الكتابة الأمازيغية التيفيناغ

أمينة بن أباجي
جامعة تلمسان، الجزائر

الملخص:

تتعدد الكتابات والخطوط وتختلف عن بعضها البعض، فلكل كتابة أبجديتها الخاصة، وإن كانت نفسها فهي تختلف في مميزاتها. ومن بين هذه الخطوط المتعددة، التيفيناغ، وهو الخط الأمازيغي، الذي لا يزال يطرح عدة تساؤلات وفرضيات حول أصله، وحول الأبجدية الصحيحة المعمول بها. ولذا انصب اهتمام الباحثين حول هذا الموضوع، فالآراء مختلفة ومتعددة، فهناك من يرى أن أصل التيفيناغ فينيقي، وهناك من يرى أن أصله أمازيغي، الخ. وفي غالب الأحيان، تكون هذه الآراء مرتبطة بميول ذاتية. ونفس الشيء بالنسبة لأبجديات هذا الخط، حيث كان يحتوي، في أول الأمر، إلا على عشرة صوامت، ثم أخذ يتطور، ويتغير، فالباء، مثلا، يكتب بعدة طرق، كذلك بالنسبة للفاء والسين. فمن خلال النص، سنوضح أسباب هذا الاختلاف، ونعرض مختلف الآراء التي تتعلق بهذه الكتابة.

الكلمات الدالة:

الكتابة والخط، سكان البربر، اللغة الأمازيغية، التيفيناغ.

***
Amazigh typing Tifinagh

Abstract:

There are many writings and lines and differ from each other, so each writing has its own alphabet, and if it is the same, it differs in its features. Among these multiple lines, Tifinagh which is the Berber script, which still raises several questions and hypotheses about its origin, and about the correct applicable alphabet. Therefore, the interest of researchers has focused on this issue. Opinions are different and many. Some believe that the origin of Tifinagh is Phoenician, and there are those who believe that its origin is Berber, etc. Most of the time, these opinions are related to subjective tendencies. The same is true for the alphabets of this line, as it contained, at first, only ten silents, then it began to develop and change, so the "b", for example, is written in several ways, as well as for the "f" and the "s". Through the text, we will explain the reasons for this difference, and present the various opinions related to this writing.

Key words:

writing, calligraphy, Berbers, Amazigh, Tifinagh.

***

النص:

يعد الخط أو الكتابة الشاهد الرئيسي الذي يبرهن على تطور اللغة أو تغيرها عبر الزمن، كما أنه الوسيلة التي بفضلها ترتقي اللغة وتدخل مجال الحضارة، فاللغة المكتوبة تعبر على تقدم الدولة وازدهارها، أما اللغة غير المكتوبة تعني التخلف والخمود. والخطوط متعددة ومختلفة عن بعضها البعض، حسب مميزاتها، وخصوصياتها، والخطوط المستعملة حاليا، هي خطوط اللغات العلمية العالمية والاقتصادية كاللاتينية والعربية واليابانية...

أما الأمازيغية، فهي لغة شفهية، تستعمل للتعبير عن الأغراض اليومية، غير أن لها كتابتها الأصلية، والمعروفة بالتيفيناغ، فما أصل هذه الكتابة؟ وما هي الأبجدية المعمول بها؟ ولماذا انصب اهتمام الباحثين حول هذا الموضوع؟

1 - أصل التيفيناغ:

أقدم نقش (رسم) وصل إلينا يعود تاريخه إلى أكثر من 3000 سنة قبل الميلاد كتب بخط التيفيناغ. والتيفيناغ هو جمع لمؤنث (Tafing)، وتعني على أرجح الأقوال: الخط أو العلامة، أي الأبجدية (أبجد). وهو من أعظم الإنجازات التي توصلت إليها هذه اللغة في وقت لم تكن الكتابة قائمة؛ وهي الكتابة الأصلية للأمازيغية.

اتفق بعض المؤرخين على أن التيفيناغ مركبة من كلمتين: ثيفين، بمعنى اكتشاف، وأناغ، أي ملكنا، وهذا يحمل اتجاها خاصا بالقبائلية دون غيرها من اللهجات الأمازيغية الأخرى. أما مصادر أخرى ترى أن التيفيناغ تعني الكتابة، وأكد مؤرخون آخرين أن التيفيناغ من أصل فينيقي، كون الأبجديات فينيقية الأصل، فالتاء في بداية الكلمة تدل على المؤنث، أما أفونيق فهي من الفينيقية(1).

ومعظم الأمازيغيين، يدعمون هذا الرأي، ومنهم "سالم شاكر"، الذي يرى بأن أصل التييفيناغ فينيقي، كجل الأبجديات الأخرى، ومن بين الأسباب التي أوصلته إلى هذا الاستنتاج، ما يلي:
- جدر كلمة التيفيناغ، المتكون من (ف ن ق)، وهو يعني الفينيقيين بالسامية، أما التبادل بين حرف (ق) و(غ)، فهذه ظاهرة تتواجد بكثرة في الأمازيغية، كما في الفعل قتل: نغ أو نق.
- المناطق أكثر استعمال للتيفيناغ، هي مناطق إفريقيا الشمالية، وهي التي تأثرت بالبونيقية.
- لقد غيروا التيفيناغ الذي كان يكتب عموديا من الأسفل إلى الأعلى، وأخذوا يكتبونه أفقيا ومن اليمين إلى اليسار مثل البونيقية.
- عدم وجود فراضية أقوى تبرهن على أن للتيفيناغ أصولا أخرى(2).

يؤكد الباحث حددو (Haddadou) أن التيفيناغ ينحدر من الخط الليبي، وكان يتكلم هذه اللغة سكان شمال إفريقيا، حيث أشار إليها المؤرخون اللاتينيون واليونانيون القدامى، وقالوا أنها تختلف عن الفينيقية، ولسوء الحظ، لم يصفها ولا أحد منهم(3).

وفي سنة 1842م، لما اكتشف أول نقشٍ، انصب اهتمام الباحثين عليه، حيث أن مدونة الباحث ج.-ب. شبو (J.-B. Chabot)، المعنونة بـ: "مجموعة نقوش ليبية" (Recueil des inscriptions libyques)، جمعت فيها 1125 صورة من صور النقائش الليبية.

وأول كتابة ظهرت، في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، هي الكتابة الفينيقية، ومنها أخذت الكتابتان: اليونانية واللاتينية. ولكن البربر لم يقتصروا على هذه الكتابات، بل استعملوا كتابة أخرى، والتي نسميها اليوم؛ الكتابة البربرية، وبينما أكد حددو على أن التيفيناغ منحدر من الخط الليبي، فهناك من يرى أن الكتابة البربرية متكونة من خطين: الخط اللوبي (الليبي) وخط التيفيناغ(4).

وذكر في مجلة مغاربية أن "سكان هذه المناطق الإفريقية الشمالية الغربية هم البربر، ولغتهم هي البربرية، ولقد قيل عنها إنها منحدرة من لغة قديمة هي الليبية التي كان القوم يتكلمونها منذ ألفين من السنين، وهي ذات حروف منفصلة تحمل اسم تيفيناغ"(5).

الفرضية نفسها نجدها عند صالح بلعيد، أي أن التيفيناغ هي الكتابة الخاصة بسكان البحر الأبيض المتوسط، وهي الكتابة القديمة للسكان الذين استوطنوا البحر الأبيض المتوسط، أي الكتابة التي استعملها الفينيقيون واليونانيون...، والتي أخذوها عن السكان الأولين الذين مروا بالبحر المتوسط(6).

كما ترى مصادر أخرى أن خط التيفيناغ متأثر بالنقوش اليمنية القديمة، ويعتمدون على النقوش الصهيدية، التي تنتمي إلى الخطوط السامية الجنوبية، حيث تتكون من 29 حرفا أبجديا والذي سماه الملوك خط المسند، إذ وجدوا تقاربا بينها وبعض الرسوم(7).

فالآراء متعددة، ومختلف حول انتساب اللغة الأمازيغية، وهذا يرجع للميول الذاتية، ولكن يبقى الأصل الفينيقي هو أكثر شيوعا ومنطقا، حيث نسبت الدراسات اللسانية اللغة الأمازيغية إلى اللغات السامية - الحامية، ولكن هذا أزعج المدرسة الفرنسية ذات التوجه الاستعماري والرافضين للانتماء العربي، الذين يرفضون وجود أي صلة بين اللغة الأمازيغية واللغات السامية التي تضم اللغة العربية، فهي تحاول فصل اللغة الأمازيغية عن العربية(8).

وإذا كان الخط اللوبي توقف عن الاستعمال في وقت مبكر، فإن خط التيفيناغ احتفظ به إلى وقتنا الحالي ويستعمله التوارق، وهم بربر الصحراء المنتشرون في ليبيا والتشاد والنيجر وموريتانيا ومالي والجزائر(9). "وحروف التوارق، لايتقنها كل التوارق بل تتقنها النساء والخدم وبعض الذين تعلموها من النساء"(10).

2 - مختلف أبجديات التيفيناغ:

كانت أبجدية التيفيناغ في أول الأمر تتكون، إلا من الصوامت، أي كانت كتابة صامتة، لا حركات لها ولا حروف إشباع (الألف والواو والياء)، وهذه خاصية تتميز بها الكتابات العربية القديمة (المسماة بالسامية)(11) ثم أضيفت إلى تلك الصوامت، حروف صائتة، والتي سميت "تيدباكين"، وهي تقابل الفتحة والكسرة والضمة، والأبجدية كلها تدعى "أكامك"، حيث كان الأمازيغيون القدماء يكتبون بهذه الحروف على جدران الكهوف وعلى الصخور، من الأعلى إلى الأسفل، في أول عهدهم، ثم بدأوا يكتبون في جميع الاتجاهات، ودام ذلك الوضع إلى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، ثم استقرت الكتابة عند التوارق من اليمين إلى اليسار كما هو معمول به في العربية(12).

لقد أدى اختلاف الآراء حول انتساب هذه الكتابة إلى ظهور عدة أبجديات للتيفيناغ، فقد عرفت هذه الكتابة عدة مراحل، حيث يرى بعض اللسانيين أنها كانت تكتب في أول الأمر بعشرة حروف، وهي: الباء والجيم والدال والتاء والياء والسن والراء والميم واللام والنون. ثم أضيف إليها حروف أخرى(13): الزاي والتاء.

أما مصادر أخرى ترى أن الأصوات الأولى لا تتجاوز 18 صوتا، وقد وجدت مدونة على الغرانيت في الطاسيلي كتبت بهذه الأصوات الثمانية عشر، كما أن مجموعة 18 صوتا وجد كذلك في الفينيقية الأولى، ويمكن أن يكون هذا من بين العوامل التي تأثرت بها، وآخرون يرون أن اللغة الليبية القديمة تتكون من 22 رمزا مستعملا(14).

كما يظهر هذا الاختلاف أيضا في الأبجديات نفسها، كأن يكتب الباء بطريقة أخرى وكذلك بالنسبة للفاء والسين والشين، وغيرها.

فما يلاحظ هنا، هو الاختراع المتواصل لأبجديات التيفيناغ، فالعاملين في هذا الميدان يريدون أن تحتوي هذه اللغة على جميع الأصوات، وهذا من المستحيل، حيث لا يمكن لأي لغة كانت أن تحتوي على جميع الأصوات، وهذا ما يجعلها لغة اصطناعية، واللغة الاصطناعية، ثبت أنها غير ناجحة، فهي لغة مخبرية.

ويمكننا تلخيص أهم الطروحات التي تخص هذا الخط فيما يلي:
- وجود تيفيناغ قديمة،
- وجود تيفيناغ جديدة،
- وجود تيفيناغ جديدة جديدة،
- التيفيناغ المستعمل في الأكاديمية البربرية من قبل سالم شاكر،
- التيفيناغ في المغرب التي يجتهدون في كتابتها بالحروف العربية،
- التيفيناغ المستعملة في مؤسسات أخرى(15).

ويرجع هذا الاهتمام المتواصل والمتجدد بهذا الخط إلى سببين رئيسيين، أولهما علمي، والثاني موضوعي، إن لم يكن إيديولوجي:
أ - فاللسانيون الأمازيغيون يقومون بأبحاث حول لغة شفهية، إلا بعض الجمل بالحروف العربية المتواجدة في المصادر التاريخية، فهم لا يملكون أدلة حول الأبجديات القديمة لهذه اللغة، أو تطورها.

وأمام غياب براهين تاريخية عميقة، فمعظم الأبحاث حول الأمازيغية تعتمد إلا على المقارنة بين مختلف اللهجات الأمازيغية. وهذه الطريقة الوحيدة التي يتم بفضلها وضع فراضيات تاريخية. وبطبيعة الحال، هذه ليست الوسيلة التي توصلنا إلى نتائج دقيقة أو نتعمق بها في التاريخ البعيد. ولذا فالنقوش الليبية هي التي تمكننا للوصول إلى نتائج يرضى بها البحث العلمي، ونأمل بها معرفة حقيقة هذه اللغة.
ب - إن الكتابة الليبية، وبالأخص الحديثة التي هي التيفيناغ، تعبر عن قيمة وشرف هذه اللغة، كما أنها تخرجها من الحيز الضيق الذي يمثل اللغة الشفهية (اللغة التي لا تكتب)، إلى عالم متقدم ومتحضر الذي يمثل اللغة المكتوبة.

ورغم أننا لا نجهل أبجديات التيفيناغ الحديثة، غير أن النقوش الليبية تبقى غير مفهومة، وهذا ما جعل بعض الباحثين يتساءلون إذا كانت النقوش الليبية، أو بعضها كتبت بلغة أخرى لا علاقة مباشرة لها بالأمازيغية.

ولكن هذا حذر يتجاوز حده، بما أن كل الأبحاث والمصادر أثبتت الأصل الليبي - الأمازيغي. وتبقى النتائج في هذا المجال قليلة رغم هذا الاهتمام، وهذا يعود للأسباب التالية، نذكر منها:
- قلة الأعمال المنهجية، حيث أن أهم المراجع التي تناولت موضوع النقوش الليبية، حتى الآن هي التي جمعها شابو(16)، وغالاند(17).
- ليست كل اللهجات الأمازيغية الحالية، معروفة وشائعة كما هو الحال بالنسبة للهجة التارقية لمنطقة الهقار.
- الفرق الزمني الكبير بين الليبية واللهجات الأمازيغية الحالية، فمن المفروض أن تتطور اللغة من بعض الجوانب أو كلها من زمن لآخر.

كما سبق وأن ذكرنا، النقوش الليبية قليلة وغير كافية للوصول إلى بناء قواعد لغوية. فمعظم هذه النقوش تعبر عن أسماء أعلام.

وأخيرا، كثيرا من الأبحاث في هذا الميدان قام بها أشخاص هواة للأمازيغية أو ضباط الجيش الفرنسي، الخ. مع العلم أن هذه الدراسات تتطلب مختصين كعلماء الآثار، أو مؤرخين، أو مختصين في اللغة الأمازيغية... لإجراء بحوث دقيقة التي توصل إلى نتائج حتمية. ولكن هذا لا يمنعنا من أن ننسب الأمازيغية إلى الليبية(18). وبحوث أكثر دقة وتوسع من قبل المختصين، لا بد أن تمكننا من معرفة أو إثبات الفراضيات حول موضوع هذا الخط.

الهوامش:
1 - صالح بلعيد: في المسألة الأمازيغية، دار هومة، بوزريعة، الجزائر 1999، ص 90.
2 - Voir, Salem Shaker : Manuel de linguistique berbère I, Editions Bouchène, Alger 1991, p. 247.
3 - Voir, Mohand Akli Haddadou : Le Guide de la culture berbère, Editions Ina-Yas, Paris 2000, p. 210.
4 - ينظر، محمد مختار العرباوي: في مواجهة النزعة البربرية وأخطارها الانقسامية، دمشق 2005، ص 14.
5 - الناجي الأمجد: "الخط المغربي والهوية المفقودة"، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط 1994، المخطوط العربي وعلم المخطوطات سلسلة، العدد 33، ص 88.
6 - ينظر، صالح بلعيد: المصدر السابق، ص 92.
7 - المصدر نفسه، ص 103.
8 - ينظر، محمد المختار العرباوي: المصدر السابق، ص 45.
9 - المصدر نفسه، ص 22.
10 - د. محمد سعيد القشاط: التوارق عرب الصحراء الكبرى، مركز دراسات وأبحاث شؤون الصحراء، ط2، كاليري، إيطاليا 1989، ص 34 و99.
11 - ينظر، محمد مختار العرباوي: المصدر السابق، ص 30.
12 - محمد شفيق: لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين، 2000، ص 45.
13 - ينظر، صالح بلعيد: المصدر السابق، ص 102.
14 - ينظر، أحمد مختار عمر: تاريخ اللغة العربية في مصر والمغرب الأدنى، عالم الكتب، القاهرة 1992، ص 228.
15 - ينظر، صالح بلعيد: المصدر السابق، ص 118.
16 - Voir, J.-B. Chabot : Recueil des Inscriptions libyques, Paris 1940.
17 - L. Galand : Inscriptions libyques, in Inscriptions Antiques du Maroc, Paris 1966, pp. 1-79.
18 - Salem Chaker : op. cit., pp. 247-251.
الإحالة إلى المقال:

* أمينة بن أباجي: الكتابة الأمازيغية التيفيناغ، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد التاسع 2009. http://annales.univ-mosta.dz


***