نقد فكرة الاحتجاج في التراث العربي

د. عماد علي الخطيب
جامعة الرياض، السعودية

الملخص:

فاق احتجاج النحويين والبلاغيين والنقاد بالشعر، غيره من الشواهد. وأحس النحاة أن الشعر يمثل لغة العرب؛ فمادته خصيبة وفيرة مع سهولة الحفظ والرواية فاعتمدوا عليه. وللشعر أسلوبه وألفاظه وإيقاعاته وقيوده، ويتناول موضوعات خاصة تفرض على الشاعر قيوداً لا تفرض عليه أثناء كلامه العادي. وقد تضطر هذه القيود الشاعر إلى الضرورة ويقف الشاعر في حيرة بين القاعدة النحوية والموسيقى الشعرية. فإلى أي مدى يمكن اعتبار صلاحية الأساليب الشعرية لبناء القاعدة النحوية؟ هذا مما سوف يعالجه بحثنا بحول الله تعالى. وقد احتلت الشواهد الشعرية اهتمام النحاة منذ القديم، أما الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف، فمن العلماء من رفضه ومنهم من وافقه، وسيقف البحث عند من هم (مع) ومن هم (ضد) الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف وتعليل كل طرف ورؤية ما يقفون عليه. أما الاحتجاج باللهجات، فقد بذل النحاة جهدًا فائقا في تفنيده خدمة للقرآن الكريم، فوجدت القراءات المتواترة والقراءات الشاذة.

الكلمات الدالة:

الاحتجاج، النحو، البلاغة، النقد، التراث العربي.

***
Criticism of the idea of argumentation in Arab heritage

Dr Emad Ali al-Khateeb
University of Riyadh, Saudi Arabia

Abstract:

The argumentation of grammarians, rhetoricians, and critics with poetry outnumbered other evidence. And the grammarians felt that poetry represented the language of the Arabs. Its material is fertile and abundant, with ease of preservation and narration, so they relied on it. Poetry has its own style, words, rhythms and limitations, and deals with special topics that impose restrictions on the poet that are not imposed on him during his ordinary speech. These restrictions may compel the poet to necessity and the poet stands at a loss between the grammatical rule and poetic music. To what extent can the validity of poetic methods be considered for building the grammatical base? This is what our research will address, God Almighty’s grace. Poetic evidence has occupied the interest of grammarians since ancient times, as to the invocation of the noble prophetic hadith, some scholars have rejected it and some have approved it, and the search will stop with those who are (with) and which are (against) the invocation of the hadith of the noble prophet and the explanation of each part and see what they stand on. As for the invocation of dialects, the grammarians made an extraordinary effort in refuting it in service of the Holy Qur’an, and I found frequent readings and erratic readings.

Keywords:

argumentation, grammar, rhetoric, criticism, poetry.

***

النص:

لعل علماء العربية بصناعتهم وتدوينهم لعلوم العربية، كانوا يرمون لخدمة القرآن الكريم، بالدرجة الأولى، وقد بيَّن علماؤنا أصول بعض القراءات القرآنية، وحققوا في صلتها بقواعد علوم العربية، وأرادوا للقرآن الحفظ والله خير حافظ. والملاحظ أن الاحتجاج بالشعر في كلام العلماء لتقعيد قواعدهم أفشى وأشيع كثيرا من الاحتجاج بكلام العرب النثري، ولذلك أسباب، منها:
1 - شيوع حفظ الشعر.
2 - حضور الشعر الدائم في الذاكرة.
3 - اهتمام النحاة بالشواهد الشعرية كثيرا، فشواهد سيبويه قامت حولها دراسات لشرحها وتحليلها وظهرت بذلك مؤلفات، وفي مقدمتها شرح أبيات سيبويه لأبي جعفر النحاس، وشرح أبيات سيبويه لابن السيرافي وغيرهما.

أما الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف، فاختلاف العلماء به بيّن، وانقسم العلماء إلى قسمين متناقضين (مع) و(ضد) ولكل أسبابه التي سيفصلها البحث. وللاختلاف بين العلماء أسباب منها ما يرجع للقاعدة الدينية بأن الحديث الشريف ليس من كلام النبي الكريم (ص) على الحرفية، ومن الأسباب ما يرجع للقاعدة العملية في أن كلام النبي الكريم هو من النثر الذي لا يستشهد به.

أما الاحتجاج باللهجات، فقد بذل النحاة جهدهم به، لخدمة القرآن الكريم، فوجَّهوها بالتعليل المستند إلى الأصول المعتمدة عندهم، واستشهدوا على ذلك بالشواهد الفصيحة التي جمعوها من البوادي عبر رحلاتهم العلمية، وقد استندوا إلى هذه القراءات في تأصيل قواعدهم، وإرساء معالم الصناعة النحوية والصرفية، وضبط مفردات اللغة. ومن المعلوم أن للقراءات الصحيحة شروطا ومعايير تجعلها مقبولة، وقد اعتمدها النحاة واللغويون والبلاغيون والنقاد، واستنبطوا منها الأصول التي بنوا عليها علومهم، وما خالف شروط القراءة الصحيحة عدّوه شاذا، واختلاف العلماء على القراءات اختلاف أصل في جوازها ثم جواز الاستشهاد بها لتأسيس قاعدة تخدم العربية.

1 - مصطلح الاحتجاج:

الاحتجاج طريقه الاستشهاد، ومعنى الاستشهاد في اللغة: يكون بعرض قضية لغوية أو نحوية، وإثباتها بسوْق دليل من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف، أو الشعر وربما النثر. وقد ربط بينهما غير دارس، منهم سعيد الأفغاني في كتابه "في الاحتجاج بالشعر في اللغة"، إذ قال "يراد بالاستشهاد إثبات قاعدة أو استعمال كلمة أو تركيب بدليل نقلي صحّ سنده إلى عربي فصيح سليم السليقة"(1).

والاحتجاج في الاصطلاح تقابل الاستشهاد. وارتبط الحديث عن الاحتجاج بمصطلح عصر الاحتجاج، ذلك الذي يوصله بعض العلماء إلى 150 للهجرة. وأورد البغدادي في خزانة الأدب، عن أبي جعفر الرعيني الأندلسي قوله: علوم الأدب ستة، اللغة، والصرف، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع. والثلاثة الأول لا يستشهد عليها إلا العرب في عصر الاحتجاج والاستشهاد، دون الثلاثة الأخيرة، فإنها ليستشهد فيها بكلام غيرهم من المولدين؛ لأنها راجعة إلى المعاني. وأنه لا فرق في ذلك - يعني: المعاني - بين العرب وغيرهم؛ إذ هو راجع للعقل(2). وتأتي خصوصية الشاهد في كونه يجب أن يكون نصا ولا يحتمل غيره. ذكر سعيد الأفغاني في أصول النحو أنه لقد أحس العرب ضرورة الاستشهاد، لما رأوا أن سلامة اللغة العربية بعد اختلاط الأعاجم إثر الفتوح في معرض الخطر. فآنس أولو البصر أن الأمر آيل إلى إفساد اللغة وإلى التفريط في صيانة الدين من جهة ثانية(3).

2 - الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف:

ذكر مجمع اللغة العربية، بمصر، ما ملخصه أنه لا يحتج في العربية بحديث لا يوجد في الكتب المدونة في الصدر الأول كالكتب الصحاح في السنة النبوية المطهرة. فما قبلها. وأنه يحتج بالحديث المدون في هذه الكتب الآنفة الذكر على الوجه الآتي، إذا كانت من الأحاديث المتواترة المشهورة، والأحاديث التي تستعمل ألفاظها في العبادات، والأحاديث التي تعد من جوامع الكلم، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم، والأحاديث المروية لبيان أنه صلى الله عليه وسلم يخاطب كل قوم بلغتهم، وتلك الأحاديث التي عرف من حال روايتها أنهم لا يجيزون رواية الحديث بالمعنى مثل القاسم ابن محمد ورجاء بن حيوة وابن سيرين، والأحاديث الأخرى التي دونها من نشأ بين العرب الفصحاء، وأخيرا تلك الأحاديث المروية من طرق متعددة وألفاظها واحدة(4).

3 - اختلافات العلماء حول الاحتجاج بالحديث:

سادت المباحث النحوية، واللغوية الهادفة للنقد والتحليل والتنميط البلاغي. فكرة تصل شهرة جذورها الأساسية إلى أبي حيان الأندلسي (ت 745هـ). وعصارتها أن أئمة النحو المتقدمين من الكوفة والبصرة ما كانوا ليستشهدوا بشيء من الحديث! وقال إبراهيم مصطفى في هذا الصدد: "أما الحديث فقد رفضوه جملة وقالوا: رواته لا يحسنون العربية فيلحنون فلا حجة في الحديث والاستشهاد به". وقال عن ذلك عبد الصبور شاهين "ففي القرن الرابع كان قد مضى زمان طويل من الإنكار الشديد لمكانة الحديث الشريف من نصوص اللغة"(5).

ويقول مهدي المخزومي في المجال ذاته: "أما الحديث فلم يجوز اللغويون والنحاة الأولون كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر والخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه من البصريين والكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين الاستشهاد به"(6). وإلى ذلك أشار شوقي ضيف وعبد العال سالم مكرم، إذ استبعد البصريون من منهجهم الاعتماد على الحديث النبوي الشريف في تقعيد القواعد(7).

وقد جاء أبو حيان الأندلسي في تفسيره "البحر المحيط" بشواهد كثيرة، ولم يأل جهدا في ميدان الاحتجاج والاستشهاد؛ فقد اعتمد على الشواهد في استنباط معاني الكلمات القرآنية وتوضيحها وتحديدها. ولأبي حيان موقف من الاحتجاج، يمكن تلخيصه بما يلي:

إنه يحتج ويستشهد بالقرآن الكريم، وقراءاته، والكلام العربي ولهجاته، ولكنه لا يجوِّز الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف، ويتبين ذلك من خلال إنكاره على ابن مالك(8) استشهاده بالحديث النبوي الشريف، معللا ذلك أن العلماء تركوا ذلك لعدم وثوقهم من أن ذلك لفظ الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ لو وثقوا بذلك لجرى مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية. وإنك تجد أن الرواة جوزوا النقل بالمعنى - لاسيما بالأحاديث الطوال - نقلا عن "سفيان الثوري": إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. وهناك أمر ثان، وهو أنه قد وقع بعض اللحن فيما روي من الحديث؛ لأن بعض الرواة كانوا غير عرب، وكانوا يقعون باللحن وهم لا يعلمون ذلك. فلم يستشهد أبو حيان الأندلسي بالحديث إلا قليلا، وفي كثير من الأحيان يورده على سبيل المثال. ونجد في كتابه أنه يسوق الحديث النبوي الشريف للاستدلال به ولكن يؤخره عن المصدرين الآخرين: (القرآن الكريم والكلام العربي) المستشهد به. وكان يكتفي بالاستدلال بالحديث النبوي الشريف ويحذف الإسناد ولا يذكر درجة الحديث من الصحة أو الضعف. مثلا:

عند تفسيره لقوله تعالى: "وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة" (سورة الأعراف، 171) يقول أبو حيان (النتق): الجذب بشدة، وفسره بعضهم بغايته وهو القلع. وتقول العرب: نتقت الزبدة من فم القربة. و(الناتق): الرحم التي تقلع الولد من الرجل، وفي الحديث: "عليكم بزواج الأبكار فإنهن أنتق أرحاما وأطيب أفواها وأرضى باليسير"(9).

وقد راجت في كتب النحاة والمعاجم فكرة عرض لها البغدادي في خزانة الأدب، مفادها أن تأخر تدوين الحديث النبوي الشريف قد أخر جواز الاستشهاد به! ذلك أن علماء العربية هم غير علماء الحديث النبوي، ثم إن دواوين الحديث لم تكن بعد مشتهرة في العهد الأول من التدوين، ولم يتناولها علماء العربية كما كانوا يتناولون القرآن الكريم. فإذا سلمنا عدم استشهادهم بالحديث؛ فذلك لعدم انتشاره بينهم، لا لأنهم يمنعون الاستشهاد به. وإلى تلك الفكرة اطمأن سعيد الأفغاني في أصول النحو حيث قال: "وأغلب الظن أن من لم يستشهد بالحديث من المتقدمين لو تأخر به الزمن إلى العهد الذي راجت فيه بين الناس ثمرات علماء الحديث من رواية ودراية لقصروا احتجاجهم عليه بعد القرآن الكريم، ولما التفتوا قط إلى الأشعار والأخبار التي لا تلبث أن يطوقها الشك إذا وزنت بموازين فن الحديث العلمية الدقيقة"(10).

وهذا رأي غير صائب، فقد كان من علماء اللغة العربية رواة للحديث النبوي الشريف، مثل: أبي عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر الثقفي، والنضر بن شميل المازني، والخليل بن أحمد، والقاسم بن سلام، وعبد الملك الأصمعي، والرياشي، وقد شغل سيبويه بالحديث قبل دخوله مجال العربية، وقد تلمّذ على محدث كبير يعرف بحماد بن سلمة، ويقول ابن شميل المازني يوضح الحقيقة: "ما رأيت أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد"، فأين ادعاء الباحثين أن علماء العربية ما كانوا ليتناولوا دواوين الحديث لأنها لم تكن مشتهرة كما كانوا يتناولون القرآن الكريم! إنه ادعاء باطل؛ فإن مدون الحديث الأول هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت 124هـ)، وظهر الأئمة مبكرين: الإمام مالك بن أنس (93-179هـ)، والإمام الشافعي (150-204هـ)، والإمام أحمد بن حنبل (164-241هـ)، وصنفوا في الحديث. وصولا إلى الصحيحين للبخاري (ت 256هـ)، ومسلم (ت 261هـ)، وهذا عن دل فإنه يدل على اعتماد أئمة اللغة الأولين على الحديث اعتمادا ملحوظا ليحكم بتداول تلك المصنفات الحديثية بينهم. ومن أئمة اللغة الذين استشهدوا بالحديث النبوي ابن جني (ت 392هـ)، وابن فارس (ت 395هـ)، والجوهري (ت 398هـ)، وابن سيده (ت 458هـ)، والسهيلي (ت 581هـ)، وابن بري (ت 581هـ) وابن خروف (ت 609هـ)(11). وسيلخص الباحث دور كل منهم في تاريخ استشهاد علماء العربية بالحديث النبوي الشريف.

ومن العلماء الأوائل، ظهر أبو عمرو زبان بن العلاء المازني، (ت 154هـ) وهو من القراء السبعة المشهورين، وإمام أهل البصرة في اللغة والنحو، وأستاذ الخليل بن أحمد الفراهيدي. وهو أول من وصل إلينا من العلماء الذين استشهدوا بالحديث النبوي الشريف وقد استشهد بثلاثة أحاديث نبوية شريفة(12) فقط، في تأصيل بعض قضايا الصرف. وهو من أوائل الطبقة الثالثة من الرواة الذين بذلوا جهدا مضاعفا في تنقية كلام الشواهد المروية من التدليس وتمييز الصحيح فيها من غيره. وجاء بعده الخليل بن أحمد الفراهيدي، (ت 175هـ)، ثاني النحويين الكبار وتلميذ أبي عمرو بن العلاء وشيخ سيبويه، وروى عن أبي عمرو استشهاده بالحديث النبوي الشريف. ومؤلف معجم "العين" وله تنسب "مدرسة العين" في تأليف المعاجم التي ترتب الألفاظ حسب مخارج الحروف. وتبعه القالي والأزهري والصاحب بن عباد وابن سيده. ومن أوائل الرواة بعد أبي عمرو بن العلاء، من الطبقة الثالثة الذين بذلوا جهدا مضاعفا في تنقية كلام الشواهد المروية من التدليس وتمييز الصحيح فيها من غيره. وجاء بعدهما أبو بشر عمرو بن عثمان بن قمبر، المعروف بلقب سيبويه (ت 185هـ)، وهو ثالث النحاة الكبار. من أئمة البصريين. وأول من وصلت إلينا آراؤه وآراء شيوخه بين دفتي كتاب ثابت النسبة له وقد جمع في كتابه معظم قواعد النحو والصرف. ولم يستشهد سيبويه بالحديث النبوي الشريف، ولكنه أدرج ألفاظه في درج الكلام! ويقال في دراسة تأريخ علم اللغة والنحو والصرف: "قبل سيبويه وبعد سيبويه". ثم جاء الكسائي، (ت 189هـ)، وهو من الطبقة الثالثة من الرواة الذين بذلوا جهدا مضاعفا في تنقية كلام الشواهد المروية من التدليس وتمييز الصحيح فيها من غيره.

ومن علماء القرن الثالث أبو زكريا يحيى بن زياد المعروف بالفراء (ت 20هـ) وهو إمام الكوفيين بعد الكسائي وقيل هو أعلم الكوفيين بعده! وهو من أوائل الذين استشهدوا بالحديث النبوي الشريف في علم اللغو والنحو، لكن أبا عمرو بن العلاء سبقه لذلك. وجاء بعده في هذا القرن أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت 215هـ) وهو صاحب كتاب مشهور هو "مجاز القرآن". وقد استشهد بالحديث. وكان أول من صنف في كتب غريب الحديث. وكان العلماء يستعينون على غريب الحديث وما غمض عليهم منه بالحديث نفسه. وهو من الطبقة الثالثة من الرواة الذين بذلوا جهدا مضاعفا في تنقية كلام الشواهد المروية من التدليس وتمييز الصحيح فيها من غيره. ثم استشهد بالحديث كل من أبي زيد، سعيد بن أوس ثابت الأنصاري (ت 215هـ)، وأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 223هـ) وابن السكيت (ت 244هـ)، والمبرد (ت 285هـ) والمفضل بن سلمة (ت 290هـ)، وثعلب (ت 291هـ).

وتلاهم علماء القرن الرابع، ومنهم ابن دريد (ت 321هـ) في كتب الصيغ، وفيه يورد من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر لمعالجة الألفاظ واللغة. وألف معجم "الجمهرة". وله تنسب "مدرسة الجمهرة" وتبعه ابن فارس، (ت 395هـ) في معجمه (مقاييس اللغة). وفي المعجم يعتمد على الحديث النبوي الشريف كما القرآن الكريم وكذلك الشعر(13) في صناعة المعجم ومعالجة ألفاظه. وقد حذف للاختصار أغلب الشواهد الشعرية من معجمه! ثم جاء الزجاجي (ت 337هـ) صاحب كتاب "اشتقاق أسماء الله" وكان ينقل عن سيبويه والخليل. ويرجح مذهب أبي عمرو بن العلاء. ثم الجوالقي (ت 359هـ) صاحب كتاب "المعرب"، وهو من التصنيف اللغوي الشامل للمادة اللغوية. وقد أفاد عمله في بداية صناعة المعجم عند العرب، ثم ابن خالويه (ت 370هـ) له كتاب مشهور بعنوان "إعراب ثلاثين سورة من القرآن". يورد فيه رأي أبي عمرو بن العلاء في الاحتجاج بالحديث في المسألة اللغوية. ثم جاء الحسن بن احمد بن عبد الغفار، المعروف بأبي علي الفارسي (ت 377هـ) وسبق ابن خروف في الاحتجاج بالحديث، وهو من الذين سمعوا الحديث. لكنه لم يكن من المحدثين. ثم جاء أبو الفتح عثمان بن جني (ت 394هـ) صاحب الكتاب ذائع الشهرة والصيت "الخصائص" له كتاب "المحتسب" وهو من أهم الذين استشهدوا بالحديث النبوي الشريف في علم اللغو والنحو، أثناء حديثه عن قراءة سعيد الخدري وكيفية توجيهه للقراءة. وهو صاحب المقولة الشهيرة التي وردت في كتابه "الخصائص": "فإن الأعرابي إذا قويت فصاحته، ومدت طبيعته، تصرف وارتجل ما لم يسبقه أحد قبله، فقد حكي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يسبقا إليها". ثم جاء أحمد ابن فارس (ت 395هـ) وقد استشهد بالحديث في كتابه "الصاحبي"، ثم الجوهري (ت 398هـ) وهو من الذين استشهدوا بالحديث النبوي الشريف في توثيق الكلمة العربية وبنيتها في معجمه "تاج اللغة وصحاح العربية". وإليه تنسب مدرسة "الصحاح" التي كانت الأساس لصناعة ابن منظور معجمه ذائع الصيت "لسان العرب". وتبع الجوهري في طريقة تأليفه للمعج: الصغاني، وابن منظور، والفيروز أبادي والمرتضى الزبيدي.

ومن علماء القرن الخامس كان ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ) صاحب القول المشهور في الاحتجاج بالحديث النبوي الشريف الذي وضح مكانة الحديث في العلوم الإسلامية، بأنه: "مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو لا مقروء". وكان من علماء القرن السادس ابن القطاع. أبو القاسم علي بن جعفر السعدي (ت 515هـ) وقد استشهد بالحديث في كتابه "كتاب الأفعال"، ثم جاء الزمخشري (ت 538هـ) مؤلف معجم "أساس البلاغة"، وله تنسب طريقة التأليف الجديدة للمعاجم، مثل المعجم الوسيط. الذي يستعان في شرح ألفاظه على النصوص والمعاجم السابقة كما يعزز المؤلف معجمه بالشواهد القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة والأمثال والروايات العربية المعروفة.

ثم جاء الصغاني (ت 650هـ)، وألف كتابين في الصيغ هما "افتعل" و"انفعل" وأكثر الاستشهاد فيهما بالحديث النبوي الشريف والاعتماد عليه في تأصيل القاعدة الصرفية. ثم جاء جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الجياني الشافعي النحوي الأندلسي المعروف بابن مالك (ت 672هـ) وهو صاحب "الألفية"، و"التسهيل" و"شرح العمدة" و"عدة اللافظ". وقد استشهد بالحديث في مسائل اللغة والنحو. وله قواعد عرفت منه. وينقل عن سيبويه وطرق استشهاداته، وكان يكثر من الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف في استقراء قواعد نحوية وصرفية جديدة كان قد استدركها على من تقدمه من النحاة البصريين والكوفيين والبغداديين. ثم جاء أبو الحسن علي بن محمد الأندلسي. المعروف بابن الضائع (ت 680هـ)، وقد بلغ الغاية في النحو في عصره، وهو من أهم الذين رفضوا الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف في علم اللغو والنحو. محتجا بأن سيبويه لم يستشهد به! وتبعه أبو حيان أثير الدين محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي (ت 745هـ) وهو من أهم الذين رفضوا الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف في علم اللغو والنحو. ويأخذ رأيه من قول منقول عن سفيان الثوري: "إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني وإنما هو المعنى". وهو بذلك يخالف ابن مالك جمال الدين الأندلسي صاحب "الألفية" المشهورة. الذي كان يكثر من الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف في استقراء قواعد نحوية وصرفية جديدة كان قد استدركها على من تقدمه من النحاة البصريين والكوفيين والبغداديين. وهو نحوي عصره ولغويه ومفسره ومحدثه ومقرئه ومؤرخه وأديبه! ثم جاء السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد (ت 911هـ) وهو من أغزر العلماء في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والتراجم واللغة والنحو، ومن أشهر مصنفاته في النحو: "الأشباه والنظائر"، و"همع الهوامع"، وهو من أهم الذين رفضوا الاستشهاد بالحديث النبوي الشريف في علم اللغة والنحو. يروي سبب رفضه لأن معظم الأحاديث قد رويت بالمعنى. وقد أجاز الاستدلال بالأحاديث التي تثبت روايتها باللفظ، وهي عنده قليلة جدا!

4 - الاحتجاج بالضرورة الشعرية:

ذكر محمد حسن حبل في الاحتجاج بالشعر في اللغة أنه لقد أنس النحويون إلى الشعر وأحسوا أنه يمثل لغة العرب، فمادته خصيبة وفيرة مع سهولة الحفظ والرواية فاعتمدوا عليه. والملاحظ أن الاحتجاج بالشعر أشيع كثيرا من الاحتجاج بكلام العرب النثري، ولعل هذا سببه شيوع حفظ الشعر لأن إيقاعاتـه تساعد على ذلك. وبذلك نال الشعر عنصر الضبط الذي جعله حرياً بأن يتصدر ويصل إلى مرتبة عليا من الاحتجاج. واحتلت الشواهد الشعرية اهتمام النحاة.

إن القدماء أحسوا بهذا الأمر ولم يغفلوه فتحدثوا عن الضرورات الشعرية فمنهم من عدها خطأ يقع فيه الشاعر وعليه إصلاح الخطأ، وعلى هذا فهل كان العلماء القدماء على حق حين عدوا الشعر هو الطبقة العليا من كلامهم فوضعوا قواعدهم في ضوئه؟ أم أنهم أخطأوا؟(14).

لقد اشترط علماء اللغة للاستشهاد بالشعر، أن يكون الشعر من عصر الاحتجاج الذي يمتد حتى سنة 150 للهجرة، أو إضافة قرن آخر إن كان الشاعر العربي عاش في قلب البادية، ويدخل في ذلك القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر الجاهلي، وشعر صدر الإسلام، وشعر العصر الأموي، ومطلع من شعر العصر العباسي بلا استثناء إلا إن ثبت عدم عروبية الشاعر. وإذا لم يكن الشاعر من عصر الاحتجاج دعي الشاهد "مثالا" للاستئناس لا للبرهنة: كشعر المتنبي والمعري، وهما من زعماء البيان العربي.

ومعنى الضرورة الشعرية هي: مخالفة المألوف من القواعد في الشعر، سواء كان في وزن عروضي أو قافية. ولم يسمه العلماء بالخطأ اللغوي، بل نسبوا الخطأ لانهماك الشاعر بموسيقى شعره وأنغام قوافيه، فيقع في الخطأ عن غير شعور منه!

ولم يكن كثير من اللغويين والنحويين يعترف بما يسمى "الضرورة الشعرية" فلم يكونوا يتصورون أن يخطئ شاعر في هذه اللغة؛ لأنه يتكلمها بالسليقة، فإذا وجدوا في شعر شاعر خروجا عن المألوف راحوا يتلمسون له المعاذير والحيل ويتكلفون في التأويل والتخريج ما لا يحتمل.

فتساهل الكوفيون وقعدوا لكل شاذ قاعدة وتشدد البصريون وجعلوا يبررون ويعللون ما ورد مخالفا، وكلاهما جانب الصواب وما كان ضرهم لو أنهم حكموا عليه بالخطأ وأن ما فعله ضرورة شعرية لإصلاح الوزن أو القافية وأن الشاعر بها قد ارتكب خطأ.

وقد نسب ابن السراج في الأصول، للزمخشري(15)، جمعه الضرورات الشعرية في بيتين من الشعر، إذ قال:

ضرورة الشعر عشر عدُّ جملتِها قطع ووصل وتقيف وتشديد
مد وقصر وإسكان وتحركة ومنع صرف وصرف ثم تعديل

وللعلماء آراء مختلفة في قبول الضرورات، ومنهم أبو هلال العسكري (ت 395هـ)، صاحب الصناعتين(16)، إذ قال مخاطبا الشاعر: "يجب أن تجتنب ارتكاب الضرورات، وإن جاء فيها رخصة من أهل العربية، فإنها قبيحة تشين الكلام".

ومن الأمثلة على الضرورة الشعرية، عدم منع النابغة الذبياني كلمة (قصائد) من الصرف، في قوله (الكامل)(17):

فلتأتيَنكَ قصائد وليركبَنْ جيش إليك قوادمَ الأكوار

لتصلح تفعيلة الكامل بتنوين الضم لـ(قصائد). وقال شارح الديوان إنه ليس لمنع الصرف أصل يرد إليه. وإنه أباه سيبويه وأكثر البصريين، وأنكره أبو العباس المبرد. وجوزه جماعة غير قليلة من الكوفيين والأخفش وبعض المتأخرين من البصريين.

وذكر سعيد الأفغاني(18) أنه ينبغي التفريق بين ما يرتكب للضرورة الشعرية وما يؤتى به على السعة والاختيار، فإذا اطمأنت النفس إلى بناء القواعد على الصنف الثاني ففي جعل الضرورة الشعرية قانوناً عاماً للكلام نثره ونظمه الخطأ كل الخطأ. ومن ذلك ما ادعى بعضهم جواز الرفع: بعد (لم) مستشهدا بقول قيس بن زهير:

بما لاقت لبون بني زياد ألم يأتيك والأنباء تنمي

فإذا فرضنا أن الشاعر قال (يأتيك) ولم يقل مثلا (يبلغك)، يكون قد ارتكب ضرورة شعرية قبيحة، ولا يجوز أن تبنى قاعدة على الضرورات.

5 - الاحتجاج باللهجات العربية:

ذكر سعيد الأفغاني(19)، أن شرطي إحكام الصناعة في اللغة العربية هما: عدم الإخلال بالمعنى، وأن يسوغ التلفظ دون ركة أو خروج عن الأسلوب العربي المشهور. هذا إذا ألجأت أحكام الصناعة في النحو إلى تقدير محذوف، فإنه يقُبل هذا التقدير بالشرطين الآنفين.

ولعل إيقاف الاحتجاج على لغة عصر الاحتجاج يعني الحكم بإيقاف نمو اللغة عند الحد الذي وقفت عنده في تلك الحقبة! وهذا يبعث إلى التعميم، فكان الامتناع عن الأخذ عن قبيلة بأسرها مع إغفال أن هناك فروقا فردية بين أبنا القبيلة، إضافة للتشدد الذي ظهر في تحديد الإطار الزمني وهذا حرم اللغة من بعض الأساليب والمفردات. ولم ينسب علماء الاحتجاج اللغات إلى قبائلها فتجد في استعمالهم كلاما من قبيلة "أسد" ومن "تميم" ومن كلام "قريش" وهكذا، فقام النحو على خليط من اللهجات لا نظام لها ولذلك ظهر الشذوذ في القواعد.

ولقد تحدث ابن جني في كتابه "المحتسب" عن الاحتجاج المقبول المتواتر والشاذ في القراءات القرآنية، فوجَّهها بالتعليل المستند إلى الأصول المعتمدة، واستشهد على ذلك بالشواهد الفصيحة التي جمعها هو وزملاؤه من البوادي عبر رحلاتهم العلمية.

وقد استند علماء الاحتجاج باللهجات إلى القراءات القرآنية الكريمة في تأصيل قواعدهم، وإرساء معالم الصناعة النحوية والصرفية، وضبط بعض مفردات اللغة. ومن المعلوم أن للقراءات الصحيحة شروطًا ومعايير تجعلها مقبولة، وقد اعتمدها النحاة واللغويون والبلاغيون، واستنبطوا منها الأصول التي بنوا عليها بعض علومهم، وما خالف شروط القراءة الصحيحة عُدّ شاذا.

ولعله ثمة ارتباط بين القراءات القرآنية ولهجات القبائل العربية، وقد كان مِنْ حكمة نزول هذه القراءات أن يَسَّرَتْ تلاوة الوحي الكريم والتعامل معه، على الرغم من أن اللسان العربي تتعدَّد لهجاته على نحوٍ واسع. وقد تكفَّلَت كتب "لغات القبائل" بإسناد كل مفردة قرآنية إلى أصل قبيلتها التي انحدرت منها.

وفي الفترة التي سبقت نزول القرآن كان للهجة قريش السيادة على اللهجات العربية الأخرى في شبه الجزيرة العربية. وقد بلغَتْ قريش هذه المنزلة بعد مراحل عديدة من احتكاك اللهجات العربية بها.

وكان لقريش الفضل بسبب موقعها الديني؛ فهي المشرفة على خدمة الكعبة المشرفة، وتهفو إليها أفئدة العرب جميعا، وبفضل النشاط التجاري الذي كانت قريش تعقده في حواضرها، وكانت اللهجة القرشية تستقي من لهجات القبائل ما تحتاج إليه من صفوة اللغات، حتى تمَّ تكوينها قبَيْل نزول الوحي.

وقد اشتملت لهجة قريش على خصائص كثيرة من لهجات القبائل الأخرى؛ إذ استوعبت صفوة العناصر الحميدة لهذه اللهجات. فإذا قلنا: إن القرآن نزل بلغة قريش فليس معنى هذا أننا نغضُّ الطرف عن تأثير اللغات الأخرى في مفردات القرآن ونسيجه الصوتي، وإنما نقصد أن لغة قريش هي اللغة النموذجية العالية التي تكوَّنتْ عبر مراحل عديدة، واشتملتْ على خصائص لهجات العرب الأخرى.

إنَّ هذا التطور التاريخي للهجة قريش التي نزل بها القرآن كان مَحْمَدة لصالح العرب جميعا؛ وذلك لأنَّ هذه اللهجة أصبحت لغة الأدب والشعر وقاسما مشتركا لدى جميع القبائل، ولو كانت لهجة قريش مقصورة عليها غير معهودة عند العرب لما استطاعت هذه القبائل أن تحقق الانتفاع بالقرآن الكريم والتعامل معه لأنه بلهجةٍ غيرِ لهجته. والنحاة اعتمدوا في التقعيد، وتثبيت القاعدة على لغات هذه القبائل، فاعتمدوا على لغة قريش، وسموها: اللغة الحجازية، ويأتي بعدها في الفصاحة لغة تميم، وتقرَنُ بكتب النحو والصرف بلغة الحجاز.

وللنحاة عانية بذكر لغة قيس، وقد تقرن بلغة الحجاز، وبلغة تميم، كما يعتنون بلغة بني أَسَدٍ، وبلغة طيء. وفي مقدمة "فقه اللسان" قال الشيخ يحيى في رسالته المسماة "ارتقاء السيادة": إن العربَ المأخوذَ عنهم اللسانُ العربيُّ، الموثوقَ بعربيتهم هم: بنو قيس، وتميم، وأسد وهُذيْل، وبعضُ الطائيين. فكانت لغة هذه القبائل المذكورة أفصحَ لغات العرب، وعليها المعتمد، وإليها المرجع، ومن هذه القبائل: بنو قريش، وهم بطون مضر ولد إسماعيل، ولغتهم مفضلة على غيرهم؛ لأنه فيها نَزَل القرآن الكريم(20).

وقد اعتمد الكوفيون في احتجاجهم اللغوي على القبائل التي اعتمد عليها البصريون واعتمدوا على لغاتٍ أخرى أبى البصريون الاستشهاد بها، وهي لهجات سكان الأرياف الذين وثقوا بهم، كأعراب الحطمية الذين غَلَّطَ البصريون لغتهم ولحَّنوها، واتهموا الكسائي بأنه أفسد النحو، أو بأنه أفسد ما كان أخذ بالبصرة، إذ وثق بهم.

وأخيرا فلقد صنف علماء العربية ثلاثة أنواع من المصنفات لخدمة القراءات في ضوء صناعتهم: منها ما يختص بالمقروء المتواتر، ومنه كتاب "الحجَّة" للفارسي و"الكشف" لمكي، ومنها ما يختص بالمقروء الشاذ، ومنه كتاب "المحتسب" لابن جني، و"إعراب القراءات الشاذة" للعكبري، ومنها ما يجمع بين المتواتر والشاذ ومنه كتاب "البحر المحيط" لأبي حيان الأندلسي، و"الدر المصون" للسمين الحلبي. ويبدأ كل مصنف من هذه المصنفات بذكر صاحب القراءة وضبط قراءته، ثم يشرع في توجيهها حسب قوانين الصناعة، ويعربها ويشرح معناها، ويستشهد عليها من شعر العرب ومنثورهم، وقد يجتهد في إيجاد وحدة معنوية بين قراءتين أو أكثر، وقد لا يكون ثمة وحدة فيسعى المؤلف في التوجيه الذي يراه في ضوء علوم العربية المختلفة، مِنْ لغةٍ ونحو وصرف وبلاغة.

6 - أهم نتائج البحث:

أ - يبعد العلماء بقبولهم الضرورة الشعرية من معنى الاضطرار، وهي في الحقيقة خطأ غير شعوري في اللغة يقع فيه الشاعر وذلك بالخروج عن النظام المألوف في العربية شعرها ونثرها. ولكن الصواب أن الشاعر يكون منهمكا بموسيقى شعره وأنغام قوافيه فيقع في هذه الأخطاء عن غير شعور منه. فما ضر النحاة والبلاغيين والنقاد أن يقولوا بأنه خطأ لغوي!
ب - لا يحتج في العربية بحديث لا يوجد في الكتب المدونة في الصدر الأول كالكتب الصحاح في السنة النبوية المطهرة، فما قبلها. ويحتج بها بشروط معلومة.
جـ - إن إيقاف الاحتجاج على لغة عصر الاحتجاج يعني: الحكم بإيقاف نمو اللغة عند الحد الذي وقفت عنده في تلك الحقبة، وذلك شيء يضاد طبيعة اللغة.
د - لعل التعميم كان طابعا عاما عند علماء الاحتجاج؛ فقد امتنع العلماء عن الأخذ من قبيلة بأسرها مع إغفال العلماء أن هناك فروقا فردية بين أبناء القبيلة.
الهوامش:
1 - سعيد الأفغاني: الاحتجاج بالشعر في اللغة، دار الفكر، ط4، دمشق، ص 57-58.
2 - عبد القادر البغدادي: خزانة الأدب، تحقيق عبد السلام هارون، دار التراث، بيروت، ج1، ص 5.
3 - سعيد الأفغاني: في أصول النحو، ص 6.
4 - قرارات مجمع اللغة العربية بمصر والمتعلقة بالألفاظ والأساليب ولحن العامة.
5 - إبراهيم مصطفى: في أصول النحو، مجلة مجمع اللغة العربية، وزارة التربية والتعليم، مصر، ج8، ص 144.
6 - مهدي المخزومي: مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو، مطبعة البابي الحلبي، ط2، مصر 1958، ص 79.
7 - شوقي ضيف: المدارس النحوية، دار المعارف، مصر 1968، ص 38. وعبد العال مكرم: الحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، دار المعارف، مصر 1968، ص 97.
8 - هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك، جمال الدين الطائي الجياني، الشافعي، أحد الأئمة في علوم العربية والقراءات وعللها.
9 - محمد بن يوسف، الشهير بأبي حيان الأندلسي (ت 745هـ): البحر المحيط، دراسة وتحقيق عادل أحمد عبد الموجود وآخرون، دار الكتب العلمية، بيروت 2001، ج4، ص 417.
10 - سعيد الأفغاني: في أصول النحو، ص 48.
11 - محمد الخضر حسين: الاستشهاد بالحديث في اللغة، ج3، ص 199. وعبد العال مكرم: الحديث النبوي الشريف وأثره في الدراسات اللغوية والنحوية، ص 338-339.
12 - جاء في كتاب محمد عجاج الخطيب: السنة قبل التدوين، القاهرة 1963، ص 332، أن التدوين الرسمي للحديث النبوي الشريف كان في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، أما تقييد الحديث وحفظه في الصحف والرقاع فقد مارسه الصحابة الكرام في عهد رسول الله (ص) ولم يقتصر تدوين الحديث بعد وفاته (ص) فقط، حتى قيض للحديث فيما تلا من الزمن مدونات كبرى مهمة.
13 - يعد إبراهيم بن هرمة (ت 150هـ)، آخر شاعر يستشهد بكلامه في لسان العرب، كما نقل ثعلب عن الأصمعي قوله: "ختم الشعر بإبراهيم بن هرمة وهو آخر الحجج". راجع الاقتراح، ص 70.
14 - محمد حسن حبل: الاحتجاج بالشعر في اللغة، دار الفكر العربي، القاهرة 1986، ص 12.
15 - ابن السراج: الأصول في النحو، ج3، ص 435.
16 - أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين، الكتابة والشعر، تحقيق مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت 1951، ص 151-168.
17 - أورد البيت ابن السراج: الأصول في النحو، ج3، ص 436.
18 - سعيد الأفغاني: الموجز في قواعد العربية، دار الفكر، دمشق 2003، ص 4.
19 - المصدر نفسه، ص 5.
20 - مضر هو ابن نزار بن معد بن عدنان وإليه تنتهي أنسابُ قريش وقيس وهُذيل وغيرهم. كرامت حسين الكنتوري: فقه اللسان، الهند 1915، ج1، ص 43.
References:
1 - Abū Ḥayyān al-Andalusī, Muḥammad: Al-baḥr al-muḥīṭ, edited by ‘Ādil ‘Abd al-Mawjūd and others, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut 2001.
2 - Al-‘Askarī, Abū Hilāl: Kitāb as-sinā‘atayn, edited by Mufīd Qumayḥa, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut 1951.
3 - Al-Afghānī, Saïd: Al-iḥtijāj bi ash-shi‘r fī al-lugha, Dār al-Fikr, 4th ed., Damascus.
4 - Al-Afghānī, Saïd: Al-mawjiz fī qawā‘id al-‘arabiyya, Dār al-Fikr, Damascus 2003.
5 - Al-Afghānī, Saïd: Fī ’usūl al-naḥw, Al-Maktab al-Islāmī, Beirut 1987.
6 - Al-Baghdādī, ‘Abd al-Qādir: Khizānat al-adab, edited by ‘Abd al-Salām Hārūn, Dār al-Turāth, Beirut.
7 - Al-Kantūrī, Karāmat Ḥussein: Fiqh al-lisān, India 1915.
8 - Al-Khaṭīb, Muḥammad ‘Ajjāj: As-sunnah qabla at-tadwīn, Cairo 1963.
9 - Al-Makhzūmī, Mahdī: Madrasat al-Kūfa wa manhajuha fī dirāsat al-lugha wa an-naḥw, Maṭba‘at al-Bābī al-Ḥalabī, 2nd ed., Cairo 1958.
10 - Ḍayf, Shawkī: Al-madāris an-naḥwiyya, Dār al-Ma‘ārif, Cairo 1968.
11 - Ḥabl, Muḥammad Ḥassan: Al-iḥtijāj bi ash-shi‘r fī al-lugha, Dār al-Fikr al-‘Arabī, Cairo 1986.
12 - Ḥussein, Muḥammad al-Khiḍr: Al-istishhād bi al-ḥadītḥ fī al-lugha.
13 - Mukarram, ‘Abd al-‘Āl: Al-ḥadīth an-nabawī ash-sharīf wa atharuhu fī ad-dirāsāt al-lughawiyya wa an-naḥwiyya, Dār al-Ma‘ārif, Cairo 1968.
14 - Muṣṭafā, Ibrāhīm: Fī ’usūl al-naḥw, Journal of the Academy of the Arabic Language, Ministry of Education, Egypt.
الإحالة إلى المقال:

* د. عماد علي سليم أحمد الخطيب: نقد فكرة الاحتجاج في التراث العربي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الحادي عشر، سبتمبر 2011. http://annales.univ-mosta.dz

***