مفهوم الحب والكراهية بين النص الفلسفي والنص الصوفي

د. عبد الله موسى
جامعة سعيدة، الجزائر

الملخص:

لقد ارتبط الحب بالتصوف عند كثير من المسلمين، هذا الارتباط نشأ في أذهانهم من تقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة، أو باطن وظاهر، فالحقيقة والباطن في مصطلحهم هو التصوف، والشريعة والظاهر هي العبادات الظاهرة، ولما كانت المحبة من أعمال الباطن، كان من الطبيعي أن تدخل ضمن دائرة التصوف، أكد هذا الارتباط حرص المتصوفة على الاشتهار بلقب أهل المحبة والنسبة إليها، فكيف استأثر التصوف بمقام المحبة، بل بمقامات القلوب؟ على اعتبار أن العنصر العرفاني في الحب هو أكثر العناصر غموضا وأعسرها تمييزا. أما عنصر التوحيد فهو أنصع فكرة في المعرفة الصوفية وأرقى سلم إلى مستوى الحب المطلق. فلم يكن التوحيد الصوفي دعوة فلسفية إنما كان نمطاً للحياة والمعرفة الصوفية تعكس العالم الأسمى. وقد ابتدع الإنسان الحب لفرط إيمانه بالحياة، وبالحب اهتدى إلى الله. لهذا يعد مذهب الصوفية إنساني. قائم ولا يزال على تغيير الحياة الفكرية بالتجربة الروحية وجعل القلب الإنساني عرشاً للرحمة والمحبة والتسامح.

الكلمات الدالة:

التصوف، التجربة الروحية، الحب، التسامح، الفلسفة.

***
The concept of love and hate between the philosophical text
and the mystic text

Abstract:

Love has been associated with Sufism among many Muslims. This connection arose in their minds from the division of religion into truth and law, or the inner and the apparent. The truth and the inside in their term is Sufism, and the Sharia and the apparent are apparent acts of worship. And since love was one of the actions of the inside, it was natural for it to fall within the circle of Sufism. This connection confirmed the keenness of the Sufis to become famous for the title of the people of love and attributed to it. How did Sufism account for the status of love, and even the positions of hearts? Considering that the mystical element in love is the most mysterious and the most difficult to distinguish. As for the element of monotheism, it is the brightest idea in Sufi knowledge and the highest ladder to the level of absolute love. Sufi monotheism was not a philosophical vocation, but rather a pattern of mystical life and knowledge that reflected the Supreme World. Man invented love because of his excessive belief in life, and in love he was guided to God. This is why Sufism is humane. It is and is still based on changing the intellectual life through spiritual experience and making the human heart a throne of mercy, love and tolerance.

Key words:

Sufism, spiritual experience, love, tolerance, philosophy.

***

النص:

تعد "خبرة الحب" لدى الإنسان من أهم الخبرات الخلقية والروحية وأخطرها في حياة الإنسان. لأننا حينما نتجه بمحبتنا نحو شخص ضعيف أو مريض أو فقير، فإن ما نحبه لدى هذا الشخص لا يمكن أن يكون هو ضعفه أو مرضه أو فقره، بل هو شيء آخر يكمن وراء ذلك، ويخلع على هذا كل ما له من قيمة. ومن هنا فإن المحبة تكتسي طابعا إيجابيا يتمثل في بذل الذات بأسرها من أجل إنقاذ "إنسانية" ذلك الشخص المعذب الذي ينطوي في ذاته على شيء جدير بالبقاء وليس التفاني في خدمة أي إنسان شقي أو ضعيف أو محتاج سوى مجرد تقديس أو احترام للإنسانية التي تمثل قيمة في حد ذاتها.

وليس من شك في أن الحب فضيلة ايجابية. لأنه في جوهره إثبات وإحياء وبناء. حتى وإن كانت كلمة حب تدل على دلالة عاطفية أو وجدانية. إلا أنها في الأصل ميل إيجابي ونزوع عملي يتجلى في تحول الاهتمام من الأنا إلى الأنت وبالتالي الحب أولا هو نية واتجاه وسلوك. في حين إن الكراهية في جوهرها إنكار وإفناء وهدم.

1 - في النص الصوفي:

لقد ارتبط الحب بالتصوف عند كثير من المسلمين، هذا الارتباط نشأ في أذهانهم من تقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة، أو باطن وظاهر، فالحقيقة والباطن في مصطلحهم هو التصوف، والشريعة والظاهر هي العبادات الظاهرة، ولما كانت المحبة من أعمال الباطن، كان من الطبيعي أن تدخل ضمن دائرة التصوف، أكد هذا الارتباط حرص المتصوفة على الاشتهار بلقب أهل المحبة والنسبة إليها، فكيف استأثر التصوف بمقام المحبة، بل بمقامات القلوب؟ على اعتبار أن العنصر العرفاني في الحب هو أكثر العناصر غموضا وأعسرها تمييزا.

أما عنصر التوحيد فهو أنصع فكرة في المعرفة الصوفية وأرقى سلم إلى مستوى الحب المطلق. فلم يكن التوحيد الصوفي دعوة فلسفية إنما كان نمطاً للحياة والمعرفة الصوفية تعكس العالم الأسمى. فالتجربة الصوفية تفوق، لأنها تذيب الفواصل وتقود الإنسان إلى أسمى درجات الحب وهو الخير المطلق. فالحب حركة دافعة أخرجت الكون من العدم ووسيلة كشف للمعرفة الإلهية. إنه منحة إلهية. وقد ابتدع الإنسان الحب لفرط إيمانه بالحياة، وبالحب اهتدى إلى الله. لهذا يعد مذهب الصوفية إنساني. قائم ولا يزال على تغيير الحياة الفكرية بالتجربة الروحية وجعل القلب الإنساني عرشاً للرحمة والمحبة والتسامح.

لقد جاء في الخبر "إذا أحب الله تعالى عبداً ابتلاه فإن صبر اجتباه فإن رضي اصطفاه"(1). وقال بعض العلماء إذا رأيتك تحبه ورأيته يبتليك فاعلم أنه يريد أن يصافيك. وقال بعض المريدين لأستاذه: قد أطلعت بشيء من المحبة، فقال: يا بني هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرت عليه إياه؟‏ قال: لا، قال: فلا تطمع في المحبة فإنه لا يعطيها عبداً حتى يبلوه. وقد قال رسول الله (ص): "إذا أحب الله تعالى عبداً جعل له واعظاً من نفسه وزاجراً من قلبه يأمره وينهاه"، وقد قال: "إذا أراد الله تعالى بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه"، فأخص علاماته حبه لله تعالى فإن ذلك يدل على حب الله تعالى له(2).‏

وأما الفعل الدال على كونه محبوباً فهو أن يتولى الله تعالى أمره ظاهره وباطنه سره وجهره فيكون هو المشير عليه والمدبر لأمره والمزين لأخلاقه والمستعمل لجوارحه والمسدد لظاهره وباطنه والجاعل همومه هماً واحداً والمبغض للدنيا في قلبه والموحش له من غيره والمؤنس له بلذة المناجاة في خلواته والكاشف له عن العجب بينه وبين معرفته. فهذا وأمثاله هو علامة حب الله للعبد. وإذن محبة الله للعبد تقريبه من نفسه بدفع الشواغل والمعاصي عنه وتطهير باطنه عن براثن الدنيا ورفع الحجاب عن قلبه حتى يشاهده كأنه يراه بقلبه.‏ وأما محبة العبد لله فهو ميله إلى إدراك هذا الكمال الذي هو مفلس عنه فاقد له، فلا جرم يشتاق إلى ما فاته، وإذا أدرك منه شيئاً يلتذ به، والشوق والمحبة بهذا المعنى محال على الله تعالى.‏ فإن قلت: محبة الله للعبد أمر ملتبس فبم يعرف العبد أنه حبيب الله؟ فأقول: يستدل عليه بعلاماته. وقد قال (ص): "إذا أحب الله عبداً ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه" قيل: وما اقتناه؟ قال "لم يترك له أهلاً ولا مالاً" فعلامة محبة الله للعبد أن يوحشه من غيره ويحول بينه وبين غيره(3).

وهكذا لا فرق بين الحبيب والمحبوب من حيث هو الموصوف بالروحانية والحبيب من حيث هو الإنسان الذي يبحث عن ذات الله في ذاته فلا نجد فرقا بينهما. وفي ذلك يبرر "ابن عربي للحلاج والجنيد وذي النون المصري وغيرهم" شطحاتهم التي تعبر عن حقيقة واحدة أن الإنسان يبحث في ذاته عن المطلق الذي هو نفسه الإنسان الكامل نفسه لأنه هو سيد هذا الكون وهو الذي أبدع ذاته عن طريق خلافة الإنسان في الأرض. وهو الأجمل في العالم والأكمل في وجوده... وابن عربي يطمئن الناس على أن لا حقيقة غير الحقيقة التي وصل إليها وذلك بالرياضة والمجاهدة في المعرفة القلبية وعن طريق تجربة حدسية لا تأملية لأن التأمل يبعد المريد عن حقيقة كونه يبحث عنها ويصل إليها أما المتأمل فهو يقوم بتجربة ذهنية قد تصله إلى مبتغاه وقد لا توصله(4). لأن للذهن قواعد ثابتة والتجربة الصوفية لا يمكن أن تخضع لأية قواعد أو لأية إثبات فهي رهينة الصدفة لأن الله لا يكشف سره لجميع خلقه وإنما يكشف لأصحابه سر وجوده فيقدم لهم إمكانية شهوده. هذه دعوة ابن عرابي في حظوته بالحق وفي نظرته بعينه وجهل الجميل بالوجود الكامل له متجليا له وهذا الأمر ليس بعيدا عن المنال فإن أي إنسان لو سلك الطريق التي سلكها الشيخ الأكبر لأستطاع الوصول ولأمكن الحصول على الكشف وبذلك تصبح أمامه الحقائق واضحة جلية وهذه هي المحبة التي يدعي ابن عربي الوصول إليها(5).

وإذن، يمثل الحب عند المتصوفة حالة تختلف عن الحب الحسي الذي هدفه تحقيق الجنس وبقاء النوع وهذه أيضا مرتبطة بالحب النفسي الذي هو ظاهرة سامية تعلو ظواهر الحس. إن بقاء النوع خطوة كبرى في سبيل الخلود الإنساني على هذه الأرض والخلود الإنساني هو مطمح الإنسان وغاية وجوده لأنه موجود ليبقى. إن البقاء الفردي مستحيل وإن كان يعمل الإنسان جاهدا ليتوج الوجود الفردي خلودا لم يستطع حتى الآن أن يحقق هذا الهدف ولا أظن أنه قادر على تحقيقه لأن الوجود الإنساني كحادث لابد أن يكون له نهاية طبقا على المستوى الفردي ونهايته الموت والموت فناء ويعتقد الإنسان أنه لابد أن يعيش حياة ثانية يمني نفسه أنها ستكون حياة أفضل من حياته في هذه الدنيا ولقد ركزت الديانات كلها السماوية منها والوثنية أن الحياة الثانية لابد آتية بعد الموت وتحدثت أيضا بعض الفلسفات عن شكل من إشكال الحياة الثانية وهذه الحياة الثانية طموح الإنسان وتطلعه نحو الخلود(6).

والحب الصوفي أكثر رفعة وسموا من الحب الحسي لأنه حب نفسي يقع في موقع القلب مصدر كل العواطف السامية. لقد أحب العاشقون من النساء ليلى ولبنى وبثينة وعزة وغيرها من الجميلات ولكن المحبوب الصوفي هو الأسمى والأشرف والأجمل والأكمل وهو الله الذي إذا وصف الجمال فينسبه إليه وإذا وصف الكمال فهو الكمال الذي يضم في ربوعه الجمال وغيره من القيم فكل قيم الحق تنطوي تحت قيمة الكمال فالحق وحده هو الموصوف بالكمال. والحق وحده هو المحبوب والحق وحده هو كل شيء فدرجة الحق هي الأول ومظهره الآخر وحقيقته الباطن وصورته الظاهر وعلمه علم الكمال علم الإنسان ما لم يعلم وأنزل عليه الكلمة الأولى التي هي بداية الخلق وأنعم عليه بمعرفة الحق ومن عرف الحق حق معرفته وجد نفسه مرآة الحق وصورته. فالحب الإلهي أساس الحب وهي الطريقة الصوفية في الوصول لله وخير من عبر عن الحب الإلهي الشاعر الصوفي ابن الفارض حيث يقول: "إن الغرام هو الحياة فمت به"(7).

2 - في النص الفلسفي:

يخيل إلينا أحيانا أننا نحب الآخرين لذواتنا، ولكن الحب الحقيقي هو ذلك الذي يرى في الآخر شخصا يحب لذاته دون أن يتخذ منه أداة أو وسيلة لإشباع أنانيتنا أو إرضاء ميولاتنا... ومن هنا تأخذ كلمة الحب معنى الإيثار شريطة أن نفهم الإيثار على أنه تحول تام من دائرة الذات إلى دائرة الآخر أو الأنت... لهذا السبب يقترن الحب في العادة بالإخلاص والتفاني والوفاء والثقة والإيمان وغيره من القيم الخلقية الروحية. ومعنى هذا أن الحب فعل من أفعال التجاوز أو التعالي لأنه ينطوي على عملية امتداد أو توسيع للخبرة الذاتية، والوجدان الشخصي، ما دام من شأنه بالضرورة أن يفتح أمام الذات عالم الآخر بما فيه من خبرات ومشاعر وقيم ومثل عليا.

فلو أننا تصورنا الحياة الروحية للإنسان على أنها كفاح مستمر للشر، وغزو متواصل للخير. لقلنا إن الشر هو المحرك الدائم للحياة الروحية. مما يعني أنه لا قيام للحياة الروحية دون تصادم مع الشر ودون خوض معارك روحية مستمرة تقتحم فيها العقبات ومواجهة الكثير من الصعوبات. إن الكثير من دعاة الزهد والتصوف. يدعون إلى تجنب مواطن العراك والعزوف عن دواعي العثرات... في حين الحياة الروحية الصحيحة لا ترى أي جناح على المرء في أن يتلوث بالخطيئة أو يشتبك مع الشر. على اعتبار أن لا وجود في الحياة الروحية لدعوى البراءة التامة أو أسطورة الطهارة الشفافة. وإذا كان من المستحيل على الإنسان أن يصل تماما إلى حالة النقاء أو الطهارة الأخلاقية فذلك لأن لديه من الرغبات المتعارضة ما يدفعه باستمرار إلى الاستهانة أو الخروج عن بعض القيم الخيرة المعترف بها ناهيك عن مجموع الإغراءات والغواية التي لا تتوقف في أعماق نفوسنا. وكأن الإنسان في هذه الحالة قد تحالف أو تواطأ مع قوى الفوضى الباطنية فيه. ومن ثم مثلت تجربة الشر والكراهية لديه ضربا من الخيانة أو عدم الوفاء. وعليه فالخير والشر خبرتان خلقيتان ترتبطان بترقي الحياة الشخصية للإنسان. وإذا كان الخير هو الرغبة في ترقية القيم والعمل على النهوض بها. وان الشر والكراهية هو الحركة المضادة التي تهدف إلى الانتقاص من القيم والعمل على الهبوط بها. فما دلالة الكراهية في حياتنا الروحية؟ وما مجاهدة النفس اتجاهها؟

إن الكراهية والشر وفي الواقع أو في الإمكان يعبر دوما عن شرط ضروري لوجود الحب والخير، إذ لولا إمكانية الشر، لكانت إمكانية الخير ضرب من المحال. والخير أو الشر لا يوجدان في الأشياء، بل في الطريقة التي تستخدم بها إرادتنا تلك الأشياء. على اعتبار أن الإرادة خيرة في حد ذاتها أو هي معقولة كما يقول كانط(8)، وإنما يكمن الشر في سوء استعمال هذه الإرادة. ومن ثم كان الشر مرتبطا بممارسة الحرية البشرية لنشاطها الخاص. فهل ينبغي علينا أن نبغض البُغض أو الشر؟

يعتقد الكثير منا أن الحياة الروحية الصحيحة تستلزم كراهية الشر، وكره الأشرار. في حين الإرادة والسريرة الخيرة لا تعرف الكراهية في أي صورة من صورها. وبالتالي فإنها لا تكره الشرير ولا تكره الشر نفسه. وتلك هي محبة الخير فالحياة الروحية الصحيحة في جوهرها إرادة خير لا تقوم إلا على المحبة. المحبة التي لا تقتصر على ما هو أهل للحب أو ما يحمل قيمة أعظم. بل القصد هنا يتجه نحو المحبة التي لا يستثرها أي موضوع كائنا ما كان.

لقد أعلن حكماء الأخلاق قديما أن المحبة الحقيقية إنما هي "محبة الآثمين والمذنبين وضحايا الشر". بمعنى، أن المحبة الصادقة لا تخشى التنازل عن كرامتها، والهبوط إلى مستوى الأشرار، والاختلاط بجماعة المذنبين. بل هي تنزل إليهم وتتعاطف معهم، وتغمرهم بعطفها. وعليه، فالمحب الحقيقي ليس من واجبه أن يبغض الشر أو أن يكره الكراهية، بل أن يعمل على استئصال الشر وتحطيم الكراهية.

ومن ثم محبة الكراهية كما أعلن عنها بعض المتصوفة وحكماء الأخلاق لا تعني بأي حال محبة الشرير بوصفه شريرا، ولا محبة البغيض بوصفه بغيضا، بل محبة الشرير والبغيض بوصفه إنسانا تعسا أو مخلوقا شقيا. أي أن محبة الشرير أو البغيض لا تعني محبة شر الشرير ولا بغض البغيض. ولذا كانت بعض الديانات ومن بينها الإسلام قد أعلت من شأن فضيلة الصفح أو العفو والغفران. باعتبارها قيما تضحي بعلاقة القانون في سبيل علاقة المحبة. فالصفح أو التسامح صورة من صور السخاء، إنه يعطي حيث لا يتوقع الأخذ، ويحب حيث لا يتوقع المساومة. هكذا تجد المحبة الخالصة نفسها أمام الكراهية الخالصة. تسعى جاهدة في سبيل إنقاذ ما تحياه تلك النفس البشرية اليائسة التعيسة. فالكراهية لا تقرأ الباطن ولا تحسن فهم الداخل ولا أن تتعمق ذاتية الآخر، إنها صماء لا تريد أن تسمع. إنها مثال الإنسان الذي يحب إنسانا آخر إما للونه أو عرقه أو دينه. والواقع أن هذا الإنسان المميز لحبه (أي الذي ينتقي من يحب) هو إنسان عاجز عن محبة الإنسان بوجه عام. و قد يكون الناس على حق في هذا المقام حين يعبرون بقولهم من أن الحب أعمى. على اعتبار أن الحب لا يرى ما هو ماثل أمام عينيه. (أي ليس بحاجة إلى رؤية) مما يعني، أنه يمتد ببصره إلى ما وراء الواقع وكأنه صورة من صور التنبؤ (Divination) فالحب يعد الحقيقة المثالية الكامنة وراء الإنسان الواقعي بمثابة الإنسان الحقيقي. فالموجود الذي يحب هو الذي يرى في حين أن ذلك الذي لا يحب هو الأعمى بمعنى الكلمة.

إن الإنسان كثيرا ما يبحث عن الشر أو الكره في الغريزة أو اللذة أو المادة أو الطبيعة البشرية. لكن سرعان ما يتأكد من أنها ليست بالشر أو الكره نفسه، إذ ليس للشر أو الكره من وجود إلا بالنسبة للإرادة التي تريده. وقد يكون الشر أو الكره هو ذلك الكامن في نياتنا ومقاصدنا. فالشر والكره الأوحد في العالم هو فقط إرادة الشر أو إرادة الكراهية، رغم كل التبريرات ومختلف التلوينات.

وعليه في المقابل، لإقامة ضرب من التطابق بين المحبة وإرادة الخير، فإن المحبة تعني أسلوبا من العمل أو السلوك أو النشاط الفعلي. وبمعنى أدق ليس يكفي أن نحب الخير، فالحب هنا مجرد تأمل سلبي خالص، بل لابد لنا من أن نصنعه وان نحاكيه. والمحبة هنا لا تعني تأمل بعض الآثار الدينية المقدسة أو التعلق ببعض مخلفاتها قصد التبرك بها وما إلى ذلك. بل تعني أولا وبالذات الاتجاه نحو الآخرين من أجل العمل على شمولهم بعطفها ورحمتها. ومن ثم إرادة الخير لا تقتصر على النوايا الطيبة وأنواع الرجاء والتمني. بل تعني المحبة العاملة التي تمضي إلى أقصى التضحية والإيثار. قد يتوهم البعض منا، أن "الكراهية" وإن كانت ظاهرة سلبية إلا أنها تنطوي على "محبة ضمنية". وبهذا المعنى مثلا قد يبغض المرء جماعة الملونين، لكي يحب جماعة البيض. لكن الواقع أنه إذا كان الشرير يبغض الزنوج، فذلك لأنه عاجز عن محبة الإنسان بوجه عام. ولهذا فإننا نقول إن الكراهية عقيمة، ومن ثم فإنه لا مجال للتحدث بأي حال عن آثار قد تنتجها الكراهية. بحيث لا يمكن بناء أية قيمة صحيحة فوق دعامة من الكراهية مهما كانت التبريرات التي من شأنها أن يسوقها الإنسان.

خاتمة:

إن القيمة الوجدانية المميزة للحب تقع فيما وراء كل من السعادة والشقاء، لأنها تمثل وجدانا من نوع آخر، أو عاطفة ذات رتبة مختلفة. لكن هل تكون قيمة الحب مقصورة فقط على ما هو وجداني باعتباره ميلا أو نزوعا أو اتجاها وجدانيا. ألا يمكن أن يكون أيضا شكلا من أشكال المعرفة؟ وإن كان معظم الناس يجيبون سلبا، فذلك إلا لأن العنصر المعرفي في الحب يتميز بالغموض والتعقيد. وإلا كيف يمكن للحب أن يتحرك صوب القيمة المثالية للشخصية، بل كيف له أن يوجد حقيقة للإنسان إن لم يكن في استطاعته أن يُفهم ذلك الوجود أو أن يدرك بوجه ما من الوجوه؟ في حين أن أي فهم وجداني أو إدراك عاطفي. بحاجة إلى معرفة أو استدلال أو وعي، على اعتبار أن الحب كخبرة أو وعي خلقي يتطلب معرفة. ذلك إذا ما أردنا فهم حقيقي وإدراك وجداني للقيم.

وبالتالي ليست حياة الحب سوى حياة روحية يقضيها الإنسان في التعرف على ما هو جدير حقا بالمعرفة، أي أنها حياة مشاركة يتعلق فيها الإنسان بأسمى وأرفع ما في الإنسان. يتعلق فيه بما يمنحه عمقا ومعنى وقيمة، وبما يكسبه اتجاها وقصدا وغاية.

على هذا الأساس يتضح لنا، أن العلاقة بالغير لم يحددها كل المفكرين في إطار الحب والكراهية فقط، بل تنوعت الأطروحات بين من يعتبر الحب قيمة أخلاقية نبيلة، وبين أطروحات تعمد على تأكيد الإقصاء والنبذ والاختلاف. لذا لا بد من أن نعرف أن هذا النوع من الأطروحات موجود. إلا أن ذلك لا يمنع من التفاؤل وبالتالي التأكيد على أن هناك أطروحات تحارب هذا النوع من الفكر انطلاقا من أرضية علمية صلبة. ونحن لا نستطيع أن نكون - بدورنا - إلا ضد جميع أشكال الغرابة، والإقصاء والإبعاد، وجميع أشكال النبذ، مستمدين تصورنا من القيم الإنسانية السمحة، ومن روح الفلسفة التي تقصي جميع أشكال العنف باعتبارها دعوة إلى التسامح، والإيمان بالاختلاف. فالأحرى بنا الإحياء التربوي الفاعل لقيم التسامح والانتقال بها من مجرد الحضور القيمي في مدونات الثقافة إلى حضور فعلي وقيمي عملي في إطار الحياة الاجتماعية والسياسية.

الهوامش:
1 - صحيح البخاري، رقم الحديث 67.
2 - السيوطي: الجامع الكبير، المجلد رقم 1، ص 715.
3 - نفسه.
4 - ابن عربي: الفتوحات المكية، الباب الثامن والسبعون بعد المائة في معرفة مقام المحبة.
5 - ابن عربي: فصوص الحكم، والتعليقات عليه بقلم أبي العلا عفيفي، دار إحياء الكتب العربية، مصر 1946.
6 - آمنة بلعلى: الحركية التواصلية في الخطاب الصوفي، دراسة من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2001.
7 - أحمد علي زهرة: من كتاب الصوفية وسبيلها إلى الحقيقة، دار نينوى، 2004‏‏، ص 192 وما بعدها.
8 - انظر، أ. كانط: أسس ميتافيزيقا الأخلاق، ترجمة محمد فتحي الشنيطي، دار النهضة، بيروت، (د.ت)، ص 17.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد الله موسى: مفهوم الحب والكراهية بين النص الفلسفي والنص الصوفي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العاشر 2010. http://annales.univ-mosta.dz

***