تحويلات الوجود والمعرفة عند الصوفية

د. إسماعيل نوري الربيعي
الجامعة الأهلية، مملكة البحرين

الملخص:

بقدر ما كان الإسلام ديناً يؤكد على التوجه نحو الحياة والحصول على طيباتها، فإن الرسول (ص) وصحابته، كانوا يحثون المسلمين على الابتعاد عن الترف، والتأكيد على حياة الخشونة، كمرادف للزهد والصبر والتحمل، لاسيما خلال الفترة المبكرة من ظهور الإسلام، حيث الأخطار والتهديدات المحدقة بهم، وهكذا ارتبط التصوف بالزهد، خلال القرن الأول والثاني الهجري. وهناك العديد من الإشارات حول أصل هذه التسمية يحددها عبد الرحمن بدوي في أهل الصفة وهم فقراء المهاجرين الذين آواهم النبي (ص) في مكان قريب من المسجد النبوي في المدينة المنورة. وهناك رأي يقول بأن الاسم من صفاء السريرة والنقاء من الشر، ورأي يشير إلى المصلين الذين كانوا يقفون في الصف الأول خلال الصلاة، ومن نسبهم إلى بني صوفة خدام البيت في الجاهلية، وربما إلى الصفوانة وهي نوع من البقول أو إلى صوفة القفا وهو الشعر المنسدل على الكتفين.

الكلمات الدالة:

التصوف، الزهد، الصحابة، المهاجرون، العرفان الصوفي.

***
Transformations of existence and knowledge of Sufis

Abstract:

Insofar as Islam was a religion that emphasizes orientation towards life and obtaining its goodness, the Messenger (PBUH) and his Companions used to urge Muslims to move away from luxury and emphasize a life of roughness, as a synonym for asceticism, patience and endurance, especially during the early period of the emergence of Islam, where the dangers and threats Staring with them, and thus Sufism was associated with asceticism, during the first and second century AH. There are many references about the origin of this name, identified by Abd al-Rahman Badawi in the people of adjective, who are the poor immigrants whom the Prophet (PBUH) sheltered in a place close to the Prophet’s Mosque in Medina. There is an opinion saying that the name is from the purity of the secret and purity from evil, and an opinion referring to the worshipers who used to stand in the first row during the prayer, and from their lineage to the sons of Sufah, the servants of the house in the pre-Islamic era, and perhaps to the safwana, which is a type of legumes or to the Sufa al-Qafah, which is the poetry falling on Shoulders.

Key words:

Sufism, asceticism, companions, immigrants, Mysticism.

***

النص:

كانت تسمية التصوف مدار اهتمام الباحثين والمتخصصين، حيث السؤال عن أصلها، ولماذا كانت هذه التسمية؟ من الصوف، أم من الصفاء الروحي والذهني؟ وهكذا شغل المتصوفة أنفسهم في البحث عن دلالة الكلمة، حتى أن أبا نصر السراج (ت 378هـ)، أشار إلى سعة علم المتصوفة واقترابهم الشديد من الحقيقة الإلهية، وعلى هذا لا يمكن تحديد معارفهم بعلم محدد، بل إنهم يبحثون عن الحقيقة بشكل مطلق راغبين بالزيادة، وعليه فإن تسميتهم جاءت من توجههم نحو لبس الصوف تقليداً للأنبياء، والأولياء(1)، فعرفوا بالمتصوفة، ولم يكن المتصوفة بالطارئين نسبة إلى ظاهرة اجتماعية أو فكرية متأخرة، إنما تعود إلى مرحلة تاريخية سابقة، تعود إلى ما قبل ظهور الإسلام، استناداً إلى الخبر الذي يورده السراج عن محمد بن اسحق بن يسار، حول الرجل الصوفي الذي كان يطوف بالكعبة من مكان بعيد ويعود. بالإضافة إلى استدلاله بمقولات الحسن البصري(2) (ت 110هـ) وسفيان الثوري (ت 161هـ)، حيث الإشارة إلى الزهاد القانعين.

وبقدر ما كان الإسلام ديناً يؤكد على التوجه نحو الحياة والحصول على طيباتها، فإن الرسول (ص) وصحابته، كانوا يحثون المسلمين على الابتعاد عن الترف، والتأكيد على حياة الخشونة، كمرادف للزهد والصبر والتحمل، لاسيما خلال الفترة المبكرة من ظهور الإسلام، حيث الأخطار والتهديدات المحدقة بهم، وهكذا ارتبط التصوف بالزهد، خلال القرن الأول والثاني الهجري. وهناك العديد من الإشارات حول أصل هذه التسمية يحددها عبد الرحمن بدوي في أهل الصفة وهم فقراء المهاجرين الذين آواهم النبي (ص) في مكان قريب من المسجد النبوي في المدينة المنورة. وهناك رأي يقول بأن الاسم من صفاء السريرة والنقاء من الشر، ورأي يشير إلى المصلين الذين كانوا يقفون في الصف الأول خلال الصلاة، ومن نسبهم إلى بني صوفة خدام البيت في الجاهلية، وربما إلى الصفوانة وهي نوع من البقول(3) أو إلى صوفة القفا وهو الشعر المنسدل على الكتفين.

لقد أشار ابن الجوزي إلى أن التسمية تعود إلى أهل الصفة(4) فيما يؤكد الجامي أن هذا اللقب أطلق لأول مرة على أبي هاشم الكوفي (ت 162هـ)، الذي مثل طليعة المتصوفة الآخرين من أمثال إبراهيم بن أدهم (ت 162هـ)، داود الطائي (ت 165هـ)، الفضيل العيادي (ت 182هـ)، ومعروف الكرخي (ت 200هـ)(5). وقد بقيت صورة الزهد والتنسك هي السائدة حول المتصوفة حتى النصف الثاني من القرن الثالث الهجري(6)، أما القشيري (ت 466هـ) فإنه يشير إلى أن التسمية كانت متداولة خلال القرن الثاني الهجري(7)، ويؤكد هذا الاتجاه العلامة ابن خلدون، حين يوضح اتجاه المتصوفة إلى تجاوز رغبات الجسد والتوجه بكل شغف وجب إلى عبادة الله، أما لبس الصوف فكان تأكيداً على تقليد الصحابة الأوائل والتابعين، الذين اعتبروا أن التطلع نحو الغنى(8) وحياة الرفاهية ما هي إلا بدعه.

تطلع الصوفية هنا يرتكز حول تطبيق مبادئ التقشف والتعفف، التي كانت سائدة خلال حياة الصحابة في مرحلة الإسلام المبكر، حيث التضامن والتكافل على أشده والمؤازرة واضحة (والفكرة الأساسية لا تقوم على الرهبنة وترك الحياة ومتاعها، فهذا أمر يرفضه الإسلام بشكل قاطع) وبشكل عام لا ينطبق هذا الوصف على التصوف، الذي برز كظاهرة لها خصائصها وسماتها المميزة خلال القرن الثالث الهجري. لكن حياة الصحابة بتقشفهم وزهدهم كانوا يمثلون طلائع المتصوفين، على حد تعبير دي لاسي أوليري(9) وكان التوجه نحو تقليد السنة والاقتداء بشخص النبي (ص) في عمل الصوفية المتأخر، إلا أن المبالغة وسوء الفهم للنموذج الأساسي، كانت قد تبدت قسماتها في أكثر من حالة.

إذا أفرزت ممارسات الصفيين المتأخرين، خروجاً على التقاليد والتعاليم الإسلامية الأولى، ذلك حين انغمسوا في شعائر ومراتب وطقوس ومقولات، جعلت منهم فئة منعزلة، خارجة عن الفعالية الاجتماعية الإسلامية. ولكن تبقى لمسة الخوف هي الأبرز في تطلعات الصوفية، حيث الخشية من غضب الله تتبدى بشكل واضح لديهم، ومن هنا بالذات برز مفهوم الولاية لدى الصوفية، حيث تتحول المقولات المؤكدة على الزهد إلى نوع من العقاب الذاتي من أجل التطهير. فيما بقيت دلالة الزهد تأخذ بعدها في الخطاب الصوفي، حين يرفض أبو نصر هبة هارون الرشيد التي قدمها له قائلاً: "ما أنا إلا رجل من أهل الصفة، فادفعوها إلى فلان يفرقها عليهم ويجعلني رجلاً منهم"(10)، وباعتبار استناد المعرفة الصوفية على علمي الظاهر والباطن، حيث العبادات في الأول، والمقامات في الثاني وارتباط أعمال القلوب من خلال علاقة النفس بالله، فإن الكشف الصوفي يبدو في المعرفة فوق العقلية، حيث أن البحث عن علم الصديقين، والتي يدعوها أو طالب المكي "درجة أصحاب اليمين"(11)، وطالما أن الصوفي يبحث عن طهارة القلب لبلوغ درجة "العارف"، فإن الصوفي أبا نصر يربط نفسه بأصحاب الصفة، وهم فقراء المدينة الذين آواهم الرسول (ص)، وبهذا فانه يبحث عن شرعية دينية، يعود فهيا إلى زمن النبي، أما بالنسبة إلى إشارته بالطلب أن يكون واحداً من المجموعة التي توزع عليهم الهبة، فهي تصدر عن مقامات العارفين التي يحددها أبو نصر السراج في أربعة وثلاثين مقاماً(12)، من بينها؛ التفويض، والتقوى والمحبة والقناعة والرضا، في حين أن أبا سعيد بن أبي الخير يحدد أربعين مقاماً كي يصل التابع إلى مرحلة(13) التصوف. يضمنها في نية الاحتفاظ في الشقاء، وإذا ما خيّر بين الدنيا والآخرة فإنه يتطلع نحو الشقاء، وأنهم يتوبون عن الحلال، إذا كانت الناس تتوب عن الحرام، وهم لا يطلبون شيئاً لأنفسهم، إنما يبحثون عن الحب الصافي النقي للاتحاد بالذات الإلهية، حيث يلخص منصور الحلاج (ت 309هـ) هذا الأمر قائلاً(14):

عجبت منك ومني يا منية المتمني
أدنيتني منك حتى ظننت أنك أني

والصوفيون يتوجهون نحو مبدأ وحدة الوجود الذي يميز طريقهم، حيث أن الهدف نحو الاتحاد بالواحد، الذي هو الله، في حين أن الفلسفة الإلهية تتوجه نحو نظريته في الكون وتحديد مراتبه ومكوناته. فالصوفي يتطلع للانغماس في صلب التجربة، التي يعتبرها(15) حية معاشة ويعمل على استقبالها بكل جوارحه، والطريق إلى هذه الوحدة لا يتم إلاّ من خلال التمسك بالطابع الزهدي الصارم، حيث البحث عن اللذائذ الوجدانية وتجاوز المادي والمباشر. ولعل الحوار الذي دار بين أبي علي السيرافي وعليان الصوفي، يوضح بعض معالم هذه العلاقة، حيث يقول السيرافي: "فجئت إلى منزلي به، وقلت: ما تشتهي؟ فقال: ما اشتهيت منذ أربعين سنة إلاّ المولى، قلت: ألا أتخذ لك عصيدة جيدة؟ قال: هذا إليك. فاتخذت له عصيدة بالسكر ووضعتها بين يديه. فقال: لا أريد مثل هذا، ولكني أريد على الصفة التي أصفها لك. فقلت صفها لي. فقال: خذ تمر الطاعة، واخرج منه نوى العجب، وخذ دقيق العبودية، وزعفران الرضا، وسمن النية، واجعل ذلك في طنجير التواضع، وصب عليه ماء الصفاء، وأوقد تحتها نار الشوق بحطب التوفيق، وحركة بأسطام الحمد واجعله على طبق الشكر وصفه على يدي، فمن أكل منه ثلاث لقمات يكون شفاء لصدره، وشفاء لذنوبه"(16).

أما البهلول معاصر هارون الرشيد، فإنه يحدد معالم الطريق الصوفي، عن طريق استبشاع متاع الدنيا، حيث يطلق عليه ذل الطمع، ويضع مقابلاً أمامه يتمثل في عز الورع، من خلال "ميادين الصفا وترك الجفا ولزوم الوفاء وسكون الرضا في جوار من على العرش استوى"(17).

كان لإعراض المتصوفة عن الدنيا قد تجلى، في إعلان عدائهم لعلم الفقه، الذي اعتبروه جزءاً من التوجه المفضي إلى الدنيا، ومثلوهم بالعقبة، التي تقطع الطريق نحو الله. وعلى طريقتهم في التفسير أشاروا إلى أنهم كالبناء المشيد ظاهره مدهش تثير الإعجاب والانبهار، وباطنه هش وسقيم(18) فاقد للمعنى، ودليلهم الاختلاف الواضح في المذاهب. ولم يتوقفوا عند هذا الحد، بل أعلنوا رفضهم الاشتغال في هذه العلوم، باعتبارها دنيوية حسب تعبيرهم، وتعطل صاحبها عن بلوغ علم الحقائق، في هذا يشير الحلاج إلى عدم إمكانية معرفة الأشياء، لمحدودية إمكانات الإنسان، لكن هذا الأمر لم يشمل الصوفية بأجمعهم، بل برزت بعض الأصوات التي تنادي بأهمية العلم مثل الجنيد (ت 298هـ)، بالإضافة إلى توجه الكثير من فقهاء الشافعية إلى التصوف، ويحدد آدم متز ثلاثة مبادئ أفرزتها حركة التصوف في الحياة الإسلامية ممثلة في: الثقة الكاملة بالله، كرامات الأولياء، توقير شخص النبي (ص)(19).

يشير السراج إلى أن الصوفية، يطلق عليهم الفقراء، خصوصاً في بلاد الشام، انطلاقاً من الآيتين الكريمتين: "للفقراء الذي احصروا في سبيل الله" (سورة البقرة، الآية 273). ويعمد عبد الرحمن بدوي إلى اعتبار الفقر من مقامات الصوفية(20) والواقع أن صفة الفقر كانت تحتل مكانة مميزة لارتباطها بسنة الرسول (ص) وحياة الصحابة، حتى كانت نوعاً من الرد على توجهات الدولة الأموية في البذخ وحياة الترف وتقريب النخبة لها، وهكذا برز تيار الإعراض عن الدنيا، من خلال محاربة الشر الكامن في النفس البشرية، والتطلع إلى الله الذي يمثل الغاية الوحيدة بالنسبة للصوفي.

لا يمكن التغاضي عن الأثر الذي أحدثته الأفلاطونية المحدثة في التأثير على بروز العديد من التيارات الفكرية، لاسيما بعد التوسع فبترجمة الآثار الإغريقية خلال عهد المأمون (198هـ-218هـ)، وكانت الفلسفة قد التقت بالتصوف، في الكثير من المواقف الفكرية، بل إن النشأة كانت فلسفية، إذا ما أخذنا الأثر المباشر، الذي أحدثه كتاب "أنطولوجيا أرسطو" الذي يمثل اختصاراً(21) لأفكار أفلوطين في التصوف الفلسفي.

ويعزو أوليري أثر الديانتين المانوية والمزدكية في بروز تيار التصوف داخل المجتمع الإسلامي، لما يحملانه من توجهات زهدية واضحة، لاسيما من قبل المتحولين من الموالي الفرس إلى الدين الإسلامي، هذا بالإضافة إلى تأثيرات الديانة الصابئية المندائية التي كان لها أتباع في جنوب العراق، بحيث نجد أن معروف الكرخي، كان من أبوين على ديانة الصابئة. كما أن الأثر البوذي يتجلى أثره من خلال انتشارها في خراسان وبلخ، ولكن ثمة اختلاف بين البوذية والتصوف، حيث يبرز في أن الزقانا البوذية تقوم على فقدان الذات في السكينة المطلقة، في حين أن التصوف يقوم على فقدان الذات في التأمل الزهدي للجمال الإلهي(22).

كانت بدايات التصوف، قد تميزت في التوجه نحو الوعظ والإرشاد، حتى أطلق على جماعة منهم "القصاص" لأنهم كانوا يحثون الناس على التوبة وطاعة الله، والتذكير الدائم بقرب يوم الحساب، فيما برزت فئة منهم تدعى "البكائين" وهم من مقرئي للقرآن، كان يصب نشاطهم في ذات العمل وقد تركزت أعمال هؤلاء في نواحي البصرة(23)، خلال القرنين الأول والثاني الهجري، ومن الأسماء البارزة كان الحسن البصري (ت 110هـ)، الذي يعد المؤسس الأول لحركة التصوف، حيث كان عمله ينصب على رفض ملذات الدنيا، والتوجه إلى عبادة الله على اعتبار أن كل شيء في هذه الحياة مآله الزوال، ولن يبقى إلا الله العزيز الجبار. وقد ظهر تأثير حركة التصوف البصري في مناطق الجوار، حيث ظهرت في مدينة عبادان، الناسكة رابعة العدوية (ت 185هـ)، والتي كانت في الأصل جارية تعمل في الموسيقى، لكنها تحولت إلى الانغماس في حب الله، متوجهة إليه بكل جوارحها.

استقطبت بغداد بحكم مركزيتها، جماعة واسعة من المتصوفة، لاسيما صوفيي الكوفة بالإضافة إلى الأتباع من المناطق المتصوفة، وهكذا ظهر المحاسبي (ت 243هـ)، الذي يقوم منهجه على التشدد في محاسبة النفس، ومن هنا بالذات نال هذا اللقب، قد وضع شروطاً للمؤمن العابد تقوم على الانقطاع إلى الله، وان الحقيقة الأهم بالنسبة للإنسان تتمثل في الموت، وما يترتب عنها في أن يكون تحت يد الله للحساب الأكبر. وطالما أن الأحوال بهذا النوع من العلاقات، فإن المهم أن يتخلص الإنسان من نزعاته الفردية، وينزع عن نفسه كل أدران الشر من كبر وخيلاء وحب للدنيا(24).

كان المحاسبي قد برز تأثيره في أفكار الجنيد البغدادي (ت 398هـ)، لكن أفكاره لقيت بعض الترحاب من بعض فرق المتكلمين لاسيما الأشاعرة، الذين وجدوا في طروحاته مقدمة لنظرية إصلاحية، حتى أن ما قدمه من أفكار كانت مفتاحاً للتعاطف الكبير من أدباه عصره، بل إن التأثر به كان قد ولد اتجاهاً في تحرير الكثير من النصوص التي تشيد بحركة التصوف. وبقدر ما كان الاحتفاء بأفكار الجنيد، فإن الحلاّج الذي تطرف في آرائه، كانت من الأسباب التي أدت إلى عزلته، حيث ركز على أن النفس البشرية لا يمكن لها أن تصل إلى مرحلة الكمال ما لم تتحد بالله، وكان لتوجهه نحو تركيز مجال الكرامات، وإحاطته بالمريدين الذين غالوا في إبراز مكانته وأسبغوا عليه معالم التقديس والتكريم، إلى الحد الذي نال فيه رفض المتصوفة الآخرين له، والفقهاء ورجال السلطة، حتى كانت محنته التي تجلت في إعدامه عام 309 للهجرة(25).

من هنا كان التطلع إلى رفع الشبهات عن التصوف، حيث جهد العديد من المتصوفة في وضع المصنفات الشارحة لأفكارهم وآرائهم، مشددين على الطابع الإسلامي لحركتهم واحترامهم الشديد وتوفيرهم للسنة والجماعة. حيث برز عبد الله بن علي الوسطي أبو نصر السراج (ت 378هـ)، والملقب بطاووس الفقراء، ليضع كتاب "اللمع في التصوف"، ومحمد بن إبراهيم الكلاباذي (ت 380هـ)، الذي حرص للتعريف بالتصوف، إضافة إلى اشتغاله بعلم الحديث، وأبو طالب المكي (ت 386هـ) صاحب كتاب "قوت القلوب"، وعلي بن عثمان بن أبي علي الجلابي الهجويري (ت 470هـ) الذي وضع كتاباً بالفارسية عنوانه "كشف المحبوب لأرباب القلوب"، وعبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري القشيري (ت 475هـ)، الذي وضع كتاب "الرسالة القشيرية"، و"لطائف الاشارات"، و"التفسير الكبير"(26).

يستند التصوف الإسلامي في فهمه للهرمسية على اعتبارين. الأول: يقوم على مبدأ الانتشار، إذ أن الله منتشر بالزمان والمكان باعتباره كلي الوجود، وبهذا فإن الإنسان يمكنه الإتحاد بالله. أما الثاني: فيقوم على مبدأ الانطواء والحلول، بمعنى حلول الله في الإنسان إن مبدأ الانتشار الذي يقابله في المعنى الإسلامي "الاتحاد والفناء"، يقوم على أهمية تجاوز القياس والحدود التي يفرضها الجسم أو المكان، وإذا ما تم للمريد رفض المستحيل والانغماس في فكرة الخلود، فإن هذا الأمر سيفضي إلى معرفة الله، ولا بد من الارتفاع فوق كل علوّ والغوص في أعمق عمق، وتجاوز الحدود التي يفرضها المكان، حيث يمكن أن يكون المرء البحر فوق الجبل، سابحاً في الفضاء، فيما يكون تجاوز الزمان في إمكانية أن يكون المرء ميتاً-حياً، لم يولد بعد، شاباً-شيخاً. وبحسب ذلك فإن الإنسان إذا ما ارتفع بفكره وبلغ الإحاطة بالزمان والمكان وجوهر الأشياء وأنواعها وكمياتها، تمكن من الوصول إلى معرفة الله، والرغبة في معرفة الله تمثل الطريق القويم في حين أن الجهل بالله يكون الشر الأكبر(27).

أما بالنسبة للانطواء الذي يعني الحلول، فإنه يقوم على أن النفس قبس من الله، وإذا لم يستوعب الإنسان فكرة وجود الله في هذه النفس، فإنها ستكون عرضه لحلول الشيطان فيها.

ولبلوغ الحالة الأسمى لا بد من التوجه نحو الطريق غير المباشر، الذي يقوم على الانقطاع عن العالم في خلوة تامة، وهي تتطلب وقتاً طويلاً، وطريقاً مباشراً يعتمد على مبدأ الجمع لبلوغ مرحلة وحدة الذات التي تكون بمثابة التمهيد للوحدة مع الله، وهذا لا يتم إلا عن طريق رياضة روحية وبدنية، أساسها الصمت والسيطرة على الأحاسيس والقنوط عن أداء أي فعل حركي(28).

لقد برز التأثير الهرمسي في أفكار هاشم الكوفي (ت 150هـ) الذي نادى بالحول والاتحاد، ومعروف الكرخي (ت 200هـ) وذو النون المصري (ت 245هـ) الذي عكف على دراسة علوم الأوائل، والجنيد (ت 398هـ) الذي أعلن عن تأثره بالهرمسية بشكل مباشر، حيث يقول عن حقيقة الحقائق. فإن قلت: إنها العالم صدقت، أو إنها ليست العالم صدقت، أو أنها الحق أو ليست الحق صدقت. تقبل هذا كله وتعدد بتعدد أشخاص العالم وتنزه تنزيه الحق(29).

حاول المتصوفة الوصول إلى مرضاة الله بطرق ومسالك مختلفة، وكان فناء النفس خطوة لبلوغ وحدة الوجود. وإذا ما كانت التأثيرات الهندية تبرز في فناء البراهمي، فإن القرآن كان قد أشار إلى مسألة الفناء في الأعمال والطباع والصفات المذمومة، وقد حاول الصوفيون تطبيق فكرة الفناء على الذات والآخرين، ليبرز مفهوم "البقاء". وقد اجتهد المتصوفة في علاقتهم مع الحق عبر طريقين، الأول تمثل في الفناء في العشق والثاني الفناء في التوحيد، والواقع أن الطريقين لم تتميز قسماتها، إلاّ في بداية القرن الرابع الهجري.

كان ذو النون المصري، تطلع إلى استخدام الرمز في كتاباته حول السكر بعض الله، والتأكيد على وحدانية الله من خلال ملاحظته لمجتمع الظواهر القائمة في الحياة، وان غاية ما يقصده الصوفي إنما تتلخص في التوجه نحو الله، ويعمد إلى تجاوز الصفات الطبيعية لدى الصوفي، على اعتبار أن العارف يتحلى بأخلاق الله. وأن الوصول إلى الله لا يتم إلا عن طريق الله(30)، ولا يرتبط بأي جهد يمكن أن يبذله المرء.

يعد أبو يزيد البسطامي (ت 260هـ)، أول من عمل على تحديد قسمات فكرة الفناء الصوفي(31)، حيث يقترن مفهوم العارف بالفاني، حيث التأكيد على ترك النفس وعدم التقييد، بالصفة وانعدام الشعور بالذات، هذا الفناء هو الذي يقود الصوفي للاتحاد به، دون البحث عن ثواب، حتى ولو كانت الجنة ذاتها. وهكذا يظهر طريق البسطامي في "الفناء في التوحيد"(32).

أما أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج، فإن تصوفه كان يقوم على إلغاء الذات ليكون الوجود الإلهي هو الحقيقة المطلقة. وكان السبب الرئيسي في محنة الحلاج. إعلانه عن خلجاته وشطحاته الصوفية على الملأ، مما أوقعه تحت طائلة غضب العامة، حين قال "أنا الحق" وبقدر الرفض الذي تلقاه الحلاج، فإن الجنيد البغدادي في فكرته القائمة على "الفناء في التوحيد" لاقت الرواج والقبول من الفقهاء والمحدثين وعلماء الكلام والفرق الإسلامية. والجنيد يرى أن على الصوفي أن يبحث عن الوجود الكامل، حيث يكون الإنسان بين يد الله إلى حد إلغاء هويته أمام الحق الواحد الأحد، علاقة قائمة بين العبد وربه، فالتوحيد لا يمكن أن يكون إلا بإلغاء الذات.

أما الغزالي (ت 505هـ) فقد تمكن من جعل التصوف قريباً للفهم، كونه استند في مواجهة الشكوك التي ألحق عليها في التوجه نحو القرآن والسنة، ليجد فيها الإجابات الشافية. ولعل الميزة البارزة في مجمل نشاطه أنه ركز على أهمية الانقطاع نحو محبة الله والإخلاص في عبادته، أما الحقائق الصوفية فلا بد أن يتم التعامل معها بحرص وحذر شديدين، مع أهمية مخاطبة الناس على قدر عقولهم، وهو يؤكد على التطلع نحو علوم الدين والشريعة لا يمكن لها أن تكون، ما لم يرافقها حماسة واندفاعاً صادقين. وبقدر اندفاعه نحو دراسة الفكر الصوفي وممارسته(33)، فقد تمكن من عقد الواسطة بين علماء الدين الذين كانوا ينظرون إلى التصوف بشك وريبة، والمقولات العاطفية، التي كانت تزخر بها النصوص الصوفية. وتشير سعاد الحكيم إلى أن رؤية الصوفية في الفناء والتوحيد قد وضحت على يد الغزالي، بعد أن جعل الفناء في المرتبة الرابعة من التوحيد، ليعترف بأن التوحيد من علم المكاشفة(34).

يركز شهاب الدين السهرودي (ت 587هـ) جهوده حول أن الحكمة واحدة لا تقبل التجزئة، وهي تتجاوز الزمان والمكان، والمؤمن الصادق عليه أن يبحث عنها في الأنوار العقلية التي تتكشف عنها، دون الخضوع لارتباط ديني أو تاريخي، وانطلاقا من مبدأ وحدة الحكمة، فإنه ينهل من معين المتصوفة والفلاسفة والأديان المختلفة، حتى أنه لم يخف مصادره الإغريقية أو الهرمية أو الزرادشتية. ومقولته الأساسية تقوم على أن العالم إشراق نوراني أبعاده متعددة، يقوم على التجدد والاستمرارية. والوجود لديه على مراتب فالله يمثل نور الأنوار، أما العالم المادي فيمثل الوهم والخيال وهو "الغربة الغريبة" كما في الاصطلاح الإشراقي. وفي خضم اشتغاله على فكرة النور والظلام وتوكيده لتعالي الألوهية، فإنه يحاول استجلاء مكامن الأنوار المدبرة للأنواع والأجسام، فلكل مخلوق أو فلك سماوي يكون له عقل مدبر لنوعه يرتكز في عالم النور(35)، وبالمقابل هناك البرازخ المظلمة، وغاية الروح بلوغ التوحيد، وهذا لا يتم إلا من خلال التجلي بين لحظات الفناء والبقاء(36).

اتخذ التصوف طابعاً تأملياً في الأندلس، لوثوق ارتباطه لفلسفة، وهكذا يبرز عبد الحق بن سبعين (ت 667هـ)(37)، الذي قام مذهبه على الوحدة المطلقة للوجود. حيث يشير إلى أن الوجود هو الله الذي يمثل الجوهر الثابت، وأن جميع الموجودات ما هي إلا أعراض وهمية زائلة، ومن تجلي فكرة أن الله هو الحقيقة المطلقة بكليتها(38). وكان قد وضع لمذهبه في علم الوحدة نوعاً من الأذكار وطريقة خاصة من الحركات الجسمانية وتقوم المقولة للمتعبد على "لا يوجد إلا الله" ويضع للمريد منهاجاً إذا ما بلغ الكمال فيه، فيكون بحسب رأي ابن سبعين أهم من الفلاسفة والمتكلمة بل والصوفية أنفسهم. ويكمن موقف الحذر والتشكك من مذهب ابن سبعين من قبل الآخرين مقولته: "الله هو كل موجود".

لتقاطعها مع الصورة الإسلامية حيث الله المنزه عن كل شيء(39). وعلى هذا لم يبرز أثر ابن سبعين إلا في بعض الأتباع والمريدين من أمثال الششتري الغرناطي (ت 668هـ) وأوحد الدين البلياني (ت 686هـ) وصدر الدين القونوي (ت 673هـ).

يتبدى أثر ابن عربي (ت 560هـ) الأندلسي المنشأ الدمشقي المستقر، في شمولية الاعتقاد، حيث التساوي في الأهمية لكل الناس، مع الاختلاف في الإمكانات والملكات لكل إنسان، ويستند في ذلك إلى أن القرآن لم يقف عند صورة واحدة للمؤمن، إنما في درجات مختلفة.

لقد حاول جاهداً الخروج من الغيبوبة الصوفية، خلال توكيده لمبدأ وحدة الشهود، حيث افرد مكانة مهمة لكل الموجودات التي تقع عليها العين، لتكون كثرة مشهودة، انه يؤكد وحدة الله بوعي توحيدي كامل. فالوجود لديه يتمثل في الله، إذن إن أي صفة للوجود هي إلهية، وإذا كانت المخلوقات تدعي الوجود، فإنها ستسقط في مشاركة الله الوجود، وهذا يعني عند ابن عربي "إشراك"، من هنا فإن توحيد الله يوجب توحيد الوجود. فالوجود من صفات الخالق، والعدم من صفات المخلوقات، من هنا يتبدى جوهر الخالق الذي يتمثل في الوجود، وحاجة المخلوقات الذي يتركز جوهرها في العدم. حيث الحاجة الدائمة إلى الله. فالمخلوق خيال وهو درجة وجودية لديه، وهو، يعمد إلى وصف العلاقة بين الخالق والمخلوق كالعلاقة القائمة بين الشمس وشعاعها ويتطور عنده المفهوم ليتجلى في مرتبة اليقين بالحق، لتبرز بعدها مرتبة العين حيث تتم مشاهدة موضوع اليقين(40)، ومن هنا بالذات كان لابن عربي أن يتوصل إلى مبدأ شهود وحدة الوجود.

الهوامش:
1 - أبو نصر السراج: اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي، القاهرة 1960، ص 20.
2 - المصدر نفسه، ص 22.
3 - د. عبد الرحمن بدوي: ملحق موسوعة الفلسفة، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت 1996، ص 65.
4 - ابن الجوزي: تلبيس إبليس، نقد العلم والعلماء، نشر محمد أمين الخانجي، مطبعة السعادة، القاهرة 1340هـ، ص 173.
5 - دي لاسي أوليري: الفكر العربي ومركزه في التاريخ، ترجمة إسماعيل البيطار، دار الكتاب اللبناني، بيروت 1972، ص 158.
6 - الجاحظ: البيان والتبيين، تحقيق السندوبي، مطبعة الاستقامة، القاهرة 1947، ج1، ص 138.
7 - القشيري: الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود بن الشريف، دار الكتب الحديثة، القاهرة 1966، ج1، ص 29.
8 - ابن خلدون: كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، منشورات دار الكتاب اللبناني، بيروت 1956، ج1، ص 842.
9 - أوليري: المصدر السابق، ص 156.
10 - ابن الجوزي: صفة الصفوة، تحقيق محمود فاخوري، دار المعرفة، بيروت 1979، ج2، ص 200.
11 - أبو طالب المكي: قوت القلوب في معاملة المحبوب، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1961، ج1، ص 173.
12 - السراج: المصدر السابق، ص 23.
13 - سيد حسين نصر: الصوفية بين الأمس واليوم، ترجمة كمال اليازجي، بيروت 1975، ص 92.
14 - الحلاج: الديوان، تحقيق د. كامل الشيبي، مطبعة المعارف، بغداد 1974، ص 55.
15 - عبد الرحمن بدوي: ملحق موسوعة الفلسفة، ص 71.
16 - الينسابوري: عقلاء المجانين، دار الكتب العلمية، بيروت (د.ت)، ص 79.
17 - المصدر نفسه، ص 70.
18 - أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص 141.
19 - آدم متز: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، الهيئة المصرية العامة، القاهرة 1955، ص 266-267.
20 - عبد الرحمن بدوي: ملحق موسوعة الفلسفة، ص 67.
21 - أوليري: المصدر السابق، ص 161.
22 - المصدر نفسه، ص 163-164.
23 - شاخت وبوزدرث: تراث الإسلام، عالم المعرفة، الكويت 1998، ج2، ص 67.
24 - المصدر نفسه، ص 69.
25 - د. عبد الرحمن بدوي: شخصيات قلقة في الإسلام، دار سينا، القاهرة 1995، ص 101.
26 - شاخت وبوزدرث: المصدر السابق، ص 70.
27 - د. محمد عابد الجابري: مادة الهرمية، في الموسوعة الفلسفية العربية، معهد الإنماء العربي، بيروت 1988، المجلد الثاني، القسم الثاني، ص 1412.
28 - نفسه.
29 - ابن عربي: الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت، (د.ت)، ص 224.
30 - شاخت وبوزورث: المصدر السابق، ص 70.
31 - عبد الحليم محمود: أبو يزيد البسطامي، دار التراث العربي، القاهرة 1976، ص 139.
32 - رينولد نيكلسون: في التصوف الإسلامي وتاريخه، ترجمة أبي العلاء عفيفي، لجنة التأليف والترجمة، القاهرة 1969، ص 25.
33 - شاخت وبوزدرث: المصدر السابق، ص 73.
34 - د. سعاد الحكيم: الموسوعة الفلسفية العربية، مادة وحدة الوجود، المجلد الثاني، القسم الثاني، ص 1533.
35 - شهاب الدين السهرودي: هيا كل النور، نشر محمد علي أبو ريان، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة 1957، ص 32.
36 - شاخت وبوزدرث: المصدر السابق، ص 76.
37 - أوليري: المصدر السابق، ص 175.
38 - ابن سبعين: بدّ العارف، تحقيق جورج كتورة، دار الأندلس، بيروت 1978، ص 324.
39 - سعاد الحكيم: المصدر السابق، ص 1536.
40 - ابن عربي: الفتوحات المكية، ج4، ص 279.
الإحالة إلى المقال:

* د. إسماعيل نوري الربيعي: تحويلات الوجود والمعرفة عند الصوفية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العاشر 2010. http://annales.univ-mosta.dz

***