مستويات اللغة الصوفية عند محي الدين بن عربي

د. عبد القادر بن عزة
جامعة تلمسان، الجزائر

الملخص:

إن رؤية محي الدين بن عربي للغة عبر دائرة اللفظ التي وضعها لنفسه، دعته إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الذات واللغة ومحاولة مساءلتها، لا من باب الانفتاح على هذا الخطاب الصوفي لفهم نوازعه ومراميه، بل لإعادة بناء السياق العام للإشكالية. ويستمد ابن عربي هذا التصور الجديد باعتماد على طرح السؤال المعرفي الذي طالما راقب علاقة الديني بالمجتمع في جانبه السياسي والثقافي، إلى جانب مراقبته للصورة الكونية للتجربة الشعرية، التي ترسخت مع مختلف الممارسات النصية للخطاب الصوفي، التي سينسبه ابن عربي إلى دائرته الخاصة في المكان والزمان، لكن إبداعيا سيحاول أو يجعله صامدا خارج هذا الزمان والمكان من خلال رهانه على الاحتمال واللانهائي.

الكلمات الدالة:

الخطاب الصوفي، ابن عربي، اللغة الصوفية، الشعر، الدين.

***
Levels of the Sufi language of Muhyiddin Ibn Arabi

Dr Abdelkader Benazza
University of Tlemcen, Algeria

Abstract:

Muhyiddin Ibn Arabi's vision of language through the circle of articulation that he set for himself called for him to rearrange the relationship between the self and language and try to question it, not out of openness to this Sufi discourse to understand its motives and goals, but to reconstruct the general context of the problem. Ibn Arabi derives this new perception by relying on asking the epistemological question that has always monitored the relationship of the religious with society in its political and cultural aspect, in addition to his observation of the universal image of poetic experience, which has been established with various textual practices of Sufi discourse, which Ibn Arabi will attribute to his own circle in space and time, but creatively he will try or make him steadfast outside this time and space by betting on the possibility and the infinite.

Keywords:

Sufi discourse, Ibn Arabi, Sufi language, poetry, religion.

***

النص:

اخترق الخطاب الصوفي لغة التداول والتواصل، لأنها أصبحت في نظر الصوفية لا تستجيب للمقامات والأحوال المعاشة، ولم تعد تعبر عن مكنونات هذه النفس، فمن الضروري عندهم أن تصير هذه اللغة هي ذاتها حجابا. فدأب الخطاب الصوفي على العمل لخلق لغة ثانية داخل اللغة الأولى "وهي لغة الرمز والإشارة"(1).

وهذه اللغة الرمزية هي التي ستتمكن من إخراج المعادل التخييلي داخل الخطاب الصوفي، لتنم عن تميز التجربة الصوفية في فهمها للوجود والمعرفة عبر السفر نحو الذات ونحو الله في آن واحد. وقد بلغت كمال صورها مع محي الدين بن عربي في القرن السادس الهجري، الذي استطاع أن يفجر كل التراكمات اللغوية والدلالية، بعد أن نفث فيها ضربا مميزا من الأساليب والمصطلحات كسا بها خطابه، ويمكن اعتبار هذا من باب الغربة الخطابية ذات البعد اللفظي بإرجاعها إلى دافعين:
- الدافع الموضوعي: وهو عجز اللغة التقليدية عن الوفاء بما يكفي الدلالة على المعاني التي حملها الخطاب الصوفي لما فيه من دقة وعمق.
- الدافع الذاتي: الازورار عن مألوف الأساليب والمفاهيم اللغوية، لأجل الحفاظ على دقة الإشارات وعمق معانيها، حتى لا تصاب بتشويه فهمي، أو إنكار فهمي من طرف العوام غير المطلعين على دقائق هذا الخطاب.

1 - مستوى الذات واللغة:

لم تكن اللفظة مقصودة لذاتها، للتعمية عما يسميهم ابن عربي، "علماء الرسوم" وقد أورد ذكر ذلك في مقدمة رسالته "اصطلاح الصوفية" إذ يقول: "مع عدم معرفتهم بما تواطأنا عليه من ألفاظ التي بها يفهم بعضنا عن بعض كما جرت عادة أهل كل فن من العلوم"(2)، وقد أكد هذا القشيري في رسالته حيث أشار إلى "أنهم يستعملون ألفاظا فيما بينهم قصدوا بها الكشف من معاني أنفسهم والإجمال والتستر على من باينهم في طريقتهم، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب"(3). وهذا القصد في إخفاء المعاني تحت ستر الرمز كان قد دفع بالتوحيدي إلى القول: "ما أحوجنا إلى عالم منطق يكشف لنا كلام هذه الطائفة"(4). فالظاهر أن اللغة التقليدية بتعابيرها وأساليبها لم تعد قادرة عن الإفصاح والكشف عن المواجد داخل الخطاب الصوفي لما يمر فيه من رموز وإشارات لم تستقر في غير عقول أهل الدراية بلغة التصوف.

فنحن بإزاء عملية بناء جديد للغة النثر والشعر، لتحديد العلاقة مع الذات، وتبيين التفاعل مع الآخر. فأولى نواة تشكلت لخلق الثنائيات التي تولدت في رحم هذا الخطاب هي: علاقة الذات مع الآخر عبر آليات غرْبة اللفظ ورمزية الخطاب.

إن رؤية ابن عربي للغة عبر دائرة اللفظ التي وضعها لنفسه، دعته إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الذات واللغة ومحاولة مساءلتها، لا من باب الانفتاح على هذا الخطاب الصوفي لفهم نوازعه ومراميه، بل لإعادة بناء السياق العام للإشكالية. ويستمد ابن عربي هذا التصور الجديد باعتماد على طرح السؤال المعرفي الذي طالما راقب علاقة الديني بالمجتمع في جانبه السياسي والثقافي، إلى جانب مراقبته للصورة الكونية للتجربة الشعرية، التي ترسخت مع مختلف الممارسات النصية للخطاب الصوفي، التي سينسبه ابن عربي إلى دائرته الخاصة في المكان والزمان، لكن إبداعيا سيحاول أو يجعله صامدا خارج هذا الزمان والمكان من خلال رهانه على الاحتمال واللانهائي.

وقد أورد زكي مبارك على لسان ابن عربي تعلقه بفتاة بمكة المكرمة قوله: "فملكت عليه أقطار روحه، وسارت به في شعاب الهوى العذري فلم يرجع إلا وهو أشلاء من الأسى والحنين"(5)، ثم يطلق العنان للرجل يصف هذه الفتاة بقوله: "وفي خلقها الذي هو روضة المزن، شمس بين العلماء، بستان بين الأدباء، حقة مختومة واسطة عقد منظومة يتيمة دهرها، كريمة عصرها، سابغة الكرم، عالية الهمم... فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني، وكل دار أندبها فدارها أعني"(6). فلما أراد زكي مبارك أن يجد مخرجا لابن عربي لوصف الفتاة قال: "إن ابن عربي كان رجلا مقهور النزوات والأهواء، كان رجلا محبوسا عن اللذات الحسية، فاندفع يطوف حولها في رحال عقلية لها رونة ورواء... وهو المفزع لكل نفس طامحة ضاعت حظوظها في ميدان الحواس"(7).

إن زكي مبارك رأى عالم الأخلاق عند الصوفية تقترب فيه الأرض من السماء، فتكون الظواهر مما يجزم بقوة الصلة الأرضية على حين تكون البواطن موصولة الأواصر بأقطار السماء. إلا أن وضع مثل هذا التصور، في دائرة العبور من اللغة التقليدية المتعارف عليه إلى سر لغة الغربة، أفلم يكن ابن عربي نفسه هو المعقب عن وصفه هذا بقوله: "ولم أزد فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية، والتنزلات الروحانية، والمناسبات العلوية، جريا على طريقتنا المثلى، فإن الآخرة خير لنا من الأولى، لعلمها رضي الله عنها بما إليه أشير ولا ينبئك مثل خبير، والله يعصم قارئ هذا الديوان من سبق خاطره، إلى ما يليق بالنفوس الأبية، والهمم العلية المتعلقة بالأمور السماوية"(8).

فاستخدام الرمز ولغة الإشارة أمر لا مناص منه في الخطاب الصوفي، لأنه تعبير عن المواجيد والأحوال الروحية، بعيدا عن أي تصور مادي كما سبق وأن أشرنا إليه، لأن هذه اللغة الاعتيادية قاصرة عن إدراك هذه التجارب العميقة في نظر ابن عربي، "فمقدار ما تكون الموازاة كاملة بين الحالة الباطنة التي نريد إخراجها، وبين الشيء المحس الذي وقع عليه اختيارنا لنرمز به إلى تلك الحالة، تكون العملية الرمزية قد حققت غايتها"(9). لذلك فالعلم بخفايا عالم الغيب المجهول والمرموز له، الذي ينكشف في رؤية مجردة، قد يحتاج إلى اللجوء إلى صور وشواهد منتزعة من عالم الحس، إلا أنها توحي بصور أعمق مما يبدو على ظاهرها، كما نجد عند ابن عربي: "أن العارفين لا يستطيعون أن ينقلوا مشاعرهم جملة إلى غيرهم من الناس، وكل الذي يستطيعونه، أن يرمزوا بها إلى الذين بدأوا بدأه"(10).

2 - مستوى الإبداع واللغة:

إن المتتبع لمنحى التأليف عند ابن عربي والذي لم يغادر دائرة الرمزية اللفظية، والتي تجاذبته خيوط الذات واللغة، فإنه نحى منحى غريبا، إذ يقع تحت حال الإلهام فيدون ما يدونه، كما لو كان يملى عليه إملاء، حتى أنه كان يكتب في شبه غيبوبة. ويشرح كيف تتم لديه العملية الإبداعية غير الاعتيادية بقوله: "فإن تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى المؤلفين، فإن كل مؤلف إنما هو تحت اختياره، وإن كان مجبورا في اختياره أو تحت العلم الذي تعلمه خاصة، فيلقي ما يشاء، ويمسك ما يشاء، أو يلقي ما يعطيه العلم وتحكم عليه المسألة التي هو بصددها حتى يبرز حقيقتها. ونحن في تأليفنا لسنا كذلك إنما هي قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية مراقبة لما ينفتح له الباب، فقيرة خالية من كل علم لو سألت في ذلك المقام عن شيء ما سمعت لفقدها إحساسها وفهمها برز لها من وراء ذلك الستر أمر، بادرت لامتثاله وألفته على حسب ما حدا لها في الأمر"(11). فالذات المبدعة في تشكيلها للخطاب الصوفي استلزم عليها في كل الأحوال أن تخلق لنفسها لغة تساعدها في استضاءة الدوائر المحيطة بها، ولو كانت علوية، دون التفكير فيما ينجر عليه حدوث أزمة، بل أزمات في توصيل رسائل هذا الخطاب إلى المتلقي. إن متصوفا كابن عربي حمل خطابه الرمزي على ظهر شفرات لغوية متوالية، خلقت ضبابية في التواصل معه، بدأ بعنوان المصنف. فكثيرا ما يشير في كتبه مثل "الفتوحات المكية" و"فصوص الحكم" وديوانه "ترجمان الأشواق" إلى مصادرها العلوية وتجلياتها له. ويصرح ذلك علنا بأن كتبه من مصدر إلهي، بل حتى ترتيب أبواب الكتب هي عنده إملاء إلهي.

ولنستشهد بكتابه "فصوص الحكم" الذي قال عنه إني رأيت رسول الله (ص) بمحروسة دمشق، وبيده كتاب، فقال لي: هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به، فقلت: السمع والطاعة لله ورسوله وأولي الأمر منا كما أمرنا. فحققت الأمنية وأخلصت النية وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله (ص) من غير زيادة أو نقصان"(12).

إلا أن الصراع بين الذات واللغة والذي دار في مجرى قنوات الخطاب الصوفي، يضعنا أمام مفارقة عجيبة، إذ الرمزية تبلغ ذروتها في هذا الكتاب، حتى يستعصي على المتلقي الإحاطة بغايته والوصول إلى كنه عباراته، لكن دائرة الرمزية اللفظية التي وضع ابن عربي نفسه فيها أغلقت عليه المنافذ، فتصور أن آراءه البرزخية قد يحل شفراتها المتلقي، ويعقب نيكلسون عن مثل هذا الطرح بقوله: "إن آراء ونظريات ابن عربي في هذا الكتاب صعبة الفهم، وأصعب من ذلك شرحها وتفسيرها لأن لغتها اصطلاحية خاصة، مجازية معقدة في معظم الأحيان، وأي تفسير حرفي لها يفسد معناها، وبالتالي يستحيل فهم كتابه، والوصول إلى فكره ومعانيه"(13). أما الجانب الشعري عنده، والمتمثل في ديوانه "ترجمان الأشواق" فقد أثقله بالرمزية الشعرية حتى أصبح في ضوء مرآة النقد يشرح على مظهرين: مظهر لغوي حرفي يفسح المجال أمام المتلقي ليسبح بخياله في تموجات بحر الغزل العفيف، ومظهر رمزي صوفي يغلق كثيرا من شفرات النص فيصبح التأويل هو المخرج للولوج إلى عالم ابن عربي الشعري، ويذهب حلمي مصطفى إلى أنه اصطنع الرمز في هذا الديوان، إيثارا منه لاسترحاله، وضنا على أسراره، أن يقف عليها من ليس أهلا لها، ولا قادرا على تذوقها"(14).

وقد حدث في ديوانه تأويلات كثيرة رمته فيه بالغزل والتشبيب بالنساء، وهذا مدلول ظاهر الشعر، إلا أنه كان يذهب إلى أبعد من ذلك، فالبعد اللغوي اللفظي لغربة التي عاشها ابن عربي تركته يستخدم رموز تخفي ما وراءها ما تخفي من الموضوعات، أراد أن يفصح بها عن مواجيده، ودفع لما ذهب إليه بعض المنكرين لحاله. ولفتح منفذ في جدار دائرة هذه الرمزية، اضطر ابن عربي إلى وضع شرح لديوانه محاولا فك بعض رموزه من الوجهة البيانية والعرفانية يقول في ذلك: "وشرحت ما نظمته بمكة المشرفة من الأبيات الغزلية في حال اعتماري في رجب وشعبان ورمضان، أشير بها إلى معارف ربانية وأنوار إلهية وأسرار روحانية وعلوم عقلية، وتشبيهات شرعية، وجعلت العبارة عن ذلك بلسان الغزل والتشبيب، لتعشق النفوس بهذه العبارات، فتتوفر الداوعي على الإصغاء إليها وهو لسان كل أديب ظريف روحاني لطيف"(15).

فابن عربي يؤكد دخوله مضمار الغزل، موضحا السبب في ذلك وهو استلهام النفوس لميلها لشعر الغزل والنسيب. ولكن المثير في كلامه هو نعته نفسه بالأديب الظريف ليردفها بـ"الروحاني اللطيف". ويدفع هذا إلى استخلاص أن عملية الإبداع عنده -وفي قمة تمثيلها للصراع بين الذات واللغة- فإنها تنشطر إلى شقين شق الشخص الإنساني الشاعر المبدع، وشق العارف المتصوف صاحب الترميز، إلا أنه يجمع بين الشقين مداخل الحزن والشوق والغربة المحملة بالحنين، يقول ابن عربي في ديوانه(16):

سروا وظلام الليل أرخى سدوله فقلت لها صبا غريبا متيما

فيشرح ذلك بقوله: "سروا؛ الإسراء، ولا يكون ذلك إلا بالليل، وكذا معارج الأنبياء لم تكن قط إلا بالليل، لأنه محل الأسرار والكتم وعدم الكشف. أما ظلام الليل أي حجاب الغيب أرخى حجابه الذي هو وجود الجسم الكثيف، فهو ليل هذه النشأة الحيوانية لما كان سترا على ما يحتويه من لطائف روحانية... والعلوم الشريفة، فلا يدرك جليسه ما عنده إلا بعد العبارة عن ذلك والإشارة إليه، أي كان سره بالأعمال البدنية والهمم النفسية، وذلك لما سرت ورحلت هذه الحكمة من قلبه، وقد شغلته بتدبيره بعض عالمه الكثيف"(17).

وكان لوقوفنا على ديوان "ترجمان الأشواق" ملاحظة الاستعمال الرمزي للفظة الغراب للدلالة على الغربة والبعد والنأي في دائرة مغلقة لكي يلوح له ما شاء من التجليات، يقول ابن عربي(18):

حتى إذا صاح الغراب بيْنهم فضح الفراق صبابة المحزون

ويشرحه بقوله: "إن العناية إذا حانت لبعض أهل هذا المقام وحيل بينه وبين هذه المناظر التي كانت متجلية له، وهو ناظر إليها بفترة تلحقه، أو وارد إلهي له حكمة بالغة... فالغراب هو السبب الموجب للفراق، والصياح من الفهوانية بمنزلة كن"(19). فهذه الدلالة الرمزية، الموغرة في الرمز والإشارة، تظهر ذلك النحت الواضح بين الغربة والغراب. فقد اتخذ الغراب رمزا للشؤم والغربة والفراق، أما عند ابن عربي "فهو مزيل شؤم البان والغرب"(20)، لأنه لا يمثل عنده أسباب الندب، وليس له أثر في تفريق الشمل، فإن الحقائق عنده تعطي أن لا حجاب بعد التجلي، ولا محو بعد الكتابة في القلب. فمن تجليات الرمزية اللفظية في هذا السياق (علاقة الغراب بالبين) تأتي مسألة العروج وشد الرحال إلى عالم الروحانيات، إذ يقع البيْن عند قوم تخلف بهم الركب للالتحاق بالعالم الروحاني، يقول ابن عربي(21):

لسْت أنسى إذا حدى الحادِي بهم يطلب البيْن ويبغِي الأبرقا
نعقتْ أغربة البيْن بيْنهم لا رعى الله غرابًا نعقا

أما شرحه للبيتين فبقوله: "لما دعوا من جانب الحق هؤلاء الروحانيات العلى الذين كانوا لنا جلساء في الله تعالى، وحدا بهم داعي الحق إلى العروج إليه، وقوله: "يبغي أبرقا" يبغي بهم المكان الذي يقع لهم فيه شهود الحق تعالى وسماه الأبرق لما شبه الشهود الذي بالبرق لنوره وسرعة زواله كنى به عن المكان والحضرة التي يقع فيها الشهود بالأبرق؛ أي المكان الذي يظهر فيه البرق، كما كنى بأغربة البين عن الأمور التي خلفته عن العروج معهم إلى الأبرق"(22).

وفي شرحه لكثير من الأبيات على هذا المنوال، لأنه اتخذ من المقامات منازل، فالرمزية اللفظية عنده كثيرا ما تشبه من يفارق المنازل ذات المقامات الصوفية، فكما تشتد اللوعة والفراق عند من يطل على منازل الأطلال، فابن عربي يطل على مقامات الروح وآثارها بعد مغادرتها من طرف العارفين، يقول في ذلك(23):

قِف بالمنازل واندب الأطلالا وسل الربوع الدارسات سؤالا

فالمقامات التي ينزلها العارفون بالله في سيرهم اللامنتهى، تخبرك بما كانوا عليها من آداب وسني الأحوال، ليكون لذلك تأديب ومعرفة، وسماها دارسات لتغييرها عن الحال التي كانت عليه حين نزولها "فإن المنازل بعد فراق النازلين يذهب الأنس بها لذهابهم إذ لا وجود لها من كونها منازل إلا بهم"(24). فهذا يظهر أن أبعاد اللغة في التجربة الصوفية قد تطال حتى الرمز عندهم، ذلك أن علاقة الخطاب الصوفي بالعالم الخارجي تتميز بشيء من الخصوصية، تجعله مختلفا عن الرمز في الخطاب العادي في الرؤية والأداة. فمن جانب الرؤية فالخطاب العادي يصور وجود العالم منفصلا عن ذات الملقي والمتلقي، وقد يدخل معه في علاقة تأثير وتأثر ساعيا في ذلك إلى محاكاته أو إعادة تركيبه أو تغيير الوعي الاجتماعي به. أما الخطاب الصوفي فيحمل من الدلالات تدفعه إلى رفض العالم في وجوده الذاتي، فيسعى إلى نفيه، باعتباره ظلا غير ثابت لحقيقة أبعد منه هي الأحق عنده بالتوجه والقصد.

أما جانب الأداة فحامل الخطاب العادي والمحمول إليه يرهفان من حواسهما قدر ما يستطيعان للتعرف عن دقائق العالم وأسراره، فإن الأداة في الخطاب الصوفي تسعى إلى تعطيل كل الحواس للكشف عن دقائق العالم وأسراره، لأنها تنتمي إلى البشرية "وبقاء البشرية غير، وحينما لا يرى الإنسان الغير، لا يرى نفسه"(25). فمن الواضح أن اِلتحام الرؤية مع الأداة تعطي صورة الاختلاف بين التجربة الأدبية والتجربة الصوفية. فالأولى تعتمد قصرا على الفعل في اللغة، انطلاقا من الواقع كأساس للمعرفة، والثانية تعتمد على الفعل في النفس كأساس للمعرفة.

3 - فصل المقال:

إذا كانت المعرفة في الخطاب الأدبي تعود إلى الاتجاه التراكمي؛ بمعنى أنها تعتمد على الإضافة المتوالية للخبرات التي تتعمق الأخيرة فيها الأولى، وقد تلغيها، وهذا لا يخرج بها في الحالين عن كونها إضافة لمخزون تكون عبر المراحل. أما التجربة التي يحملها الخطاب الصوفي فتبقى ثابتة؛ بمعنى أنها كيفية جاهزة، وفردية واحدة، تقتصر في تحقيقها على السلب المتوالي للخبرات الحسية التي تشكل المخزون المعرفي للإنسان. فكأن الخطاب الأدبي في مسعاه الحسي يريد الذهاب نحو معرفة توجد خارجه، أما الخطاب الصوفي فيحمل خيوط تجربة تضرب على وتر العودة إلى معرفة توجد فيه، يكفي لاكتشافها صقل مرآة القلب التي تصدأ دائما بما يتراكم عليها من عناصر العالم المادية فـ"ما ليس في الإنسان لا سبيل إلى معرفته"(26)، لذلك ينصح الهجويري بالبحث عن النفس فإنها إذا عرفتها وصلت إلى غاية الطريق، حيث إن الله تعالى منزه عن البحث عنه في المكان والزمان(27). فمن باب هذه الزاوية يمكن القول بأن كل من الخطابين الأدبي والصوفي يحملان أسرارا لكن "الفرق بين أسرار العرفاني أسرار اللاعقل، وبين أسرار الأديب والعالم التي هي أسرار عقل وعاطفة، فهو يتعامل مع أسراره كأشياء يجهلها الآن، وقد يخترقها بعلمه وعقله وعاطفته غدا، أما العرفاني فهو يتعامل مع الأسرار كأمور يعرفها وحده علما مطلقا، وبالتالي فهو يعتبرها أسرارا لا بالنسبة له هو، بل بالنسبة لغيره"(28). فللرمز دور في كل هذا، من ناحية العرفان والذات وكذا اللغة، لأن الإحساس بها يجعله يثق أكثر في معرفة أسراره، والبحث عنها، بل التعبير عنها، باعتبارها علم نهائي لديه، كونه لم تصدر عن تعلم أو اجتلاب، إنما تحصل بفضل إدراك وجداني داخلي ضمن دائرة غربته التي انطلقت مكانية لتصل إلى العرفانية عبر قنوات اللفظ واللغة. وداخل معالم تجربة الغربة اللفظية ذات البعد الرمزي، يتم إدراك الوجدان المباشر عبر الخطاب الصوفي "وهو نوع من الإلهام الناشئ عن الكشف والمشاهدة، وهو نتيجة لتلك الحالات الوجدانية التي يعانيها المتصوف ويطلق المتصوفة عادة على هذا النوع من الإدراك كلمة كشف (Intuition) وهو منهج من مناهج الوصول إلى المعرفة اليقينية"(29).

الهوامش:
1 - علي أحمد سعيد أدونيس: الثابت والمتحول، دار العودة، ط3، بيروت 1970، ص 67.
2 - انظر، ابن عربي: اصطلاح الصوفية، دار الكتب العلمية، بيروت 2005، ص 169.
3 - القشيري: الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود ومحمد بن شريف، دار الكتب الحديثة، القاهرة، (د.ت)، ج1، ص 218.
4 - أبو حيان التوحيدي: البصائر والذخائر، نشر أحمد أمين وأحمد صقر، لجنة التأليف والترجمة، مصر 1953، ص 48.
5 - زكي مبارك: التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، المكتبة العصرية، بيروت 2006، ج1، ص 116.
6 - انظر: مقدمة شرح ديوان ترجمان الأشواق، تحقيق محمد عبد الرحمن الكردي، مصر 1968، ص 7.
7 - زكي مبارك: التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق، ج1، ص 118.
8 - انظر: مقدمة شرح ديوان ترجمان الأشواق، علق عليه خليل عمران منصور، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 9.
9 - محمود زكي نجيب: طريقة الرمز عند محي الدين بن عربي، ضمن سلسلة كتاب التذكاري محي الدين بن عربي، دار الكتاب العربي، القاهرة 1969، ص 69.
10 - نيكلسون: الصوفية في الإسلام، ترجمة نور الدين شريبة، مكتبة الخانجي، القاهرة 1951، ص 101.
11 - علي عبد الجليل راضي: الروحية عند ابن عربي، مكتبة النهضة، القاهرة، (د.ت).
12 - محي الدين بن عربي: فصوص الحكم، تحقيق أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت، (د.ت)، ص 47.
13 - نيكلسون: الصوفية في الإسلام، ص 104.
14 - حلمي محمد مصطفى: الحياة الروحية في الإسلام، دار إحياء الكتب العربية، مصر 1945، ص 142.
15 - ابن عربي: ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، تحقيق محمد عبد الرحمن الكردي، القاهرة 1968، ص 26.
16 - ابن عربي: الديوان، دار صادر، بيروت 1969، ص 96.
17 - ابن عربي: ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، ص 24.
18 - نفسه.
19 - المصدر نفسه، ص 26.
20 - المصدر نفسه، ص 23.
21 - المصدر نفسه، ص 43.
22 - المصدر نفسه، ص 75.
23 - المصدر نفسه، ص 67.
24 - المصدر نفسه، ص 88.
25 - أبو الحسن علي بن عثمان الهجْويري: كشف المحجوب، دار التراث العربي، القاهرة 1976، ص 49.
26 - نيكلسون: الصوفية في الإسلام، ص 83.
27 - الهجويري: كشف المحجوب، ص 148.
28 - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، دار البيضاء، المغرب 1986، ص 386.
29 - أبو الوفا التفتازاني: الإدراك المباشر عند الصوفية، مقال نشر بمجلة علم النفس، كلية الآداب، جامعة القاهرة، العدد 3، أبريل 1964، ص 370.
References:
1 - Adonis, ‘Alī Aḥmad: Ath-thābit wa al-mutaḥawwil, Dār al-‘Awdah, 3rd ed., Beirut 1970.
2 - Al-Hujwīrī, Abū al-Ḥassan ‘Alī ibn ‘Uthmān: Kashf al-maḥjūb, Dār al-Turāth al-‘Arabī, Cairo 1976.
3 - Al-Jābirī, Moḥammad ‘Abed: Bunyat al-‘aql al-‘arabī, Al-Markaz al-Thaqāfī al-‘Arabī, Casablanca 1986.
4 - Al-Qushayrī: Al-risāla al-qushayriyya, edited by ‘Abd al-Ḥalīm Maḥmūd and Muḥammad ibn Sharīf, Dār al-Kutub al-Ḥadītha, Cairo (n.d.).
5 - Al-Taftazānī, Abū al-Wafā: Al-idrāk al-mubāshir ‘inda as-ṣūfiyya, Majallat ‘Ilm al-Nafs, Faculty of Arts, Cairo University, Issue 3, April 1964.
6 - Al-Tawḥīdī, Abū Ḥayyān: Al-basā’ir wa adh-dhakhā’ir, Lajnat al-Ta’līf wa al-Tarjama, Cairo 1953.
7 - Ibn ‘Arabī, Muḥyī al-Dīn: Dhakhā’ir al-a’lāq fī sharḥ tarjumān al-ashwāq, edited by ‘Abd al-Raḥmān al-Kurdī, Cairo 1968.
8 - Ibn ‘Arabī, Muḥyī al-Dīn: Dīwān, Dār Ṣādir, Beirut 1968.
9 - Ibn ‘Arabī, Muḥyī al-Dīn: Fuṣūṣ al-ḥikam, edited by Abū al-‘Alā ‘Afīfī, Dār al-Kitāb al-‘Arabī, Beirut (n.d.).
10 - Ibn ‘Arabī: Iṣṭilāḥ as-ṣūfiyya, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut 2005.
11 - Mubārak, Zakī: At-taṣawwuf al-islāmī fī al-adab wa al-akhlāq, Al-Maktaba al-‘Aṣriyya, Beirut 2006.
12 - Muṣṭafa, Ḥilmī Muḥammad: Al-ḥayāt al-rūḥiyya fī al-Islām, Dār Iḥyā’ al-Kutub al-‘Arabiyya, Egypt 1945.
13 - Najīb, Maḥmūd Zakī: Ṭariqat ar-ramz ‘inda Muḥyī al-Dīn ibn ‘Arabī, Dār al-Kitāb al-‘Arabī, Cairo 1969.
14 - Nicholson, R. Alleyne: Al-ṣūfiyya fī al-Islām, (The mystics of Islam), translated by Nūr ad-Dīn Sharība, Maktabat al-Khānjī, Cairo 1951.
15 - Rāḍī, ‘Alī ‘Abd al-Jalīl: Ar-rūḥiyya ‘inda Ibn ‘Arabī, Maktabat al-Nahḍa, Cairo.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد القادر بن عزة: مستويات اللغة الصوفية عند محي الدين بن عربي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد العاشر، سبتمبر 2010. http://annales.univ-mosta.dz

***