مسيرة اللغة العربية في الجزائر من الفتح الإسلامي إلى الاحتلال الفرنسي

مختارية بن قبلية
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

عرفت الجزائر منذ القدم حركة تطورية في ميادين مختلفة، ابتداء من الحضارة النوميدية إلى الحضارة الإسلامية، ونلمس ذلك جليا في مظاهر حياتية وفكرية متنوعة، ومما لا شك فيه أنّ نقوش الخط الأمازيغي وآثار العمران القديمة دليل كاف على ذلك، وما يجلب نظر الباحثين فعلا إلى هذه الحضارة هو التنوع الثقافي والمعرفي في هذه البلاد، والذي يرجع في الأساس إلى تمازج الحضارتين النوميدية والعربية في منطقة جغرافية واحدة، لتخرج إلى الوجود حضارة جزائرية متميّزة بطابعها الخاص، فكيف تم هذا التمازج؟ والأهم من ذلك، كيف شقت اللغة العربية لنفسها طريقا في بلاد المغرب الأوسط؟ وما هي المحفزات والعقبات التي واجهت الحركة التطورية للغة القرآن الكريم أثناء توالي الاستعمارات والفتوحات على هذه المنطقة؟

الكلمات الدالة:

اللغة العربية، الدارجة، الحضارة الجزائرية، الإسلام، المغرب الأوسط.

***
The evolution of the Arabic language in Algeria from
the Islamic conquest to the French occupation

Mokhtaria Benkablia
University of Mostaganem, Algeria

Abstract:

Algeria has known since ancient times an evolutionary movement in various fields, starting from the Numidian civilization to the Islamic civilization, and we see this clearly in various life and intellectual aspects. There is no doubt that the Berber calligraphy inscriptions and ancient urban monuments are sufficient evidence of that. What really brings researchers to this civilization is the cultural and cognitive diversity in this country, which is mainly due to the intermingling of the Numidian and Arab civilizations in one geographical area, to emerge as an Algerian civilization distinguished by its own character. How did this mixing? More importantly, how did the Arabic language find a path for itself in the countries of the Middle Maghreb? What are the incentives and obstacles that faced the evolutionary movement of the language of the Noble Qur’an during the successive colonies and conquests of this region?

Keywords:

Arabic, Darija, Algerian civilization, Islam, Middle Maghreb.

***

النص:

الجزائر - بالتسمية الحالية - هي بلاد المغرب الأوسط قديما، وقد صنفها القدماء ضمن الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة للمعمورة(1)، وهي تأخذ حيزا هاما من جغرافية المغرب العربي الذي كان في السابق بلدا واحدا، ولم يطلق عليها اسم الجزائر إلا بعد دخول الأتراك إليها، حيث اختاروا لها اسم المدينة التي اتخذوها قاعدة لهم، وهي مدينة الجزائر التي أصبحت ولازالت عاصمة لهذا البلد.

تعتبر الجزائر من البلدان العريقة عراقة الإنسان، حيث يمتد عهدها من العصر الحجري الأخير، الذي يمتد من 6000 سنة إلى 2500 سنة قبل الميلاد، والدليل على ذلك هي الحجارة المنحوتة التي وُجدت في عين حنش قرب العلمة بولاية سطيف، وهي تعود إلى ذلك العصر(2).

أما سكان الجزائر الأوائل فهم البربر أو ما يُعرف عند البعض بالنوميديين، وهم أجناس بشرية مختلفة الشكل جمعت بينها خصائص جغرافية وعقائدية ولغوية مشتركة، وهناك اعتقاد أنّ اللهجة البربرية التي كان يتكلم بها سكان الجزائر تنحدر من اللغات الحامية، وكانت حروفها عبارة عن رسومات لشكل الشمس والهلال والبرق، وكان الخط البربري يتكون من عشرة حروف هي "تيفيناغ" أي الحروف المنزلة من عند الإله، والأشكال هي خمسة وتسمى "تيسدباكين"(3).

شهدت الجزائر سلسلة طويلة من الاستعمارات والفتوحات، فدخلتها حضارات كثيرة بكل مكوناتها من لغات وديانات وعادات، وفي ذلك يقول المستشرق غوته: "فإننا نلاحظ تسلسلا غير منقطع من التسلطات الأجنبية: فالفرنسيون قد جاؤوا بعد الأتراك الذين جاؤوا بعد العرب الذين جاؤوا بعد البيزنطيين الذين جاؤوا بعد الوندال الذين جاؤوا بعد الرومان الذين جاؤوا بعد القرطاجيين، ويلاحظ أنّ الفاتح مهما كان يبقى سيد المغرب إلى أن يطرد من طرف الفاتح الجديد الذي يخلفه"(4). وما يهمنا نحن من هذا القول هو التعاقب الاستعماري فقط، بعيدا عن آراء المستشرقين التي قد تأخذ منحى لا يناسب أصحاب الشأن من الشرقيين، وما يهمنا من كل هذه الاستعمارات والفتوحات هو الفتح الإسلامي الذي دخل الجزائر حاملا بين يديه دينا جديدا ولغة جديدة.

بعد أن لقي الإسلام مكانا في قلوب سكان الجزيرة العربية، عزم المسلمون على إكمال الرسالة ونشر الإسلام عبر كل الأمصار، وانتشرت الفتوحات إلى أن وصلت إلى المغرب. فبعد محاولات عديدة تمَّ فتح إفريقية، ووُلي عقبة بن نافع الفهري عليها سنة (50هـ-669م) من طرف الخليفة معاوية بن أبي سفيان(5). لكن ولايته واجهت مشاكل جعلت مسلمة بن مخلد يتولى مكانه، وكان أول من حكم مصر وإفريقية معا. وهو من أرسل أبا المهاجر دينار الذي فتح الجزائر طلبا للتوسع(6). حيث التقى بالملك النوميدي كسيلة الذي صادقه بعد أن حاربه وهزمه. وكان كسيلة مقرّرا لمصير البربر وصاحب الكلمة المسموعة. ثم عادت الولاية بعد ذلك إلى عقبة بن نافع الذي اختلف مع كسيلة، واستعمل طريق القوة، وكانت النتيجة أنه قتِل من طرف كسيلة هذا(7) بمساندة من الكاهنة.

استمرت عملية الكر والفر بين العرب والبربر، إلى أن قتلت الكاهنة، حيث دخل حسان بن النعمان الجزائر، وصلح ما ارتكبه سابقيه من أخطاء. فاستمال الابن الأكبر للكاهنة وأعطاه ولاية الأوراس، وهناك وقع الاتفاق بين العرب أخيرا(8). ومن بين العوامل التي ساعدت على هذا الاتفاق هو اقتناع ابني الكاهنة بالغاية الشريفة من فتح الجزائر، حيث تأكدوا من كونها غاية دينية لا دنيوية، خاصة أنّ العرب تمسكوا بهذه الأرض حتى بعد حرق الكاهنة للمزارع قبل موتها ظنا منها أنّ المسلمين دخلوا طمعا في الثروات. وبعد الاتفاق بين العرقين، اعتنق ابني الكاهنة الإسلام، وكذلك معظم البربر، وتحسّنت العلاقات بين الجميع، حتى بعد عزل حسان بن النعمان وتعيين موسى بن نصير مكانه.

لما أحسّ البربر ببساطة هذا الدين الوافد إليهم، حاولوا فهمه والتعرف على مبادئه، فتعلموا العربية لبلوغ غايتهم، "إنّ هذا الإقبال على الإسلام بهذه السرعة قد أدهش كل المؤرّخين الغربيين، الذين لاحظوا أنّ الإسلام والعربية قد قضيا بسهولة على المحاولات التي بذلتها اللاتينية والمسيحية خلال قرون طويلة لربط مصير المغرب العربي(9) بالغرب الأوروبي. ولسنا في حاجة إلى الإلحاح على أنّ وضوح العقيدة الإسلامية وبساطتها بالإضافة إلى العوامل السابقة دفعت البربر إلى الإقبال على الإسلام واعتناقه"(10). ومن أهم العوامل أيضا العدالة والمساواة التي نادى بها الإسلام والتي أعطت حق الخلافة لكل مسلم تتوفر لديه الشروط المطلوبة بغض النظر عن عرقه، كما كان من حق البربر أن يثوروا على الخليفة إن خالف تعاليم الشّريعة.

بعد أن أقبل البربر على الإسلام بشغف، اتجهوا إلى لغة الإسلام التي كان تعلمها جزءا من دينهم الجديد. فبعد أن حقق حسان بن النعمان غايته في نشر الأمن والاستقرار "عمل على نشر الدين الإسلامي بين البربر، فوزّع الفقهاء إلى سائر أنحاء البلاد لتعليم البربر قواعد الدين، ونشر اللغة العربية لغة القرآن، فأقبل البربر على الإسلام في حماس منقطع النظير، وحَسُن إسلامهم"(11). وبذلك وجدت العربية بصحبة الإسلام مكانا في قلوب البربر، وفي ذلك يقول الشيخ البشير الإبراهيمي: "وعرف البربر على طريقها ما لم يكونوا يعرفون، وسعت إليها حكمة اليونان تستجديها البيان، وتستدعيها على الزمان، فأجْدت وأعدَت. وطار إلى البربر منها قبس لم تكن لتطيّره لغة الرومان، وزاحمت البربرية على ألسنة البربر فغلبت وبزت، وسلطت سحرها على النفوس البربرية فأحالتها عربية، كل ذلك باختيار لا أثر فيه للجبر"(12).

إنّ اختيار البربر للإسلام إذا يقتضي اختيارهم للغته التي تبقى لصيقة به أبد الدهر، وهي اللغة التي "دخلت هذا الوطن مع الإسلام على ألسنة الفاتحين، ترحل برحيلهم وتقيم بإقامتهم"(13). أما العوامل التي دفعت البربر إلى الإقبال على تعلم العربية فهي:
- التصاقها بالإسلام وقد سبق توضيح ذلك.
- كون العربية لغة دين ودنيا، فالواقع يقول إنّ "العربي الفاتح لهذا الوطن جاء بالإسلام ومعه العدل، وجاء بالعربية ومعها العلم"(14).
- اشتغال البربر بمناصب هامة في مراكز الحكم التي كانت تتعامل باللغة العربية(15).
- اختلاط الأنساب، حيث إنّ البربر "اختلطوا بالعرب وتزوجوا معهم، فاتخذت كثرة من الأسر الإسلامية الجديدة أنسابا عربية ليدخلوا في الأرستقراطية الحاكمة"(16).
- أصبحت العربية هي لغة التعامل بين الأندلس والمغرب(17).
- تشابه العنصر البربري والعربي في نمط الحياة من بداوة قبلية ورعي وما إلى ذلك، وفي هذا يرى ابن خلدون إنّ البربر أشبه الخلق بالعرب(18). وكان هذا التشابه عاملا من عوامل الاندماج بين الجنسين، "وكان من الممكن أن يِؤدي هذا الاندماج إلى ذوبان العرب في البربر لولا أنّ اللقاء كان في إطار الإسلام والحضارة العربية الإسلامية، وبذا كان هذا الاندماج مشجعا على تعريب أكثر البربر في المغرب"(19).

هكذا إذا كانت البداية، إلا أنّ معالم التعليم حينها لم تكن واضحة، ولم تذكر تفاصيلها في كتب التاريخ، لأنّ المنطقة كانت في حالة مخاض، إلى أن دخل عبد الرحمن بن رستم البلاد، وأسّس دولته الرستمية سنة (141هـ-758م)، حيث اهتمّ الرّستميون بنقل الثقافة المشرقية إلى شمال إفريقية، فأحضروا الكتب، واعتنوا بعلوم الدين والأدب، وكان أئمتهم بارعين في العلوم والآداب والسياسة. وكانت اللغة العربية هي لسان الدولة الرستمية(20).

في هذا العصر شهدت الجزائر - أو ما كان يسمى بدولة تيهرت حينها - ازدهارا ثقافيا واقتصاديا هائلا، كما تطور المجال الفكري بشكل ملفت للنظر، ففي القرن الثاني والثالث للهجرة، ظهر نوابغ من أهل البلاد الجزائرية، جمعوا بين مختلف المجالات الثقافية والعلمية(21). وممن عرف في ذلك العصر أذكر:
- الشيخ أبو السهل: البارع في اللغتين العربية والبربرية وأكبر المؤلفين بالبربرية(22).
- يهود بن قريش التاهرتي: الذي كان متضلعا في عدة لغات، كالعربية والبربرية والعبرانية والآرامية والفارسية، وقد اهتم بالبحث المقارن في اللغات، وسعى إلى إنشاء أسس النحو التنظيري (المقارن)(23).
- بكر بن حماد التاهرتي (200هـ-296هـ): أديب وشاعر، ما زالت آثاره تعيش إلى يومنا هذا(24).
- ثم تواصلت الولايات على الجزائر، الواحدة تلوى الأخرى، إلا أنّ ذلك لم يؤثر على المجال الفكري فيها، بل زاده تطورا، خاصة في عصر الحماديين، حيث اشتهر علماء وأدباء كانوا في قمة البراعة، إذ جمعوا بين فنون وعلوم كثيرة(25)، أذكر من هؤلاء:
- يحيى بن معطي الزواوي (564هـ-628هـ): صاحب الدُّرة الألفية في علم العربية(26).
- ابن الرمامة (ت 567هـ): هو أبو عبد الله محمد بن علي، وقد روى عن أبي الفضل النحوي التازي، وتعلم على يد مشايخ ذلك العصر، كما التقى ابن رشد بالأندلس، وتولى القضاء والتدريس(27).
- الحسن بن علي التيهرتي (ت 501هـ): كان لغويا نحويا، تعلم على يده العديد من العلماء(28).

ثم زاد المجال الفكري نضجا في عهد المرابطين والموحدين، حيث راجت في الجزائر ثقافتان خارجيتان أثرتا على المثقفين بالإيجاب لا بالسلب، وهما الثقافة الأندلسية والثقافة المشرقية. وفي هذا العهد زاد الاهتمام باللغة العربية، وتمّ "استعراب قسم كبير من البربر بفضل تشجيع الحماديين للحركة العقلية والثقافية مدّة عهدهم"(29). حينها ظهر عدد هائل من العلماء والأدباء والشعراء واللغويين، ومن أعلام اللغة في هذا العصر أذكر:
- عبد الله الحضرمي اللغوي الأديب، وكان راويا ومدرّسا(30).
- أبو عبد الله التميمي وكان عالما في اللغة، اهتم بشرح مقامات الحريري، فكتب عن مقدمتها خمسة عشر كراسا(31).
- عبد الرحمن القرشي الصقلي: فقيه لغوي ونحوي(32).

بعد ذلك، حكم الحفصيون الجزائر، ومن بعدهم الزيّانيون والمرينيون، وكان كل هؤلاء شغوفين بالعلم والفنون، فقرّبوا إليهم المفكرين واعتنوا بهم. وبدخول القرن التاسع الهجري، ظهر علماء في كل مجالات الفكر، وظهرت علوم جديدة في الدين والدنيا. ومن لغويي هذا العصر، أذكر:
- أبو جميل زيان إبراهيم بن فائد الزواوي (ت 857هـ): له أرجوزة في النحو، وشرح لألفية ابن مالك وتلخيص المفتاح، وكان أشهر لغوي اهتم بالنحو بعد يحيى بن معطي الزواوي(33).
- مجموعة من العلماء العقليين المهتمين بالنحو أمثال: ابن قنفذ والمشدالي والمغيلي وأحمد بن أحمد البجائي(34).

في القرن العاشر للهجرة، دخل الأتراك إلى الجزائر قصد حمايتها من أطماع الإسبان، لكنّ اللغة التركية لم تؤثر على اللغة الرّسمية الجزائرية، بل ضاعف علماء اللغة - في هذه الفترة وبعدها - من جهودهم العلمية، إلا أنهم اهتموا بالتدريس أكثر من الدّراسة والتأليف. وكان معظم العلماء يهتمون بالمجالين، "ومن الذين جمعوا بين الاثنين في الجزائر؛ أبو راس وأحمد المقري والفكون. غير أنّ هؤلاء لم يكونوا في توازن في الجمع بين الخطتين. فالأول مثلا قد غلب عليه التدريس بالرغم من كثرة تأليفه والثاني قد غلب عليه التأليف بالرغم من كثرة تدريسه، وهناك مدرسون لم يتركوا إلا قليلا من التآليف، كمحمد التواتي وعمر الوزان وسعيد المقري. وهناك من ترك بعض الشروح والحواشي والتعاليق كسعيد قدورة"(35).

امتاز علماء هذا العصر باتساع فكرهم وإلمامهم بعلوم مختلفة، وممن برز في مجال اللغة أذكر:
- عمر بن محمد الكمّاد الأنصاري القسنطيني (الوزان): اهتم بالتدريس ورفض منصب القضاء لأجله(36).
- يحيى بن سليمان الأوراسي: ترك أورقا وتقاييد في النحو والبيان والفقه(37).
- عبد الكريم الفوكون (ت 1073هـ): له شرح على أرجوزة المكودي في التصريف "البسط والتعريف"، و"شرح على شواهد الشريف على الأجرومية"، و"شرح جمل المجردي ومخارج الحروف من الشاطبية"(38).
- عيسى الثعالبي (ت 1080هـ): اهتم بعدّة علوم من بينها النحو والصرف والبلاغة(39).
- يحيى الشاوي (ت 1096هـ): ترك مؤلفات في شتى العلوم، أذكر منها؛ "أصول النحو" و"الدر النضيد في إعراب كلمة التوحيد" و"حاشية على شرح المرادي للخلاصة في النحو" و"حاشية على شرح الشريف بالأجرومية" و"حاشية على شرح عصام الكافية لابن الحاجب" و"المحاكمة بين أبي حيان المفسر والزمخشري وابن عطية في التفسير"(40).
- أحمد بن قاسم البوني (ت 1139هـ): "له تآليف تنيف عن المائة، ما بين مختصر ومطوّل، نظما ونثرا، وذَكر جزءا قليلا منها. وأكثرها في نظم متون العلم"(41). ومن ضمن تلك التآليف، نجد له تآليفا في فنون اللغة والأدب، أذكر منها: "أنس النفوس بفوائد القاموس" و"نظم الأجرومية" و"إعانة المعاني بما للّفظ العجز من المعاني"(42).
- محمد أبو راس المعسكري (ت 1238هـ): له تآليف في علوم كثيرة، من بينها الكتب اللغوية التالية: "رفع الأثمان في لغة الولائم الثمان" و"الضابط المختصر من الأزهري على قواعد القاموس والجوهري" و"ضياء القابوس على كتاب القاموس"(43).

أمّا عن أماكن التعليم والدّراسة، فكانت تتمثل في الزّوايا والكتاتيب والمدارس، بالإضافة إلى المساجد، حيث كثرت "المدارس الابتدائية حتى كان لا يخلو منها حي من الأحياء في المدن، ولا قرية من القرى في الريف، بل إنها كانت منتشرة حتى بين أهالي البادية والجبال النائية"(44). ليس ذلك وحسب، بل وجدت بعض المدارس الثانوية والعالية في بعض المدن الجزائرية المهمة. ولم يكن ذلك في العهد العثماني فقط، وإنما قبله أيضا. ففي تلمسان وُجدت خمس مدارس ثانوية وعالية، وفي قسنطينة وُجدت مدرستان ثانويتان في عهد صالح باي، ووصلت إلى سبع مدارس عند دخول فرنسا. أمّا في الجزائر العاصمة فقد اختلف المؤرّخون في إحصائها، نظرا لإلحاقهم الزوايا والمساجد بالثانويات لتشابه مهامهم، كما عرفت الجزائر كمّا هائلا من الكتاتيب، التي انتشرت عبر أنحاء القطر، وكانوا يسمونها "المسيد" تصغيرا لكلمة "مسجد" في نواحي العاصمة. وكانت مهمتها تتمثل في تعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن. أمّا في البادية فكانت "الزوايا" هي التي تتولى مهمة التعليم، ففي ناحية تلمسان وحدها وُجدت ثلاثون زاوية(45).

هكذا، كانت مسيرة اللغة العربية - بين الدراسة والتأليف - في نجاح مستمر، إلى أن جاء وقت الجد، حين وجد العلماء والمدرّسون أنفسهم أمام المواجهة الكبرى مع العدو الجديد، إنهم الفرنسيون الذين حاولوا منذ البداية مسح ملامح الشخصية الجزائرية، فجعلوا التعليم باللغة الفرنسية، وحتى هذا لم يكن من حقّ الجميع، حيث "قضوا على التعليم العربي ونفوا المعلمين، واستولوا على أملاك الأوقاف التي كان التعليم بفضلها يقف سدّا منيعا في وجه الأميّة بالجزائر. ففي سنة (1865م) كان التعليم العربي في المدارس القومية لا يزال موجودا، وكان عدد التلاميذ الجزائريين فيها نحو 13 ألف تلميذ. ولكن لم تأت سنة (1880م) حتى كان عددهم قد تناقص إلى ثلاثة آلاف تلميذ"(46).

لم يستسلم علماء الجزائر أمام طغيان الاحتلال الفرنسي، بل واصلوا جهادهم الفكري، واكتفوا بالكتاتيب والزوايا لتعليم الجزائريين أصول دينهم ودنياهم، وكذا لغتهم العربية. ورَفع المشعل آنذاك نخبة لا بأس بها من العلماء، أذكر من بينهم أسماء لامعة في مجال الدراسات اللغوية:
- إبراهيم بن عامر السوفي (ت 1934م): فقيه ومؤرخ ولغوي(47).
- ابن أبي شنب محمد بن العربي بن محمد (1869م-1929م): كان ملمّا بعدّة لغات، وعضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق، له كتب في اللهجات واللغات والمعاجم(48).
- ابن خوجة محمد بن مصطفى (ت 1922م): كاتب وشاعر وعالم في الشريعة الإسلامية واللغة العربية(49).
- ابن موهوب مولود بن محمد السعيد بن الشيخ المدني بن العربي بن مسعود الموهوب (1863م-1930م): له "مختصر الكافي في العروض والقوافي" و"نظم مقدمة ابن أجروم"(50).
- اطفيش امحمد بن يوسف بن عيسى بن صالح (1820م-1914م): فقيه وأديب ولغوي ومفسِّر، له أرجوزة في النحو، و"الرسم" في قواعد الخط العربي(51).
- المجاوي عبد القادر بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن (1848م-1913م): فاضل نحوي، له "الدرر النحوية"(52).

ولا أنسى أن أذكر إلى جانب هؤلاء؛ رواد الأدب الجزائري الذين ساهموا حينها في حفظ ملامح العروبة، حيث فضّلوا التدوين بلغة القرآن، وكرّسوا أقلامهم للدفاع عن الهوية الجزائرية، وحاربوا الاستعمار بالشعر الحماسي والوطني، بالإضافة إلى الصحافة وفنون النثر والمسرح، ومن هؤلاء: مفدي زكريا والعربي التبسي ومحمد العيد آل خليفة ومحمد البشير الإبراهيمي والمسرحي محي الدين باشطارزي، ورائد القصة القصيرة الجزائرية الشهيد أحمد رضا حوحو... والكثير ممن شارك في مسيرة إثبات الهوية العربية في الجزائر، والتي ترتبط كل الارتباط بمسيرة اللغة العربية، هذه المسيرة التي شاء لها القدر أن تصل إلى القمة قبل أن يلقاها حاجز الاستعمار الفرنسي الذي أعاقها وأبطأ خطاها، قبل أن تعيد انطلاقتها من جديد بعد الاستقلال، وبهذا أكون قد توصّلت إلى وصف الخطوط العريضة للحركة التطورية التي عرفتها اللغة العربية في الجزائر من بداية الفتح الإسلامي إلى عهد الاحتلال الفرنسي.

الهوامش:
1 - عبد الرحمن بن خلدون: المقدمة، وهي مقدمة كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، مطبعة دار ابن الهيثم، ط1، القاهرة 2005، ص 47-48.
2 - عبد الله شريط ومحمد مبارك الميلي: مختصر تاريخ الجزائر السياسي والثقافي والاجتماعي، الطبعة الثانية، ص 21.
3 - المصدر نفسه، ص 22.
4 - انظر، أندري برنيان وآخرون: الجزائر بين الماضي والحاضر، ترجمة إسطنبولي رابح ومنصف عاشور، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984، ص 65.
5 - السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، العصر الإسلامي، دراسة تاريخية وعمرانية وأثرية، ص 195.
6 - المصدر نفسه، ص 208-216.
7 - المصدر نفسه، ص 228-229.
8 - المصدر نفسه، ص 240-250.
9 - المغرب العربي هي التسمية الحالية للمغرب الكبير.
10 - عبد الله شريط ومحمد مبارك الميلي: مختصر تاريخ الجزائر، ص 75.
11 - السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، العصر الإسلامي، ص 250.
12 - من آثار محمد البشير الإبراهيمي، عيون البصائر، مطابع الشروق، بيروت، ج2، ص 221.
13 - المصدر نفسه، ص 221.
14 - المصدر نفسه، ص 222.
15 - محمود فهمي حجازي: علم اللغة العربية، مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية، دار غريب، ص 282.
16 - نفسه.
17 - نفسه.
18 - تاريخ ابن خلدون، مؤسسة جمال، المصيطبة، بيروت، ج7، ص 2.
19 - محمود فهمي حجازي: علم اللغة العربية، مدخل تاريخي مقارن في ضوء التراث واللغات السامية، ص 284.
20 - عبد الله شريط ومحمد مبارك الميلي: مختصر تاريخ الجزائر، ص 81.
21 - المصدر نفسه، ص 82-83.
22 - المصدر نفسه، ص 83.
23 - نفسه.
24 - نفسه.
25 - المصدر نفسه، ص 94-95.
26 - عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر، الطبعة الأولى، 1971، ص 201.
27 - عبد الله شريط ومحمد مبارك الميلي: مختصر تاريخ الجزائر، ص 96.
28 - المصدر نفسه، ص 97.
29 - المصدر نفسه، ص 105.
30 - المصدر نفسه، ص 107.
31 - نفسه.
32 - المصدر نفسه، ص 108.
33 - أبو القسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1981، ج1، ص 78.
34 - المصدر نفسه، ص 79.
35 - المصدر نفسه، ص 363.
36 - عبد الرحمن بن محمد الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، بيروت 1982، ج3، ص 106.
37 - المصدر نفسه، ص 150.
38 - عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر، ص 97.
39 - عبد الرحمن بن محمد الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج3، ص 171.
40 - المصدر نفسه، ص 176.
41 - المصدر نفسه، ص 178.
42 - المصدر نفسه، ص 180.
43 - المصدر نفسه، ص 575.
44 - أبو القسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي، ج1، ص 274.
45 - المصدر نفسه، ص 273-277.
46 - عبد الله شريط ومحمد مبارك الميلي: مختصر تاريخ الجزائر، ص 273.
47 - عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر، ص 11.
48 - المصدر نفسه، ص 162-164.
49 - المصدر نفسه، ص 186.
50 - عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر، ص 197.
51 - عبد الرحمن بن محمد الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج4، ص 454.
52 - عادل نويهض: معجم أعلام الجزائر، ص 95.
References:
1 - Bernian, Landry, A. Noshi and E. Lacoste: Al-Jazāir bayna al-māḍī wa al-ḥāḍir, (Algeria between the past and the present); translated by Rabah Stanbouli and Moncef Achour, OPU, Alger 1984.
2 - El-Djilali, Abderrahmane: Tārīkh al-Djazāir al-‘ām̊, Beirut 1982.
3 - Ḥijāzī, Maḥmūd Fahmī: ‘Ilm al-lugha al-‘arabiyya, Dār Gharib, Cairo.
4 - Ibn Khaldūn, ‘Abd al-Raḥmān: Al-muqaddima, Dār Ibn al-Haytham, 1st ed., Cairo 2005.
5 - Ibn Khaldūn: Tārīkh ibn Khaldūn, Mu’assasat Jamāl, Beirut.
6 - Nuwayhiḍ, ‘Ādil: Mu‘jam a‘lām al-Jazāir, 1st ed., Beirut 1971.
7 - Saâdallah, Abou el-Kacem: Tārīkh al-Djazāir ath-thaqāfi, SNED, Alger 1981.
8 - Sālim, Sayyid ‘Abd al-‘Azīz: Al-Maghrib al-kabīr, Mu‘assasat Shabāb al-Jāmi‘a, Alexandria.
الإحالة إلى المقال:

* مختارية بن قبلية: مسيرة اللغة العربية في الجزائر من الفتح الإسلامي إلى الاحتلال الفرنسي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الحادي عشر، سبتمبر 2011. http://annales.univ-mosta.dz

***