نظم البنى السطحية للغة العربية في وسط الجزيرة العربية

د. خالد بن عبد العزيز الدامغ
جامعة الرياض، السعودية

الملخص:

إن إيصال المعاني يظل في كل الأحوال الهدف من الاستعمال اللغوي. وكي يتحقق انتقال الأفكار والمعاني الذهنية بصورة واضحة بين عقلين أو أكثر، فلا بد أن يكون هناك نظام لترتيب عناصر الجمل؛ إذ بدون هذا النسق التنظيمي قد تتداخل المعاني خاصة في الأنظمة اللغوية المبنية. فبينما تحمل علامات الإعراب في الأنظمة اللغوية المعربة أبعادا دلالية ضمنية في معاني الجمل كما في قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات)، فإن تخلى النظام اللغوي عن اللواحق الإعرابية سيخفي معها الدلالات التي تحملها، فلا يدري السامع هل هذا العنصر من التركيب هو الفاعل أم من وقع عليه الفعل. وقد أشار ابن خلدون إلى فقدان علامات الإعراب لدى العرب في أزمان متقدمة. فالبحث إذن يتطرق إلى هذه المسائل في وسط الجزيرة العربية.

الكلمات الدالة:

اللغة، الجزيرة العربية، علامات الإعراب، الدلالة، معاني الجمل.

***
Systems of the superficial structures of the Arabic language
in central Arabia

Abstract:

The communication of meanings remains in all cases the aim of linguistic use. In order for ideas and mental meanings to be clearly transferred between two or more minds, there must be a system for arranging the elements of the sentences. Without this organizational system, meanings may overlap, especially in the built linguistic systems. Whereas the syntactic signs in Arabized linguistic systems carry implicit semantic dimensions in the meanings of the sentences, the linguistic system's abandonment of the syntactic suffixes will conceal with it the connotations they carry, so the listener does not know whether this element of the composition is the subject or who was signed by the verb. Ibn Khaldun referred to the loss of signs of Arabic syntax among the Arabs in advanced times. So the research deals with these issues in the middle of the Arabian Peninsula.

Key words:

language, Arabia, grammatical marks, significance, meanings of sentences.

***

النص:

بغض النظر عن قضية هل "للغة قوة دلالية في ذاتها"، أو أن الدلالات التي تتضمنها اللغة عبارة عن مفاهيم ومحسوسات موجودة في العالم الخارجي، ودور اللغة هو الربط بينها، كما هو رأي دي سوسير (de Saussure) وبيرس (Pierce)؛ فإن إيصال المعاني يظل في كل الأحوال الهدف من الاستعمال اللغوي. وكي يتحقق انتقال الأفكار والمعاني الذهنية بصورة واضحة بين عقلين أو أكثر، فلا بد أن يكون هناك نظام لترتيب عناصر الجمل (Patterns of Word-Order)؛ إذ بدون هذا النسق التنظيمي قد تتداخل المعاني خاصة في الأنظمة اللغوية المبنية. فبينما تحمل علامات الإعراب في الأنظمة اللغوية المعربة أبعادا دلالية ضمنية في معاني الجمل كما في قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات)، فإن تخلى النظام اللغوي عن اللواحق الإعرابية سيخفي معها الدلالات التي تحملها، فلا يدري السامع هل هذا العنصر من التركيب هو الفاعل أم من وقع عليه الفعل. وقد أشار ابن خلدون إلى فقدان علامات الإعراب لدى العرب في أزمان متقدمة. يقول في الفصل السابع والأربعين: إن لغة العرب لهذا العهد... على سنن اللسان المضري، ولم يُفقد منها إلا دلالة الحركات على تعيين الفاعل من المفعول؛ فاعتاضوا منها بالتقديم والتأخير وبقرائن تدل على خصوصيات المقاصد(1).

وعندما تفقد العلامات الإعرابية من أي نظام لغوي، فإن المؤشر الأساسي للعلاقات النحوية بين عناصر الجمل سينتقل بالدرجة الأولى إلى الطريقة التي تنظم بها تلك العناصر. لذا فموقع أي مفردة (Morpheme) في التركيب، أو ما يسميه بعض اللغويين "الرتبة"، سيكون المرتكز في تحديد علاقتها بالسياق من حيث حمل موقعها في التركيب للمعاني التي كانت تؤديها اللواحق الإعرابية على آخرها. فالموقع سيضفي على الكلمة دلالة (وظيفة) أخرى غير المعنى المعجمي الذي تحمله في ذاتها. وهذه الدلالة الأخرى المضفاة على المفردة من الأهمية بحيث لو تغيرت الكلمة عن موقعها الذي يحدده لها النظام، فربما تقلب المعنى المراد (فالموقع الجديد قد يضفي على المفردة وظيفة مختلفة). وقد أشار إلى هذا داود عبده(2) في مثاله بقولهم: "الاستعمار سينتصر على الشعب" مع أن المقصود "الشعب سينتصر على الاستعمار". فتغيير مفردة عن موقعها الذي تحدده وظيفتها الأصلية في الرسالة الذهنية قد يؤدي إلى تغير في المعنى بين العقلين، أو قد يقود إلى عدم فهم الرسالة ككل. ويحدث الوضع الأخير عندما يؤدي التغيير إلى تشكيل نمط جديد لا يستقيم ونظام اللغة؛ وهو النمط الذي يرى تشومسكي وتابعو مدرسته اللغوية أنه خارج السلاسل التي يمكن تشكيلها من معجم اللغة بحسب النظم المسموح بها(3).

يسيطر العقل الإنساني على النظم المعقدة لترتيب عناصر الجملة من خلال جانب فطري (Innate Part) في المخ؛ وربما أن هذا ما قصده بعض اللغويين العرب من أن اللغة توقيفية. يعمل هذا الجانب الفطري منذ الصغر بالتعرف على النظام اللغوي من المدخلات اللغوية فيساعد الطفل خلال وقت قصير على توليد الجمل وتركيبها بعدد لا محدود مضبوطة بقوانين اللغة المحيطة. ولا يقتصر عمل هذا الجانب الفطري على اللغة الأم فحسب، بل هو فاعل أيضا في اكتساب لغة ثانية بالنسبة للصغار(4).

يُطلق على هذا الجانب الفطري "أداة اكتساب اللغة" (Linguistic Acquisition Device)؛ وهي تسمية مدرسة النحو العام (Universal Grammar) اللغوية التي صار لها صدى واسع بين علماء اللغة أجمع منذ تقدم رائدها تشومسكي في عام (1957م) بتفسير منطقي لآلية إنتاج اللغة الأم. ولم تقتصر أفكار هذه المدرسة اللغوية على إضافة فهم جديد لاكتساب اللغة الأم، بل تأثرت بها أيضا أطر تعلم اللغة الثانية(5). فاكتساب اللغة في هذه المدرسة اللغوية ليس كما يعتقد السلوكيون يتم بالتخزين والمحاكاة في ذهن يولد كصفحة بيضاء، حيث يسمع الطفل أصواتا وكلمات فيقلدها؛ فترتبط هذه الرموز اللغوية بمعان في ذهنه (دالٍ ومدلول)، ثم يكتسب قدرة على تركيبها في جمل.

من أواخر المذاهب التي تبلورت من هذه المدرسة الاتجاه المسمى "النحو التوليدي التحويلي" (Transformational Generative Grammar). يرى هذا الاتجاه أن اللغة تنبثق من أفكار ذهنية هي مصدر أو نواة الإنتاج اللغوي، فتقوم بعد ذلك "قدرة" المتكلم "بتوليد" اللغة، وهذه القدرة تزود صاحبها بآلية إنتاج وفهم عدد لا نهائي من مظاهر الإبداع اللغوي، وذلك ما يفسر قدرة العقل على فهم وإرسال ما لا نهاية من الجمل. وهذا الجانب التوليدي هو المجال الرئيس في اهتمام علماء هذا الاتجاه اللغوي، وهو جانب يميز هذه المدرسة عن غيرها من المدارس اللغوية الحديثة الأخرى، ويعطيها منطقية أكثر في تفسير آلية عمل اللغة. فلا البنيوية ولا التوزيعية ولا مدرسة براغ الوظيفية تعرضت لهذا الجانب(6). الجرجاني(7) أشار بإجمال لهذه الآلية؛ فالمتكلم في نظره يعمد إلى كلمة حقها التأخير فيقدمها، أو إلى ما حقها التقديم فيؤخرها وفقا لترتيب أهمية المعاني نفسه؛ حيث تقتفي الكلمات في نظمها آثار المعاني، وترتيبها يأتي بحسب ترتيب المعاني في النفس. فمنهج بعض مدارس علم اللغة الحديث يتقاطع كثيرا مع رأي الجرجاني خاصة في أفكار النظم.

ومن هذا الإيجاز يتضح أن مبدأ مدرسة النحو العام يقوم على أن هناك مستويين من اللغة: (1) مستوى البنية العميقة (Deep-Structure) وهي المعاني الذهنية، و(2) مستوى البنية السطحية (Surface-Structure) وهو المظهر الخارجي للغة. هذا من جانب، ومن جانب آخر هناك مستويان من الإنتاج اللغوي: (1) مستوى القدرة (Competence) المشار إليه آنفا، و(2) مستوى الأداء (Performance) وهو الشكل اللغوي الذي يستخدمه المتكلم فعليا، ليخرج على شكل بنية سطحية أخيرة تدل على المعاني العميقة. والبنية السطحية للغة لا تعكس بالضرورة "قدرة" الفرد اللغوية، لأن القدرة تستطيع أن تولد لبنية عميقة واحدة عددا من البنى السطحية؛ وهذا التبادل الكمي والكيفي بين البنيتين يعكس ثنائية النحو العام، أقصد: "القدرة" و"الأداء". ودور قواعد "التحويل" في هذه الثنائيات هو بيان الكيفية التي تتحول بها البنى العميقة لبنى سطحية. وآلية التحويل تتخذ أشكالا مختلفة من العمليات مثل التبعية والحذف والترتيب الذي يعد أبرز مظاهر التحويل، وهو في بنيته السطحية المنتجة (بفتح التاء) مجال اهتمام هذه الدراسة.

ويشير علماء اللغة العرب القدماء، ومن أبرزهم الجرجاني، وكذلك علماء لغة معاصرون(8) إلى أن التقديم والتأخير في نظم الجملة يحمل معاني خاصة تتعلق بالأهمية. ولكن - في الوضع الشائع - تأثير السياق على ترتيب أركان الجملة أداء لغوي خارج الشعور (Meta-cognitive). وقد حاولت النظرية التحويلية التوليدية إرجاعه إلى قضية المعنى الواحد والتراكيب المختلفة. فمثلا قول أحدهم "التجربة تشمل الجميع" يمكن تحليله وفق هذه النظرية على أن المورفيمات تتحد لتكون قوالب، مثل "الـ" التعريف مع "التجربة" لتكون تركيبا اسميا (Noun Phrase NP)، ويتحد الجزء الآخر من الجملة "تشمل الجميع" لتكون (Verb Phrase, PV) لتتحد بعدها تتحد الاجزاء الرئيسة المكونات الرئيسة (Immediate Constituent, IC) للجملة لتكون (Phrase Structure, PS). ووفق هذه النظرية سواء تقدم أي عنصر من عناصر الجملة يبقى ارتباط هذه المورفيمات - تقدمت أو تأخرت - بالمعنى البؤرة.

وقد أشار سيبويه(9) في باب الاشتغال إلى تحويل أركان الجملة (التقديم والتأخير)، بقوله أنك إن قدمت المفعول وأخرت الفاعل، جرى اللفظ كما جرى في الأول، وذلك قولك: ضرب زيدا عبدا لله، لأنك إنما أردت به مؤخرا ما أردت به مقدما ولم ترد أن تشغل الفعل بأول منه وإن كان إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم. فالجملة (أ) "التجربة تشمل الجميع"، جملة توليدية يمكن أن تتحول قياسا على ما جاء في الفصحى إلى (ب) "الجميع تشمل التجربة"، أو إلى (ﺟ) "تشمل التجربة الجميع"، أو إلى (د) "تشمل الجميع التجربة"، لكننها لا تتحول إلى (ﻫ) "الجميع التجربة تشمل" أو إلى (و) "التجربة الجميع تشمل"، حتى مع وجود الحركات الدالة على علاقات عناصر الجملة، لأن الترتيب (فاعل - مفعول - فعل) (sov) أو الترتيب (مفعول - فاعل – فعل) (osv) لم يرد في العربية الفصحى. وستكشف الدراسة الحالية عن أساليب نظم البنى السطحية في البيئة اللغوية المدروسة.

يؤكد عدد من المختصين في الدراسات اللغوية على أهمية دراسة الوجه المنطوق من اللغة العربية. ومن ذلكم ما أكده العلامة حمد الجاسر(10) عن أهمية الدراسة اللغوية لبعض البيئات العربية قبل أن تهب عليها رياح التغيير، بقوله:

لا شك أن لهجات سكان الجزيرة العربية تضرب بجذور عميقة لأصول اللهجة الفصحى الأم، لغة القرآن الكريم، ولهذا فإن العناية بتلك اللهجات مما تقوى به اللغة الفصحى، وتنتشر وتتغلب على غيرها من اللهجات الأعجمية التي وفدت إلى هذه الجزيرة مع من وفد إليها من مختلف الأجناس التي تمتد في أصولها إلى جذور غير عربية. ومن هنا فإن من أولى الأمور للحفاظ على اللغة العربية العناية بلهجاتها عناية يراد منها انتقاء الصالح القريب إلى الفصحى وتعميمه في الاستعمال في جميع الوسائل من صحافة وإذاعة مسموعة أو مرئية. وقد كان هذا الأمر من أولى ما اتجه إليه (مجمع اللغة العربية في القاهرة)، حيث خصص لدراسة اللهجات إحدى لجانه، مراعيا في إنشائها الصلة العميقة بين ما أسند إليها من أعمال وبين الغاية التي أنشئ المجمع من أجلها، وهي الحفاظ على اللغة العربية(11).

والواقع الفعلي للمسيرة البحثية في هذا المجال يشير إلى أن الأبحاث في تراكيب اللغة العربية المستخدمة فعليا نادرة مقارنة بالدراسات التي تعنى بما يجب أن تكون عليه قواعد وتراكيب اللغة العربية. ولأن الحقل في حاجة ماسة لدراسات حديثة في نظم التراكيب المستخدمة من ناطقي اللغة العربية الأصليين اليوم، فقد تنادى أيضا المختصين في تعليم اللغة العربية بوصفها لغة أجنبية بأهمية دراسة هذا المجال وحثوا على ذلك؛ ومن ذلك ما تضمنته أولى توصيات الندوة العالمية الأولى التي أقامها معهد اللغة العربية بجامعة الملك سعود في الرياض، وتنص على: قيام الهيئات العربية المعنية بمشروعات علمية تهدف إلى تحديد الأنماط الأساسية للأبنية الصرفية والنحوية لمعرفة النماذج المستخدمة... تمهيدا لتأليف الكتاب المدرسي(12).

واستشعارا بأهمية مثل هذه الأبحاث في هذا الميدان للوقوف على الاستخدام الفعلي للغة، تقوم مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية - إحدى أعلى الجهات عناية بالبحث العلمي في المملكة العربية السعودية - بتبني مشروع أكاديمي وطني ضخم يمتد لثلاث سنوات، يعمل فيه ستة من أعضاء هيئة التدريس المختصين في مؤسسات التعليم العالي السعودية في مجال علم اللغة. ويتمثل مشروعهم الأكاديمي في مسح المفردات المعجمية التي يستخدمها فعليا أطفال المدارس الابتدائية في المملكة العربية السعودية(13). وإسهاما منا في سد النقص في هذا الميدان، فإن هذه الدراسة تقوم من جانبها بمسح طريقة نظم التراكيب البسيطة المستخدمة فعليا في وسط هذا الوطن العربي.

ونؤكد هنا أن هذا البحث لا ينادي للعامية لا بصورة مباشرة ولا غير مباشرة؛ فهو بحث علمي وصفي للغة التي يستخدمها الناطقون الأصليون فعليا. له إثراءات علمية، ومجالات تطبيقية عـدة، منها رصد تغيرات اللغة، وتقديم مادة أساسية للدراسات التقابلية، كما أن معرفة الواقع تدعم برامج وكتب تعليم اللغة العربية الموجهة للعرب أو لغير الناطقين بالعربية. وهو نتيجة لدعوات مختصين غيورين على نشر اللغة العربية الفصحى سواء وجهت للعرب أو لغير العرب كما تمت الإشارة إليه آنفا.

يحد هذه الدراسة ثلاثة أطر رئيسة، تلزم الباحث بالعمل في حدودها. فهناك محددات سياقية، وثانية جغرافية، وأخرى لغوية. وفيما يلي بيان لكل منها:

1 - حدود سياقية "الاختبارات":

تقتصر الدراسة على تحليل التراكيب المستخدمة أثناء أداء الاختبارات الشفوية. واختيار الاختبارات الشفوية ينطلق من أن الجانب المنطوق من اللغة هو الأصل، والوجه المكتوب لها تابع؛ فمثلا وإن كانت اللاتينية لا تزال مكتوبة وتقرأ في مواقع دينية، إلا أنها تعد ميتة لغياب وجهها المنطوق. ومن جانب آخر فسبب اختيار السياق الاختباري دون غيره من السياقات التواصلية الأخرى يرتكز على ثلاث حيثيات:
- من المتوقع أن لغة التواصل في الاختبارات الشفوية تمثل درجة من الاستخدام اللغوي تتوسط الأوجه المختلفة من مستويات اللغة؛ فهي ليست عامية مغرقة، ولا أكاديمية منمقة.
- من المتوقع أن ناطق اللغة لا يعد المنتج اللغوي مسبقا وإنما يتحدث بسليقته. حتى وإن كانت أفكار الإجابات موجودة في ذهن المتكلم قبل الأداء الاختباري، إلا أن هذه الدراسة ستهتم بالبنى السطحية للغة (التراكيب)، وليس بالبنى العميقة (المعاني).
- من المتوقع أن تكون اللغة المستخدمة في الاختبارات ذات تراكيب أكثر تكاملا من سياقات تبادل أطراف التحايا والعلاقات الاجتماعية. وفي المقابل فإن المحاضرات العلمية قد تكون بلغة معدة مسبقا، بل قد تكون مكتوبة. ولاشك أن الاعتماد على لغة شفوية معدة سلفا يؤثر على الصدق الداخلي (Internal Validity) لنتائج الدراسة.

2 - حدود جغرافية "وسط الجزيرة العربية":

تقتصر هذه الدراسة على تحليل النمط اللغوي السائد في نجد بوسط الجزيرة العربية. وسبب اختيار هذه البيئة اللغوية لأنها من البيئات القليلة في الوطن العربي التي لم تهب عليها رياح التغيير إلا مؤخرا نتيجة للتمازج الثقافي العالمي. وهذا ما أشار له الجاسر عندما أكد على أن: من المدرَك بداهة أنه كلما قربت اللهجة من الفصحى كانت أولى وأجدر بالدراسة والإحياء، وأن لهجات سكان الجزيرة هي أقربها لعدم تغلغل النفوذ الأجنبي بين سكانها تغلغلا يؤثر في لغتهم، وكل ما بعد قطر من أقطارها عن ذلك النفوذ، كان أصفى لهجة وأقرب إلى الفصحى(14).
مع الإقرار بحقيقة أن اللغة كائن حي متطور في ذاته، إلا أن هذه المنطقة نـأت بهويتها اللغوية والاجتماعية لفترات طويلة عن المؤثرات الخارجية التي هبت على معظم بقاع البيئة اللغوية العربية. وأسباب ذلك تعود في مجملها إلى ما يلي:
- لم تتعرض نجد منذ قرون لهجرات دخيلة بما تحمله من تأثير متعدد الاتجاهات بما فيه التأثير اللغوي.
- لم تخضع للاستعمار الأجنبي بما ينطوي عليه من مؤثرات لغوية واجتماعية وثقافية.
- لم تسدها سيطرة إدارية من نظام لغوي غير عربي، كما في سيادة الدولة الإسلامية العثمانية لكثير من المناطق العربية.

3 - حدود لغوية "التركيب البسيط":

الجمل أو التراكيب أنواع؛ فهناك:
- تركيب بسيط: ويتكون بشكل أساسي من مسند ومسند إليه، أو ما يسمى في الأبواب النحوية بفعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر.
- تركيب مركب: وهو ما تتراكم ألفاظه بسبب زيادة في المبنى الأساسي مثل دخول الظروف والمفعول والعطف... الخ.
- تركيب معقد: ويتكون من جملتين أو أكثر بأدوات رابطة كالقسم والجمل الشرطية.

هذه الدراسة ستقتصر حصرا على التركيب البسيط في الوضع الخبري، لثلاثة أسباب:
- لأنه أكثر أنواع الجُمل شيوعا في اللغات بعامة.
- لأن الجانب الشفوي من اللغة ينزع للجمل البسيطة، بينما اللغة المكتوبة تميل للجمل الطويلة.
- ثم إن التركيب البسيط يدخل كمكون لأنواع أخرى من التراكيب.

ونؤكد أيضا محددين آخرين:
- من جانب كمي فهذه الدراسة ستقتصر النظر على التراكيب التي يرد على نمطها خمس جمل فأكثر. ذلك لأننا سنعد التركيب الذي تقل جمله عن هذا العدد، غير شائع الاستخدام.
- إن ورد في بعض الجمل البسيطة المحللة بعض الفضلات كأفعال الشروع وأدوات التأكيد وغيرها فإنها لن تدخل في دائرة التحليل.

4 - مشكلة الدراسة وأسئلتها:

يشير الإطار النظري للدراسة أن لمستخدم اللغة القدرة على إنتاج تركيبات لغوية مختلفة لمعنى ذهني واحد. والسؤال الذي ينبثق من هذا الإطار وتحاول الدراسة - ضمن محدداتها - الإجابة عليه هو:
أ - ما هي آلية نظم تراكيب البنى السطحية في اللغة المنتجة في الاختبارات الشفوية في نجد؟
وهذا السؤال الرئيس يقود لأسئلة فرعية، أبرزها:
ب - هل يمكن أن يتبادل أقطاب الجملة المواقع بحرية؟
إذا كان الجواب موجبا:
جـ - فهل لهذا قوانين، أم أن نظم متغيرات الترتيب (word-order Parameters) مفتوحة؟
وإذا كانت الإجابة سلبية:
د - فهل هناك أطر لوجوب تصدر أي منهما للجملة؟

5 - منهجية جمع البيانات:

مع أن هذه الدراسة اتخذت من أطروحات مدرسة تشومسكي (Chomsky) اللغوية إطارا نظريا لها، إلا أن المنهجية التي طبقتها الدراسة الحالية في استسقاء بياناتها لم تتبع طريقة "الحدس" (Intuition) التي تبناها تشومسكي وأتباعه للتوصل لنتائج أطروحاتهم اللغوية، بل استعاضت عنها بطريقة "الملاحظة المباشرة" كأداة أساسية لجمع البيانات من البيئة اللغوية المدروسة. وتم ذلك لتجنب النقد الذي أثاره بعض علماء اللغة في الاعتماد على الحدس كأداة للتوصل إلى الحقائق العلمية(15).

وتم اعتماد "الملاحظة المباشرة" قناة للدراسة بعد استعراض عدد من الأدوات، مثل الحدس وإعادة الترتيب، حيث تبين أن الملاحظة المباشرة من حيث الصدق (Validity) في تمثيل الواقع هي الأنسب، رغم ما تتضمنه من مزيد ثقلٍ على الباحث.

بعد اختيار أداة مناسبة لاستقاء بيانات للدراسة، تم - بموافقة ذوي العلاقة - تسجيلٌ صوتي (Tape-Recording) لاختبارات شفوية لنيل درجة الماجستير من عينة ممثلة لمجتمع الدراسة. ثم بعد ذلك تم تحويل تلك الاختبارات الشفوية إلى لغة مكتوبة (Transcript) ليسهل تحليل بياناتها. ولكن نظرا لطول تلك المادة اللغوية الخام، لم يتم تحليل جميع وقت مناقشات تلك الاختبارات لضخامة بياناتها، وإنما تم اختيار مقاطع منها باستخدام الطريقة العشوائية المنتظمة (من أول ووسط وآخر الاختبار لكل فرد من أفراد عينة الدراسة)، بحيث لا يقل أي منها عن خمس دقائق لكل مقطع. وتم استبعاد الجزء الأول من الاختبار في كل الأحوال لأنه في الأغلب قراءة آلية لملخص الرسالة. ثم بعد ذلك تمت عملية فرز (Segmentation) للبيانات الخام لاستخراج التراكيب التي تتقاطع مع محددات الدراسة.

والحقيقة أن هذه الخطوة كانت أصعب الخطوات وأكثرها تعقيدا نظرا لعدم وضوح نوع التراكيب أحيانا. وقد احتاج الباحث إلى مساعدة يد أخرى في هذه المرحلة. بعد ذلك بدأت عملية تجريب عدد من الأطر لاختيار المناسب منها بهدف تصنيف (Classification) البيانات اللغوية المجموعة بدقة وموضوعية في أنماط منتظمة.

6 - مجتمع الدراسة وعينتها:

مجتمع البحث يتحدد في البيئة اللغوية المنطوقة في نجد، وقد تمثلت العينة الدراسة في تسعة أفراد، كان من بينهم طالبة ماجستير واحدة وثمانية طلاب. يتوزع أفراد العينة أكاديميا بين التخصصات العلمية والأدبية، وكانوا جميعا يدرسون درجة الماجستير في ثلاث مؤسسات علمية في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية؛ وتحديدا: ستة منهم في جامعة الملك سعود، واثنان في جامعة الإمام، وواحدة في كلية التربية للبنات. وقد تم تحديد العينة بالطريقة العشوائية البسيطة.

7 - مصطلحات إجرائية:

الاختبارات الشفوية: يرى ماكنامارا(16) (McNamara) أن الاختبار إجراء منظم لملاحظة سلوك شخص ما؛ ويرى أبو زينة(17) بأنه جزء من عملية منظمة لإصدار حكم على الخاصية المراد قياسها. ونظرا لأن مناقشة الرسائل المقدمة لنيل درجة الماجستير من أبرز الاختبارات الشفوية الشائعة في بيئة الدراسة والوطن العربي، فإننا في هذه الدراسة نقصد بالاختبارات الشفوية هذه الاختبارات التي تتم كإجراء منظم لملاحظة إجابات الطالب، لإصدار حكم على أدائه وفق نظام قطعي (Absolute Classification)، يتمثل في التوصية بمنح الدرجة العلمية - مع التعديل أحيانا - من عدمها.

التركيب: بالرجوع لكتب التراث العربي، رائد النحو العربي سيبويه لا يستخدم مصطلح "التركيب" ولا "الجملة" وإنما يستخدم "الكلام" ويعني به ما يطلق عليه اليوم "جملة". وابن هشام(18) يجعل "الكلام" أكثر تخصيصا من "الجملة"، فهو عنده ما يحسن السكوت عليه، أما الجملة فلا يشترط لها ذلك. والزمخشري(19) استخدم مصطلح "الجملة" كمرادف لـ"لكلام"، وهما عنده ما يحسن السكوت عليه. أما علم اللغة الحديث فيعرف تركيب الجملة بأنه: الوحدة الأساسية الصغرى للكلام(20). وهذه الدراسة تقصد بـ "التركيب" الطريقة التي بها تنتظم العناصر اللغوية صانعة أقل معنى متكامل.

نجد: قال الأصفهاني(21): نجد اسمان: السافلة والعالية؛ فالسافلة ما ولي العراق والعالية ما ولي الحجاز وتهامة. وقال الحموي(22): جنوبي نجد الحجاز يتصل بشمالي نجد اليمن. وقال الهمداني: وصار ما دون ذلك الجبل (أي السراة) من شرقيه من صحارى نجد إلى أطراف العراق والسماوة. ومن هذه المقتبسات نرى أن حدود نجد غير واضحة في المراجع الجغرافية. غير أننا نقصد بها في هذه الدراسة وسط الجزيرة العربية ويشمل ذلك - إجرائيا وليس تحديدا - مناطق الرياض والقصيم وحائل، وفق التقسيم الإداري الحالي في المملكة العربية السعودية.

منهجية تحليل البيانات: مع أن اللغة تعكس الطبيعة الإنسانية في أنها لا تخضع للأحكام خضوعا مطلقا، إلا أن هدفنا ليس تقعيد قوانين اللغة، بقدر ما هو الوقوف على نظم تراكيب البنى المنتجة فعليا في إحدى مناطق العالم العربي، ملتزمين بمنهج وصفي يبتعد عن إصدار الأحكام المعيارية.

سيتم تناول بيانات الدراسة وفق منهجية التحليل الإسنادي (Thematic Analysis) الذي تبناه البلاغيون العرب. لأن الوجه اللغوي محل الدراسة يخلو من اللواحق الإعرابية، فلا يناسبه منهج النحويين المهتم بعلامات الإعراب. وهذا يعني أننا سننظر إلى ركني الجملة بوصفهما مسند (Rheme) ومسند إليه (Theme).

يقول الجرجاني في تعريف الجملة بأنها: "عبارة عن مركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الاخرى، سواء أفاد، كقولك: زيد قائم، أو لم يفد، كقولك: إن يكرمني..."(23).

وهو ما ذهب إليه الزمخشري أيضا، بقوله: "الكلام هو المركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى... وذلك لا يتأتى إلا في اسمين، كقولك: زيد أخوك، وبشر صاحبك، أو في فعل واسم، نحو قولك: ضرب زيد، وانطلق بكر، ويسمى جملة"(24).

تحليل مبدئي لبيانات المادة المسجلة أوقف الباحث على العديد من الأنماط اللغوية المتباينة التي يتسم بعض منها بالتعقد، وبعض تلك الأنماط تراكيب معقدة تتكون من جمل بسيطة بأداة أو أدوات ربط، ولكنها لن تدخل دائرة الدراسة لأنها جمل غير مستقلة. فالاسم الموصول - على سبيل المثال - لإبهامه وعدم إشارته لمدلول محدد للجملة السابقة له، يحتاج إلى جملة لاحقة توضح المقصود به. ووجهة نظرنا في أن مثل هذه التراكيب لا تعد جملا مستقلة يدعمه ما ذهب إليه السيوطي(25) الذي نص على أن تسمية الجملة الواقعة شرطا أو جوابا أو صلة مجازي وليس حقيقيا.

تحديد الجملة البسيطة بطرفين - مسند ومسند إليه -، سيقوده المنطق الرياضي ليقصر التقسيمات العامة المحتملة من تبادل المواقع بين هذين الطرفين على تركيبين فقط هما: (1) مسند إليه + مسند، و(2) مسند + مسند إليه. ولكن رغم هذا التبسيط الرياضي، فالتوصل إلى نتائج دقيقة يحتم اعتماد تقسيم محكَم للبيانات المجموعة، وهو ما تم ليزيد من الدقة والموضوعية في التعامل مع المادة الخام، مما يؤدي ضمنا إلى زيادة ثبات (Reliability) التحليل.

8 - نتائج الدراسة:

بعد تجريب عدد من التقسيمات لتصنيف البيانات وجدنا أن أنسب التقسيمات هو النظر للتراكيب من حيث كونها مشتملة على فعل أو لا تكون، وهذا الفعل إما ماضيا أو مضارعا. ومن جهة ثانية، فبغض النظر عن كون الجمل التي تتضمن فعلا أو تخلو منه، قد يكون المسند إليه معرفة أو نكرة. ومن زاوية أخرى فالمسند في الجملة التي تخلو من فعل قد يكون اسما أو شبه جملة.
أولا: تراكيب خالية من فعل:
تبين من فرز البيانات أن هناك بعض الاختلافات في طريقة تركيب الجمل الخالية من فعل، تبعا لكون أحد طرفي التركيب شبه جملة، وتبعا لحالة المسند إليه من حيث التعريف والتنكير. وفيما يلي تفصيل لذلك.
1 - إن اشتمل التركيب على مسند إليه معرفة والمسند شبه جملة فإن المسند إليه هو المتصدر، ليصبح النظم: مسند إليه (معرفة) = مسند (شبه جملة)
من مثل هذا التركيب قول أحد أفراد العينة: "الصور في الملاحق"، وقول ثان: "أعمارهن بين سبع وعشر سنين"، وقال آخر: "نسبة الذكاء حول الستين". فالنظام اللغوي في البيانات المحللة يقدم "أعمار"، و"الصور"، و"نسبة" على شبه الجملة.

مع أن البلاغيين العرب يرون أن للمتكلم أن يعمد إلى كلمة حقها التأخير فيقدمها، أو إلى ما حقها التقديم فيؤخرها وفقا لترتيب أهمية المعاني نفسه؛ فالكلمات كما يرى الجرجاني تقتفي في نظمها آثار المعاني. وهو مبدأ يتقاطع مع منهج الاتجاه التوليدي التحويلي في علم اللغة الحديث. إلا أن البيانات المدروسة لم تتضمن تركيبا فيه مسند إليه معرفة ومسند شبه جملة وصار ترتيب ركني الجملة: مسند + مسند إليه. فالأمثلة المذكور آنفا وفق هذا التركيب الأخير ستصبح "بين سبع وعشر سنين أعمارهن"... الخ. ويبدو أن مثل هذه البنية لا يقرها النظام اللغوي محل الدراسة لأنها لم يستخدم البتة فيما تمت دراسته من بيانات، وسبب ذلك لأنها باختصار جمل غير نحوية (Ungrammatical Sentences).
2 - وإن كان التركيب يتكون من مسند شبه جملة ومسند إليه نكرة تصدر المسند، ليكون الترتيب: مسند (شبه جملة) = مسند إليه (نكرة)
كقول أحد أفراد العينة: "عند الطلاب خبر (يقصد أن الطلاب سبق إخبارهم)"، وقول ثان: "للنخاع المستطيل وظيفتـ (يـ) ـن"، وقول آخر: (مشيرا إلى مستوى نسبة غزارة المطر) "فيه نقص، لكن...".

من الملاحظ هنا أن هذا التركيب ينتظم بطريقة تأتي على العكس من طريقة نظم التركيب السابق. فقد وجدنا في جمل البنية السابقة أن المسند إليه يتصدر الجملة، بينما نجده في هذا السياق يتأخر باطراد. وليس هناك فرق بين المجموعتين من المادة اللغوية المفروزة إلا أن المسند إليه معرفة في المجموعة الأولى من البيانات، بينما يخلو من "ال" والإضافة في المجموعة الثانية. وهذا يشير إلى أن النظام اللغوي محل الدراسة أو نظام التحويل كما تراه اتجاهات النحو العام يلزم المتكلم بنمط محدد (Fixed Value) في ترتيب طرفي الجملة في هذا السياق اللغوي أيضا.
3 - ضمن التراكيب ما يكون فيه طرفا الجملة كلاهما أسماء، أحدهما معرفة والآخر نكرة؛ فيتصدر المعرفة لتكون الرتبة: مسند إليه (معرفة) = مسند (نكرة)
ومن أمثلة ذلك: "تأثير حامض الفيريك عالي"، و"الاهتمام ضعيف"، و"زيادة الحر سبب مهم".

أيضا نظام اللغوي لمجتمع الدراسة يلزم المتكلم هنا بنمط محدد في نظم قطبي الجملة بتقدم المعرفة، فلا نجد الآلية التحويلية للبنى العميقة تنتج تراكيب مثل: "عالي تأثير حامض الفيريك"... الخ.

ومع وجود عناصر قد تدخل على التركيب اللغوي البسيط فتضيف بعدا جديدا للمعنى، مثل ما يسمى في أبواب النحو بـ: كان وأخواتها وأفعال الرجحان والمقاربة... الخ. إلا أن هذه الإضافات غالبا لا تغير في المبنى الأساسي. ومن ذلك قول أحد أفراد العينة: "يمكن الاختبار صعب"، حيث يبقى طرفي الجملة في مواقعها ويكون الترابط.

قبل الانتقال للتراكيب التي تتضمن أفعالا نبين أن البيانات تضمنت تركيبا يتكون من مسند ومسند إليه كلاهما معرفة، ولكن لم يرد منه في البيانات إلا ثلاث جمل، هي: "الزيتون أفضل المحاصيل" و"السبب الدهون"، و"المطلوبات سهلة التطبيق"، ولعدم شيوع استخدام هذه البنية لا نفرد لها رقما ضمن التراكيب التزاما بمحددات الدراسة من جهة، ثم إن ثلاث جمل فقط غير كافية لإعطاء وصف موثوق لترتيب طرفي التركيب. ولكننا أشرنا إلى هذه الجمل هنا للفائدة.

ثانيا: تراكيب مشتملة على فعل:
تجميع البيانات في أقسام، بين أن هناك بعض الاختلافات في طريقة تركيب الجمل المشتملة على فعل، تبعا لزمن الفعل المستخدم، وتبعا لحالة المسند إليه من حيث التعريف والتنكير. وفيما يلي تفصيل لذلك.
4 - تشير البيانات إلى أن تضمن التركيب البسيط لفعل، مضارعا كان أم ماضيا، يؤدي لتصدر المسند إليه إذا كان نكرة.
البيانات الخام ضمن هذا التركيب ليست نسبيا كثيرة مقارنة بما ورد تحت التركيب الذي فيه المسند إليه معرفة، ومنها قول أحدهم مفسرا طريقة نقل معدات حربية: "تجرها دواب"، قول ثان: "امتلا رمل (مشيرا لنواتج انعدام السياج الشجري)"، وكقوله: "يحل محله طلح". فيبدو أن النظام اللغوي لا يسمح بتقدم المسند إليه في هذا السياق ليكون التركيب: "دواب تجرها"... الخ. ولكن ضمن البيانات وردت جملة واحدة شاذة عن الملاحظة العامة على هذا التركيب، وهي قول: "ثلاث مدرسات راقبن".

وبسؤال اثنين من أهل البيئة اللغوية المدروسة عن مدى صحة مثل هذا التركيب في بيئتهما (وهي طريقة "الحدس")، أفادا بأنهما في الأغلب سيفضلان قول: "راقب ثلاث مدرسات" وليس "ثلاث مدرسات راقبن". وبذلك يمكن القول بأن الفعل يتصدر الجملة البسيطة إن كان المسند إليه نكرة. ولا شك في أن ثبات نظام المتغير (VS Fixed Parameter) في هذا السياق يشير إلى أن اللغة العربية المستخدمة في البيئة اللغوية المدروسة لازالت ذات نمطية قوية في تقديم الفعل (Strong VS Language). وهي سمة تتميز بها بعض اللغات ومنها اللغة العربية.
5 - مجمل البيانات يدل على أن المسند إليه إذا كان معرفة فهو في الأغلب المتقدم إذا كان المسند فعلا مضارعا.

ومن الأمثلة الواردة على هذا التركيب قول أفراد العينة: "التجربة تشمل الجميع"، و"سين تساوي..."، و"التفصيلات تطول، لكن...".

وترتيب قطبي الجمل هنا هو نفسه الترتيب الذي يتشكل في التركيب رقم 4 السابق. الفرق بينهما أن تأخر المسند إليه لا يطرد عندما يكون المسند إليه معرفة كما كان مع المسند إليه النكرة. فنجد في البيانات: "يؤدي خلل الكروموزوم 21 ل..."، و"تخَرب التجربة لأن..."، و"تصير وظيفته...". وبناء عليه فيمكن الإجمال بأن رتبة"مسند إليه + مسند" هي السائدة في هذا الإطار، ولكن قد تستخدم رتبة"مسند + مسند إليه"، ربما لإضفاء أهمية على المسند إذا كان التركيز على الحدث. يدعم هذه النتيجة أن نسبة استخدام التركيب الأول في البيانات المحللة تمثل حوالي الضعفين في هذا الإطار اللغوي.

النتيجة المستخلصة من التركيب رقم 5 لا تتفق ونتيجة الدراسة التي أجرتها باشوفا(26). فقد توصلت دراستها التحليلية للنصوص العربية الحديثة المكتوبة أنه، وإن تقدم الفاعل أحيانا لإضفاء الأهمية، إلا أن رتبة الفعل + الفاعل (VS Order) هي الأساس في نطاق بيئتها اللغوية المدروسة. وقد يكون مصدر هذا التباين نابعا من تباين الأوجه المدروسة من اللغة في البحثين.
6 - عند ما يكون المسند في الجملة البسيطة فعلا ماضيا، فإن النظام اللغوي محل الدراسة لا يلزم المتكلم بنمط محدد (fixed value) في ترتيب طرفي الجملة إذا كان المسند إليه معرفة. وبما أن طريقة نظم الجملة في هذا التركيب مفتوحة لمستخدم اللغة، وهو ما يسمى بالنظام الحر للمتغير (Free Parameter)، فهذا يقودنا ضمنا للإشارة إلى ثلاث نقاط تترتب على هذه النتيجة:
أولا: بما أن اللغة العربية من اللغات التي تجيز ظهور المعنى العميق لجملة سطحية يسقط منها في عملية التحويل القائم بالحدث (Prodrop Language)، بينما لغات أخرى مثل الإنجليزية لا تجيز مثل هذا التحويل، فيوجب نظامها ظهور المسند إليه حتى لو كان معلوما ضمنا كقولك: (it is possible)، و(it is time now for)، في حين أن اللغة العربية تتيح تعبير: "ممكن..."، و"الآن وقت...". وبالتالي فعندما يختار نظام التحويل في عقل المتكلم باللغة العربية استخدام القيمة الموجبة من نظام تغييب الفاعل (Null-Subject)، كما في قول أحد أفراد العينة "فات علينا" (يقصد تضمين أحد الأسئلة في الدراسة)، فيمكن لمحلل اللغة تقدير الفاعل المستتر قبل الفعل أو بعده، لأن النظام اللغوي في حال عدم إسقاط الفاعل يسمح بظهوره بحرية قبل الفعل أو بعده.
ثانيا: يمكن القول بأن رأي المدرسة الكوفية في النحو العربي التقليدي أقرب للمنطق من حيث الدلالة والبناء من وجهة نظر المدرسة البصرية في التركيب الذي يتضمن فعلا سبقه المسند إليه. فالبصريون يقدرون مسندا إليه آخر في مثل هذا التركيب، مع أن ذلك يخالف القاعدة التقليدية أن ما لا يحتاج إلى تقدير أولى مما يحتاج إلى تقدير. ففي مثال "هما يدرسان" يؤولونها "هما يدرسان هما". مع أن المسند إليه يظل دلاليا هو القائم بالحدث سواء تقدم عليه المسند أو تأخر عنه. وما هذا إلا لأن النحاة أسرفوا في إلزام علمهم بما لا يلزم، كما أسرفوا في الأخذ بأهمية العامل إلى درجة تأويله بكلمات لا يقبلها السياق في تراكيب متعددة لا يتسع المقام هنا لسردها كما في تقدير فعل زائد في تركيب النداء، فمثلا "يا نجد" التي يؤولونها بـ"يا أدعو نجد"!
ثالثا: في التركيب السابق: "فات علينا"، المسند إليه (Pro) المختفي، - الذي يمكن أن يقدر بـ"هو" - واضح أنه ممثل لباب"الفاعل" في التصنيف النحوي، حتى وإن لم يأخذ حركته المعتادة (الضمة). فليس هناك حقيقة فائدة من تقدير حركة على آخره لعدم وجوب ظهور الحركة على آخر الكلمة لفظيا لأنها مبنية، ولا حاجة لنا فيها دلاليا لأن معنى الفاعلية واضح بدونها. كذلك ليس هناك حاجة لتضمين تبعات أخرى كالقول بأن كذا في محل رفع كذا، ومنع من ظهور الحركة كذا، وأن شبه الجملة متعلقة بكذا. وقس على هذا الجمل الكثيرة التي ليس لتقدير علامة الإعراب دور في بيان معناها، ولا في صحة مبناها؛ إذ أن النزوع دائما لتقدير ما لا يحتاج إلى تقدير أمر مخالف لما عليه واقع النظام اللغوي، معقد لقواعده، كما أنه يخالف سليقة العربي وفطرته اللغوية. وهذا الأسلوب من الإيغال في التقدير والبحث عن العوامل أودى ببعض المختصين للقول بأن الطريقة التقليدية في تحليل النحو العربي "شكل بلا مضمون، وتعلمها مضيعة للوقت وتشتيت للتفكير، وهي معطيات متخبطة خالية الدلالة مليئة بالوهم والحشو"(27).

الهوامش:
1 - ابن خلدون: المقدمة، تحقيق أحمد الزعبي، دار الأرقم، بيروت، (د.ت)، ص 633.
2 - داود عبده: أبحاث في اللغة العربية، دار العلم للملايين، بيروت 1973.
3 - Noam Chomsky: Syntactic Structures, Berlin, NY, Walter De Gruyter Inc., 2nd Edition, 2002.
4 - Natsuko Perera: The Role of Prefabricated Language in Young Children's SLA, Bilingual Research Journal, Vol, 25/3, P, 2001, p. 251-280.
5 - R. Mitchel and F. Malys: Second Language Learning Theories, 2004.
6 - Geoffrey Sampson: School of Linguistics, Stanford University Press, 1980.
7 - عبد القاهر الجرجاني: دلائل الإعجاز في علم المعاني، تحقيق محمود شاكر، مطبعة المدني، مصر 1993.
8 - انظر مثلا:
Paul Hopper: Discourse function and word order shift, In Winfred Lehman (Ed.), Language Typology, Amsterdam, John Benjamins, 1985, p. 123.
9 - عمرو سيبويه: الكتاب، تحقيق إميل يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت 1999.
10 - حمد الجاسر: الصلة بين اللهجات العامية وبين اللغة الفصحى، المنهل، العدد 504، المجلد 54، أبريل-ومايو 1993.
11 - المصدر نفسه، ص 365.
12 - توصيات الندوة العالمية الأولى لتعليم العربية لغير الناطقين بها، مطبعة جامعة الرياض 1978، ص 3.
13 - عبد الله حمد العويشق: إعداد أول معجم لغوي للطلاب على مستوى المملكة، المجلة العربية، الرياض 2004، العدد 323.
14 - حمد الجاسر: المصدر السابق، ص 365.
15 - انظر مثلا:
Geoffrey Sampson: op. cit.
16 - Tim McNamara: Language Testing, Oxford University press, 2000.
17 - فريد أبو زينة: أساسيات القياس والتقويم في التربية، مكتبة الفلاح، ط1، الكويت 1992.
18 - ابن هشام: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، المكتبة العصرية، بيروت 1989.
19 - الزمخشري: المفصل في علم العربية، دار الهلال، بيروت 1993.
20 - خليل عمايرة: في نحو اللغة وتراكيبها، عالم المعرفة، ط1، 1404هـ.
21 - أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، دار ومكتبة الهلال، بيروت 2002.
22 - ياقوت الحموي: معجم البلدان، تحقيق عبد الله السريحي، البحرين 2002.
23 - عبد القاهر الجرجاني: المصدر السابق، ص 9.
24 - الزمخشري: المصدر السابق، ص 6.
25 - جلال الدين السيوطي: همع الهوامع، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت 1997.
26 - Tsvetomira Pashova: The VS/SV alternation in modern written Arabic from a textual perspective, Zeitschrift für Arabische Linguistik, Volume 42, 2003.
27 - زكريا أوزون: جناية سيبويه، رياض الريس، ط1، بيروت 2002، ص 112.
الإحالة إلى المقال:

* د. خالد بن عبد العزيز الدامغ: نظم البنى السطحية للغة العربية في وسط الجزيرة العربية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد التاسع 2009. http://annales.univ-mosta.dz

***