الفرجة الفنية الممسرحة عند العرب

د. نور الدين عمرون
معهد الفنون ببرج الكيفان، الجزائر

الملخص:

لدراسة تاريخ الفن المسرحي لأية شعب أو أمة يجب أن نبدأ من تاريخ الفرجة والإبداع الشفوي لتلك الشعوب، فالسكان القدامى لدول الأراضي العربية لم يكتبوا مسرحيات ولم تصلهم عروض مسرحية من الحضارة الإغريقية في عهدها، ولا من فنون العرض المسرحي للشعوب الأخرى، فكان المسرح كفن أو كفكرة بالنمط المتعارف عليه غير وارد في ذهنياتهم ولا حتى في مخيلتهم، لكنهم كانوا يستعملون عروضا للفرجة وألعابا بهلوانية وطقوس احتفالية، كما مرت به البشرية البدائية في جميع أنحاء العالم، وكانوا يستعملون مظاهر الفرجة في السر والعلن، كالأعراس، والجنائز وطقوس التعزية والاحتفال بمواسم الحرث والحصاد، وشتى مناحي الحياة المادية والمعنوية والدينية لمجموعات بشرية سكنت الأراضي العربية، تلك المظاهر والسلوكيات يشارك فيها الإنسان لأنها منه وتمثل مجتمعه وحياته ونفسه وبطواعية يسعى أن يكون كمشارك ومتفرج، شيء يتصل بذهنيته وجسده.

الكلمات الدالة:

المسرح العربي، الفن، الفرجة، العرض المسرحي، الدراما.

***
The theatrical artistic entertainment among the Arabs

Abstract:

To study the history of theatrical art for a people or a nation, we must start from the history of the entertainment and oral creativity of these peoples. The ancient inhabitants of the countries of the Arab lands did not write plays and did not receive theatrical performances of Greek civilization in his time, nor theatrical performances of other peoples. The theater was an art or an idea in the customary style that was not included in their minds or even their imaginations, but they used to use spectacle performances, acrobatic games and ceremonial rituals, as primitive mankind went through it all over the world. They used expressions of joy in secret and in public, such as weddings, funerals, consolation rituals, the celebration of the plowing and harvest seasons, and the various aspects of the material, moral and religious life of human groups who inhabited Arab lands. These appearances and behaviors participate in the human being because they are from him and represent his society, his life and himself and voluntarily seeks to be as a participant and a spectator, something related to his mind and body.

Key words:

Arab theater, art, entertainment, show, drama.

***

النص:

لقد كتب أرسطو الفيلسوف اليوناني: "إن الإنسان منذ الطفولة له غريزة التشخيص، ومن هذه الناحية يختلف الإنسان عن الحيوانات الأخرى، في أنه أكثر منها قدرة على المحاكاة، وأنه يتعلم أول دروسه عن طريق تشخيصه للأشياء، ثم تبقى بعد ذلك المتعة التي يجدها الناس دائما في التشخيص"(1). وهذا ما نلاحظه في تعبيرات الأطفال عند البكاء والضحك، أو عندما يقومون بأدوار في اللصوصية والبطولة، أضف إليها تخيلات الطفولة إيهامات وألعاب؛ هذا يعني أن الدراما لم تخترع مطلقا، ولكنها تطورت عبر الأزمنة والحضارات إلى أن وصلت ما هي عليه اليوم.

كل أنواع الاحتفالات الشعائرية تحتوى بالفعل على عناصر الدراما رغم أنها أفعال لمظاهر الفرجة، وليس من العسير أن نشاهد ونرى الطقوس والترانيم الدينية ورقصات الفرح مثل رقصة المحاربين وفرحة أقاربهم عند رجوعهم، تظهر لنا فعل المتعة، إن وجود أقدم رسومات منقوشة على صخور جبال الطاسيلي والهقار ومحيطهما ومنطقة أدرار في الصحراء الجزائرية من العهد القديم تؤكد لنا ذلك. "هذه الصور عجيبة بأساليبها المتنوعة ومواضيعها المختلفة، نشهد تارة أشخاصا عظاما، وتارة أشخاصا قصارا، وطورا جماعة من الرماة يتحاربون على قطيع، وأخرى لأشخاص يتضاربون بالعصي، ونرى صيادين يطاردون غزلانا، وهناك رجال على متن زورق يحاولون الاستيلاء على فرس الماء، وهناك مناظر للرقص ولمجالس اللهو، وأنت تتمتع بروعة وجمال هذه الصور، أمام متحف للآثار القديمة"(2). يدل ذلك على أن هناك في تلك الأزمنة الغابرة، كانت مظاهر عروض فرجة وجمهور، وسواء كانت طقوسا وثنية أو احتفالات فهي تعبر عن آمالهم وأحلامهم وهم منها كمشاركين ومتفرجين، وهذا ما نستنتجه من إيماءاتها وحركاتها ومتعة فرجتها، تلك الرسومات التي عبرت عن مظاهر الفرجة، اتخذت شكلا دراميا أكثر حيوية وجلاء، وبالفعل تحتوي على عنصر من عناصر الدراما.

أما حضارة ما بين النهرين فسكانها قدسوا مظاهر الطبيعة وتطورت لعبادة القوى الكامنة وراءها، "واختلفت الموضوعات لدى كل من هذه الشعوب فالشكل المحبب لدى السومريين لا يظهر في التماثيل البابلية. وجسد الأشوريون في نماذجهم كل ما يمثل القوة، كالسد والثيران المجنحة... حتى أن الملك يمثلونه دائما أثناء الحرب أو الصيد. ويبرز فنانوهم تفاصيل الوجه، والعضلات المفتولة لدلالتها على القوة، بينما يسترون بقية الجسم برداء فضفاض. ومن هذه الموضوعات الأشورية قبس الفرس فيما بعد"(3).

لكن لا نستطيع أن نحكم أن تلك الفرجة كانت غايتها الوحيدة التسلية أو تثبيت قوة الحكم، بل كانت هناك أشياء يتحكم فيها العقل والإحساس واللاشعور وتستخدم للتعليم والمحاكاة، ولو في الصيد والفروسية والبطولات، إن أرسطو يخبرنا: "أن الدنيا غريزة للمحاكاة والتمثيل وأننا نتعلم عند استخدامنا لهذه الغريزة. وأن الإنسان يجد متعة ولذة في المحاكاة، وهنا تكون المتعة التي نحصل عليها من مشاهدة منظر جميل، من مناظر الحياة الواقعية، هنا تتحول الحياة فجأة إلى مسرحية..."(4).

ومن هنا نستنتج أن عروض الفرجة فيها أشكال وعناصر تعبيرية فيها المتعة والملهاة والمحاكاة، ولكن ليس بمعنى المسرح بالمفهوم الأوربي الذي وصلنا عن الحضارة الإغريقية والرومانية، والتي ما زالت الكتابات المسرحية وهياكل المسرح شاهدة على أنه كان مسرحا موجودا هيكلا وكتابة وتمثيلا، كما نفهمه اليوم كتعريف للمسرح المعاصر.

كما كانت دولة قرطاج سليلة الدولة الفينيقية والتي أسستها عليسة الفينيقية الهاربة من مدينة صور بالشام، تلك الدولة التي ترتكز على مفهوم شعبي ومعتقد أن سعادة المملكة وازدهار شعبها متصل بوجود طاقة وقوة غيبية مقدسة كامنة في شخص الملك أو عزيز على سكانها، ولا يمكن تجديد الطاقة أو القوة المقدسة إلا بوسيلة واحدة هي التضحية بالملك أو العزيز الذي ينبغي أن يتقدم بجسده وروحه قربانا للآلهة أمام سكان قرطجنة، وبعد موته تقام له الشعائر والطقوس الدينية، وكانت الضحية الأولى للمفهوم والمعتقد منشئة الدولة القرطاجية الأميرة "عليسة".

والدولة القرطاجية كانت متأثرة كثيرا بالحضارة الفرعونية والأشورية ومنافسة للحضارة الإغريقية على سواحل البحر الأبيض المتوسط، كما كان القرطاجيون أبرز بحارة تلك العصور فكانوا على اتصال بالحضارات الشرقية والبلدان الأوروبية الغربية مثل إسبانيا وانكلترا؛ واهتمت الدولة ليس فقط ببناء الموانئ البحرية التجارية، بل كونت مدنا وجيشا قويا لحماية الموانئ والمدن، وكان من أفراده يونانيون وهذا ما يخبرنا به عز الدين جلاوجي: "ولم يتردد اليونانيون في الانخراط في صفوف الجنود المرتزقة في الجيش القرطاجي، إن أول ظاهرة يلمسها الدارس لتاريخ مجتمع هذه الأرض في هذا العصر القرطاجي هو الامتزاج الواضح بين عدد من العناصر الحضارية في ذلك المجتمع..."(5).

هذا يعنى أن هناك تأثيرات ثقافية يونانية على دولة ومجتمع قرطجنة، وأن العناصر التي قدمت سواء تجار أو مرتزقة في الجيش القرطاجي قد عرفوا المسرح اليوناني. لكننا لا نملك أدلة واضحة أو نص يثبت ممارسته عروضا وكتابة في شمال أفريقيا في عهد الدولة القرطاجية، ما عدا مظاهر وأشكال من عروض الفرجة، كطقوس دينية مشكلة في بقايا، كالمعابد والأقنعة ودفن الموتى مع تماثيل. "لقد عثر على ما يقارب ألفين ومائتي لوح نقوشي من الحقبة الفونية، تحمل غالبيتها رموزا كثيرة، وكتابة إهدائية للآلهة تانيت وللإله بعل حمون. وأرسلت هذه الآثار إلى فرنسا، لكنها غرقت مع المركب الذي كان ينقلها عند مدخل مرفأ طولون، وأخرج من الماء القسم الأكبر منها، وأعيد نقشها جميعا، بفضل النسخ التي نقلها المنقب قبل انطلاق المركب..."(6).

وكان لحكام الدولة النوميدية شمال أفريقيا اهتمام بالأدب والفنون، وخاصة يوبا الثاني، فكانت له اتصالات ثقافية مع رجال المسرح. ويخبرنا محمد عبازة عن هذا الملك بقوله: "اتخذ ممثلين وممثلات، لا يزالون بقصره وجلب إلى بلاطه أحد مشاهير الممثلين في التشخيص واسمه ليونطوس لاريخوسي..."(7). ويؤكد محمد طمار ذلك أيضا بكتابته: "كان يوبا الثاني يعيش في جو هيليني ويقصد يوناني لا يفارقه طبيبه "أوفورب" وممثله "ليون تيوس" وكتابه وصفوة المهندسين والفنانين... وكان يهوى التمثيل وألف فيه كتابا تناول فيه الفن الدراماتيكي وشيد له مسرحا. وقد استقدم من إيطاليا لفن الزخارف اختصاصيين صقليين ومشارقة قد عملوا بروما..."(8).

اهتم يوبا الثاني كثيرا بالفنون والثقافة وأعطى اهتماما كبيرا للميدان المسرحي وهذا راجع لتربيته وثقافته التي أكتسبها في بهو القصر في روما بإيطاليا، وقد اعتنت بتربيته الأميرة أوكتافيا (أخت القيصر أغسطس)، وحبه لزوجته كليوباترا سليني (الهجينة) ابنة كليوباترا السابعة الملكة المصرية وماركو أنطونيو القائد الروماني والتي كانت تعشق الفنون: "لم يشغله شيء عن المطالعة والبحث بروما ولا حين جلس على عرش آبائه، وكان يقول الشعر، ولا زالت بين أيدي الأدباء أشعار بعث بها إلى "ليونتوس" وكان هذا لم يحسن دوره في تمثيل مأساة "هسييل" لأنه أكثر من الأكل قبل أن يمثل، فسخر منه لنهمه..."(9).

إن الإنسان بطبعه وغريزته ميالا للمحاكاة والتشخيص والمتعة والانبهار بعروض الفرجة، إنها جدلية الروح الدرامية والمأساوية في الإنسان التي تشمل المؤدي والمتفرجين، إن الإبداع الشعبي الشفوي الفلكلوري يكون السباق لكل ما سيليه من إبداعات فنية مكتوبة في النثر والشعر، وفي نهاية المطاف يأتي الفن الدرامي والعرض المسرحي.

1 - نشأة الفرجة الفنية عند العرب قبل الإسلام:

على الرغم من كثرة العشائر والقبائل في المجتمع العربي، قبل الخلافة الإسلامية، فقد ظلت القبيلة الإطار الوحيد الذي ينشأ ويترعرع فيه الفرد، بعادته وتقاليده، سياسيا واجتماعيا وثقافيا، والشعور القبلي والإحساس بانتمائه للقبيلة روحا وجسدا، ترك الفرد لا يتحرك إلا في إطار مفهوم القبيلة، عرفها الداخلي بعاداته وتقاليده وكرامتها وعزتها وشرفها مع القبائل المجاورة والشعوب الأخرى. ولتعدد كياناتهم كثرت ديانتهم وطقوسهم. وذلك راجع لموقعهم الاستراتيجي وممارستهم التجارة، والتي ظلوا لعهود يحتفظون بإسرارها وطرقها، ومخالطتهم الأجناس الأخرى في تجارتهم، تأثروا بمعتقدات وعبادات الأمم الأخرى، وفي أراضيهم ظهر رسل وأنبياء ولذلك نجدهم عرفوا الديانات السماوية كاليهودية والمسيحية، وغير السماوية كالمجوسية والوثنية، وشاعت وانتشرت بقوة بين القبائل والعشائر العربية؛ وقامت على فكرة عبادة مظاهر الطبيعة، وعبدوها وعملوا على استرضائها؛ وصقلوا منحوتات تمثل بشرا وحيوانات أو مظهر من مظاهر الطبيعة، وكونوا لها طقوسا واستعراضات، حيث أنهم كانوا يطوفون بها ويتقربون إليها، ويستجدونها في وقت السراء والضراء. "شاعت الوثنية شيوعا كبيرا في بلاد العرب، وقامت على فكرة عبادة مظاهر الطبيعة. ولما كان العربي يعتقد أن لهذه المظاهر تأثيرا بالغا على حياته، فقد حرص على استرضائها، وأتخذ لها أشكالا مختلفة من بيوت وأشجار وأحجار منحوتة تمثل بشرا وحيوانات، وأخرى غير منحوتة. وكان العرب يطوفون حول هذه الأصنام، ويتاجرون عندها، ويعتبرون المكان الذي فيه المعبود حرما... وزاد عددها على الثلاثمائة أهمها، ود، سواع، يفوت، يعوق، هبل، بعل، جهار... أما الأصنام التي تشترك في تقديسها معظم القبائل فكانت: اللات والعزة ومناة..."(10).

واشتهرت الأسواق في الأراضي العربية بكثرة تنوعها من منتوجات وسلع، منها المحلية والمستوردة، وازدهرت بقيمة المعروضات، من جميع أنحاء العالم، وذلك لكثرة ومعرفة الطرق التجارية التي تخترق أراضيهم، وسيطرتهم على طرق التجارة البحرية في الخليج العربي والمحيط الهندي والبحران الأحمر والأبيض المتوسط. ولا ننسى أن العرب كانوا وسطاء تجاريين بين الأمم. وتنوعت هذه الأسواق، ولكل منها فرجة فنية واستعراض خاص بها، لطبيعة موقعها؛ ما يهمنا هنا هو أنواع الفرجة الفنية الثقافية في تلك الأسواق، وأهمها: سوق عكاظ للشعر، وكان للمنافسة الأدبية الشعرية للنساء والرجال وله وقع لدى الجماهير، والسوق عبارة عن ملتقى فني ثقافي للإبداع الشعري العربي، له متفرجين وحكام يقيمون المواضيع والكلمات والنبرة الشعرية، وموازن الشعر والإلقاء. "في سوق عكاظ رجال كثيرون وبعض النساء يتبارون ويحتكمون إلى شيخ كبير يعلوه الوقار، وتجلله المهابة في قبة حمراء ضربت له وهو الشاعر النابغة الذبياني..."(11). ومن سوق عكاظ بقيت المعلقات السبع المشهورة، وهي عبارة عن قصائد لفطاحل الشعر لذلك الزمان والتي ما زالت إلى يومنا شاهدة ومعبرة عن واقع نفسي واجتماعي عاشته الكيانات العربية، حيث نجد العرب اهتموا كثيرا بالشعر وفن الخطابة بإلقاء تمثيلي، وأعطوهما اهتماما خاصا، وكان لكل قبيلة شاعر أو خطيب، بمثابة الناطق باسم القبيلة؛ وبطبيعة الحال يتطلب ذلك إلقاء، على منصة أو خشبة ومتفرجين، لأن الشاعر يعبر عن كيان قبيلته، أحلامها وطموحاتها، شجاعتها وكرمها، وأحيانا الرثاء لإبطالها، والتعزية للآخرين فيما أصابهم، ويحدد ذلك خالدوف: "كان الشعر الشفاهي وسيلة شاملة لتثبيت المعلومات عما جرى وما كان يجري في الماضي، وعبارة عن نمط خاص للذاكرة الاجتماعية، وحتى كلمة الشعر ذاتها كانت تعني في البداية "المعرفة" و"الدراية"... وكان الشعر البدوي وسيلة هائلة لتكوين ونشر المفاهيم والتصورات الاجتماعية... وبذلك لا تغدو اللقطات الشعرية وحدها بسرعة ملكا للجميع، بل وكذلك التعميمات والصور الجديدة ذات المضمون الإيديولوجي والفلسفي. وإذا كان الشعر وحده لا يكفي لرسم صورة الحياة البدوية وخاصة التاريخ، فانه لتوصيف العالم الداخلي لقاطني شبه الجزيرة العربية في مرحلة ما قبل الإسلام، يكاد الشعر يكون في جوهره الوسيلة الرئيسية الوحيدة تقريبا للتعبير عن الذات. الذي يعتبر المنهل الأهم والموثوق به... وكان لما رسخ في الأشعار تأثير خاص على وعي السامعين... فالكلمات الخطابية وحدها حازت على أهمية مماثلة، غير أنها لم تنل مثل هذه الشهرة الواسعة كالشعر، ولم تستطع أن تبقى لزمن طويل في الذاكرة..."(12).

ونستنتج من ذلك أن الشعوب العربية عرفت عملية الإلقاء بالمعنى المسرحي عن طريق الشعر، حيث الشاعر يعطي للكلمة والجملة قيمتها ونبراتها وانفعالها النفسي الداخلي والخارجي، حسب معانيها وأهدافها، مع التركيز على الحركة النفسية والجسمية، بالفعل وبالسرد.

ومن هنا يمكننا القول بأنه عرض إلقائي شعري، يتم حسب المعطيات الموجودة آنذاك النفسية والاجتماعية والاقتصادية؛ ولهذا فإني أعتبر شاعر سوق عكاظ "شاعر ممثل" لوجود المكان، الزمان، النص، الشاعر الممثل، الجمهور، في كل ما ألقي في سوق عكاظ والأسواق الثقافية الأخرى؛ رغم أنه وصلنا القليل من القصائد الشعرية، من ذلك التراث الثقافي الإنساني الذي يعبر عن كيانات سياسية واقتصادية وجدت عبر مناطق العالم العربي.

2 - مظاهر الفرجة الفنية في عهد الإسلام:

إن سكان الأراضي العربية لم يكتبوا نصوصا مسرحية بالمفهوم المسرحي المتعارف عليه اليوم، إذا أستثنينا المقامات لبديع الزمان الهمذاني والحريري مع أواخر الدولة العباسية، ولم يترجموا إبداعات مسرحية عن الحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية، أو من الحضارات الآسيوية، رغم ترجمتهم لكثير من العلوم الإنسانية، للحضارات الأخرى.

لكن العرب عرفوا أشكالا من عروض ومظاهر الفرجة الفنية، كما سبقنا وحددنا ذلك مع سوق عكاظ، والذي اعتبرناه سوق للشعر بإلقاء مسرحي، أو ما يسمى اليوم بمنولوج لشخص واحد؛ وأشكال أخرى تنوعت في طقوس دينية ووثنية من الخليج العربي إلى المحيط الهادي، منها ما دون والكثير بقي بدون تدوين مطمورة تحت الرمال إلى اليوم.

وفي بداية عهد الإسلام اهتم الخلفاء بإنشاء دولة وتنظيماتها وجيوش للفتوحات الإسلامية، لنشر الديانة الجديدة بين القبائل والإمبراطوريات المجاورة والشعوب الأخرى، هذا تطلب منهم الاهتمام باستمرارية الشعر، وإعطاء قيمة كبيرة لفن الخطابة؛ واستطاعوا أن يبرعوا في ذلك، فالخطيب هو الذي يستنهض الهمم، ويرغب المتعاطفين والمترددين، ويرهب الأعداء باستعماله كلمات حماسية وأخرى منطقية تخاطب العقل؛ ومثالا لذلك ما نجده في خطبة طارق بن زياد، عندما دخل في مواجهة مع الإسبان على أراضيهم، حيث حرق سفنه وخاطب الفاتحين بقوله: "البحر من ورائكم والعدو أمامكم، وما بقي لكم إلا القتال..." ففن الخطابة يتم بإلقاء مسرحي، حتى تكون لكلماته أشد وقعا على النفوس من الأنصار والأعداء.

واستمر العرب في عهد الإسلام في الاهتمام بالشعر وبإلقائه في الأسواق والمنتديات، وتعتبر الأسواق الثقافية من العادات العربية التي أبقى عليها الإسلام ومن أشهرها كما ذكر أبو العباس: "سوق دومة الجندل، وسوق هجر، وسوق عمان، وسوق أرم، وسوق حضرموت، وسوق صنعاء، وسوق عكاظ. وكانت هذه الأخيرة تقام في الأشهر الحرم. وكانوا يتناشدون فيها الأشعار"(13). وانتشر الشعر في المساحات العامة، وقصور الولاة، والسلاطين وخيم شيوخ القبائل، سواء في المدح والرثاء، والبطولات والاعتزاز، "ما أن برزت الأطماع في الاستيلاء على السلطة في عهد بني أمية وكثر المطالبون بالخلافة، حتى أخذ الأمويون يستنفرون الناس لنصرتهم. وكان الشعر من بين أفضل الوسائل التي استخدمها الأمويون في الدعاية لأنفسهم ومهاجمة خصومهم، وكانوا في سبيل ذلك يقربون إليهم الشعراء ويغدقون لهم العطاء. وتحول الشعر في عهدهم عن وصف الأطلال ومفاجأة الحبيب، إلى السياسة. وأضحى الثالوث الأموي الأخطل، والفرزدق، وجرير، أبرز الشعراء السياسيين في ذلك العهد. وقد امتازوا بالمديح كما برعوا في الهجاء. وقيض للشعر في هذا العصر مدرسة أخرى في الحجاز بعيدا عن السياسة والتحزبات هي مدرسة الشعر الغنائي الغزلي، ومن روادها عمر بن أبي ربيعة، وجميل بثينة العمري"(14).

كما كثر الحكاؤون في البلاد العربية، بعد خضوعهم لراية واحدة وتوسع الخلافة من شرق أسيا إلى شمال أفريقيا وبعض مناطق جنوب أوروبا. وكانت تكثر مشاهدتهم والاستماع لحكايتهم، عن خصائص البشر والأجناس الأخرى، وتقليد أصوات الحيوانات، "وكان هناك كثيرون من المضحكين تفننوا في طرق الهزل، يخلطونه بتقليد لهجات النازلين ببغداد من الأعراب، والخراسانيين والزنوج والفرس والهنود، والروم، ويحاكون العميان، وقد يحاكون الحمير. ومن أشهر هؤلاء ابن الغازلي، وكان يتكلم على الطريق. وسمع به الخليفة المعتضد فاحضره، فما زال يذكر له نوادر والخليفة متماسك حتى أخرجه عن طوره ووقاره إلى الضحك"(15).

من هنا نستنتج وجود ممثل حكواتي يستعمل الإلقاء والميم، بمعناه الجمع بين فنون الأداء بالكلمة والتمثيل، وهذا في حالة المقلدين؛ ونجد أيضا الممثل والمتفرج والزمان والمكان والنص الحكواتي. أما الأداء بالجسم البشري في تقليد الحيوانات والعميان، وكل معايب البشر فهو قريب جدا إلى ما يسمى اليوم بالمفهوم الأوربي البونتوميم وهو نوع من أنواع المسرح.

كما كان في ذلك الوقت التبادل الثقافي مع البلدان الأجنبية، "وكان ثمة ممثلون يأتون من الشرقين الأدنى والأقصى ليقدموا تمثيلياتهم في قصور الخلفاء. كما كان المسافرون العائدون من أسفار طويلة يقصون على الخلفاء، عن أخبار أسفارهم ما يسلى ويدهش"(16).

من كل ما طرحناه نستنتج أن الشعوب العربية والإسلامية عرفت عنصر التمثيل وعناصر الدراما في عروض الفرجة الفنية، واستمتعوا بالغناء أو ما يسمى اليوم بمسرح الأوبرا والأوبيرات، وهذا ما نستنتجه من كتاب الديارات لشابشتي، وأن جميع الفنون تطورت بالتدرج وليس دفعة واحدة، كما أنهم شاهدوا المسرح عن أمم وحضارات أخرى في إطار تبادل ثقافي دبلوماسي. وأنهم كانوا متفتحين على الإبداعات الإنسانية لثقافات الأمم والشعوب الأخرى.

3 - القوال والمداح "الراوي":

عرف سكان الأراضي العربية مظاهر أخرى من الفرجة الفنية زيادة على مسرح خيال الظل أو طيف الخيال والقراقوز، القوال والمداح، وأحيانا يطلق على تسميتهما الراوي والحاكي في المشرق العربي، وهما شخصيتان يقومان بسرد حكايات شعبية في الأسواق والأماكن الجماعية، تتميز بالوضوح والتحديد، وتناقض وتباين الشخصيات، والقوال يستخدم الأداءات الحركية الجسمية حسب معنى الكلمة وأحيانا الإيماءة والتلميح بالكلمة وقد تكون إيحاءات، عادة ما تتميز بالتشويق وبديناميكية الفعل وتوتر الصراع، يحكيان قصص شعبية وأخرى بطولية ودينية، تميل إلى الأسطورة والخرافة الشعبية والكثير منها مستنبط من ألف ليلة وليلة، والراوي للمقامات والمدائح الدينية وحكايات عن حياة الأنبياء والرسل وأبطال الفتوحات الإسلامية.

وحكايات القوال والراوي تميزت بأنها تدعو إلى عمل الخير والحياة الطيبة الرقيقة وتتميز الحكايات بالنهايات السعيدة، وتفادي فكرة الحقد والشر والكراهية، وتداول القوال في شمال أفريقيا بقوة قصة أبى زيد الهلالي وذياب بن غانم وبريقع والجازية؛ في خلافة المستنصر الفاطمي ثارت وتمردت شعوب وحكام بلاد المغرب عليه فنصحه بعض مستشاريه "أن يبعث هؤلاء العرب من هلال وسليم، فان ظفروا بالثائرين، فقد كسب تلك البلاد، وإن انهزموا وقى الله مصر شرهم وأرسلهم سنة 441هـ، ونزلوا بالمغرب وافتتحوا أمصارها واستباحوها"(17). والقصة لها ثلاثة أقسام: القسم الأول (منها يصف تاريخ بني هلال في بلاد السرو (وهى منازل حمير بأرض اليمن)، والقسم الثاني تدور حوادثه حول رحلة بني هلال إلى نجد، والقسم الثالث تدور حوادثه حول رحلة الهلالية إلى المغرب الكبير، والقسم الأخير تداولت قصصه بين سكان المناطق الجزائرية بكثرة ورويت في الأسواق والمباني والمناسبات. والقصة باختصار، "وقعت (سعدة) بنت الزناتي خليفة في حب (مرعي) أحد أصحاب أبى زيد وقد وقعت حروب بين الهلالية والزناتية بسبب ذلك انتهت بقتل الزناتي خليفة، ثم اختلف الهلاليون فيما بينهم على قسمة أملاك الزناتي خليفة وثارت الحرب بين أبى زيد ودياب وانتهت بقتل دياب لأبي زيد فاجتمع قوم للأخذ بثأر أبي زيد منهم بريقع والجازية بنت الحسن وانتقموا من دياب وقتلوه. وقد قتلت الجازية أيضا في هذه المعارك. موجز مختصر جدا لقصة طويلة"(18). واهتمت الجماهير بأحداث القصة وتقبلتها بتلقائية وحكاها رواة وتداولتها الألسن في المساحات العامة والأسواق وأحيانا في الأعراس، كما غناها المطربون، لأن حوادثها عايشها الشعب الجزائري ببطولات بدوية ساذجة وتتلاءم وذهنيته، ولأن القصة فيها حبا مثالي تبعث فيهم الحس الغزلي العفيف، الذي تضحي في سبيله الأفراد والقبائل وتحرك فيهم العزة والكرامة والحماسة والعصبية للأبطال وأحيانا تتداخل بين حوادثها مقاطع من الغناء وأشعار حول حيزية ومحبوبها.

كما تمتعت قصة عنترة بن شداد بشهرة واسعة بين المؤدين والمستمعين وتحكي قصة عنترة العبد الأسود من آمة سوداء لأمير من قبيلة عبس، شجاع ويتميز بصفة الأبطال أحب ابنة عمه الفتاة النبيلة عبلة وأراد التزوج بها، لكن العرف القبلي يرفض تزوج فتاة نبيلة بعبد؛ وفي إحدى المعارك يرفض عنترة المشاركة في الحرب مع قبيلة عبس، فتقدم منه الأمير طالبا منه المشاركة فيرفض على أساس أنه لا ينتسب إلى قبيلة عبس وهو عبد، فيتقدم منه الأب شداد بقوله: (كر فأنت حر)؛ وقد أحب سكان المناطق العربية القصة وتداولتها الألسن لأن القصة فيها الحب والمغامرات الغرامية والمآثر البطولية وتندمج فيها الشخصيات التاريخية بالشخصيات الأدبية الشعرية. وحكى القوالون قصصا أخرى من أهمها: حب ليلى ومجنونها، وهي حكاية سردية غرامية عفيفة وقد تداولتها الألسن وحفظها المستمعون عن ظهر قلب وتقبلتها الناس بتلقائية، ولأن القصة فيها الحب العفيف المثالي وتبعث فيهم الحس الغزلي.

المداح والقوال لا يختلفان في الجوهر، بمعنى إيصال قصة أو خبر للجماهير، وفي مناطق عدة تختلف التسميات فقط، القوال يستخدم موسيقى الرباب والناي وأحيانا آلة العود والبندير؛ والحكايات تتم وسط الجمهور بين المتفرجين، ولها صفة الارتجال، يختلط فيها الكلام السردي بالحوار أحيانا مع المتفرجين، كما يتوقف المداح في السرد، عدة مرات، لطلب المعونة المالية من المتفرجين اختياريا، ويقوم بالدوران وسط الحلقة؛ والشروط الأخلاقية على المداح الإجابة عن بعض الأسئلة من المتفرجين، وأحيانا نقاش بين القوال والجمهور بعلاقة جدلية بين المتفرج والراوي، وهذا التشبيه للمداح يختلف من منطقة إلى أخرى في المنطقة العربية، لكن المتفق عليه أن القصص كلها شفوية لا تحترم أية نص، قد يزيد أو ينقص، وأحيانا إعادة مقطع من السرد حسب الطلب، وهكذا أصبحت قصص الرواة (القوالين) متداولة بين الجماهير من جيل إلى جيل، وأن أصابها بعض الشلل مع نهاية السبعينات في بعض الدول العربية، لظروف سياسية كان هدفها القضاء على الشعوذة في الأسواق، أضف إليها انتشار المسارح والسينما والتلفزيون بقوة وسط الجماهير.

4 - الأعياد والاحتفالات الرسمية:

إن الأساطير والطقوس والمواكب الممسرحة التي بها عناصر التشخيص والمتفرج والتي بها طموح الإنسان لمحاكاة الحياة، والتي ظهرت في كل مكان وزمان وعرفتها شعوب العالم عبر الأزمنة الغابرة، كانت بمثابة المنابع الأولى للعرض المسرحي وبالفعل تحولت إلى عروض مسرحية بالنسبة لدول العالم، لكن في المناطق العربية لم تتطور إلى عروض مسرحية وبقيت عبارة عن فرجة رغم ما تمتلكه من عناصر الدراما وأهمها الفرجة الدينية المسماة "التعزية".

كما وجدت أعياد دينية أخرى لنشأة الكيانات التي وجدت في الأراضي العربية، والكثير منها وجدت فيها الفرجة الفنية بقوة، أوجدتها ظروف اجتماعية واقتصادية ودينية وطائفية وقبلية، وأخرى أسطورية، بفكر رمزيا له دلالاته، حيث أن الميل إلى إضفاء القداسة على بعض الكائنات الحية أو موجودات طبيعية، أصيل في النفس الإنسانية عبر كل العصور، وأهمها الزردة.

والزردة في بعض المناطق تسمى بالركب، حفل استعراضي تقوم به جماعة، احتفالا بجدهم أو رجلا صالحا، قدم الكثير لأفراد القبيلة أو الطائفة؛ يقوم أفراد بمبادرة تحضير الحفل قبل أسابيع من موعده، بجمع الدراهم لشراء الكبش ومستلزمات الوليمة من أكل وشرب، ويحضر جميع المدعوين تقريبا للحفل، وأحيانا يأتون أفراد القبيلة أو الطائفة الدينية طوعا، ويلتقي المشاركون عند مزار الجد أو الرجل الصالح، المشكل ببقايا بيت أو حوش بقبة (القبارية) أو بدونها؛ يطهى الطعام عند الدار المزارة مع أعلام بلون أخضر ترفرف، ويقدم الأكل لجميع الحاضرين، وتتلى أحاديث حول بطولات وأفعال الشخصية المحتفل باسمها، المشاركون يقومون بشطحات على أنغام الزرنة (القراب) والبندير وترانيم المدائح، وأحيانا يغمى على بعض الراقصين، وتختلف الزردة في الشكل من منطقة إلى أخرى ومن مزار إلى أخر، ولا تختلف الزردة كثيرا عن السبيبة عند التوارق بجنوب الجزائر بمناطق الطاسيلي.

والأهم هو أن نشأة الفرجة الفنية وتطورها في العالم العربي الإسلامي، وجدت فيها عناصر الفن المسرحي من الإلقاء والبنتوميم والتجسيد، وارتبطت أنواع هذه الفرجة الفنية بالمتعة والتسلية وبالجمهور كمتفرج، وأحيانا كمشارك، وبهذا تتحقق المتعة المتفق عليها ضمنا بين المؤدي والمتفرجين واعتزت الجماهير بالفرجة الفنية لأنها منه وتمثله، كما كانت عملية تثقيفية وتسلية تعبر عن همومه واحتياجاته، بطريقة المباشر والتلميح حسب المعطيات الاجتماعية والاقتصادية، ولا زال الشعب يواصل تأييده ويتلذذ لأنواع الفرجة الفنية، لأنه وجد فيها المتعة والملهاة.

أما ما يسمى باحتفالات السلاطين والأمراء وبروتوكولاتهم في القصور، لا يمكن أن نستدرجها في عناصر الفرجة الفنية، رغم كتابة الكثير من المؤرخين بأنها تعتبر بدايات للفن المسرحي. واعتبرها أنشطة وحركات بروتوكولية استعراضية داخل القصور؛ ومن الصعب علينا كمختصين مسرحيين أن نجعل من استقبالات الملوك وبروتوكولاتهم ومجالس لهوهم فرجة فنية فيها عنصر من عناصر الدراما أو العرض المسرحي، مهما تفننوا في محاولة إحداث الشعور بالانبهار وبالألبسة والألوان والأزياء والأضواء، فالعنصر الأساسي المفتقد في بروتوكولاتهم ومجالس لهوهم هو الملهاة والتسلية التي نتمتع بها في عروض الفرجة الفنية؛ بمعنى فقدان المتعة المتفق عليها ضمنا بين المؤدي ومتفرجيه، فقدان الممثل للملهاة والتسلية والمتفرج المنفتح على العرض.

5 - المقامات ومسرح خيال الظل:

المقامات، مسرحيات جنينية بسرد وصفي للمكان وحوار درامي طغى على شخصياتها كلمة "قال" في مكان الشخصية الطبيعية أو المعنوية، فاكتفي مبدعوها بأن يكتبوها على الورق، تاركين للرسامين استلهامها في رسومات كالواسطي، وللراوي أو للخيال أن يقوم بدور الممثل، ثم كان من نصيب محمد شمس الدين بن دانيال أن جسدها في مسرح طيف الخيال أو ظل الخيال، واستطاع أن ينقل المقامة على الركح من الراوي الفرد إلى ظل الشخصيات مجسدا على الخشبة بستارة مضاءة من الخلف بالشمع أو بالكير وسان. وللمتفرج أن يتخيل ويدرك ويتحسس طيف الخيال.

ويمكننا القول إن أشكال الفرجة الفنية والعروض، تطورت إلى أن وصلت إلى إبداع المقامات لبديع الزمان الهمذاني بهدف التهذيب ونبذ التضليل والهوس بالأسلوب الحواري؛ واعتبر مقامات بديع الزمان الهمذاني والحريري، البداية الحقيقية للدراما العربية، وخاصة في كثيرا من المقامات كالموصلية والأسدية والحلوانية وغيرهم، والبعض الآخر دراما بمضمون حكواتي. وجسدها ابن دانيال في مسرح خيال الظل. وهذا النوع المسرحي هو أحسن ما كان يعرض على الجماهير واعتبره بداية المسرح العربي، لأنه لا يختلف كثيرا عن المسرح الحالي ولأن التمثيل يتم عن طريق التجسيد والشخصيات المسرحية تظهر ما وراء الستار، مع وجود المتعة، الحوار، الصراع، الإيقاع، الزمان والمكان، الموسيقى، الأزياء، الجمهور، يعني أنه مسرحا ممثلوه متحجبون. مواضيعه مأخوذة من المقامات لبديع الزمان الهمذاني والحريري ومن التراث الشعبي والواقع الاجتماعي المعاش في عهد ابن دانيا.، عروضه امتزجت فيها الواقعية بالخيال، وعبر عنها بالأسلوب الجاد والمضحك، بتعبير ومهارة فنية عن هموم وحاجيات الشعب.

6 - مميزات مظاهر الفرجة الفنية ومسرح خيال الظل:

إن العالم الإسلامي عرف عدة أنواع من مظاهر الفرجة الفنية، من طقوس دينية، وبعض المحافل الثقافية كسوق عكاظ، وتطورت أنواع الفرجة الفنية إلى رواة المقامات وتجسيدات خيال الظل، إلا أن عرفت الشعوب الإسلامية المسرح بالمفهوم الأوروبي؛ وهذا الأخير مارسوه متأخرا في القرن التاسع عشر؛ ولا نستطيع القول إن ما عرضناه ولو باختصار عن بعض ملامح نشأة الفرجة الفنية والعروض مسرحا بالمفهوم الأوروبي، رغم أن الكثير فيها عناصر وإمكانيات الدراما، أما خيال الظل فنؤكد أنه مسرح بالمعنى المتعارف عليه؛ وكل أنواع الفرجة الفنية، كانت السبب في احتضان الجماهير للمسرح بالمفاهيم الأوروبية عندما وصلها، حيث وجدت فيه وسيلة للتعبير والتغيير، ونشأت فرق فنية مسرحية في المدن والقرى؛ والفن الرابع لم تواريه أية معارضة. لأن الشعوب العربية والإسلامية كانوا يمارسونه كفرجة فنية، عبر الأجيال والعصور من غير أن يعرفوا أن فيه عناصر الدراما. لقد عرف العرب أشكالا من العروض أو مظاهر الفرجة، وأن هذه الأشكال قد تنوعت تنوعا كبيرا من منطقة عربية لأخرى.

إن مظاهر الفرجة الفنية وأشكالها المتنوعة قابلة للتطوير والتجسيد، لأنها وسيلة للتعبير عن هموم عايشها سكان البلدان العربية؛ والمهم أن يجد الجمهور شيئا يحتاج إليه ويرتبط به، وقد وجده في أنواع الفرجة الفنية، رغم معارضة التأويليين لأنواع عدة من مظاهر وأشكال الفرجة، وبعض الأعياد التي كانت ترفضها بعض الطوائف الدينية.

الهوامش:
1 - لويس فرجاس: المرشد إلى فن المسرح "الدراما"، ترجمة أحمد سلامة محمد، المطبعة الكاثوليكية، ط4، لبنان 1976، ص 8.
2 - محمد طمار: الروابط الثقافية بين الجزائر والخارج، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1983، ص 24.
3 - لبيب عبد الستار: الحضارات، دار المشرق، ط14، بيروت 1997، ص 43.
4 - لويس فرجاس: المرشد إلى فن المسرح "الدراما"، ص 85.
5 - عز الدين جلا وجي: النص المسرحي في الأدب الجزائري، دار هومة، الجزائر 2000، ص 22-23.
6 - مادلين هورس ميادان: تاريخ قرطاج، ترجمة إبراهيم بالش، منشورات عويدات، بيروت-باريس، ص 25-28.
7-محمد عبازة: تطور الفعل المسرح التونسي من النشأة إلى التأسيس، دار سحر، تونس 1997، ص 14.
8 - محمد طمار: الروابط الثقافية بين الجزائر والخارج، ص 58.
9 - المصدر نفسه، ص 56.
10 - لبيب عبد الستار: الحضارات، ص 231.
11 - أبو عثمان الجاحظ: البيان والتبيين، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة 1947، ص 297.
12 - غريازنيفيتش: دراسات في تاريخ الثقافة العربية، ترجمة د. أيمن أبو شعر، دار التقدم، الاتحاد السوفياتي 1979، ص 74-75.
13 - القلقشندى: صبح الأعشى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1977، ص 113.
14 - لبيب عبد الستار: الحضارات، ص 274.
15 - د. علي الراعي: المسرح في الوطن العربي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، الكويت 1999، ص 34.
16 - نفسه.
17 - احمد أمين: قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة 1953، ص 126.
18 - المصدر نفسه، ص 126-127.
الإحالة إلى المقال:

* د. نور الدين عمرون: الفرجة الفنية الممسرحة عند العرب، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الحادي عشر 2011. http://annales.univ-mosta.dz

***