ظاهرة المناسبة واتساق النص القرآني

د. نوح الأول جنيد
جامعة لاغوس، نيجيريا

الملخص:

انصبّ اهتمام العلماء اللغويين النصيين - بعد ظهور المدرسة النصية - على تحليل عناصر اللغة فوقَ الجملة وذلك أن الاقتصار على عناصر داخل الجملة لا يمكن المتلقي من الإحاطة بأبعاد النّص وفهم رسالاته كما ينبغي. وكان الغرض من تحليلهم النصي تحقيقُ تماسك النص العربيّ. ونظراً لقلة إشارة علماء النص المحدَثين إلى ظاهرة المناسبة وسيلة يتحقق بها التماسك النصيّ، يحاول هذا المقال مناقشة هذه الظاهرة وإثباتها إحدَى وسائل التماسك النصي، كما يتعرّض لبيان دوره الفاعل في تحقيق اتساق النّص القرآني وانسجامه، ويبصّر بمساهمات المتقدّمين من علماء العرب لقضية المناسبة مع ذكر أنواعها والأمثلة القرآنية الموضّحة. وقد تأثر هذا المقال بدراسة الفقي المفصلة لقضية المناسبة.

الكلمات الدالة:

المناسبة، القرآن الكريم، المدرسة النصية، اللغة، الجملة.

***
The phenomenon of convenience and consistency of the Quranic text

Abstract:

After the emergence of the textual school, the interest of textual linguists focused on analyzing the elements of language above the sentence, because limiting it to elements within the sentence does not enable the recipient to grasp the dimensions of the text and understand its messages as it should. The purpose of their textual analysis was to achieve the coherence of the Arabic text. In view of the lack of reference by modern scholars of the text to the phenomenon of convenience as a means by which textual coherence is achieved, this article attempts to discuss and prove this phenomenon as one of the means of textual coherence, as well as to explain its effective role in achieving consistency and harmony of the Qur’an text, It provides insight into the contributions of the advanced Arab scholars to the cause of convenience, with mention of its types and Quranic examples illustrated. This article was influenced by Al-Feki's detailed study of the convenience.

Key words:

convenience, Holy Quran, textual school, language, sentence.

***

النص:

قبل الخوض في الكلام عن ظاهرة المناسبة نفرق بين دلالتيها المعجمية والتفسيرية، مستعينين بما ورد في المعجم العربي الأساسي. اشتق اللفظ (المناسبة) من فعل صيغ على زنة "فاعل"، ناسب يناسب مناسبة؛ "ناسبه الأمر أو الشيء"، لائمه ووافقه مزاجه، "وناسب الدواء المريض"، وناسبه: شاركه في النسب وصاهره "ناسب عائلة معروفة"(1). ويتبين من هذه التحديدات المعجمية أن كلمة "المناسبة" ترادف الملائمة والموافقة والمشاركة والاتصال مما ينم عن ملائمة العناصر واتصالها في بنية النص أو تلميح إلى وسائل يتحقق بها التماسك النصي.

ومن الإفادة أن اللفظ "المناسبة" كان شائعا ومعروفا لدى بعض المفسرين العرب القدماء بمناسبات النزول أي الأحداث الملازمة لنزول سور القرآن الكريم ويدل أيضا على أسباب النزول. والمقصود بالمناسبة في هذا المقال ليس مناسبات النزول وإنما المراد هو الترتيب الإلهي المقصود لسور القرآن الكريم وآياته المحكمات وتتبع هذا الترتيب لمعرفة مظاهر التناسب بين السور والآيات باعتبارها عناصر التماسك في القرآن الكريم والتي تومئ إلى وحدة عضويته واتساق معانيه وإعجازه. ومشهور أيضا عند قسم من علماء القرآن العظيم أن المناسبة علل ترتيب أجزائه بعضها ببعض(2)، وهي المعنى الذي يربط بين سوره وآياته.

1 - ظاهرة المناسبة لدى المتقدمين والمتأخرين:

تعد المناسبة مما يقل الاهتمام به لدى الكثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين. وأشار صبحي إبراهيم الفقي إلى هذه الحقيقة بقوله: "إن البحث في المناسبة لم يكن الاهتمام به كبيرا، وهذا لدقته وخفائه كثيرا؛ إذ يحتاج إلى كثرة إعمال الفكر وإمعان النظر حتى يمكن ملاحظة المناسبة بين الآيات أو بين السور"(3). وقد ألمح الزركشي إلى الملاحظة نفسها بقوله: "فقد قل اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته، وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي، وقال في تفسيره (التفسير الكبير): أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط(4). ومما يجب ذكره في هذا المنحى كلام أحد الباحثين في ابن العربي مفاده: أن ابن العربي قد يئس من طلاب العلم والعلماء الذين أعرضوا جملة وتفصيلا عن هذا العلم الجليل (أي علم المناسبات)، وأعرب عن يأسه في قوله ارتباط آي القرآن بعضه ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني، منتظمة المباني"(5) وتشير المقتبسات إلى تلميح المتقدمين إلى ظاهرة التماسك والترابط ودورها الدلالي في تحقيق الاتساق والانسجام بين عناصر النص القرآني.

وأفاد الزركشي أن أول من ألف في المناسبة هو الشيخ أبو بكر النيسابوري على حد تعبير الشيخ أبو الحسن الشهراباني، وأنه (النيسابوري) كان يقول على الكرسي إذا قرئ عليه الآية: لم جعلت هذه الآية جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السور، وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة(6). وأضاف السيوطي بأن العلامة أبو جعفر بن الزبير شيخ أبي حيان الأندلسي أفرد قضية المناسبة بالـتأليف وسماه "البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن" وأيضا من أهل العصر الشيخ برهان الدين البقاعي (ت 885هـ) في كتاب عنوانه "نظم الدرر في تناسب الآي والسور"(7)، وأردف بقول مفاده: "وكتابي الذي صنعته في أسرار التنزيل كافلٌ بذلك، جامعٌ لمناسبات السور والآيات... وقد لخصت منه مناسبات السور خاصة في جزء لطيف، سميته "تناسق الدرر في تناسب السور... وممن أكثر فيه الإمام فخر الدين..."(8).

وقد لخص الخطابي ملاحظته القيمة نتيجة استقرائه بعض النماذج من تفاسير المفسرين من أمثال الزمخشري والرازي وابن عاشور في أنهم يشرعون في البحث عن المناسبة حين تنقطع الصلة بين آية وآية أو آيات سابقة، وأنهم وضعوا صيغا متميزة لم تثر في آيات أخر تصل بينها وسائل شكلية أو علاقات، وأن طريقة توضيحهم لكيفية الاتصال بين آيات معينة تختلف عما عليه الأمر في الوسائل والعلاقات إذ يلجئون هنا إما إلى شروح مستفيضة لكي يقتنع القارئ بسلامة تخريج الصلة بينهما، وأما أنهم يستنجدون بسبب النزول، أي المقام الذي أطر الآيات، لتبرير وموقع آية منها(9).

ولمح علماء التفسير إلى ظاهرة المناسبة في محاولاتهم تفسير النص القرآني المقدس على مستويات لغوية كثيرة ومتعددة مثل الاتساق بين الحرف والحرف، والكلمة والكلمة، والكلمة والجملة، والكلمة والفقرة، والجملة والجملة، والسورة والسورة، وأول السورة وآخرها إلى آخر علاقات الاتساق. وتجسدت هذه المستويات فيما جاء في الترجمة للإمام الرازي في مقدمة الكتاب "مفاتيح الغيب" مفاده: "إلى عقلية تتميز بسعة الأفق إذ إنه يخدم معنى الآية، لأنه يربط الآية بما سبقها من الآيات... وقد برع الرازي في ربط الآيات السابقة بالآيات اللاحقة(10).

وساد الاعتقاد أيضا أن الإعجاز القرآني كامنٌ في شدة تماسكه واتساق عناصره ووحدة عضويته كالكلمة الواحدة. وكثيرةٌ هي الدراسات الجليلة التي قدمت في التراث العربي في تجلية مظاهر المناسبة في القرآن الكريم. ومن أبرز أعمال العلماء المتقدمين من النحاة واللغويين والمفسرين والفقهاء، التي تعرضت للملامح النصية كتاب "الدلائل الإعجاز" حيث نظر صاحبه عبد القاهر الجرجاني إلى القرآن نظرة كلية باعتباره نصا واحدا، فيقول: "تأملوه سورة سورة، وعشرا عشرا، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة ينكر شأنها، أو يرى أن غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتساقا بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاما والتئاما، وإتقانا وإحكاما"(11). ويستنتج من هذا المقتبس أن العرب تحت قضية المناسبة اكتشفوا ظاهرة الاتساق وضمائمه النظام والالتئام والإتقان والإحكام في التراكيب القرآنية.

2 - أنواع المناسبة:

قسم ابن أبي الإصبع المصري(12) (ت 654هـ) المناسبة نوعين: المناسبة في المعاني وهي عملية ابتداء المتكلم بمعنى ثم الإتمام بما يناسبه معنى دون لفظ، وهذا يعادل ما يعرف عند النصيين بالاتساق الدلالي أو الانسجام؛ والمناسبة في الألفاظ وهو توخي الإتيان بكلمات متزنات وهذا يسمى اليوم بالاتساق، وينقسم بدوره ضربين: تامة وغير تامة؛ فالتامة أن تكون الكلمات مع الاتزان مقفاة وأخرى ليست بمقفاة... ومن الشواهد التي ساقها المصري للتامة قول الرسول (ص): "أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهمة، ومن كل عني لامة"(13)، ولم يقل ملمة، وهي القياس، وكأنه فضل اللفظ "لامة" تحقيقا للمناسبة اللفظية التامة.

وللسيوطي أقسام للمناسبة غير أنها لا تخرج عن النوعين الأساسيين الذين تقدم ذكرهما، ويمكن تلخيص الأقسام في:
أ - بيان مناسبات ترتيب سورة، وحكمة وضع كل سورة منها.
ب - بيان أن كل سورة شارحة لما أجمل في السورة التي قبلها.
جـ - وجه اعتلاق فاتحة الكتاب بخاتمة التي قبلها.
د - مناسبة مطلع السورة للمقصد الذي سيقت له، وذلك براعة الاستهلال.
هـ - مناسبة أوائل السور لأواخرها.
و - مناسبات ترتيب آياته، واعتلاق بعضها ببعض، وارتباطها وتلاحمها وتناسبها.
ز - بيان فواصل الآي، ومناسبتها للآي التي ضمت إليها.
حـ - مناسبة أسماء السور لها(14).

ويبدو من تقسيم السيوطي أنه اشترط شرطا تتحقق به المناسبة، وهو ضرورة وجود معنى رابطٌ بين المتناسبين؛ بمعنى أن مرجع المناسبة في الآيات إلى معنى رابط بينهما عام أو خاص عقلي أو حسي أو خيالي أو غير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهني كالسبب والمسبب والعلة والمعلول والنظيرين والضدين ونحوه"(15)، واستضاء بكلام الفقي في قضية المناسبة، نخلص إلى أن المعنى الرابط الذي ذكره السيوطي وغيره هو مظهرٌ من مظاهر الترابط المفهومي عبر الكلمات والجمل والآيات والسور التي تكون بها النص القرآني.

3 - آلية المناسبة في تحقيق تماسك النص القرآني:

تقتضي المناسبة وجود علاقة بين المتناسبين في النص القرآني، وقد تكون العلاقة ظاهرة أو غير ظاهرة، والعلاقة - على حد تعبير السيوطي- تقتضي مرجعية من أحد المتناسبين إلى الآخر، ويؤدي تفاعل علاقات العناصر هذه إلى تحقيق التماسك النص القرآني. وجاء كلام الزركشي ليثبت ويعلن الفوائد التحليلية الكامنة في معرفة المناسبة نصه: "جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء"(16). ونقل عن بعض مشايخه طريقة البحث عن المناسبة بين الآيات بل وبين السور كذلك "فالذي ينبغي في كل آية أن يبحث أول كل شيء عن كونها مكملة لما قبلها، أو مستقلة عنها، ثم المستقلة؛ ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علمٌ جم. وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له"(17).

4 - التحليل النصي للسور القرآنية:

تنقسم المناسبة إلى: المناسبة على مستوى السورة المفردة. والمناسبة على مستوى أكثر من سورة. ويمكن تقسيم المناسبة على مستوى السورة المفردة إلى:
أ - مناسبة اسم السورة لمضمونها،
ب - مناسبة السورة لآخرها،
جـ - مناسبة آيات السورة بعضها البعض،
د - مناسبة السورة للحرف الذي بني عليه.

وتتكون المناسبة على مستوى أكثر من سورة من:
أ - مناسبة فواتح أكثر من سورة،
ب - مناسبة خاتمة السورة لفاتحة ما تليها أو فاتحتها لخاتمة قبلها،
جـ - مناسبة السورة بأكملها لسورة أخرى،
د - مناسبة القصة الواحدة في أكثر من سورة،
هـ - مناسبة الإجمال والتفصيل بين الآيات في أكثر من سورة.

أولا - المناسبة على مستوى السورة المفردة:

وعلى هذا المستوى تبدأ السورة من اسمها، ثم مضمونها، ثم خاتمتها. وذلك كله عبر آيات متعددة ذات فواصل قد تتفق - وذلك الغالب - وقد تختلف. ولكل من هذه الأقسام المكونة للسورة وظيفةٌ، أو مناسبة إما مع موضوع السورة، أو بين أولها وآخرها، أو بين اسمها ومضمونها.

أ - مناسبة اسم السورة لمضمونها:

يصبح العنوان (أو اسم السورة) في هذا القسم مرجعية سابقة لمضمون السورة والمضمون مرجعية لاحقة إلى عنوانها، أو العكس، وكلاهما مرجعيةٌ داخلية من حيث المناسبة والإحالة. فعنوان النص بصفة عامة، أول ما يواجه متلقي النص أو محلله، يرى - وهو في مكانة عالية في التحليل النصي - أن النص قد يكون مكملا للعنوان، أو موضحا ومفصلا له. وهذه المناسبة ليست مقتصرة على النص القرآني وإنما يلاحظ وجودها في النصوص النثرية والشعرية الأخرى. للعنوان، على حد تعبير محمد العبد، قيمةٌ إشاريةٌ تفيد في وصف النص ذاته وغني عن البيان أن طبيعة العلاقات بين النص وعنوانه من المباحث الحيوية والطريفة التي ما زالت في حاجة إلى دراسات علمية تحليلية عميقة(18).

وخير ما يوضح المناسبة بين اسم السورة ومضمونها ما لاحظناه في سورة الفاتحة، حيث فتحت السورة بذكر "الحمد"، ومثل هذه المناسبة كثير في السور المكية؛ حيث تبدأ السور بذكر اسم السورة، منها سورة القلم، الحاقة، المعارج، نوح، الجن، المزمل، المدثر، القيامة، المرسلات، النبأ، النازعات، عبس، التكوير، الانفطار، المطففين، الانشقاق، البروج، الطارق، الأعلى، الغاشية، الفجر، البلد، الشمس، الضحى، الشرح، التين، العلق، القدر، البينة، الزلزلة، العاديات، القارعة، التكاثر، العصر، الهمزة، الفيل ، قريش، الكوثر، الكافرون، النصر، الفلق، الناس. وتندرج تحث هذا النوع من المناسبة عدة محاور هي:
1 - التماسك بين اسم السورة وحدث مذكور فيها.
2 - التماسك بين اسم السورة وقصة مذكورة فيها.
3 - التماسك بين اسم السورة والسورة كلها.
4 - التماسك النصي بين اسم السورة والسورة عبر الآية الأولى.

يتمثل المحور الأول في سورة الأنعام، حيث تعالج قضية الألوهية والعبودية بشكل واسع، والمناسبة تكمن في ذكر لفظ الأنعام في الآيات 137، 138، 139، 142، وذكر اللفظ نفسه في الآيات من 136-153، وتحقق الانسجام بذكر أنواع الأنعام مثل الضأن والماعز والإبل والبقر وتسمى هذه بإحالة معجمية (وهي مظهرٌ من مظاهر تماسك النص القرآني) حيث تحال الحيوان المذكور إلى اللفظ الأنعام وهي (أي الحيوان المذكور أسمائها) بمثابة تفصيل لما يتضمنه الأنعام ويمكن اعتباره اسم العام للحيوان المذكور دلاليا. وكذلك سورة الأعراف حيث ذكر في مضمونها قصة أصحاب الأعراف، وسورة الحجر التي سميت بهذه التسمية مناسبة لذكر موقف أصحاب الحجر: "ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين، وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين، فأخذتهم الصيحة مصبحين، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون"(19).

وكذلك سورة النحل وسورة الحج فإن وجه التماسك بين اسم السورة والسورة نفسها يرجع إلى ذكر فريضة الحج: "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق"(20). وهناك مظاهر أخرى لمثل هذا التماسك أو المناسبة لا يسمح لنا حدود هذا البحث بذكرها.

وجاء المحور الثاني مكملا لنمط المذكور سابقا، فالحدث أو الموقف الذي ناسب فيه اسم السورة السورة نفسها، لم يستغرق السورة كلها، بل هو جزءٌ منها، فسورة يونس يتم تماسكها من أولها إلى آخرها بقصة يونس التي هي جزء من القصص المذكورة، وهذا الجزء يعود بالمرجعية السابقة إلى العنوان أو اسم السورة، ومن ثم تتم المناسبة أو التماسك بين اسم السورة ومضمونها. وكذلك سورة هود ومرجعية الآيات كلها سابقةٌ؛ إذ كلها ترجع إلى هود صراحة في القصة، وفي القصص الأخرى ترجع إليه ضمنيا. والشيء نفسه يقال في سورتي الكهف ومريم.

والمحور الثالث إحالة اسم السورة إلى موضوعها كله، ويستغرق ويتخلل الاسم السورة كلها، ولا يحتاج إثبات التماسك النصي بين اسم السورة والسورة هنا إلى تأويلات كثيرة، ويمثل هذا حسب قول الفقي أشهر الأنماط تحقيقا للتماسك عبر المناسبة. ونماذجه كثيرة منها المناسبة في سور: يوسف، الواقعة، الحاقة، نوح، الجن، الانفطار، القدر، القارعة، الفيل، قريش. وإنما المتأمل في السور المذكورة يوافقنا الرأي أن هذه السور فيها التماسك والانسجام، ففيها وحدة الموضوع، كما يتجلى فيها التماسك بين موضوع السورة ومناسبة نزولها.

المناسبة في المحور الرابع يتجسد في سورة: الإسراء، طه، المؤمنون، الفرقان، يس، الصافات، ص، ق، الذاريات، الطور، النجم، القمر، الواقعة، الملك، القلم، الحاقة، المعارج، المزمل، المدثر، الطارق، الأعلى، الغاشية، الفجر، البلد، الشمس، الليل الضحى، الشرح، التين، القدر، العاديات، القارعة، التكاثر، العصر، الهمزة، الكوثر، الكافرون، النصر، الفلق، الناس. وسورة الواقعة مثلا تتسق نصيا على أربعة محاور:
الأول: بين مكونات السورة.
الثاني: بين مكوناتها واسم السورة.
الثالث: بين مكوناتها والآية الأولي.
الرابع: بين الآية الأولى واسم السورة.

ب - مناسبة أول السورة لآخرها:

وجدير بالذكر أن هذه المناسبة كانت بين أول السورة وخاتمتها، وتتحقق المناسبة بعدد من وسائل هي:
1 - التكرار (باللفظ والمعنى)، الترادف والتنظير (إلحاق النظير بالنظير)، والمضادة.
2 - الإجمال والتفسير، والاستطراد.
3 - المرجعية، وهي مرجعية سابقة داخلية.

ومن الدواعي لهذه الوسائل كون السورة حاوية على الجمل والفقرات مما يقتضى تكرار اللفظ والمعنى في مطلع السورة الأخرى، أو تكرار المعنى دون اللفظ، أو الإتيان بجملة تفسر المطلع أو غير ذلك من العلاقات التي تبين التماسك والانسجام بين مطلع السورة وخاتمتها. وروي أن السيوطي سمى هذه العلاقة "بمراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع". ومن بين السور التي تتضح فيها المناسبة بين أولها وآخرها: الأنعام، الأعراف، يونس، هود، يوسف، إبراهيم، النحل، الإسراء، الكهف، الأنبياء، المؤمنون، الشعراء، القصص، العنكبوت، الروم، فاطر، ص، الشورى، الدخان، الجاثية، ق. وعلى سبيل المثال تبدأ سورة "ق" بقوله تعالى: "ق والقرآن المجيد، بل عجبوا أن جاءهم منذرٌ منهم فقال الكافرون هذا شيءٌ عجيبٌ"(21). وفي الخاتمة يقول سبحانه وتعالى: "فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب"(22). وقوله تعالى: "نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد"(23). والمرجعية الملحوظة فيها: مرجعية سابقة داخلية: حيث يتم تناسب بين اللفظ (القرآن) الوارد في بداية السورة واللفظ (القرآن) الوارد في خاتمة السورة، وفي قوله تعالى: "قال الكافرون هذا"، "فاصبر على ما يقولون"، و"نحن أعلم بما يقولون"، والتماسك في السورة حاصلٌ بين الفعلين (قال) و(يقولون) اللذين أسندا إلى الكافرين.

جـ - مناسبة آيات السورة بعضها البعض:

وقد أفاض المفسرون العرب في هذا النوع من المناسبة وأكدوا وجودها خاصة في النص القرآني، والكلام السائد عندهم أن مرجع المناسبة في الآيات ونحوها "إلى معنى رابط بينها، عام أو خاص، عقلي أو حسي أو خيالي أو غير ذلك من أنواع العلاقات أو التلازم الذهني، كالسبب والمسبب، والعلة والمعلول، والنظيرين والضدين"(24).

وورد في حديث السيوطي بيانٌ مفصلٌ عن علاقة التماسك بين الآيات، وبيانه هذا يضاهي تحليل النصيين اليوم، فيقول "إن ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يكون ظاهر الارتباط لتعلق الكلم بعضه ببعض وعدم تمامه بالأولى فواضح. وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على وجه التأكيد أو التفسير أو الاعتراض أو البدل؛ وهذا القسم لا كلام فيه. وإما ألا يظهر الارتباط، بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى، وأنها خلاف النوع المبدوء به. فإما أن تكون معطوفة على الأولى بحرف من حروف العطف المشتركة في الحكم أولا؛ فإن كانت معطوفة فلا بد أن يكون بينهما جهةٌ جامعةٌ... كالتضاد بين القبض والبسط... وشبه التضاد بين السماء والأرض... وإن لم تكن معطوفة، فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام، وهي قرائن معنوية تؤذن بالربط، وله أسباب: أحدها: التنظير الثاني: لمضادة الثالث: الاستطراد، ويقرب من الاستطراد حسن التخلص، ويقرب منه أيضا حسن المطلب"(25).

ويمكن تلخيص وسائل تحقيق المناسبة أو التماسك بين الآيات في ما يلي:
- تكرار الفاصلة الواحدة،
- الإجمال والتفصيل بين الآيات،
- ترتيب الجمل حسب ترتيب الأحداث،
- علاقة التضاد،
- علاقة السبب والمسبب عنه.

ويبرز في تكرار الفاصلة مستويان لغويان: الصوتي والصرفي بإضافة إلى مستويات أخرى يتعامل معها علم النص، وهذا التكرار لا يختص سورة دون أخرى. إن علاقة الإجمال والتفصيل شديدة الصلة بالتماسك النصي؛ إذ التفصيل يعد شرحا للإجمال، والإجمال - في الغالب - سابق التفصيل، ونوع مرجعيته خلفية، ويمثل ردا للعجز على الصدر ويمكن تقسيم هذه العلاقة إلى:
- اسم السورة وكلمتها أو عدة آياتها وجملها،
- الآية الأولى وبقية السورة (من عبارة أو جملة وعدة آيات أو جمل)،
- الآية والآيات المجاورة،
- الكلمة والكلمة أو الكلمات المجاورة،
- السورة والسورة الأخرى،
- الآية في سورة والآيات الأخرى في السورة الأخرى.

وترتيب الجمل حسب ترتيب الأحداث: عبارة عن الترابط النصي المشابه بترابط الأحداث في عالم واقعي، نلاحظ توسل النص للتعبير عن ترابط الأحداث بوسائل قرآنية عديدة دلاليا وشكليا. وهذا يتحقق بالمناسبة بين ترتيب الأحداث الواقعة وبين الجمل المعبرة عنها. فقصة يوسف ذات أحداث كثيرة لكنها متعاقبة متتالية ومرتبة حسب الترتيب المنطقي للأحداث والمقدمات والنتائج. وهي (سورة يوسف) خير شاهد لمثل هذا الترابط والاتساق.

وعلاقة التضاد من أنماط المناسبة التي تؤدي إلى تماسك النص القرآني، وهي ليست بين الكلمة والأخرى بل بين الجملة والجملة، والآية والآية الأخرى، وكانت معروفة عند البلاغيين بالمقابلة، وأمثلتها كثيرة في النصوص القرآنية.

وعلاقة السبب والمسبب عنه من علاقات المناسبة التي تحقق التماسك والانسجام في النص القرآني، وهي علاقة دلالية، وإنما الرابط بين السبب والمسبب عنه منطقي، فيترتب المسبب على السبب. ونوع المرجعية الداخلية: خلفية وقبلية.

ثانيا - المناسبة على مستوى فوق السورة:

إن مراعاة المناسبة على هذا النحو من الأمور الواضحة التي تؤكد توقيفية ترتيب سور القرآن الكريم، وكانت هذه المناسبة مشهورة عند النصيين المحدثين بالبنية الكلية (Global structure).

مناسبة فواتح أكثر من سورة: تمثل فاتحة السورة أحيانا سمة من سماتها، كما تشكل أحيانا مفتاحا للسورة وعنوانا آخر لها، وفواتح السور المشتركة في مثل هذه المناسبة تلتقي حول العناصر وهي: الحروف المقطعة، والحديث عن الكتاب الكريم، والحديث عن التنزيل أو الوحي، ووحدة المسند إليه في التنزيل وهو الله تعالى. وتتضافر العناصر لتحقيق التماسك الشكلي والدلالي بين فواتح السور المشتركة فيها، كما في الأعراف، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، وطه، والشعراء، والنمل، والقصص، ولقمان، والسجدة، ويس، وغيرها من السور؛ ومنها ما تشترك في القسم والأفلاك: في البروج، والطارق، والنجم، والفجر، والليل، والضحى، والعصر، والشمس؛ وفي الشرط حيث تلمس ووحدة الموضوع في الواقعة، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والزلزلة؛ وفي الاستفهام حيث تلحظ وحدة المخاطب: مثل الغاشية، والانشراح، والفيل، والماعون؛ وفي الدعاء بالهلاك: في المطففين، والهمزة، والماعون.

مناسبة خاتمة السورة لفاتحة ما تليها: وهذا مظهر آخر من مظاهر المناسبة التي تترتب على النظرة الشاملة للنص القرآني لا النظرة الجزئية البسيطة. وأهميتها كبيرة في تحقيق الاتساق بين سورتين متتاليين في القرآن، وإنما التماسك الملحوظ في هذه المناسبة قائمٌ على المرجعية الخلفية، نظرا لترتيب السور، وعلى التكرار الكلي أو التام، والتكرار الجزئي. وعلى الإجمال والتفصيل. والخلاصة أن هذا النمط يسهم في توسيع أفق المحلل النصي المعاصر لتعميق بحثه عن عناصر الاتساق والانسجام بين النصوص أو الفصول المكونة للنص الكتاب، أو للعمل الكامل.

مناسبة السورة بأكملها لسورة أخرى: وثمة ملاحظات كثيرة ومفيدة صدرت من المفسرين واللغويين العرب من أمثال الرازي (ت 328هـ) والزمخشري (ت 538هـ) والزركشي (ت 794هـ) والسيوطي (ت 911هـ) والبقاعي (ت 885هـ)، وغيرهم في هذه المناسبة. ويفيد هذا المقال دراسة الخطابي المعاصرة(26) لهذا النوع من المناسبة حيث استعان فيها بآراء المفسرين المذكور أسماءهم فأخلص إلى نتائج هي:
- أن سورة البقرة تمتد صلاتها عبر آل عمران والنساء والمائدة والأنعام.
- وأن سورة الأنعام تمتد صلاتها - بشكل رجعي - من المائدة إلى النساء إلى آل عمران إلى البقرة إلى الفاتحة.
- أن سورة الأنعام بكاملها - نقلا عن السيوطي- شرحٌ لآيتين في البقرة هما الآية 21 والآية 29.

فالمناسبة الملحوظة بين السورة الكاملة وغيرها من السور الكاملة قد تكون خاصة بالجانب الدلالي أو الشكلي مثل الفاصلة وما يتبعها من تماسك صرفي وصوتي، أو تكون الثانية متممة للأولى، أو تكون بينهما علاقة التعلق النحوي مثل تعلق شبه الجملة والعلة... وغيرهما، أو علاقة المقابلة. وتسهم هذه الوسائل كلها في إيضاح التماسك وانسجام النص بين أكثر من سورة.

ذكر القصة الواحدة خلال السور: إن الناظر المتأمل في القرآن الكريم لا يتردد في أن يقر بوجود المناسبة في ذكر القصة الواحدة في أكثر من سورة، ومن الملاحظ أن تذكر القصة الواحدة في السور المتعددة، وإنما الهدف من الذكر هو إبراز وظيفة التكرار في تحقيق التماسك النصي بين السور التي وردت فيها القصص. والتكرار كما هو معروف يؤدي إلى تأكيد وترسيخ المعلومات في كيان المخاطبين.

علاقة الإجمال والتفصيل بين السور: توجد هذه العلاقة في القرآن الكريم بكثرة حيث تجمل قصة أو حكم ثم تفصل في مكان آخر، فإن التفصيل في ضوء علم اللغة النصي شديد التماسك بالإجمال، وكلاهما واحد، غير أن التفصيل فيه زيادات وضوابط وتفاصيل تتناسب مع طبيعة الأمر المجمل. والتفصيل يحمل علاقة المرجعية الخلفية الداخلية لما أجمل من قبل. والملخص أن الإجمال يمثل المحال إليه، والتفصيل المحيل، والمرجعية بالتكرار الشكلي والدلالي يمثل الوسيلة التي تتحقق بها الإحالة بينهما، واشتهر هذا العنصر عند علماء العرب القدامى برد العجز على الصدر.

لقد تناول المقال قضية المناسبة بالدراسة، فساهم في مناقشة مفاهيم ظاهرة المناسبة لدى علماء التفسير المتقدمين وغيرهم من علماء اللغة المحدثين. صدر المقال مباحثه ببيان ظاهرة لمناسبة ودلالتها ومفهومها وتجلياتها، وأعقبه بكلام مفصل عن أنواع المناسبة وآليتها في تحقيق تناسب النص القرآن. وقدم المقال التحليل النصي لبعض سور القرآن وبصر بالمناسبة على مستوى السورة المفردة ومستوى أكثر من السورة، واسم السورة لمضمونها واسم السورة لآخرها، وآيات بعضها للبعض، وكذلك الحرف الذي يبنى عليه، وذكر القصة الواحدة خلال السور، وعلاقة الإجمال والتفصيل بين السور، وغيرها من المناسبات المتعلقة، وسيق في المقال بعض الآيات لتوضيح المناسبات الملحوظة. يعتبر المقال ظاهرة المناسبة مظهر مهم من مظاهر تماسك النص القرآني وانسجامه.

الهوامش:
1 - جماعة من اللغويين العرب: المعجم العربي الأساسي للناطقين بالعربية ومتعلميها، لاروس 2003، ص 1188.
2 - برهان الدين البقائي: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، تخريج: عبد الرزاق غالب، دار الكتب العلمية، بيروت 1415هـ، ص 5.
3 - إبراهيم صبحي الفقي: علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، دار قباء، القاهرة 2000، ج2، ص 87.
4 - بدر الدين الزركشي: البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار التراث، القاهرة، (د.ت)، ص 36. وانظر كذلك: محمد بازمول: علم المناسبات في السور والآيات، جامعة أم القرى، مكة المكرمة 2002، ص 23. وانظر كذلك: فخر الدين الرازي: التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي، ط3.
5 - إبراهيم صبحي الفقي: المرجع السابق، ص 88.
6 - نفسه.
7 - المصدر نفسه، ص 89.
8 - نفسه.
9 - محمد الخطابي: لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب، المركز الثقافي العربي، (د.ت)، ص 190.
10 - فخر الدين الرازي: مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير، دار الغد العربي، القاهرة 1991، ج1، ص 18.
11 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز، مطبعة المدني، ط3، القاهرة، ص 89.
12 - ابن أبي الإصبع المصري: تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، تحقيق د. حفني محمد شرف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، دار التعاون، القاهرة 1990.
13 - حديث نبوي شريف.
14 - إبراهيم صبحى الفقي: علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، ج2، ص 94-95.
15 - السيوطي: تناسق الدرر في تناسب السور، ص 65-66.
16 - بدر الدين الزركشي: البرهان في علوم القرآن، ص 37.
17 - نفسه.
18 - محمد العبد: اللغة والإبداع الأدبي، دار الفكر، القاهرة 1989، ص 48.
19 - سورة الحجر، الآيات: 80-84.
20 - سورة الحج، الآيات: 26-27.
21 - سورة ق، الآيات: 1-2.
22 - سورة ق، الآية: 39.
23 - سورة ق، الآية: 45.
24 - بدر الدين الزركشي: المصدر السابق، ص 37.
25 - السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار التراث، القاهرة.
26 - محمد الخطابي: لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب، ص 195.
الإحالة إلى المقال:

* د. نوح الأول جُنيد: ظاهرة المناسبة واتساق النص القرآني، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الحادي عشر 2011. http://annales.univ-mosta.dz

***