قديم الزمان في اللغة البابلية القديمة كاملا، غير أنه ضاع بالتدريج شيئا فشيئا منذ وقت مبكر، كما حدث ذلك في كل اللغات السامية الحدية، أما اللغة العربية – بحكم انعزالها في الجزيرة العربية - فظلت تحافظ على صيغتها القديمة وظواهرها اللغوية بما في ذلك الحركات الإعرابية"(3).

وقد أولى العرب الأوائل أهمية بالغة للغتهم فأصبح حكم تعلم الإعراب من الواجبات الشرعية، لأنه من أهم الوسائل لفهم النصوص الشرعية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، قال ابن السراج الشنتيريني: "إن الواجب على من عرف أنه مخاطب بالتنزيل، مأمور بفهم كلام الرسول صلى الله عليه وسلم غير معذور بالجهل بمعناهما، غير مسامح في ترك مقتضاهما، أن يتقدم فيتعلم اللسان الذي أنزل به القرآن، حتى يفهم كتاب الله، وحديث رسول الله، إذ لا سبيل إلى فهمها دون معرفة الإعراب، وتمييز الخطأ من الصواب، لأن الإعراب إنما وضع للفرق بين المعاني... فلو ذهب الإعراب لاختلطت المعاني، ولم يتميز بعضها من بعض، وتعذر على المخاطب فهم ما أريد منه، فوجب لذلك تعليم هذا العلم، إذ هو أوكد أسباب الفهم، فاعرف ذلك ولا تحد عنه، فإنه علم السلف الذين استنبطوا به الأحكام وعرفوا به الحلال والحرام"(4).

ومما يدل على أهمية وحيوية ظاهرة الإعراب في اللغة العربية هو أن عنصر الإعراب كما امتد إلى بيان كثير من أحكام الشريعة الفرعية امتد إلى علوم أخرى كعلم التفسير والقراءات والحديث والوقف والابتداء والبلاغة والدلالة والأصوات.

نحاول في هذه الدراسة أن نبين أهمية هذه الظاهرة والتي نعلم أنها قد كتب فيها الكثير من الكتب والرسائل والأبحاث. ولكننا أردنا الإسهام ببيان وجه آخر يمكن الاستدلال به على أهمية الإعراب وضرورته للغة من خلال أحكامه وقواعده وأهدافه.

1 - تعريف الإعراب:

أولا: تعريفه لغة

الإعراب: مصدر أعرب يعرب، والفعل (أَعْرَبَ) في جميع تقلباته التركيبية يعطي معنى: أوضح وأفصح وأبان، ومثله الفعل (عَرَّبَ) بتشديد الراء الذي مصدره التعريب.

قال الأزهري: (الإعراب والتعريب معناهما واحد وهو الإبانة)(5) وهما من الثلاثي عرب.

ومهما تعددت المعاني التي تؤديهما كلمتا – الإعراب والتعريب - فإننا نجد مآل تلك المعاني إلى المعنى الأساسي وهو الإبانة والإفصاح.
1 - جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الثيب تعرب عن نفسها)(6) أي تفصح وتبين.
2 - فقد جاء في اللسان: (أعرب عنه لسانه، وعَرَّبَ أبان وأفصح)(7).
3 - يقال (عرب منطقه) أي هذبه(8) و(أعرب كلامه) إذ لم يلحن فيه(9).
4 - ورد لفظ الإعراب لمعرفة أصالة الفرس العربية، يقال: (رجل معربٌ) إذا كان معه فرس عربي، (وفرس معرب) خلصت عربيته و(أعرب الرجل) ملك خيلا عراباً.
قال الجعدي:

ويصهل في مثل جوف الطوي صهيلاً تبين للمعـرب

أي: إذا سمع من له خيل عراب صهيل هذا الفرس عرف أنه عربي(10).
5 - قطع سعف النخل، وهو التشذيب، أي التهذيب لجذع النخل(11).
6 - إظهار ما في الداخل من الحب يقال: امرأة عربة وعروب: وهي المتحببة إلى زوجها المظهرة له ذلك ومن هنا يقال للرجل المتزوج مثل هذه المرأة: أعرب الرجل(12).
7 - يأتي الإعراب والتعريب بمعنى الرد عن القبيح:
يقال: عرب عليه: قبح عليه كلامه. والإعراب: ردك الرجل عن القبيح(13).
8 - عربت معدته: فسدت، يقال ذلك لمن أتخم ففسدت معدته مما يحمل عليها(14) وبلطف الصنعة يمكن رد هذه التعاريف إلى معنى واحد وهو المعنى الأساسي لمادة (ع ر ب) الذي هو الظهور والإبانة.

فالمرأة الثيب تبين وتظهر ما في داخلها من الموافقة أو عدمها، ولأن الفصيح في كلامه يظهر ويبين ما يريد على الوجه الأتم والأكمل، ولأن الذي يهذب كلامه ولا يلحن فيه يكون مبينا مظهرا لمنطقه العربي الأصيل، لأن معرفة أصالة الفرس تبين وتظهر عدم هجنته، ولأن التشذيب وقطع السعف إبانة وإظهار لجذع النخلة بعد أن كان مغطى به. والمرأة العروب هي التي أبانت وأظهرت ما في داخلها من حب وتودد لزوجها، وتعريب الكلام على الرجل: إظهار وبيان لفساده، الأمر الذي يقتضي رده عن ذلك، وفساد المعدة إظهار لما أصابها من إثقال بسبب التخمة من الطعام. لذلك كان أرجع ما قيل في تسمية العرب بهذا الاسم: إعراب لسانهم أي: إيضاحه وبيانه(15).

ثانيا: تعريفه اصطلاح

وضع النحاة القدامى للإعراب تعاريف عديدة، فبعضهم عرّف الإعراب وبعضهم عرف المعرب، وعلماء النحو المعاصرون وضعوا تعاريف للإعراب أيضاً ولا أريد هنا سرد التعاريف كلها، وإنما سأختار ذكر ما بدا لي أكثر انضباطا على هذه الظاهرة مما قاله القدامى والمعاصرون:
1 - قال ابن هشام: الإعراب "أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الاسم المتمكن والفعل المضارع"(16). وأضاف محققو كتابه - شذور الذهب - بعد قوله: "الفعل المضارع" قولهم: "الذي لم يتصل به نون التوكيد ولا نون النسوة"(17).
2 - عرفه ابن عصفور: بأنه "تغير آخر الكلمة لعامل يدخل عليها في الكلام الذي بنى فيه لفظا أو تقديرا عن الهيئة التي كان عليها قبل دخول العامل إلى هيئة أخرى"(18).
3 - تعريف الأستاذ عباس حسن: "هو تغير العلامة التي في آخر اللفظ بسبب تغير العوامل الداخلة عليه وما يقتضيه كل عامل"(19).
4 - عرفه الشيخ مصطفى الغلايني بقوله: "أثر يحدثه العامل في آخر الكلمة فيكون آخرها مرفوعاً أو منصوبا أو مجرورا أو مجزوما، حسب ما يقتضيه ذلك العامل"(20)، وهناك تعريفات للإعراب قديمة وحديثة كثيرة.

2 - نشأة الإعراب:

حين نتحدث عن نشأة الإعراب ينبغي أن يكون الكلام في أمرين:
الأمر الأول: وجوده عمليا.
الأمر الثاني: وضع أصوله وأحكامه.

أ - وجوده عمليا في كلام العرب:

مما هو غير خاف على أحد أن الإعراب كان موجودا لدى العرب في لغتهم بشكل عملي فعلي، إذ كانوا ينطقون بالإعراب بمقتضى سليقتهم "فالحركة الإعرابية في اللغة العربية ظاهرة موجودة على أواخر كلماتها في تراكيبها، وفي أقدم النصوص العربية المعروفة، وكان لهذه الحركات معان في نفس العربي المتحدث بالعربية على سجيته وطبيعته"(21).

وقد مر في تعريف الإعراب أنه وسيلة الإبانة والإيضاح عما في داخل النفس، والعرب أهل بيان، فكان من الطبيعي أن يصاحب الإعراب لغتهم، حتى أنه "يكاد معظم المهتمين باللغة العربية وفقهها يجمعون على أن الإعراب سمة واضحة من سماتها"(22).

فلغة العرب تتألف من ألفاظ، والعرب لم تشأ أن تجعل ألفاظها مغلقة غير مفهومة، فإن "الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وإن الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها"(23).

لم ترد أيضا أن تجعل لغتها جامدة، بل أرادت لها أن تكون حيوية لها قابلية التصرف في الكلام من قديم وتأخير ونحوهما بحسب ما يقتضيه المقام، فجعلت الحركات الإعرابية على آخر الكلام دليلا على الإعراب الذي يفصح عما تريد.

والدليل على أن كلام العرب ورد معربا ما يأتي:
1 - أقوى الأدلة أن القرآن الكريم الذي ورد على أفصح اللغات العربية وأبلغها قد وردنا معربا ووصف بأنه عربي، ولا يختلف في ذلك اثنان، ومن أنكر هذا فإنه ينكر واقعا ملموسا.
2 - الحديث النبوي الشريف الذي ورد عن أفصح بشر نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم جاءنا معربا أيضا.
3 - الشعر الفصيح الذي يحتج به وصلنا معربا أيضا، وإن "وجود الإقواء في القافية لأكبر دليل على أن العرب كانت تستعمل حركات الإعراب للدلالة على المعاني المختلفة، فكانوا لحرصهم على المعنى الذي يريدونه يثبتون الحركة الدالة عليه وإن خالفت حركة الروي لسائر أبيات القصيدة ولو لم يكن الأمر كذلك لم ضحوا بالموسيقى التي تنتج من وحدة الحركة في كل الأبيات"(24).
4 - إنما سميت العربية بهذا اللفظ؛ لأنه - كما سبق في التعريف اللغوي - مرتبط بجذره (ع ر ب) الذي تعود كل التقلبات المشتقة منه إلى معنى الإبانة والإفصاح والإيضاح، والإعراب هو الذي يحقق ذلك، قال ابن يعيش: "وهو مشتق من لفظ القرب وذلك لما يعزي إليهم من الفصاحة، يقال: أعرب وتعرب: إذا تخلق بخلق العرب في البيان والفصاحة، كما يقال: تمعدد إذا تكلم بكلام معدّ"(25).

إذن فلا مناص من القول بأن الإعراب "ظاهرة موجودة في العربية منذ أقدم العصور المعروفة، حافظت عليها لأنها تمثل أداة طيعة تساعد المتكلم ليتسع في كلامه معبرا عما في نفسه من معان"(26).

ب - قواعد الإعراب وأحكامه:

أطلق لفظ الإعراب بدئ الأمر على النحو، وهو بذا المعنى يكون أول علم نشأ من علوم العربية التي وضعت لها القواعد والأحكام. ويكون التعبير - حينئذ - مجازيا بإطلاق الجزء وإرادة الكل، لأن الإعراب كما بدا مؤخرا جزء من النحو، ويبدو أنهم سموه بذلك لأن هذه الظاهرة أجلى الظواهر النحوية وأبرزها.

وحين يتحدث أهل اللغة عن بدء وضع النحو وأسبابه يطلقون عليه هذا الاسم، قال أبو الطيب اللغوي: "واعلم أن أول ما اختل من كلام العرب فأحوج إلى تعلم الإعراب"(27).

وقد قام الإجماع على أن نشأة النحو لدى العرب كانت وليدة الحاجة الماسة إليه، وتمكن تلك الحاجة في:
1 - اللحن الذي بدأ على ألسنة أبناء العرب حين اختلطوا بغيرهم واختلط غيرهم بهم ممن هم من غير العرب، ولذلك اللحن أحداث ووقائع تحدث عنها المؤرخون للنحو.
2 - الحفاظ على سلامة النطق في تلاوة أوثق مصدر اللغة العربية، وهو القرآن الكريم، والوصول إلى معرفة استنباط الأحكام منه، ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أفصح من نطق بالعربية من البشر.
3 - هناك وجه آخر للحاجة - نراه ضروريا - وهو أن وجود النحو لضبط اللسان ظاهرة حضارية كبقية الظواهر التي يكون وجودها ملحاً حضاريا، فكان من متممات الظواهر الحضارية للمجتمع العربي أن تنشا فيه القواعد النحوية حتى يبقى عود العربية صلبا لا يناله خرم ولا انفصام، فكان النحو "العلم الذي اعتبر عوضا عن السليقة الذاهبة، ومنهجاً للنطق الصحيح والتعبير الصحيح"(28).

تم بعد هذا العموم الذي استعمل في مصطلح "الإعراب" للدلالة على النحو كله خصص لدى النحاة للدلالة على تغيير آخر الكلمة بسبب اختلاف العوامل الداخلة عليها. والتناسب قائم بين ذلك العموم وهذا الخصوص لأنا نرى الموضوعات النحوية كلها تصب في معنى الإعراب، فالهدف من تلك الموضوعات بناء التركيب النحوي الهادف إلى إيضاح المعنى من خلال الحركة إلى يحملها آخر التركيب.

ولقد أسهم كثير من أعلام العربية في وضع القواعد والأحكام النحوية من خلال استقرائهم للغات القبائل العربية المتناثرة على أرض جزيرة العرب، فكان لعبد الله بن أبي اسحق الحضرمي، وسيبويه والكسائي، والفراء اليد الطولي في تأسيس هذا العلم وضبطه بضوابط تحكي السليقة العربية الخالصة التي كان عليها العرب من قبل، ولكن اللبنة الأولى بهذا الاتجاه كانت من وضع أبي الأسود الدؤلي بتوجيه وإرشاد ومتابعة من الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

3 - أهداف الإعراب:

الأهداف التي يحققها الإعراب للعربية وللمتكلمين بها جمة، أبرزها وأهمها ما يأتي:
1 - يعطي المتكلم حرية التصرف في البناء التركيبي للجملة، ويمنحه سعة في التقديم والتأخير حيث اقتضى المقام البلاغي ذلك مع احتفاظ كل كلمة من ذلك البناء بمعناها الذي تؤديه، ولا يكفي في ذلك رتبة الكلمة ما لم تمنح الحركة الإعرابية التي تضفي عليها المعنى، قال ابن يعيش: "ولو اقتصر في البيان على حفظ المرتبة فيعلم الفاعل بتقديمه والمفعول بتأخيره لضاق المذهب، ولم يوجد من الاتساع بالتقديم والتأخير ما يوجد بوجود الإعراب، ألا ترى أنك تقول: ضرب زيد عمراً وأكرم أخاك أبوك، فيعلم الفاعل برفعه والمفعول بنصبه سواء تقدم أو تأخر"(29).

وهذا الأمر منح العربية مزية امتلكت من خلالها ثروة هائلة من التعابير تفي بحاجة كل متحدث بها، وحظيت بتجربة حضارية منحتها "قدرات خفية على العطاء وعلى الإيحاء وعلى تنوع التعبير"(30).
2 - إن الإعراب يعين على التعبير عن الأغراض والرغبات التي تكون سابقة عليه، ومعلوم أن تلك الرغبات والأغراض تتفاوت وتتنوع، والذي يفصح عنها هو التنوع في التعبير والتركيب، ورائد ذلك هو الإعراب الذي "يوقف على أغراض المتكلمين"(31). و"يكون هو المستخرج لها"(32). قال الأستاذ أحمد حاطوم: "إن كون الإعراب – كما عرفناه - تعبيراً لفظياً محسوسا عن المعاني النحوية التركيبية للكلام المعرب، إنما يعني قلبيا أن للإعراب دوراً ما في أداء المعنى وفهمه، أي في وظيفة التفاهم، لأن المعاني جزء أساسي من المعنى العام للكلام"(33).
3 - يحرك الطاقة الكبرى التي تحويها اللغة العربية، ويزيل اللبس الذي قد يحصل من خلال التصرف في بناء الجملة العربية، ولولا الإعراب لآل الأمر "إلى اللبس في الكلام أو جمود العربية في تراكيبها، وقتل الطاقة الكامنة فيها... ولعل أسلوب التقديم والتأخير في العربية أصدق دليل على أهمية الإعراب الذي لولاه لأصبحت اللغة جامدة، ولفقدت حريتها في التعبير وقدرتها على التفنن في القول"(34).

وقد جعله ابن قتيبة وغيره من أهل العلم "فارقا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول، لا يفرق بينهما إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكل واحد منهما إلا بالإعراب"(35).
4 - إنه دليل الفطرة الكلامية التي كان العرب يتمتعون بها قبل اختبال الألسن والالتزام به يقرب الملتزم من تلك الفطرة التي تضفي الرونق والجمال على التعبير، لأن العرب قد التزمت بهذه "الظاهرة اللغوية، وتكلموا بسليقتهم طبقاً لها ثم جاء علماء العربية فقعدوا هذه الظاهرة ووضعوا لها المصطلحات والقوانين العامة، وبينوا ما ينطبق عليها، وما يشذ عنها، وبسبب ذلك وعلته"(36).

قال العقاد: إنه "آية السليقة الغنية في التراكيب العربية المفيدة"(37).
5 - إنه وسيلة التفكير لأنه عمود اللغة، و"اللغة كما يقرر أكثر علمائها لا تقتصر وظيفتها على التفاهم بين الأفراد وإنما تتجاوز ذلك إلى أنها الأداة التي يتعلم ويفكر بها الإنسان، فهي تقود عقله وتوجهه"(38)، وطبيعي أن الفكر لا يرتكز في استخلاص الأحكام والآراء والموازنة بينها، على مفردات اللغة مجردة، إنما يرتكز على تركيب تلك المفردات المصحوب بالعلاقة الإعرابية التي تفتح الطريق أمام المفكر في الوصول إلى الغاية التي يبتغيها، "ويكون الإعراب بهذا التصور عنصرا تعبيريا يشارك البنى التركيبية في أداء معنى الكلام وفهمه"(39).
6 - ما من شك في أن أوثق نص عربي تستند إليه العربية في تقعيد قواعدها وفهمها واستجلاء بهائها وحليتها النص القرآني، "وأقوم طريق يسلك في الوقوف على معناه، ويتوصل به إلى تبين أغراضه ومغزاه معرفة إعرابه"(40)، "إذ لولاه ما كان يتسنى لنا أن نفهم معاني القرآن المبيت، ولا أن ندرك مواطن جماله، ومحال بلاغته وإعجازه، وسائر أوامره ونواهيه، ومصادر أحكامه حلاله وحرامه وآيات وعده ووعيده"(41).

ومن أجل هذا اشترط العلماء شروطا يجب أن تتوفر فيمن يريد الخوض في تفسير القرآن الكريم، وجعلوا تمامها معرفة الإعراب، فقد نقل السيوطي عن أبي الطبري قوله: "وتمام هذه الشرائط - أي شرائط التفسير - أن يكون المفسر ممتلئا من عدة الإعراب لا يلتبس عليه وجوه اختلاف الكلام"(42).
وقد فسر بعض أهل العلم الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن "باختلاف الإعراب مع اختلاف المعنى أو إتقانه"(43).
7 - القراءات القرآنية من الأصول التي تستند إليها القواعد النحوية، والإعراب من أهم الوسائل التي تعين على ضبطها وفهم أسرارها وعلى ضبط نقلها، ولذلك يقول ابن مجاهد: "فمن حملة القرآن المعرب العالم بوجوه الإعراب والقراءات، العارف باللغات ومعاني الكلمات، البصير بعيب القراءات، المنتقد للآثار، فذلك الإمام الذي يفزع إليه حفاظ القرآن في كل مصر من أمصار المسلمين. ومنهم من يؤدي ما سمعه ممن أخذه عنه ليس عنده إلا الأداء لما تعلم، لا يعرف الإعراب ولا غيره فذلك الحافظ، فلا يلبث مثله أن ينسى إذا طال عهده فيضيع الإعراب لشدة تشابهه وكثرة فتحه وضمه وكسره في الآية الواحدة، لأنه لا يعتمد على علم بالعربية ولا بصر بالمعاني يرجع إليه"(44).
8 - إسهام الإعراب في فهم السنة النبوية المطهرة فهما دقيقا صحيحا في معانيها وأحكامها "لأنه لا تفهم معانيها على صحة إلا بتوقيتها حقوقها من الإعراب، وهذا ما لا يدفعه أحد ممن نظر في أحاديثه صلى الله عليه وسلم"(45).
9 - اللغة العربية اتسمت بأعلى درجات البلاغة، ونظرية النظم التي نادى بها عبد القاهر الجرب في جوهر تلك البلاغة، والأساس الذي تقوم عليه نظرية النظم إنما هو الإعراب، فـ"هو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان المطلع على نكت نظم القرآن"(46).

وقد أقام الجرجاني إعجاز القرآن على النظم الذي أقامه على توخي معاني النحو، ومعاني النحو التي تتوخى غنما هي الوجوه الإعرابية، قال في دلائل الإعجاز: "ثبت من ذلك أن طالب الإعجاز إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوهه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانيه، وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها غار نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها إلى الجذع، وأنه إن أبى أن يكون فيها كان قد أبى أن يكون القرآن معجزاً بنظمه، ولزمه أن يثبت شيئا آخر يكون معجزاً به وإن يلحق بأصحاب الصرفة - من المعتزلة - فيدفع الإعجاز من أصله"(47).

ومن هنا قال الأستاذ عبد الكريم الرعيض: "وهكذا نخلص من ذلك كله إلى أن القرآن الكريم قد نزل بأفصح لغة، وأرقى أسلوب، وأوضح بيان عرفه العرب بجميع فروعهم وقبائلهم خاليا من عوارض اللهجات المستهجنة، متحلياً بكل سمات الفصاحة والبلاغة في مفرداته وأساليبه، وفي مقدمة تلك السمات ظاهرة الإعراب التي التزم بها النص القرآني التزاما كاملا، وبنى عليها كثير من مظاهر إعجازه وروعة أسلوبه"(48).
10 - قال أبو البركات الأنباري: "الإعراب إنما دخل الكلام في الأصل لمعنى"(49)، لأن استيضاح المعنى ودلالة الجملة عليه لا تتم إلا عن طريقه، وإذا كان علم الدلالة قد أصبح علما مستقلا له خواصه وأسسه فإن الإعراب يبقى الأساس الأول له، لأن "الحركة الإعرابية - في حالات - لها دور لا يقل في أهميته عن دور أي حرف من حروف الكلمة في الوصول إلى المعنى الدلالي للجملة"(50).

وقد تحدث القدامى عن أثر الحركة الإعرابية في الوصول إلى المعنى المقصود وليس كما يظن أن المتحدثين هم الذين تناولوا الحديث عن أثر تلك الحركة فإذاً فابن نبي قد أدرك هذه الفكرة بجلاء في وظيفة الإعراب الدلالية... لأن الإعراب في نظره يقوم بدور أساسي في تحديد الوظائف النحوية للكلمات من خلال حركاته التي تتحكم في نقل معنى الجملة من معنى إلى معنى، فإذا قلنا: الأسد بالرفع كان المعنى الإخبار، أما إذا قلنا: الأسد بالنصب كان المعنى على التحذير "فالفتحة هي العنصر الذي حول الجملة من باب إلى باب، ومن معنى إلى معنى جديد، فهي ركن في الكلمة تشير إلى المعنى"(51).
11 - التذوق الأذني للنثر والشعر يحتاج إلى التضلع من الإعراب، لأن الصورة الجمالية، والأسلوب الرفيع للنص الأذني لا يمكن أن يتذوقه القارئ ما لم يكن على دراية بأصول الإعراب وقواعده، والخيال الذي يحمله الشعر، والوقوع على سلامة وزنه بحاجة ماسة إلى علم الإعراب، كي ينعم بإدراكه صاحب الذوق الرفيع، "فإن للعلاقات الإعرابية دوراً كبيراً فيه، حيث تتوقف موسيقاه ومعانيه على هذه العلاقات، وبدونها لا يمكن إقامة وزنه أو فهم أغراضه"(52).

الهوامش:
1 - ينظر، محمود فهمي حجازي: علم اللغة، وكالة المطبوعات، الكويت، ص 144.
2 - ينظر، يوهان فك: العربية، القاهرة 1370ﻫ-1951م، ص 2-6.
3 - بروكلمان: فقه اللغة السامية، دار صادر، بيروت، ص 18.
4 - محمد بن عبد الملك السراج الشنتيريني: كتاب تنبيه الألباب على فضائل الإعراب، تحقيق عبد الفتاح الحموز، دار عمار، ط1، الأردن، 1416ﻫ-1995م، ص 21-22.
5 - محمد بن أحمد الأزهري: تهذيب اللغة.
6 - ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت 1412ﻫ-1992م، عرب، ج1، ص 577.
7 - سنن ابن ماجة، ج1، ص 602.
8 - محمد مرتضى الحسيني الزبيدي: تاج العروس، تحقيق علي شبري، دار الفكر، بيروت 1414ﻫ-1994م.
9 - إسماعيل بن حماد الجوهري: الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت 1984م، عرب، ج1، ص 217.
10 - جار الله محمود بن عمر الزمخشري: أساس البلاغة، دار الفكر، بيروت 1415ﻫ-1994م، ص 413.
11 - الجوهري: الصحاح، عرب، ج 1، ص 179، وابن منظور: لسان العرب، عرب، ج1، ص 592.
12 - ابن منظور: لسان العرب، عرب، ج1، ص 591.
13 - المصدر نفسه، ص 590. الفيروز أبادي: تاج العروس، الهيئة المصرية للكتاب،القاهرة 1397ﻫ-1977م، عرب، ج2، ص 218.
14 - المصدر نفسه، ص 591.
15 - الفيروز أبادي: تاج العروس، عرب، ج2، ص 219.
16 - ابن هشام: شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، مكتبة الكليات الأزهرية، ميدان الأزهر، القاهرة، ص 42.
17 - هامش التحقيق لشرح شذور الذهب، ج2، ص 42.
18 - ابن عصفور: المقرب، ج1، ص 47.
19 - حسن عباس: النحو الوافي، ج1، ص 74.
20 - مصطفى الغلايني: جامع الدروس العربية، المكتبة العصرية، ط17، جيدا، بيروت 1404ﻫ-1984م.
21 - خليل أحمد عمايرة: في نحو اللغة وتراكيبها "منهج وتطبيق في الدلالة"، مؤسسة علوم القرآن، ط2، دبي-عجمان 1410ﻫ-1990م.
22 - أحمد مطلوب: بحوث لغوية، دار الفكر، ط1، عمان 1987م، ص 35-36.
23 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز.
24 - محمد الأنطاكي: دراسات في فقه اللغة، دار الشرق العربي، ط4، بيروت، ص 260.
25 - موفق الدين بن يعيش: شرح المفصل، عالم الكتب، بيروت، ج1، ص 71.
26 - خليل أحمد عمايرة: في نحو اللغة وتراكيبها، ص 150.
27 - أبو الطيب اللغوي: مراتب النحويين، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار النهضة، القاهرة، ص 1-2.
28 - إبراهيم عبد الله رفيدة: اللغة العربية لغة القرآن والعلم والمسلمين، بحث منشور ضمن أعمال الدورة السابعة لوزراء الثقافة المنعقدة في الرباط، المغرب 1410ﻫ-1989م، ص 97.
29 - ابن يعيش: شرح المفصل، ج1، ص 72.
30 - شكري فيصل: قضايا اللغة المعاصرة، بحث منشور ضمن أعمال الدورة السابعة لمؤتمر وزراء الثقافة في الوطن العربي، ص 32.
31 - أحمد الصاحبي بن فارس: المقاييس، تحقيق مصطفى الشويمي، بيروت 1383ﻫ-1964م، ص 190، جلال الدين عبد الرحمان والسيوطي: المزهر في علوم اللغة، تحقيق أحمد جاد المولى وعلي البيجاوي ومحمد أبي الفضل إبراهيم، ط3، القاهرة، ج1، ص 329.
32 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، ص 23-24.
33 - أحمد حاطوم: كتاب الإعراب، شركة المطبوعات، بيروت 1412ﻫ-1992م، ص 191.
34 - أحمد مطلوب: بحوث لغوية، ص 35-37.
35 - ابن قتيبة: تأويل مشكل غريب القرآن، تحقيق السيد أحمد صقر، ط2، القاهرة، ص 14.
36 - عبد الكريم الرعيض: ظاهرة الإعراب في العربية، ط1، 1990م، ص 83.
37 - محمود عباس العقاد: اللغة الشاغرة، جمعية الدعوة الإسلامية، طرابلس الغرب، ص 20.
38 - جميل الملائكة: اللغة العربية ومكانتها في الثقافة العربية الإسلامية، منشور ضمن أعمال الدورة السابعة لمؤتمر وزراء الثقافة، ص 123.
39 - أحمد حاطوم: كتاب الإعراب، ص 14-15.
40 - أبو البقاء العكبري: التبيان في إعراب القرآن، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل، ط2، بيروت 1407ﻫ-1987م.
41 - سميح عاطف الزين: الإعراب في القرآن الكريم، الشركة العالمية للكتاب، ط 2، بيروت 1990 م، ص 51.
42 - جلال الدين السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص 171.
43 - عبد الوكيل عبد الكريم الرعيض، ظاهرة لإعراب في العربية، ص 302.
44 - ابن مجاهد: كتاب السبعة في القراءات، تحقيق شوقي ضيف، ط2، القاهرة 1980م، ص 45.
45 - أبو القاسم الزجاجي: الإيضاح في علل النحو، تحقيق مازن المبارك، دار النفائس، ط5، بيروت 1986م، ص 95.
46 - ابن يعيش: شرح المفصل، ج1، ص 16.
47 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، ص 485-459.
48 - عبد الكريم الرعيض: ظاهرة الإعراب في العربية، ص 282-283.
49 - أبو البركات الأنباري: الإنفاق في مسائل الخلاف، دار إحياء التراث العربي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
50 - خليل أحمد عمايرة: في نحو اللغة وتراكيبها، ص 160.
51 - المرجع نفسه، ص 162.
52 - عبد الكريم الرعيض: ظاهرة الإعراب، ص 90.
الإحالة إلى المقال:

* خالد بلمصابيح: ظاهرة الإعراب وأهميتها في اللغة العربية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثاني عشر 2012. http://annales.univ-mosta.dz

***