تدرج النقد العربي من وظيفة التذليل والتوجيه إلى التعقد المنهجي

د. ماغي انجاي
جامعة شيخ أنت جوب دكار، السنغال

الملخص:

إن النقد الأدبي من أهم الدراسات، وألزمها لتذوق الأدب وتاريخه، وتمييز عناصره، وشرح أسباب جماله وقوته، ولكن وظيفته الأساسية تتمثل في رسم السبل الصالحة للقراءة والإنشاء. والنقد العربي، منذ نشأته تحت القبة الحمراء بعكاظ، حيث برزت شخصية الناقد من الشاعر، ما انفك يؤدي هذه الوظيفة، عبر القرون، مع حظوظ متنوعة في إيجاد المناهج والحوز على مقاييس دقيقة لتقييم جمال الأدب. ونريد هنا إيلاء العناية حول تصرف النقد العربي في أداء وظيفته هذه، وخاصة بعد ائتناسه بأساليب النقد الغربي وتبني مناهجه من طرف بعض النقاد. ولا شك في أن الاطلاع على ما وصل إليه الغرب أتاح للنقد العربي التجرد عن الأميال والأهوال الشخصية تارة، ولكنه دفعته تارة أخرى إلى التعقد والنفور عن وظيفته الأولى التي لا تقلّ عن تذليل الآثار الأدبية لجمهور القراء وتوجيه الكُتاب إلى الإنشاء الصحيح الجميل.

الكلمات الدالة:

النقد الأدبي، القراءة، عكاظ، المناهج النقدية، المدارس الحديثة.

***
The evolution of the Arab critique from the function of overcoming
and orientation to methodical complexity

Abstract:

Literary criticism is one of the most important studies, and it is obligatory for her to appreciate literature and its history, distinguish its elements, and explain the reasons for its beauty and strength, but its primary function is to draw the ways suitable for reading and creation. And Arab criticism, since its inception under the red dome of Okaz, where the personality of the critic emerged from the poet, he continued to perform this function, over the centuries, with various chances in finding curricula and acquiring accurate measures to evaluate the beauty of literature. We want to pay attention here to the behavior of Arab criticism in performing this function, especially after it has become distracted with the methods of Western criticism and the adoption of its methods by some critics. There is no doubt that seeing what the West has achieved has allowed Arab criticism to detach from personal miles and horrors at times, but at other times it has pushed it to complicate and alienate its first function, which is nothing less than suppressing the literary effects of the readership and directing the book to the correct and beautiful creation.

Key words:

literary criticism, reading, Okaz, critical methods, modern schools.

***

النص:

1 - النقد العربي في أداء وظيفته قبل اكتشاف النقد الغربي:

إن النقد العربي مر بمراحل مميزة تتسم كل واحدة منها بإيجاد مقاييس لتقييم الكلام الجميل شعرا، ثم شعرا ونثرا. ومن المعروف أنه من النشأة إلى وضع نظرية "عمود الشعر" في نهاية القرن الرابع للهجرة فموضوعه هو الشعر، ومقياسه هو التأثر، وإن تعددت مراجع هذا التأثر من ذوق وسليقة، وأخلاق مثالية، وبلاغة وبيان. وقد حظي هذا النقد في القرن الخامس الهجري بنظرية "النظم" مع شيخ البلاغة، عبد القاهر الجرجاني.

وتجدر الإشارة إلى خطوتين أنجزهما هذا النقد في سيره في طريق البحث عن سر الجمال في الأدب الإنشائي أو لإيجادي، ألا وهما عمود الشعر ونظرية النظم. ويمكن القول في الأول بأن النقد بجملته حتى أواخر القرن الرابع الهجري كان يفاضل على مقياس واحد وهو عمود الشعر الذي اختصره القاضي الجرجاني في قوله: "وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء، في الجودة والحسن: لشرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلم السبق فيه لمن وصف فأصاب، وشبه فقارب، وبده فأغزر ولمن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته. ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة، إذا حصل لها عمود الشعر ونظام القريض"(1).

أما المتلقي فقد أولى له الجرجاني عناية خاصة حين جعل "سورة الطرب" و"يتداخلك من الارتياح" مقياسا للشعر المطبوع، كما أنه تقصّى أثر التعقيد والغموض والتكلف على المتلقي حينما لا يحصل الاستمتاع بحسن والالتذاذ بمستطرف.

ومهما يكن من قصور العمود في التمييز بين نقد الشعر ونقد النثر، أو من ناحية المكونات الحياتية والتاريخية للأدباء، أو من ناحية التعمق في قضايا الأسلوب، فقد أدت مقاييس العمود دورا مهمّا في دفع الأدباء إلى الصحة والوضوح، وتذليل الكتابة لجمهور القراء. ونظرية العمود كما يذهب إليه محيي الدين صبحي "هي النظرية الشعرية الوحيدة في العصر الوسيط التي تتصدى لنظرية أرسطو في الشعريات وترفض التأثر بها"(2).

وعند عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس للهجرة، وفي كتابه "دلائل الإعجاز" بخاصة، نلتقي بنظرة جديدة تستحق من الباحثين كل عناية واهتمام.

فنظرية النظم قد قضت على كثير من المفاهيم الخاطئة التي سادت تفكير النقد الأدبي قبله، وأضافت إضافات جوهرية تعتبر في مجموعها أساسا صالحا لنقد الشعر بعامة وبيان إعجاز القرآن بخاصة. ويمكن تحديد الإضافات الحية التي أضافها في توحيده بين اللغة والشعر، وقضاؤه على ثنائية اللفظ والمعنى، والفصل بين التعبير العاري والتعبير المزخرف، أو بعبارة أحدث، الفصل بين وظيفة اللغة الإشارية ووظيفتها التعبيرية. ويقول الجرجاني في المضمون التعبيري: "ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها في النطق، بل أن تناسقت دلالاتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي يقتضيه العقل"(3).

ويقول في تعليقه على الوظيفة التعبيرية للألفاظ في السياق: "إن الألفاظ التي هي أوضاع اللغة لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها ولكن لأن يضمّ بعض إلى بعض فيعرف فيما بينها فوائد".

ويجدر بالذكر هنا أن الاهتمام بالتحليل الشكلي والهيكلي في الدراسات الأدبية ظهرت في أوروبا في أعقاب دراسات رولاند بارت في القرن التاسع عشر للميلاد، وتطورت على أيدي أ صحاب مدرسة براغ البنيوية. ولا أحسب القول بأن جذور البنيوية في نظرية النظم ادعاء، إذ هي قريبة مما انتهى إليه الفكر الحديث في الدراسات النقدية، وخاصة الألسنية منها. وعن هذه النظرية أقول إنها طبعت النقد العربي، قبل الثقافة العربية، حينما نأخذ بعين الاعتبار تأثيرها في الدراسات القرآنية، وفي نشأة كثير من المصطلحات البلاغية.

وأصدق مثال لذلك الخلاف الأصولي الفكري الذي وقع بين المعتزلة والأشاعرة في تحديد مفهوم النظم وموضوعه، وتطبيقه في دراسة إعجاز القرآن. والجرجاني تنبه لقضايا الشبكات، ولم يقع في فخّ البنيات.

2 - النقد العربي بعد الاحتكاك بمناهج النقد الغربي:

أ - النقد العربي قبل ظهور النقد الجديد:

إذا تجاوزنا "نوم العصور" التي رقدت فيه الأمة العربية من القرن الثامن الهجري إلى ما يسمى اصطلاحا بـ"عصر النهضة" في منتصف القرن الثاني عشر للهجرة، وخاصة بعد الحرب الكونية الأولى، فقد كان لاتصال الشرق بأساليب النقد الغربي، ولتقدم العلوم الإنسانية، ولاتساع المجال لحرية القول والكتابة أثر بليغ في نشوء الروح النقدية العصرية عند أبناء الشرق. فوثب النقد وثبة عظيمة وراح يجري على مقاييس عقلية وفلسفية بعيدا عن الانطباع والتأثر.

وهذه الفترة هي فترة الانقلاب في أوروبا سياسيا واجتماعيا وفكريا. فترة صراع العلوم الإنسانية حول النص الأدبي لاحتضانه وممارسة حق الإشراف عليه. ثم إن لهذه الفترة أهمية خاصة في مجمل التاريخ العربي الحديث، إذ نجد معظم أركان النهضة الفكرية في الديار العربية تأثروا بالثورة الفرنسية وباعثيها ومفكريها. وشهد العالم العربي ظهور أعلام من أمثال سليمان البستاني، ومحمد حسين هيكل، وطه حسين وعباس محمود العقاد... وتنوعت بهؤلاء المناهج والاتجاهات.

ويكفي مثلا ما جرى بين الرومانسية والكلاسيكية، والعامية والفصحى، والأدب للعامة أو للخاصة، أو بين المثالية والواقعية الخ...

وهذا التطور الذي حدث في أوروبا، كما يصفه شرّارة: "جعل النقد عملا فلسفيا خالصا، وحوّل الناقد إلى فيلسوف، وراح المفكرون يبحثون في اللغة، والفن، والشعر، والخيال، والجمال، باعتبارها ظاهرات حضارة، وركام تاريخ، ويربطونها، ما استطاع إلى ربطها سبيلا، بالعلم والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الإنسانية"(4).

وقد كثر الإنتاج الأدبي في العالم العربي بعد أن تسّرب إليه كثير من مبادئ النقد الغربي في أصول الفن والجمال.

وعلى سبيل تمثيل مرحلة النضج ودرجة الإفادة من هذه الذهنية الجديدة، نذكر طه حسين الذي يظهر أثر منهجه التاريخي جليّا عنده في إثارته لمشكلة السياسة ودورها في قضية النحل في تاريخ الشعر العربي الجاهلي، وذلك في كتابه "في الأدب الجاهلي" ، "في الشعر الجاهلي" سابقا.

ويبدو في دراسته هذه اهتمامه بالتمحيص والتحقيق العلمي والمقابلة ودراسات ظواهر اللغة، وتوظيف الشك، في دراسته لامرئ القيس الذي صرّح بالشّكّ حتى في وجوده حيث يقول: "إن امرأ القيس إن يكن قد وُجد - ونحن نرجّح ذلك ونكاد نوقن به - فإن الناس لم يعرفوا عنه شيئا إلا اسمه هذا وإلا طائفة من الأساطير والأحاديث تتصل بهذا الاسم"(5).

ويقول في إنتاجه الذي لا يقرّ فيه للشاعر إلا قصيدتين وهما (قفا نبك...) و(ألا عم صباحا...): "فأما ما عدا هاتين القصيدتين، فالضعف فيه ظاهر، والاضطراب فيه بيّن، والتكلف والإسفاف يكادان يُلمسان باليد. وقد يكون لنا أن نلاحظ قبل كل شيء ملاحظة لا أدري كيف يتخلص منها أنصار القديم، وهي أن امرأ القيس - إن صحت أحاديث الرواة - يمني، وشعره قرشي اللغة، لا فرق بينه وبين القرآن في لفظه وإعرابه وما يتصل بذلك من قواعد الإعراب ونحن نعلم أن لغة اليمن مخالفة كل المخالفة للغة الحجاز"(6).

ونلاحظ أيضا أن "المنهج النفسي قد أثّر في الدّرس النقدي العربي الحديث. وقد تفاوت النقاد في استمداد أدواتهم المنهجية وتصوراتهم النظرية في حقول علم الإنسان المتسعة، مع ما يواكب ذلك من مشكلات تتعلق بالمفاهيم والمصطلحات المترجمة"(7).

ولعل من أبرز النقاد الذين اهتموا بالدراسة النفسية للأدب الدكتور محمد النويهي ونقّاد مدرسة الديوان.

وأيّا كان الاتجاه النقدي الذي اقتفى آثارَه هذا الجيل، من اتجاه تاريخي، فلسفي، اجتماعي، أو نفسيّ، فإن النقد العربي في تلك المرحلة لم تبتعد عن وظيفته التقليدية التي أشرنا إليها فيما سبق. وتبدو كل هذه العلوم صالحة لدراسة الأدب، لأن النص الأدبي يتألف من مكونات تاريخية واجتماعية ونفسية وفلسفية وألسنية.

والواقع هو أنه إلى منتصف القرن السابع عشر، كثرت الترجمات، والمطالعة في كتب الغربيين، وتأثر بها الأدباء والنقاد، وهدتهم ثقافتهم الواسعة إلى أن هناك أغوارا في النفس الإنسانية، وأسرارا عن الطبيعة، مما لم يقع عليه قدماء العرب. وهكذا خدمت التيارات الفكرية والشعورية الحركة النقدية العربية.

والدليل في ذلك أن النقد العربي لم يعد يرتكز على شؤون اللغة وقواعد البيان، ومدى تطابق اللفظ بالمعنى، وتخطّى مرحلة الانطباعات الذاتية والتأثرات الخاصة متعرجا إلى الموضوعية، ولم تعد آفة الأدب العربي تقليد الأقدمين في الأساليب والأغراض والموضوعات. ومثل هذا الاكتساب ليس بيسير على ميزان أداء النقد وظيفته.

ب - النقد العربي بعد تطور علم اللسانيات:

هذه هي المرحلة المتأثرة بتطور النقد التأويلي في العالم، وخصوصا في جناحه الألسني (البنيوية، الأسلوبية...).
إذن، بعد شيوع الدراسات الألسنية، ظهرت في العالم العربي دراسات، علّنا نثني على الدور الطلائعي الذي أدّاه أصحابه لرفع التفكير العربي إلى المستوى الفكري العالمي، مثل دراسة كمال أبو ديب في كتابه بعنوان "جدلية الخفاء والتجلي" حيث يعرّف البنيوية أنه "ليست فلسفة، لكنها طريقة في الرؤية والمنهج في معاينة الوجود". ولا أطيل الوقوف على اتجاه تضمحلّ آثاره يوما بعد يوم، ولكن لا يمنعنا هذا من أن نتساءل حول جدارة تطبيق نقد يعتمد أساسا على علم الإنسان واللسانيات على الأدب العربي، هذه العلوم التي تتميز بإفراز مصطلحات تتحدى الفهم والترجمة، وتحفّها أفكار فلسفية وعلمية لا تمس الحقائق الاجتماعية التي تولّد منها الأدب العربي، ونحن نعرف أنه من المستحيل فهم نص أو نقده بعزله عن التأثيرات الفكرية والاجتماعية النابعة من البيئة ومن روح العصر. ومن الملاحظات الموضوعية نذكر ما قاله أحمد الشايب، في هذا الصدد، وهو لم يشهد بعد الانبهار الأخير بالمناهج الغربية وهو قوله: "ليس من الإنصاف وصدق الموازنة أن نلتمس في أدبنا القديم خواصّ لا يواتيه بها عصره الماضي ولا بواعثه الغابرة... إن قوانين النقد الأدبي وأصوله لا تفرض على الأدب فرضا، وتلقى عليه إلقاء، وإنما يجب أن تُستنبط من نصوصه الممتازة على أنها خواص وجدت فيها فأكسبتها القوة والجمال، وجعلتها خالدة على التأثير والخلود"(8).

وأما عن الأسلوبية فالتساؤل لدينا حول استعدادها الكامل لدراسة الأدب، وذلك أن مجمل ما وصل إليه بالي (C. Bally)(9)، وهو من أركان هذا الاتجاه، أنه ميز بين المضمون الألسني والمضمون الأسلوبي الذي يعرّفه كإضافة تأثرية متغيرة حسب القائل بمقابل الخبر الثابت المحايد للخطاب. ومفهوم الأسلوب لديه أو غيره من (Sapir) وماروزو (J. Marouzeau) وياكبسون (R. Jakobson)، ينطوي على وجود طرق متباينة ومختلفة للتعبير عن مضمون واحد. ولا أظن الموازنة بين شاعرين في غرض واحد وموضوع واحد، ووزن وقافية واحدة مخالفة لدراسة الأسلوب أي كيفية التأتي، كما تنبه لذلك الآمدي، وليس الأسلوب إلا اختيارا.

وفيما يخص المزايا التعبيرية (العبارات البليغة) للنص يرفض بالي أن يتساءل حول مطابقة هذه العبارات بمزاج الشخصيات أو الحالات، لأن مثل هذا البحث عنده من مجال الجمالية الأدبية أي خارج حقل تحقيقات الأسلوبية. وهنا يُبعد بالي حقل اللغة الأدبية عن بحوثه، بناء على أن كل العبارات البليغة التي تعللها تأتي من الكاتب عن وعي(10).

أما النقد السوسيولوجي فقد تبلورت فيه النظريات الاجتماعية في العالم العربي، وزهر على أيدي مفكري الإصلاح في عصر النهضة مثل سلامة موسى الذي ردّد مبادئ نظرته الأدبية في كتاب سماه الأدب للشعب، خلاصتُه أن الأدب كفاح. ولعل أبرز ناقد في الاتجاه النقدي الاجتماعي في صورته الاشتراكية محمد مندور الذي منح للاتجاه النقدي بعدا إيديولوجيا واضحا. وقد تطورت هذه النزعة الاجتماعية في صورتها الإيديولوجية فأسفرت عن محاولات مختلفة، منها محاولة غالي شكري في كتابه الموسوم "سوسيولوجيا النقد العربي الحديث"، وكتاب "التحليل الاجتماعي للأدب" للسيد ياسين، وهو عبارة عن مقالات كتبها صاحبها ونشرها في مجلاّت مختلفة. ويندرج كتاب سعيد علوش "الرواية والأيديولوجيا في المغرب العربي" في هذا النوع وكذالك كتاب "ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب: مقاربة بنيوية تكوينية" لمحمد بنيس، وهو دراسة جامعية تتوخَى تطبيق المنهج البنيوي التكويني. ويذكر الناقد عددا من المآخذ على هذا الاتجاه يرجعها إلى عوامل كثيرة منها: استخدام المنهج السوسيولوجي كدليل على المعاصرة دون تطبيقه تطبيقا حقيقيا في الدراسة، القصور في فهم الخلفية النظرية لسوسيولوجية الأدب وطرائقها ومجالات تطبيقها، إقبال الناقد على استعمال كل المصطلحات السوسيولوجية دفعة واحدة، استخدام المصطلحات الإجرائية دون معرفة حقيقية بها، ودون تتبع لسيرورتها التاريخية، وأخيرا عدم الانسجام بين الممارسة النظرية والممارسة التطبيقية(11).

وكل هذه التوضيحات تقصر من شأن بعض المناهج وصلاحيتها في إنجاز دراسة كاملة للأدب.

ونحن نطرح هذا السؤال: هل الجامعة أصبحت المحل الوحيد الذي يُتذوّق فيه الأدب العربي، وأين قراء هذا الأدب الذي هو جزأ لا يتجزأ عن وعي العرب وذاكرتهم، وكذلك الحال للمثقفين المستعربين في الأمصار القاصية؟

وقد يكون الجواب في ما ذهب إليه إلياس خوري في كتابه "دراسات في نقد الشعر" وهو: "أن المنهج الذي يستهلك ولا ينتج، وهذا بارز في النقد، سوف يبقى عاجزا عن صياغة لغة نقدية تنطلق من التجربة الفعلية. من هنا، فليست الجامعات التابعات هي التي تستطيع إنتاج ثقافة غير متكسرة وليست صدى للثقافات الأخرى. يحتاج النقد الجديد إلى إشكالية جديدة. واشكاليته الجديدة لن تكون سوى جزء من عملية تغيير شاملة. فعبر علاقته بالممارسة الشعرية، وعبر تعامله مع ثقافة تتفلّت من أسار الماضي، ومن أسار الاستلاب العبودي أمام الثقافات الأخرى، يستطيع النقد أن يصبح أداة إضاءة وكشف"(12).

إن بعض الخطاب النقدي المعاصر، في هذا المنظور، قد يعدل عن وظيفته التقليدية، وهو اليوم مدعوّ إلى الاهتمام بالعناصر الأدبية الأساسية والمألوفة من مضمون قصصي، وعواطف، وآراء، وصور فنية، معتمدا فيه كل الحداثة النافعة. في حين أذكر من هذه العناصر الصور الفنية للدكتور جابر عصفور، دراسته حول الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عن العرب، من حيث جوانب الخيال، وطبيعة الصور ذاتها، والوظيفة التي تؤديها الصورة في العمل الأدبي، وأهميتها للمبدع والمتلقي على السواء. هذه الدراسة إسهام نقدره حق قدره لما فيه من أفكار تجنّب الوقوع في المزالق التي تؤدي إليها النظرات المعاصرة إذا طبقناها تطبيقا عشوائيا على مادة قديمة، أو إذا تحمس لها الباحث حماسا مفرطا(13).

وهذه الدراسة قريبة مما وصل إليه اليوم التحليل السمانتي لأن الدراسات السمانتية تدور حول أحد شيئين: الأول تتبع التطورات والتغيرات التي تصيب معاني الصور والأشكال الكلامية، والثاني دراسة العلاقات بين الإشارات والرموز وبين معانيها أي دراسة "السمات" الدالة لغويا ونفسيا.

والحل اليوم يبدو قائما في إيجاد منهج متكامل، ولكنّ وجود هذا المنهج يتطلب بروز ناقد جديد أو مثالي. والسؤال كما يطرحه استانلي هايمن هو: هل يمكن إيجاد مذهب نقدي متكامل؟ وهو يقترح ناقدا مثاليا يصفه كما يلي: "لو كان في مقدورنا، وهذا مجرد افتراض، أن نصنع ناقدا حديثا مثاليا لما كانت طريقته إلا تركيبا لكل الطرق والأساليب العلمية التي استغلها رفاقه الأحياء، وإذن لاستعار من جميع تلك الوسائل المتضاربة المتنافسة وركّب منها خلقا سويا لا تشويه فيه، فوازن التقصير في جانب بالمغالاة في آخر، وحدّ من الإغراق بمثله حتى يتم له التعادل، واستقى العناصر الملائمة لتحقيق غاياته"(14).

وقد يهتم مثل هذا المنهج بتوضيح محتوى الأثر الفني وبالقيم الشعرية والشكلية، وبالتقويم والحكم المقارن، وبخلق موروث للأدب، كما سيهتم بسيرة الأديب وجوه الثقافي العام، وباللغة والألفاظ وأهمية الفن والخيال الرمزي والشكل الدرامي. ويرسم الكاتب طريق هذا التكامل في قوله: "وهذا التكامل المثالي الذي نريد أن تنشأ منه طريقة نقدية سامية لا يتم بطرح كل العناصر الجيدة في قدر واحد وخلطها معا كيفما اتفق ولكنه عمل يشبه البناء على أن يتم حسب خطة منظمة ذات أساس وذات هيكل مرسوم"(15).

ولكنه سرعان ما يحدد شروطا سيكون من الصعب جمعها: "وناقدنا المثالي هذا لن يكتفي بأن يستغل كل الطرق المثمرة في النقد الحديث وبقيمها على أساس منظم ولكنه سيحتقب كل المقدرة وكل ضروب الكفاءة الكامنة وراء تلك الطرق، فتكون لديه كفاءة ذاتية فذّة وعلم واسع كاف في كل هذه الميادين، وقدرة على انتحال الوضع الملائم كلما تغير الموقف"(16).

الهوامش:
1 - علي عبد العزيز الجرجاني: الوساطة بين المتنبي وخصومه، تحقيق أبي الفضل إبراهيم وعلي محمود البجاوي، الطبعة الرابعة، القاهرة 1966، ص 32.
2 - محي الدين صبحي: نظرية النقد العربي وتطورها إلى عصرنا، الدار العربية للكتاب، طرابلس-تونس 1984، ص 208.
3-عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، تحقيق محمد شاكر، مطبعة الخانجي، القاهرة 1948، ص 415.
4 - انظر، نظرية النظم بين المعتزلة والأشاعرة "لأبي زيد، ندوة المصطلح النقدي وعلاقته بمختلفة العلوم، مجلة كلية الآداب، فاس، عدد خاص 4، 1988، ص 344-367.
5 - عبد اللطيف شرارة: معارك أدبية قديمة وحديثة، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، 1984، ص 248.
6 - طه حسين: في الأدب الجاهلي، دار المعارف، القاهرة، (د.ت)، ص 196-202.
7 - محمد أديوان: آفاق التكامل والانسجام بين العلوم الإنسانية والنقد الأدبي، مجلة كلية الآداب، جامعة محمد الخامس، الرباط، العدد 20، 1995، ص 37-92.
8 - كمال أبو ديب: جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر، دار العلم للملايين، الطبعة الأولى، بيروت 1979، ص 7.
9 - أحمد الشايب: تمهيد تاريخ النقد الأدبي عند العرب من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع الهجري لطه إبراهيم، دار الحكمة، بيروت 1937، ص "ب".
10 - انظر بالي: دراسة حول الأسلوبية الفرنسية، باريس 1951.
11 - انظر الدكتور عبد الرحمان بو علي: في نقد المناهج المعاصرة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1994، ص 39.
12 - إلياس خوري: دراسات في نقد الشعر، دار ابن الرشد، بيروت 1979، ص 226.
13 - انظر جابر عصفور: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثالثة، بيروت-الدار البيضاء 1992.
14 - ستنالي هايمن: النقد العربي ومدارسه الحديثة، ترجمه إحسان عباس، ج2، الطبعة الأولى، دار الثقافة، بيروت، ص 245.
15 - المرجع نفسه، ج2، ص 248.
16 - نفسه.
الإحالة إلى المقال:

* د. ماغي انجاي: تدرج النقد العربي من وظيفة التذليل والتوجيه إلى التعقد المنهجي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الحادي عشر 2011. http://annales.univ-mosta.dz

***