الرحلات الجغرافية في التراث العربي الإسلامي في القرنين
الرابع والخامس الهجريين

د. خليف مصطفى غرايبة
جامعة البلقاء التطبيقية، الأردن

الملخص:

كان للرحلات التي دونها الرحالة الجغرافيون العرب والمسلمون في القرنين الرابع والخامس الهجريين مميزات واضحة لاعتمادها على المشاهدة والحس، مما حمل هؤلاء الرحالة على تدوين مشاهداتهم من خلال أسفارهم وتنقلاتهم العلمية أو الدينية أو التجارية، وساعدهم على ذلك اتساع رقعة الدولة الإسلامية التي امتدت من الصين شرقاً إلى سواحل المحيط الأطلسي غرباً ومن وسط أوروبا شمالاً إلى وسط أفريقيا جنوباً. وقد ساهم هؤلاء الرحالة في إثراء الفكر الجغرافي من خلال إنتاجهم العلمي المتنوع، سواء كان ذلك في مجال الجغرافيا الوصفية أو تأليف المعاجم والموسوعات الجغرافية، أو رسم الخرائط وصنع الأطالس، أو اختراعهم واستعانتهم بالعديد من الآلات والأجهزة التي ساعدتهم في تنقلهم وأسفارهم (الإسطرلاب مثلاً). وقد برز العديد من الرحالة العرب والمسلمين في هذا المجال مثل: المسعودي وابن فضلان والمقدسي وابن حوقل وناصر خسرو وغيرهم. وتهدف هذه الدراسة إلى إبراز دور هؤلاء الرحالة في إثراء التراث العربي الإسلامي بالمعارف الجغرافية المتعددة.

الكلمات الدالة:

أدب الرحلة، الجغرافيون، التراث، الرحالة، الحضارة الإسلامية.

***
Geographical trips in the Arab-Islamic heritage in
the fourth and fifth centuries AH

Abstract:

The trips recorded by Arab and Muslim geographers in the fourth and fifth centuries AH had clear advantages due to their dependence on sight and sense, which led these travelers to record their observations through their travels and their scientific, religious or commercial travels, and this was helped by the expansion of the Islamic state that extended from China east to the coasts of the Atlantic Ocean in the west and from Central Europe in the north to Central Africa in the south. These travelers have contributed to the enrichment of geographical thought through their diverse scientific production, whether in the field of descriptive geography, writing dictionaries and geographical encyclopedias, or drawing maps and making atlases, or their invention and their use of many machines and devices that helped them in their transportation and travels (the astrolabe, for example). Many Arab and Muslim travelers have emerged in this field, such as: Al-Mas'udi, Ibn Fadlan, Al-Maqdisi, Ibn Hawqal, Nasir Khusraw and others. This study aims to highlight the role of these travelers in enriching the Arab-Islamic heritage with multiple geographical knowledge.

Key words:

trip literature, geographers, heritage, travelers, Islamic civilization.

***

النص:

لقد برع العرب المسلمون في كافة العلوم خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، وكان لعلم الجغرافيا اهتمام خاص من قبلهم، ولقد صُرفت جهود كبيرة ومتزايدة إلى دراسة الفكر الجغرافي العربي وتطوّره، واعتاد كثير من كتاب الغرب أن يصفوا جهود المسلمين بأنها متألفة في مجالات عديدة من التخصصات العلمية وفي مقدمتها الرحلات الجغرافية.

وقد نتج ذلك بسبب ما ورثه العرب من معارف قديمة غربية وشرقية التي استخدموها في استحثاث خطوات التقدم العلمي لديهم، فما كانوا مجرد مقلدين ومنقادين تستعبدهم النماذج الأجنبية، بل كانت لديهم خصائصهم من العزم والعقل والكفاية مما أبرز الطابع الفريد لتلك الخصائص(1) على كل ما تسلموه أو استعاروه من الغير.

وقد بلغ الأدب الجغرافي العربي الإسلامي ذروته في القرنين الرابع والخامس الهجريين، و شكل أدب الرحلات مصدرا هاما من مصادر المعرفة الجغرافية لديهم، ومن هنا جاءت أهمية هذه الدراسة التي تهدف إلى إبراز دور الجغرافيين العرب المسلمين في ازدهار وتقدم الفكر الجغرافي خلال القرنين المذكورين سابقا.

1 - عوامل ازدهار الرحلات الجغرافية عند العرب المسلمين:

تتمثل أهم العوامل التي ساعدت على ظهور وتقدم أدب الرحلات الجغرافية عند العرب المسلمين بما يلي(2):
- العامل الديني: ويتمثل في حث القرآن الكريم المسلمين على التأمّل في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وحركة الشمس اليومية، وتغيّر أوجه القمر والتعرّف على الأماكن والنظر في مظاهرها والبحث عن مكوناتها فيقول تعالى (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)(3).
- عامل الفتوحات الإسلامية واتساع أراضي الخلافة، فقد امتدت الفتوحات من حدود الصين شرقا حتى المحيط الأطلسي غرباً ثم البحر المتوسط بجميع جهاته، إضافة إلى اسبانيا وفرنسا ووسط أوروبا شمالا والى وسط إفريقيا جنوبا، وقد شجعت هذه الظروف طلاب العلم وعشاق الأسفار على الرحلات الجغرافية وتدوين مشاهداتهم في كتب زخرت بها المكتبة العربية الإسلامية(4)، لذلك كانت الفتوحات الإسلامية من العوامل الهامّة التي ساعدت في فترة مبكرة الجغرافيين المسلمين على اكتشاف العلوم الجغرافية وتطوّرها ونشرها.
- عامل الحج: حيث كان الحج أحد فرائض الدين الإسلامي، وعندما يفد المسلمون من جهات العالم كانوا من الطبيعي أن يقضوا أشهراً في سفرهم إلى الديار المقدسة مما يدفعهم إلى التزوّد بالمعلومات الجغرافية عن طبيعة رحلتهم إلى الحج، كما كانوا يدوّنون الملاحظات الجغرافية من وجهات نظر متعددة عن مشاهداتهم أثناء هذه الرحلة.
- الرحلة في طلب العلم وتأكيد الدين الإسلامي على ذلك.
- التجارة ودورها في تشجيع الأسفار، وكان لاتّساع طرق المواصلات والأمن السائد أثرهما في التشجيع على شدّ الرحال والطواف في البلدان، وكانوا يشعرون في أي بلد يحلّون فيه كأنهم في بلدهم، وكانت منتجات الأندلس والمغرب ومصر والحبشة والجزيرة العربية وفارس ومُنتجات الأقطار المُحيطة ببحر قزوين وبضائع الهند والصين تتدفّق على مكة والمدينة والكوفة والبصرة ودمشق وبغداد والموصل، كما أنّ قيام المستوطنات الإسلامية قد أحدث مراكز أعمال جديدة وفتح طرقات هامة، وهذه كلّها عوامل سهّلت حريّة التنقّل والترحال في أرجاء العالم المعروف لدى الرّحالة العرب والمسلمين(5).

وقد ساهمت حركة التجارة مُساهمة فعّالة في اتساع مركز التنقل والترحال، وكان للعرب علاقات تجارية واسعة مع الهند والصين وإفريقيا الداخلية وشمال أوروبا علاوة على حركتهم البحرية الهائلة عبر البحار والمحيطات المُحايدة لهم، فاستعملوا موانئ الخليج العربي وميناء عدن وميناء سراف(6) فانتعشت الحياة وتعدّدت مراكز العلم في المشرق.
- الاستعداد الفطري لدى العرب النابع من واقع حياتهم في جزيرة العرب، ويتمثّل هذا الاستعداد في حبّ الاكتشاف للمناطق المجاورة.
- الاتّصال بالثقافات الأجنبية عن طريق الترجمة.

2 - أمثلة لمشاهير الرحالة من الجغرافيين العرب والمسلمين:

تعدّدت وتنوّعت اهتمامات الرحالة في تدوين وكتابة مشاهداتهم الشخصيّة أثناء تنقّلهم وترحالهم في أرجاء العالم الإسلامي، ويُمكن القول بأنّ الملاحظة الشخصية كانت أهم مصدر من مصادر المعرفة الجغرافية لدى هؤلاء الرّحالة الذين كثُر عددهم وغزُر إنتاجهم العلمي، وقد تعدّدت وتنوّعت الأماكن التي ظهر فيها هؤلاء الرحالة من المناطق العربية أو من بلاد فارس أو من بلاد ما وراء النهرين والقوقاز وغيرها، وفي هذه الدراسة سنشير إلى خمس من الرّحالة العرب والمسلمين الذين كان لهم باع طويل في الرّحلات الجغرافية والنتاج العلمي الذي ترتب عن ذلك وهم(7):
- المسعودي: وهو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي المسعودي، توفي عام (346هـ-957م) بالفسطاط، كان كثير الأسفار وقد زار بلاد فارس والهند والسند والبنجاب وسيلان وملبار وأصقاع بحر قزوين والسودان وجنوب شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام وفلسطين واصطخر والروم وانتهى به المطاف إلى الفسطاط(8)، وللمسعودي العديد من المؤلفات أهمها "مروج الذهب ومعادن الجوهر"(9) و"الملاك وأهل الديارات" و"التنبيه والإشراف" و"سرّ الحياة" علاوة على بعض المؤلفات في التاريخ(10).
- ابن فضلان: وهو أحمد بن عباس بن رشيد بن حماد من طلائع الجغرافيين الرّحالة، كتب وصفاً دقيقاً وشيقاً لرحلته كعضو في سفارة الخليفة العباسي المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة والبلاد الإسكندنافية التي زارها بين عامي 921 و924 للميلاد، واشتهر بمؤلفه "رسالة ابن فضلان" في وصف رحلته المشهورة إلى بلاد الترك والخزر والصقالبة والروس واسكندنافيا(11).
- المقدسي: وهو أبو عبد الله محمد ين أحمد بن أبي بكر البشاري المقدسي وُلد في مدينة القدس عام (366هـ-947م)، وقد دُعي بستة وثلاثين اسما مثل: مقدسي وفلسطيني ومصري ومغربي وخراساني وسلمي وغيرها وذلك لاختلاف وتعدّد البلدان التي زارها وكثرة المواضع التي دخلها(12).

وقد قسم المقدسي الأقاليم التي زارها إلى أقاليم العجم وأقاليم العرب، وقد زار جزيرة العرب والعراق والشام ومصر والمغرب كما زار أرمينيا وأذربيجان (الديلم والرحاب) وإيران الشمالية (الجبال) وخوزستان وفارس وكرمان والسند والإقليم الأوسط من أقاليم العجم (المفازة) وهذه الأقاليم كانت تقع في حوزة كل من السامانيين والفاطميين(13).

وأشهر مؤلفات المقدسي هو كتابه "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"(14) ويُعتبر كتابه هذا من أكثر الكتب أهمية لكل من بحث في الجغرافيا الإقليمية (البشرية أو الاقتصادية أو المناخية أو الطبيعية أو التاريخية)(15)، وقد برع المقدسي في علم الملاحة وبخاصة الخرائط أو المرشدات البحرية وكان يطّلع على ما عند الملاحين من دفاتر ويتدارسها ويتدبرها(16).
- ابن حوقل: وهو أبو القاسم محمد البغدادي الموصلي المشهور بابن حوقل اشتهر برحلاته الواسعة وكان يمضي وقتاً طويلاً في الكتابة عن المناطق والأشياء التي يزورها أو يراها، أمضى آخر 30 عاما من حياته مسافراً إلى مناطق نائية في آسيا وأفريقيا، وقد زار بلاد العرب والبحر الفارسي والمغرب ومصر وسوريا وأراضي الروم وبلاد ما بين النهرين وكرمان وبحر قزوين والشعوب التي تقطن حوله، كما ذكر وشاهد العديد من البحار والمحيطات(17) وزار شمال أفريقيا (برقة) وصقلية والأندلس (قرطبة)(18).

اشتهر ابن حوقل بكتابه "صورة الأرض" الذي تضمّن وصفا تفصيليا للأراضي التي سيطر عليها المسلمون في اسبانيا وايطاليا وبلاد الروم والقوقاز، ويذكر ابن حوقل في مقدمة كتابه: "هذا كتاب المسالك والممالك وذكر الأقاليم والبلدان على مرّ الدهور والأزمان وطبائع أهلها وخواص البلاد في نفسها وذكر جباياتها وخراجها ومستغلاتها وذكر الأنهار الكبار واتصالها بشطوط البحار وما على سواحل البحار من المدن والأمصار"، وقد قسم ابن حوقل كتابه هذا إلى قسمين: الأول منه اشتمل على بحث صورة الأرض وديار العرب والبحر الأحمر والعرب والأندلس وصقلية ومصر والشام وبحر الروم والجزيرة والعراق، في حين اشتمل الثاني على دراسة الأحواز وفارس وكرمان والسند وأرمينية وأذربيجان والديلم وبحر الخزر ومفازة خراسان وسجستان وما وراء النهر(19). وتوفي ابن حوقل عام 397 للهجرة(20).
- ناصر خسرو: رحالة وشاعر وفيلسوف فارسي ولد بجوار بلخ سنة (1004م) وتوفي عام (1088م)، اشتهر بكتابه "كتاب الأسفار" أو السفرنامه الذي تم تدوينه بالفارسية وذكر فيه أخبار أسفاره في أرجاء العالم الإسلامي حيث مرّ بفلسطين ومكة وبيت المقدس والهند، وامتاز بوصفه الدقيق لبيت المقدس ووصفه النادر لأحوال وسط وشرق الجزيرة العربية أيام القرامطة والأخيضريين في القرن الخامس الهجري(21).

3 - جهود الجغرافيين العرب المسلمين من خلال الرحلات الجغرافية:

تمثل الملاحظة الشخصية أهم مصدر من مصادر المعرفة الجغرافية إلى جانب المصادر الأخرى، كالاعتماد على تراث السلف والحساب الرياضي والرصد الفلكي، وتمثلت الملاحظة الشخصية بالرحلات التي قام بها الجغرافيون العرب المسلمون وغيرهم من هواة الرحلات وأعضاء الوفود الشرعية ومحترفو التجارة مع الشرق والغرب، فكان لهم الفضل في اتّساع معرفة الجغرافيين بأرجاء العالم المعروف(22).

ومن دراسة الرحلات الجغرافية العربية الإسلامية ونتاجها العلمي يمكننا القول بأن الرحالة العرب استطاعوا أن يساهموا في زيادة المعرفة الجغرافية من خلال رحلاتهم في ثلاثة اتجاهات هي(23):
- ناحية الشرق الأقصى (آسيا) فقد ازدادت اتصالاتهم بالممالك التي تقع في هذه الجهات فوصلوا إلى الصين والهند وإيران وعبور جبال تيان والتوغل مئات الأميال إلى الشرق منها، ودرسوا جميع المدن التي مروا بها في وسط آسيا كبخارى وسمرقند وفرغانه وغيرها.
- ناحية الأراضي السودانية (إفريقيا) حيث استطاع الرّحالة العرب المسلمين التوغل في تلك الأراضي الواقعة إلى الجنوب من نطاق الصحراء الكبرى وهم أول الرواد الذين وصلوا إلى ساحل ناتال واكتشاف مناطق عديدة مثل مدغشقر.
- ناحية الأستبس الأوروبية (أوروبا) حيث تمكّنوا من الوصول إلى الأراضي الروسية والبولندية ووصلوا شمالا إلى الدول الإسكندنافية، ومن دراسة وتحليل النتاج العلمي لهؤلاء الرحالة يمكننا تلخيص جهودهم على النحو التالي:

أولا - أضاف الرحالة العرب المسلمين إلى خريطة العالم المعروف آنذاك جهات لم تكن معروفة من قبل مثل أواسط وشمال آسيا (كما في رحلة ابن فضلان) في وصف بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة سنة (310هـ - 309م)، وفي غرب إفريقيا مثل رحلة ابن فاطمة وفي سودان وادي النيل (رحلة ابن سليم الأسواني) في القرن الرابع الهجري، كما تمّ التعرّف على مراحل المحيط الهندي وجزره والساحل الشرقي لأفريقيا حتى سفالة الزنج (مقابل جزيرة مدغشقر) ورسمها في خرائط(24).

وقد سلك الرحالة العديد من المناطق وقدّموا عنها وصفاً جغرافياً مُفصلاً سهل التعرف عليها ورسم الطرق المؤدية إليها ومنها ورسم الخرائط لها، وامتازت كتاباتهم بالدقة والتفصيل.

ثانيا - التأليف الجغرافي وقد أضاف هؤلاء الرحالة كما هائلا من الإنتاج العلمي عن تفاصيل رحلاتهم، وقد تعدّدت وتنوعت هذه المؤلفات ونستطيع حصر إنتاجهم العلمي المُستوحى من الرحلات الجغرافية بما يلي:
- المؤلفات التي امتازت بوصف قطر أو إقليم من أقطار وأقاليم العالم العربي أو الإسلامي مثل: البيروني (أبو الريحان محمد بن أحمد) الذي تخصّص في دراسة قطر واحد هو الهند(25)، وابن الحائك (أبو محمد الحسن أحمد بن يعقوب الهمداني) صاحب كتاب جزيرة العرب(26)، والمهلبي صاحب كتاب جغرافي عن السودان ألفه عام 375هـ، والإصطخري صاحب كتاب المسالك والممالك الذي درس فيه بلاد العرب بالتفصيل لأنه اعتبرها مركز العالم الإسلامي(27)، وناصر خسرو الذي وصف بيت المقدس بالتفصيل(28).
- المؤلفات التي امتازت بالوصف الإقليمي لأقطار العالم الإسلامي مثل البلخي صاحب كتاب "صورة الأقاليم والمسالك والممالك"(29)، وابن حوقل الذي تجوّل في أقطار عديدة من العالم الإسلامي وصاحب كتاب صورة الأرض كما ألّف كلا من المقدسي والمسعودي وابن فضلان عن أقطار العالم الإسلامي وقد تم ذكرهم سابقا، وقد كتب ابن خرداذبة عن أقطار عديدة من العالم الإسلامي في كتابه المسالك والممالك والطرق المؤدية إليها ومنها(30)، كما كتب أبو دلف الينبعي (مسعر بن المهلهل الخزرجي) عن أقطار من العالم الإسلامي وهي كشمير وكابل وسستان وسواحل ملبار وذلك في كتابه عجائب البلدان، وقد كان أبو دلف الينبعي يعمل عند الأمير الساماني نصر بن أحمد بن إسماعيل ما بين سنتي 301 و331 للهجرة(31).
- تأليف المعاجم الجغرافية: وأهم هذه المعاجم ما وضعه البكري (أبو عبيد الله عبد الله بن عبد العزيز) المولود في قرطبة سنة (432هـ) صاحب المعجم الجغرافي الشهير "معجم ما استعجم"، وقد اعتمد البكري على مجموعة كتب مثل كتب الجغرافي الأندلسي محمد التاريخي(32)، وهناك معجم جغرافي آخر شهير للمنجم (اسحق بن حنين الأندلسي) بعنوان "آكام المرجان في ذكر المدائن المشهورة بكل مكان"(33).
- المؤلفات التي امتازت بالتخصص في الكتابة عن الظواهر الطبيعية المختلفة: وأكثر من برع في هذا المجال إخوان الصفا الذين عالجوا الظواهر الطبيعية ووضعوا إحدى وخمسين رسالة منها سبعة عشر رسالة تهتم بالجوانب الطبيعية(34)، وتعتبر مؤلفاتهم من أهم المؤلفات العلمية في القرن الرابع الهجري وأعظمها أثراً في تاريخ المدنية الإسلامية، وقد آثروا أن يخفوا أسماءهم الشخصية وأن يحملوا اسم جماعتهم التي زاولت أكبر نشاطهم في البصرة كأكاديمية أو جماعة من كبار العلماء، ومن الظواهر الطبيعية التي ناقشوها كسوف الشمس وخسوف القمر وظواهر الجو والسحب ومياه البحار والمحيطات وتركيب المعادن وغيرها(35).
- استعان الرحالة العرب المسلمين أثناء رحلاتهم بالعديد من الآلات والأجهزة العلمية التي ابتكرها من عاصرهم من علماء الجغرافيا وأهم هذه الآلات ما يسمى "الإسطرلاب" وأشهر من كتب فيه عبد الرحمن الصوفي المتوفى سنة (376هـ) والخازن صاحب كتاب "زيج الصفائح" والخوقندي الذي ألف السداسي الفخري والجبلي والصاغاني والبيروني والسنجاري والزرقابي والبتاني والبوزجاني والمجريطي حيث ساهم هؤلاء في الإضافة العلمية الآلية التي ساعدت الرحالة على سهولة التنقل في أسفارهم(36).
- برع الكثير من الرحالة الجغرافيين في علم الملاحة والمُرشدات البحرية مثل المقدسي والمسعودي، وكان للعرب دور كبير في الملاحة البحرية، ومن كتب في علوم البحار السرخسي (أحمد بن محمد الطيب) المتوفي سنة (899هـ) وله رسالة في البحار والمياه والجبال(37).
- استعان الرحالة العرب المسلمين أثناء رحلاتهم بالخرائط والأطالس التي وضعها علماء عصرهم من الجغرافيين والرحالة أمثال البلخي والإصطخري وابن حوقل والكندي صاحب كتاب "رسم المعمور من الأرض".

مما سبق يلاحظ حجم الجهود التي تحقّقت على أيدي الرحالة العرب المسلمين في القرنين الرابع والخامس الهجريين وذلك لأنهم كانوا يتجولوا في عالم واسع، وكما قال شوقي ضيف "لقد فتح العرب المسلمون الأرض من الهند والصين شرقاً حتى بلاد الأندلس غرباً واهتموا بوصفها وكتبوا عن جغرافيتها وعادات الأمم والشعوب فيها وما عندها من أساطير وخرافات"(38).

الهوامش:
1 - صبري الهيتي وآخرون: الفكر الجغرافي وطرق البحث، جامعة الموصل، 1985، ص 47.
2 - محمد رشيد الفيل، أثر التجارة والرحلة في تطور المعرفة الجغرافية عند العرب، الكويت 1979، ص 7-11. نفيس أحمد: الفكر الجغرافي في التراث الاسلامي، ترجمة فتحي عثمان، دار القلم، الكويت 1978، ص 38-42. مسعود عياد كريم: مراحل تطور الفكر الجغرافي، دار الكتب الوطنية للكتاب، بنغازي 2007، ص 80-88.
3 - سورة الحج، الآية 46.
4 - عبد الفتاح وهيبة: مكانة الجغرافيين من الثقافة الإسلامية، جامعة بيروت 1979، ص 12.
5 - البشير صفر: الجغرافية عند العرب نشأتها وتطورها، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1984، ص 47.
6 - غوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، القاهرة 1956، ص 553.
7 - كراتشكوفسكي: تاريخ الأدب الجغرافي، ترجمة صلاح الدين عثمان، القاهرة 1965، ج1، ص 177-186. نقولا زيادة: الجغرافية والرحلات عند العرب، بيروت 1965، ص 122. يسرى الجوهري: الكشوف الجغرافية، دار المعارف، القاهرة 1976، ص 80.
8 - الموسوعة الحرة: ar.wikipedia.org
9 - المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مصر 1958.
10 - مسعود عياد كريم: المرجع السابق، ص 116.
11 - نفيس أحمد: المرجع السابق، ص 46.
12 - صباح محمود محمد: دراسات في التراث الجغرافي العربي، دار الرشيد للنشر، بغداد 1981، ص 43.
13 - كارل بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية، تعريب نبيه فارس ومنير البعلبكي، ط4، دار العلم للملايين، بيروت 1965، ص 265-266.
14 - آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريده، مطبعة التأليف والترجمة والنشر، ط3، 1957، ج2، ص 2.
15 - أحمد أبو سعد: أدب الرحلات، منشورات دار الشروق، بيروت 1961، ص 80.
16 - المقدسي ممن اعتقد بأن الأرض كرة يقسمها خط الاستواء إلى نصفين.
17 - يسرى الجوهري: الفكر الجغرافي والكشوف الجغرافية، منشأة المعارف، الإسكندرية 1974، ص 103-105.
18 - مسعود عياد كريم: المرجع السابق، ص 128.
19 - ابن حوقل: صورة الأرض، دار مكتبة الحياة، بيروت 1979.
20 - خير الدين الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، ط5، بيروت 1980، ج5، ص 111.
21 - نفيس أحمد: المرجع السابق، ص 91.
22 - صبري الهيتي وآخرون: المرجع السابق، ص 46.
23 - يسرى الجوهري: المرجع السابق، ص 68-69.
24 - صبري الهيتي وآخرون: المرجع السابق، ص 47.
25 - حكمت نجيب عبد الرحمن: دراسات في تاريخ العلوم عند العرب، الموصل 1976، ص 215. عبد الحليم منتصر: تاريخ العلم ودور العلماء العرب في تقدمه، دار المعارف، ط8، القاهرة (د.ت)، ص 102-103.
26 - نفيس أحمد: المرجع السابق، ص 71.
27 - يسرى الجوهري: المرجع السابق، ص 100.
28 - نفيس أحمد: المرجع السابق، ص 91.
29 - صبري الهيتي وآخرون: المرجع السابق، ص 48.
30 - يسرى الجوهري: المرجع السابق، ص 99.
31 - نفيس أحمد: المرجع السابق، ص 67.
32 - المرجع نفسه، ص 92.
33 - المرجع نفسه، ص 94-95.
34 - محمد غلاب: إخوان الصفا، دار الكاتب العربي، القاهرة 1968، ص 4.
35 - نفيس أحمد: المرجع السابق، ص 138-140.
36 - المرجع نفسه، ص 210.
37 - نفيس أحمد: المرجع السابق، ص 56.
38 - شوقي ضيف: الرحلات، دار المعارف، القاهرة، ص 11-12.
الإحالة إلى المقال:

* د. خليف مصطفى غرايبة: الرحلات الجغرافية في التراث العربي الإسلامي في القرنين الرابع والخامس الهجريين، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الحادي عشر 2011. http://annales.univ-mosta.dz


***