العنوان ودلالة التلقي الجمالي

د. خيرة مكاوي
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

إن مراعاة حازم القرطاجني لحال الإبداع في عصره وما هو عليه القارئ، أي المتلقي، من ضعف في التذوق أو انصراف عن الشعر، هو ما جنبه المبالغة في تفصيل ما أجمله في المنهاج وذلك حتى لا يصرف عناية متلقيه صرفا كليا، ولكنه يعمل من حين إلى آخر على دعوته إلى تفصيل ما أجمل، وتفريع ما أصل لجني نفع أكبر في صناعة البلاغة. فالخطاب هو نقطة التقاء الباث بمتلقيه عبر النشاط اللغوي ولذلك فإن نقطة الالتقاء هذه تشكل الحوار مع الإرث اللغوي والخبرة الجمالية المشتركة بينهما. فمن أين يبدأ فعل اللغة، ومن خلال العنوان تأسيس العلاقة بين الباث والمتلقي؟

الكلمات الدالة:

منهاج البلغاء، حازم القرطاجني، النقد البلاغي، الدلالة، التلقي.

***
The title and the significance of aesthetic reception

Dr Kheira Mekkaoui
University of Mostaganem, Algeria

Abstract:

Hazim al-Qartajanni’s consideration of the state of creativity in his era and what the reader, that is, the recipient, is in terms of weakness in taste or deviation from poetry is what prevented him from exaggerating the details of what he described in "Al-Minhaj", so as not to completely distract the attention of the recipient. But he works from time to time to invite him to detail what is beautiful, and to subdivide what is out to gain greater benefit in making rhetoric. The discourse is the meeting point of the transmitter and its recipient through linguistic activity, and therefore this point of convergence constitutes the dialogue with the linguistic heritage and the aesthetic experience shared between them. Where does the act of language begin, and through the title the relationship between the transmitter and the receiver is established?

Keywords:

Minhaj al Bulagha, al Qartajanni, rhetorical critic, meaning, reception.

***

النص:

"منهاج البلغاء وسراج الأدباء" بهذا العنوان، وجه حازم القرطاجني كتابه إلى المتلقي محملا إياه القصد والإرادة في إبلاغ المتلقي إرساليته البلاغية والجمالية، وهو كما نلاحظ لا يتعدى مظهره اللغوي حدود الجملة المعطوفة على جملة أخرى، ومع قصره يوفق في إقامة الاتصال بين الباث والمتلقي اتصالا، يتحول العنوان بموجبه إلى خطاب.

فالخطاب هو نقطة التقاء الباث بمتلقيه عبر النشاط اللغوي ولذلك فإن نقطة الالتقاء هذه تشكل الحوار مع الإرث اللغوي والخيرة الجمالية المشتركة بينهما. فمن أين يبدأ فعل "اللسان/اللغة"، ومن خلال العنوان تأسيس العلاقة بين الباث والمتلقي؟

يبدأ من لفظ المنهاج: "فطريق نهج، بين واضح والجمع نهجات ونهج ونهوج... والمنهاج كالمنهج، وفي التنزيل لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا... وأنهج الطريق وضح واستبان، وصار نهجا واضحا بينا... والنهج الطريق المستقيم"(1). ولا يبتعد لفظ السراج عن المعنى الدلالي للمنهاج إذ يفيد الإضاءة، والإبانة والوضوح.

وليس عبثا أن تعطف علامتان تنتميان إلى حيز دلالي واحد، ذلك لأن الفضاء العلاماتي غير منقفل، بل مفتوح على الفكرة وعلى السلطة المشتغلة كشبكة تحتية وكامنة وموازية لشبكة الدوال الظاهرة.

وإذا سبق وأن تعرفنا على أن البلاغة هي الوصول بالمقول/المكتوب إلى البيان والوضوح، تمكنا من كشف الحجاب ثانية عن النظام الإبستيمولوجي البياني العامل باستمرار تحت مستوى البنيات بمختلف أشكالها.

يعمل العنوان على استدعاء النظام البياني في ذهن المتلقي، لأنه أول ما يظهر له ويعترضه من الكتاب ومضمونه. وإذا كان "حازم" ينطلق في وضعه العنوان من هذا المقصد البياني، فإن المتلقي يستقبله بما لديه من الخبرة ومن المعرفة الجمالية، وهنا يحدث التفاعل بين هذه الخبرة والعنوان، ويتم ذلك "بشكل قريب من التداعي الحر بين دوال العنوان وموضوعات تلك المعرفة، الأمر الذي يقيم تنظيما أوليا لها، وبه تمتلك الدوال القدرة على إنتاج دلالتها بالرغم من وضعيتها اللغوية"(2).

ويشتغل العنوان في إبراز هذا النظام على الثنائيات، ففضلا عن الثنائية العامة والتي تشكل الخطاب "منهاج البلغاء" و"سراج الأدباء"، نلمس ثنائيتين هما: "المنهاج/السراج" المشار إليهما، وثنائية "البلغاء/الأدباء" ويشير التركيب بين طرفيها إلى العلاقة القائمة بين الإنتاج والتلقي، بين المنهاج من حيث كونه طريقا معبدا واضح المعالم، مسطر الخطوات، وبين البليغ، ثم تأكيد الطرح بالعطف عن طريق الحرف "واو" حيث تتحول العلاقة من المنهاج إلى السراج وهما من حيز دلالي واحد، حيث يفيد كلاهما الوضوح و البيان.

إن البليغ والأديب في صيغتهما المطلقة في الزمان الماضي هما مصدر الإنتاج، ومؤسسا النمط الشعري، والنوعيات الجمالية والذخيرة البلاغية لمعرفة النص الجمالي - وقد عبر "حازم" عن ذلك بلفظي المنهاج والسراج - وهما مؤسسا نمط التلقي وأفق انتظار المتلقي، وهذا ما يبرر تأسيس العنوان على الإضافة، إضافة المعرفة إلى النكرة لتعريفها. فبنية العنوان النحوية هي كالتالي:

منهاج: خبر مضاف لمبتدأ محذوف تقديره هذا، البلغاء: مضاف إليه، و: حرف عطف، سراج: معطوف عليه مضاف، الأدباء: مضاف إليه.

تشتغل قاعدة الإضافة على طول البنية، ودلالة ذلك تأكيد هوية المبدع الجمالية، وانتمائه المعرفي وهذا لا ينفي خصوصية المضاف وتميزه، وبالتالي فرادة المضاف إليه وهو البليغ والأديب في اختياره ما يسعفه من الإمكانيات المتاحة في لغته، وسياقاتها المعرفية، لإقامة تجربته الجمالية وتأسيس أفق انتظار خاص به. كان من الممكن أن تأتي لام التعريف فتعرف المنهاج والسراج دونما داع إلى إضافة البلغاء والأدباء، إلا أن الزيادة في المبنى - عند "حازم" وفي البلاغة العربية عامة - زيادة في المعنى.

ولئن كان "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" جزءا من مطلق المنهاج والسراج إلا أن للصيغة قوة دلالية قادرة على إثبات مطلق المنهاج والسراج ونسبهما للبلغاء والأدباء.

يشير العنوان إذن، إلى مستويين دلاليين: مستوى نسبية التقنين للخطاب الشعري والتقعيد له، والآخر يطلقهما في الزمان بحيث ينتمي الجمالي إلى كل ما هو جمالي وسابق في الوجود، ويتحرك هذا المستوى في اشتغاله الدلالي، على الحد من ممارسة البلاغة في احتكامها الدائم بالوجود القبلي لمنهاج أو سراج الثقافة الجمالية العربية.

"منهاج البلغاء وسراج الأدباء" تنظم الدوال اختيارا على هذا الشكل لتقول أكثر مما يقوله القاموس أو المعجم. إن المنهاج للبلغاء والسراج للأدباء، دوال ليس لها مرجعها الواقعي الذي يعين اشتغالها، فمدلولها له القدرة على التأثير في المتلقي تأثيرا يجعله يتطابق مع أي مرجع تأويلي شرط أن تتوافر القرينة الدالة على ذلك وهي هنا الإبانة والوضوح.

إن العنوان بهذا المستوى يراوغ، ومراوغته متعلقة بالدال الشعري المجازي، إنه فضاء متسع ومزدحم وهو لذلك يعول على المتلقي وعلى القراءة "التي تنطوي على إمكان سيميولوجيا الدلائل"(3). هذا عن العنوان وصفه بنية مستقلة عن العمل، وهذا اشتغالها الدلائلي الخاص الذي لا يتعدى كونه اجتهادا تأويليا يعتمد على استنطاف الدوال والعلاقات الإيحائية، فماذا عن تعالق العنوان مع دلائلية العمل؟

يحرص حازم القرطاجني على كتابة ممنهجة، هادفة إلى البيان وذلك بتقسيمه "المنهاج" إلى أربعة أقسام الألفاظ - القسم الضائع - المعاني، والمباني، والأسلوب، كلها في صناعة الشعر "إنتاجا وتلقيا" من وجهة نظر تأخذ من موروث الخبرة الجمالية العربية حينا، وتضيف إليها من سياقها الحضاري والتاريخي والمعرفي حينا آخر.

ويتفرع كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة إلى أربعة أبواب، عنون "حازم" كل واحد منها بالمنهج، ثم وزع المناهج على فصول أطلق عليها على التعاقب معلم أو معرف، يختمها أحيانا بفصول يعنونها بمأم أو مآم على الإفراد و الجمع.

يهدف هذا التقسيم المتفرع، وهذه الكثافة في العناوين إلى الحرص على سلامة الاتصال بين "حازم" والمتلقي وإلى تحقيق البيان والفهم، فـ"حازم" مقتنع أشد الاقتناع باختلاف قارئه عن قراء ينتمون إلى سياقات تاريخية وجمالية ماضية، ومقتنع أيضا باحتمالات الزمن الآتي، أي بذات متلقية متشكلة مستقبلا، وقد دفع به اللا تناسب بين ماضوية التلقي، وراهنيته، ومستقبليته، إلى إنتاج تصميم قائم على البيان، ومفتوح على الفهم في الزمن غير المحدد.

ولما كان "حازم" يهدف إلى تأصيل دور القارئ/المتلقي في العملية الإبداعية، تأصيلا يضعه وأحواله النفسية بعين الاعتبار، نجده يعمد في منهاجه إلى طريقة الكتابة في فقرات، معنونا إياها بمصطلحين يتصدران الكلام بالتعاقب، "الإضاءة" ثم "التنوير"، وهما أشد دلالة على الرغبة الملحة في إجلاء الحقيقة، وعلى التوضيح ورفع اللبس، رغبة مدفوعة بالرؤية البيانية التي حكمت تصور المفكرين الذين أنتجتهم الحضارة العربية الإسلامية، وما البلاغة التي ورثها "حازم" والتي يرغب في التأصيل لها إلا آخر ما ظهر في الدراسات البيانية بعد النحو والفقه وعلم الكلام، وعلى هذا فإن مصطلح البيان "يشمل كافة الأساليب والوسائل التي تسهم ليس فقط في تكوين ظاهرة البلاغة بل أيضا في كل ما به يتحقق "التبليغ": تبليغ المتكلم مراده إلى السامع، ليس هذا وحسب بل أن "البيان" في اصطلاح رواد الدراسات البيانية "اسم جامع" ليس فقط لكل ما به تتحقق عملية الإفهام أو "التبليغ" بل أيضا لكل ما به تتم عملية "الفهم" و"التلقي" وبكيفية عامة: التبيين"(4).

إن تقنية الكتابة - إذن - هي جزء من هذه الرؤية العامة إلى الكون وإلى الإنسان وإلى الخطاب، ولذلك يزداد الحرص عند "حازم" على ألا يزيد طول الفقرة مقدارا يرهق القارئ ويتشعب به إلى تفاصيل الأمور ودقائقها، وفي هذا الشأن يقول: "وإنما نتحرى أن نعدل بين الأبواب، أو نقارب العدل فيما نذكره، ليكون كل باب قد تضمن قسطا مقنعا مما يجب. فأما ما وراء الإقناع، فلا يمكن استقصاء ذلك في باب، فإن ذلك يضاعف حجم الكتاب، ويؤدي إلى إقطاع هذه الصناعة من عناية النفس فوق ما يجب لها، إذ قدر العناية بالشيء إنما يجب أن يكون بإزاء قدر المستفاد منه وفائدة هذه الصناعة بحسب ما سحب عليها الزمان من أذيال الإذالة وألحقها من معرة الخمول قليلة نزرة، بل إنها غاية محكمها إذاية أهل الفدامة له ممن يظن أن له قدما في الفصاحة، وهو منها بمنزلة الحضيض من السماك فلذلك كان خليقا أن تكون العناية بهذه الصناعة غير بالغة أو تصرف عنها العناية بالجملة"(5).

فمراعاة "حازم" لحال الإبداع في عصره وما هو عليه القارئ/المتلقي من ضعف في التذوق أو انصراف عن الشعر، هو ما جنبه المبالغة في تفصيل ما أجمله في المنهاج وذلك حتى لا يصرف عناية متلقيه صرفا كليا، ولكنه يعمل من حين إلى آخر على دعوته إلى تفصيل ما أجمل، وتفريع ما أصل لجني نفع أكبر في صناعة البلاغة. لقد كان "حازم" واعيا بطريقة كتابته البيانية، معتقدا في إفادتها، فهو في إضاءاته وتنويراته يلمح ويدل ويشير، ولكنه لا يستقضي الكلام كله لأن ذلك يخرجه "عن غرض الاختصار والاقتصاد،... ومن فهم أصول أبوابه سهل عليه تتبع فروعها واعتبار مواقع النسب فيها"(6) إنها "البيداغوجيا البيانية"(7) - على حد تعبير محمد عابد الجابري - التي تشتغل في الأفكار وعلى مستوى البنيات لتنجز عند "حازم" تصميما وتقنية في الكتابة هي فن للقول وللتلقي.

الهوامش:
1 - ابن منظور: لسان العرب، المجلد الثالث، مادة أنهج، ص 227.
2 - محمد فكري الجزار: العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي (دراسات أدبية)، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1988، ص 22.
3 - ينظر، المصدر نفسه، ص 69.
4 - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب 1986، ص 14.
5 - أبو الحسن حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ط2، بيروت 1981، ص 37.
6 - المصدر نفسه، ص 47.
7 - ينظر، محمد عابد الجابري: المصدر السابق، ص 26.
References:
1 - Al-Jābirī, Muḥammad ‘Ābed: Bunyat al-‘aql al-‘arabī, Al-Markaz ath-Thaqāfī al-‘Arabī, Casablanca 1986.
2 - Al-Jazzār, Muḥammad Fikrī: Al-‘unwān wa semiotika al-ittiṣāl al-adabī, Al-Hay’a al-Miṣriyya al-‘Āmma li al-Kitāb, Cairo 1988.
3 - Al-Qarṭajannī, Ḥāzim: Minhāj al-bulaghā’ wa sirāj al-’udabā’, edited by Muḥammed al-Ḥabīb ibn al-Khūja, Dār al-Gharb al-Islāmī, 2nd ed., Beirut 1981.
4 - Ibn Manẓūr: Lisān al-‘Arab, Dār Ṣādir, Beirut.
الإحالة إلى المقال:

* د. خيرة مكاوي: العنوان ودلالة التلقي الجمالي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد التاسع، سبتمبر 2009. http://annales.univ-mosta.dz

***