التفسير السياسي لشعر عمر بن أبي ربيعة

د. أمل طاهر نصير
جامعة دبي، الإمارات العربية

الملخص:

نال شعر عمر بن أبي ربيعة كثيرا من الاهتمام، فظهرت دراسات عديدة قامت بتفسيره وتحليله، ولكني أعتقد أن موقفه من المرأة ما زال بحاجة إلى مزيد من الدرس، فقد خالف عمر معظم ما وصل إلينا من الموروث الشعري الخاص بالمرأة الحبيبة، والتغزل بها، ومن ثم ما زال السؤال مطروحا عن سبب مخالفة عمر لمن كان قبله، وكثيرا من معاصريه، وكثيرا ممن جاءوا بعده في حديثه عن المرأة؟ إن هذه الدراسة لديها فرضية تحاول أن تثبتها من خلال شعر عمر نفسه؛ أي أنها دراسة نصية بالدرجة الأولى، وملخص هذه الفرضية أن كثيرا من شعر عمر في المرأة الذي خالف فيه الموروث الشعري، وجعل من نفسه المعشوق، والنساء عاشقات له متهالكات عليه، وصور فيه مغامراته بزيارته النساء في بيوتهن ليلا خفية عن أهلهن لم يكن من باب الحب الحقيقي للمرأة، أو الإعجاب الحق فيها، وإنما كان من باب الغزل السياسي، أو الغزل الهجائي.

الكلمات الدالة:

عمر بن أبي ربيعة، المرأة، الموروث الشعري، الغزل السياسي، العشق.

***
Political interpretation of Omar Ibn Abi Rabia's poetry

Abstract:

Omar Ibn Abi Rabia's poetry received a lot of attention, so many studies appeared that interpreted and analyzed it, but I think that his position on women still needs more study, as Omar contradicted most of what came to us from the poetic tradition of the beloved woman and flirting with her. And then the question still arises as to why Omar disagreed with whoever was before him, and many of his contemporaries, and many of those who came after him in his conversation about women? This study has a hypothesis that it is trying to prove through Omar's own poetry: That is, it is primarily a textual study, and the summary of this hypothesis is that much of Omar’s poetry is about the woman in which he contradicted the poetic tradition, and made himself adored, and the women fell in love with him. And he portrayed his adventures by visiting women in their homes at night hidden from their families. It was not a matter of true love for women, or true admiration for them, but rather a matter of political Ghazal, or Ghazal of satire.

Key words:

Omar Ibn Abi Rabia, women, poetic heritage, political poem, love.

***

النص:

1 - المشهد السياسي في الحجاز:

بعد اعتلاء معاوية بن أبي سفيان عرش الخلافة بدأت معالم الأحزاب السياسية المعارضة للحكم الأموي تظهر بوضوح، فكان الحزب الزبيري، والحزب الشيعي، والحزب الخارجي، ولعل الحزب الزبيري هو أكثر الأحزاب السياسية تعصبا للحجاز وللحجازيين، فقد أغضبهم نقل السلطة المركزية من الحجاز إلى الشام، والاعتماد على القبائل الشامية اليمانية في الحكم بدلا من الاعتماد على القبائل المضرية عامة، وأهل الحجاز خاصة. قال عمر(1):

الحين ساق إلى دمشق وما كانت دمشق لأهلنا بلدا

ومما زاد في غضب الحجازيين وحنقهم على الأمويين غزوهم لهم في عقر دارهم بقرار أموي، وأيد شامية خاصة في وقعة الحرة التي حدثت في زمن يزيد بن معاوية، والتي أدت إلى حرق الكعبة، وقتل عدد كبير من الحجازيين(2).

إن الأحوال السياسية السابقة أدت إلى أن تطفو الكراهية التي وصلت إلى درجة الحقد في بعض الأحيان على الأمويين على السطح، وقد عبر الشعراء الحجازيون عن هذه الأحوال من خلال شعرهم السياسي بشكل خاص، وتمثل بعضه في ما سمي بالغزل السياسي، ويقصد به هجاء الخصوم السياسيين من خلال التغزل بنسائهم لا لمحبة لهن، ولكن إحراجا لخصومهم، وانتقاما منهم لمواقفهم السياسية، وبسبب ما عملوه فيهم من حرمان سياسي، وغزو لديارهم، وقتل لأهلهم.

لم يكن الغزل السياسي طارئا على هذا العصر، بل كان موجودا منذ العصر الجاهلي(3)، واستمر وجوده في عصر الرسول عليه السلام حيث شبب كعب الأشراف بنساء المسلمين في قصيدته التي رثى بها قتلى بدر، وقد أدى هذا به إلى القتل بأمر من الرسول عليه السلام، وزاد في العصر الأموي حيث تغزل عبد الرحمن بن حسان بن ثابت بنساء الأمويين منهن رملة بنت معاوية، فقال(4):

رمل هل تذكرين يوم غزال إذ قطعنا مسيرنا بالتمني
إذ تقولين عمرك الله هل شي ء وإن جل سوف يسليك عني
أم هل أطمعت منكم يا بن حسا كما قد أراك أطمعت مني

اشتهر هذا النوع من الغزل، وتطور على يد ابن قيس الرقيات تطورا كبيرا بحيث لم يعد هجاء للخصوم السياسيين حسب، وإنما أصبح وسيلة مهمة من وسائل التعبير عن المواقف السياسية المختلفة كما أنه استخدمه في المدح السياسي مثلما استخدمه في الهجاء السياسي(5)، بل أصبح يدعو شعراء الغزل في العراق لمساندته في هذا المجال، وكأنه يستغيث بهم. قال متغزلا بعاتكة بنت يزيد بن معاوية وزوجة عبد الملك بن مروان(6):

فمن مبلغ عني خليلي آية عيينة أعني بالعراق ومالكا
فهل من طبيب بالعراق لعله يداوي كريما هالكا متهالكا

عيينة ومالك هما ابنان لأسماء بن خارجة، وكانا شاعرين غزليين، ولعل الذي دفع ابن قيس الرقيات إلى الاستنجاد بهما أنهما من العراق مركز المعارضة ضد الدولة الأموية، وأنهما من شعراء الغزل، فلعله أراد من العراق أن تساند الحجاز في حربها ضد الأمويين في مجال الغزل السياسي كما ساندته في الحروب السياسية والعسكرية الأخرى، كل حسب اختصاصه.

ومن شعراء الحجاز الذين قالوا في الغزل السياسي العرجي الذي شبب بأم محمد بن هشام جيداء، وزوجته جبرة ليفضحه بهما لا لمحبة كانت بينهما. من ذلك قوله في جيداء(7):

عوجي علينا ربة الهودج إنك إن لا تفعلي تحرجي
أيسر ما نال محب لدى بين حبيب قوله: عرج
تقض إليه حاجة أو يقل هل لي مما بي من مخرج
من حيكم بنتم ولم ينصرم وجد فؤاد الهائم المنضج

مما سبق نخلص إلى أن الغزل استخدم في التعبير عن المواقف السياسية في الحجاز خاصة، وبالتالي فلا غرابة أن يقوم عمر بن أبي ربيعة باستخدامه أيضا مع ما هو معروف من مكانة أسرته، وأطماعها في مجال السياسة، فقد كان لأسرته مكانة اجتماعية بارزة في الجاهلية، إذ كانت بنو مخزوم إضافة إلى هاشم وأمية أعظم بطون مكة، وأصحاب النفوذ فيها، ويعتقد أن الوليد أخا جده كان يتوقع أن تنزل رسالة الإسلام عليه، ويكون هو النبي المنتظر، فقد ورد عنه قوله: "أينزل على محمد وأترك، وأنا كبير قريش وسيدها"(8)؟ ولكن نزول الوحي على محمد عليه السلام حجمه، وقضى على أحلامه، وأحلام أسرته في هذا المجال، وكان والد عمر يدعى بالعدل؛ أي الذي يعدل قريشا؛ لأنه كان يكسو الكعبة سنة، وقريش تكسوها سنة أخرى(9)، ومع تجدد الاختلاف على السلطة عادت مطامع بعض الأسر الحجازية العريقة إلى الظهور من جديد، وكان معاوية يعي هذه المطامع، فقام بخنقها بوسائل كثيرة معروفة(10).

لقد ذكر فلهاوزن أن بني مخزوم كانوا ينافسون بني أمية التي احتلت مكانهم منذ موقعة بدر(11). وربما كان هذا السبب في تأييد بني مخزوم للزبيريين الذين قادوا اتجاها قرشيا ينعى على الأمويين استئثارهم بالحكم، سوى الحارث بن خالد، فإنه كان مروانيا(12). فقد كان عبد الرحمن بن أبي ربيعة شقيق عمر أحد الرؤوس في يوم الحرة مع حامية المدينة يدافع عنها بني أمية، ويردهم مع المحاصرين، فاقتحم عليه أهل الشام، واقتتلوا حتى عاين الموت، لكنه نجا(13). وكان أخوه الحارث أيضا إلى جانب ابن الزبير، وقد عينه عبد الله بن الزبير عاملا على البصرة، فكان له مركز عظيم هناك، وكان داعما لابن الزبير في حربه مع عبد الملك بن مروان، كما كانت ابنة عمر أمة الواحد زوجة لمحمد بن مصعب بن الزبير(14).

وإذا كان بعض الحجازيين اختار طريق المواجهة العسكرية في إظهار معارضته للسياسة الأموية كما هو الحال عند الشيعة والزبيريين، فقد اختار غيرهم من المعارضين أو غير الراضين عن سياسة الأمويين وسائل أخرى، منها وسيلة الشعر التي كانت وسيلة رائجة في ذلك الزمان رواجا كبيرا من ذلك التغزل بنسائهم، وقد كان سلاحا موجعا، ودليل ذلك غضب يزيد على عبد الرحمن بن حسان، وهدر عبد الملك بن مروان دم ابن الرقيات، وربما سجن، ومن ثم قتل العرجي في سجنه حسب ما تذكر بعض الأخبار(15). وبعد هذا كله يمكن القول إن هذا النوع من الغزل كان منتشرا في الحجاز بشكل خاص، ومن ثم فلا غرابة إن قام عمر بن أبي ربيعة بانتهاجه، واتخاذه وسيلة للانتقام من الأمويين، ولكن بطريقة خفية لسببين اثنين: الأول أنه لم تكن هناك مواجهة مباشرة بين عمر بن أبي ربيعة وبين الأمويين تتطلب مواجهة مقابلة في مجال الشعر كما هو الحال مع ابن قيس الرقيات الذي دفع لمجابهة الأمويين بهذا الغزل علنا، وبشكل صريح بعد وقعة الحرة، ومقتل عدد من أفراد أسرته مما قلب حياته رأسا على عقب، وبدأ يهتم بالسياسة ويتصل بزعمائها، وغير نهجه الشعري بحيث انتقل فيه من الغزل الخالص إلى غزل يوظف في سبيل الإعلان عن مواقفه السياسية. والثاني: طبيعة عمر المرفهة المنعمة ربما جعلته يؤثر السلامة، ويكتفي بالرمز إلى كراهيته للأمويين وسياستهم من خلال هذا اللون من الغزل خاصة أنه رأى بأم عينه مصير من يجهر برأيه في كربلاء والحرة وغيرهما من وسائل العذاب والتنكيل. قال عمر(16):

تقول ابنة البكرين يوم لقيننا لقد شاب هذا بعدنا وتنكرا
فمثل الذي عانيت شيب لمتي ومثل الذي أخفي من الحزن أنكرا
فكم فيهم من سيد قد رزئته وذي شيبة كالبدر أروع أزهرا
أولئك هم قومي وجدك لا أرى لهم شبها في من على الأرض معشرا

إن موقف عمر في هذا كله "موقف الرجل الذي يرى انتصار خصمه، ثم لا يجد السبيل إلى أن يغالبه هذا النصر، فيستكين يملؤه الغيظ، فيحاول أن يصرف هذا الغيظ في حياة بعيدة عن الجد... حياة فيها مهادنة السلطة مهادنة السليب العاجز من نحو، وفيها هذه الخصومة الذاتية، وهذا القلق الداخلي الذي يصطرع في نفسه من شرف المكانة، وقصور الواقع من نحو آخر، وهي خصومة لا يفيد معها غير محاولة سلوها، والبعد عنها"(17). لكن هذا لم يمنعه من الوسائل غير المباشرة حيث يحقق فيها رضى النفس بالانتقام من الأمويين، والسلامة من انتقامهم معا.

2 - ذاتية عمر:

إن من عادة الذين يشعرون بالقهر، أو عدم المقدرة على الانسجام مع الآخر الدفاع عن ذاتهم بوسائل متنوعة منها محاولة إثبات الذات والانتصار لها، وتأكيد وجودها في كل مناسبة، وبكل الوسائل الممكنة، ولعل القهر والحرمان السياسي الذين عانى منهما أهل الحجاز، ومنهم عمر بن أبي ربيعة قد عبر عنه هو الآخر بالدفاع عن الذات، والانتصار لها، ولعل أفضل وسيلة ممكنة في هذا المجال هي الفخر بالنفس والأهل والأجداد، وما كان لهم من مكانة، وقد كان عمر يملك كثيرا من مقومات الفخر بحيث برز شخصا مهما وصالحا للمكانة السياسية التي كان يطمح لها لنفسه أو لأسرته، أو على الأقل تذكير الأمويين بوجوده، ووجود أهل الحجاز عامة، وبني مخزوم خاصة. لقد كان عمر يشعر بذاته بصورة ملحوظة وكبيرة جدا، وذلك في اتجاهين:
أولهما: الفخر بنفسه وبقومه فخرا كبيرا، فهو رجل ماجد الحسب يهتز للمجد كما في قوله(18):

يا هند عاصي الوشاة في رجل يهتز للمجد ماجد الحسب

وهو من أصل كريم. قال(19):

فإني من قوم كريم نجارهم لأقدامهم صيغت رؤوس المنابر

لعل الشطر الثاني من البيت يكشف بصورة كبيرة عن خبايا نفس عمر الطامعة برؤوس المنابر له ولأسرته. وهو مغامر، وقوي، وصاحب همة عالية. قال في وصف نفسه في رائيته المشهورة(20):

رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخصر
أخا سفر جواب أرض تقاذفت به فلوات فهو أشعث أغبر
قليل على ظهر المطية ظله سوى ما نفى عنه الرداء المحبر

لقد كان عمر ينتقل أحيانا من الغزل إلى الفخر، ولعل هذا يحتاج إلى تعليل إذ لماذا كان عمر يجمع بين الغزل والفخر بنفسه وآبائه وأجداده بهذه الصورة في شعره؟! ولعل فرضية هذا البحث تجيب على هذا السؤال؛ أي ربما يكون من باب الإشارة إلى تحدي الأمويين، والتذكير لهم بنفسه وأسرته، وبالحجاز وأهلها وأسرها العريقة حيث كان يتوقع من الأمويين تذكر ذلك؛ ولما لم يفعلوا فهو يذكرهم بنفسه وبقومه، وبجذور الأمويين وماضيهم الذي تخلوا عنه كما تخلوا عن وطنهم ومسقط رأسهم، ورؤوس أجدادهم.

لقد فسر عبد القادر القط جمع عمر بين الغزل والفخر بقوله: "ولعلنا نلمس في هذا الفخر بالشجاعة والبلاء في الحرب والإشارة إلى البطحاء وبطن مكة ما يمكن أن يكون مواجهة غير صريحة لتلك "السلطة" التي نزحت عن البطحاء، وبطن مكة، وسامت أهلها المهانة والخسف(21). إذا لماذا لا يكون غزله أيضا من هذا الباب؟! إنني أعتقد ذلك، فحتى لا يفسر غزله أنه من باب العبث، واللهو والمجون كما كان يوصف في كثير من الأحيان، فإنه يذكر سامعيه خاصة بني أمية بمكانته الاجتماعية، فهو يذكر بهذه المكانة لمن نسيها، أو تناساها. قال في الرائية ذاتها بعد الانتهاء من ذكر مغامرته مع المرأة التي زارها في بيتها خفية في الليل(22):

وقمت إلى عنس تخون نيها سرى الليل حتى لحمها متحسر
وحبسي على الحاجات حتى كأنها بقية لوح أو شجار مؤسر
وماء بموماة قليل أنيسه بسابس لم يحدث به الصيف محضر
به مبتنى للعنكبوت كأنه على طرف الأرجاء خام منشر
وردت وما أدري أما بعد موردي من الليل أم ما قد مضى منه أكثر

لعل الفخر بالنفس بعد مغامراته النسائية ذو مغزى مهم، إذ لماذا كان عمر يفتخر في هذا الموقف بالذات، وبعد انتهائه من المغامرة مباشرة؟! هل لأنه حقق مراده بالانتقام من خصومه السياسيين بأن اخترق بيوتهم، ووصل إلى نسائهم في عقر دارهم، وهم غافلون، وبيان ما كانت عليه هذه النسوة من رغبة فيه، ورضاها عن كل ما يأتيه من أجل مزيد من تبكيت الخصم وإحراجه؟! أم محاولة من عمر تأكيد الجانب الآخر من شخصيته، بأنه رجل يملك وجها آخر جادا غير ما يمكن أن تفهم عليه شخصيته من اقتصار على حياة اللهو، ومتابعة النساء، والتغزل بهن، فجاء هذا الفخر، ليؤكد حقيقة شخصيته، وهدفه من هذا الغزل، وهذا اللهو؟! أم للسببين معا؟

لقد لاحظ الدكتور عبد القادر القط شيئا من ذلك في قوله: "ولعلنا نلاحظ أن الشاعر يربط بين الغزل والفخر بما يمكن أن يؤول تأويلا يتضمن تلك المواجهة العامة بين الحجازيين والأمويين في الشام، فيواجه الإعراض والعدوان من "صاحبته" بالفخر بقومه وبلائهم في الحروب"(23).

لقد كان عمر كثير الفخر بقومه، ولا يرى أحدا أفضل منهم سوى الرسول عليه السلام وأهله. قال(24):

ولنا دعائم قد تناهى أول في المكرمات جرى عليها المولد
من ذاقها حاشى النبي وأهله في الأرض غطغطه الخليج المزبد
دع ذا ورح بفناء خود بضة مما نطقت به وغنى معبد

كثيرا ما كان عمر بن أبي ربيعة يتخلص من الفخر بقوله: (دع ذا)؛ ربما لأنه فخر بلا جدوى بسبب واقع يثير المرارة، ويتجه إلى عالمه الخاص المرأة والغناء؛ ليفخر فخرا واقعيا، وليؤمر هناك، ربما لأنه وجد ضالته فيه.

أما الاتجاه الثاني الذي بدا فيه شعور عمر بذاته بصورة ملحوظة، فقد كان التركيز على إعجاب النساء به إعجابا كبيرا وملفتا لم نعهده عند شاعر آخر سوى ما عرف به امرئ القيس في بعض أشعاره، فالمرأة تحصي الليالي إذا غاب عنها، وهو المعشوق وهي العاشقة، وهو أمر جديد لم نعهده عند الشعراء من قبل، كل ذلك في ظل أساليب جديدة إلى حد كبير من الحوار والقصص، ولا أدري هذا الجديد في شعر عمر إلى أي مدى ساهم السلطان في نشوئه، أو بتعبير آخر ما هو تأثير تشكل الدولة الأموية في نشوء ظاهرة عمر كمعبر عن وضع حاضرتي الحجاز في عصره(25)، قال(26):

وذات وجد علينا ما تبوح به تحصي الليالي إذا غبنا لنا عددا
تبكي علينا إذا ما أهلها غفلوا وتكحل العين من وجد بنا سهدا
حريصة أن تكف الدمع جاهدة فما رقا دمع عينيها وما جمدا

وهو مصدر سعادتها وسرورها، والمقدم عندها الذي لا يصل إلى منزلته أحد. قال(27):

ما وافق النفس من شيء تسر به وأعجب العين إلا فوقه عمر
فذاك أنزلها عندي بمنزلة ما كان يحتلها من قبلها بشر

وهو يبدي تعاليه عليها وتمنعه، فهي تطلب زيارته، وتستحلفه في ذلك بينما هو يتثاقل في تلبية هذه الزيارة. قال(28):

لقد أرسلت نعم إلينا أن ائتنا فأحبب بها من مرسل متغضب
فأرسلت أن لا أستطيع فأرسلت تؤكد أيمان الحبيب المؤنب

ولكن أين عمر من زملائه الشعراء العرب الذين جعلوا المرأة الحبيبة غاية في العفة والوقار والرزانة والتمنع إلى غير ذلك من الصفات، حيث كانت عفة الفتاة وصفاتها المعنوية الغاية الأولى عند الشاعر يدافع عنها دفاعا مستميتا، ويجعل الحرمان غاية حياته في سبيل إثبات ذلك.

ويتساءل أحد الباحثين في شعر الغزل في العصر الأموي كيف يزعمون أن عمر يتغزل بنفسه؟! من يتغزل بمن في هذه النماذج؟ فهي تنطق بوضوح بأن صواحب عمر هن اللواتي يتغزلن به، وهن اللواتي يتحدثن إلى أترابهن عن حبهن له، وتعلقهن به، أو يصرحن له بهذا الحب، وهذا التعلق(29).

هذا صحيح، لكن نحن لم نسمع من صاحبات عمر، وسمعنا فقط من عمر، وليس بالضرورة أن يكون عمر صادقا في هذه الأقوال، فهو من أراد أن تكون المرأة عاشقة له تتغزل به، وسواء كان هذا تعويضا عما خسره في حلبة السياسة، أم تبكيتا لأعدائه الأمويين، وإحراجا لهم بإنطاق نسائهم بالغزل العلني فيه، وملاحقته مع تمنعه عليهن أحيانا، وتجاهله لهن أحيانا أخرى، فإن هذا الشعر قد يزعج الإنسان العادي؟! فكيف بخلفاء بني أمية خاصة مع انتشار هذا الغزل بوساطة المغنين في كل أرجاء الدولة؟!

قال طه حسين في شعر عمر أنه يصور لنا حياة المرأة العربية المترفة في القرن الأول الهجري، ففي غزله نجد المرأة العربية المترفة واضحة جلية الصورة تنفق حياتها في هذه الدعة، والنعمة اللتين على عفتهما وطهارتهما لا تخلوان من لهو ودعابة، ولا من عبث وفكاهة. والمؤرخ الذي يريد أن يدرس الصلة بين الرجال والنساء في العصر الأموي يجب أن يلتمس ذلك عند عمر بن أبي ربيعة، فسيجد منه في شعر هذا الشاعر كل ما أراد(30).

وقال في موضع آخر: فلها هؤلاء الشبان الأشراف الأغنياء اليائسون وأسرفوا في اللهو، وتعزوا به عن هذه الخيبة التي أصابتهم في الحياة العامة(31).

وتابعه شوقي ضيف في كثير من أفكاره، فقال: "إن غزل عمر يعبر عن تطور جديد في الحياة العربية نستطيع أن ننفذ منه إلى معرفة كثير من المحركات النفسية للمجتمع العربي في مكة والمدينة، وما أصابه من تبدل تحت تأثير الحضارة الجديدة، إذ أتاح لنا بواسطة هذا الحوار المفتوح بين السيدات عن جماله وفتنته أن نتعرف إلى كثير من جوانب الحياة المعاصرة خاصة حياة النساء، وما نلن من حظوظ في الحرية..."(32).

ولا أدري كيف يمكن لعمر أن يكون ممثلا لمجتمع الحجاز؟! صحيح أن المجتمع الحجازي نال قسطا من التحضر، والانفتاح الاجتماعي، وقدرا من تحرر المرأة بحكم ما توافر لبعض أهله من غنى مادي كبير، وكثرة الجواري والرقيق، وشيوع فن الغناء وانتشاره، لكن كل هذا يبقى محدودا جدا، وهو ملحوظ فقط مقارنة مع البيئات الأخرى مثل نجد والعراق، فالأمر ليس كما قد يتوهم من حرية الاختلاط وسهولة العلاقات، والدليل على ذلك شعر عمر نفسه، أليس هو القائل في الرائية نفسها(33):

إذا زرت نعما لم يزل ذو قرابة لها كلما لاقيتها يتنمر
عزيز عليه أن ألم ببيتها يسر لي الشحناء والبغض يظهر

فإذا كان هذا موقف قريب الفتاة؟! فكيف سيكون موقف أخيها، أو زوجها؟! ولو كانت هذه الحرية متوافرة كما خيل لبعض الدارسين لما اضطر عمر إلى كل هذا الحذر الذي جعله يمشي مثل مشية الأفعى خوفا وحذرا، ولما اضطر إلى كل هذا التخطيط المسبق والمتقن حتى لا يقع في خطأ يؤدي إلى القبض عليه.

قال كثير عزة لعمر منتقدا شعره "والله لقد قلت، فأحسنت في كثير من شعرك! ولكنك تخطئ الطريق، تشبب بها، ثم تدعها، وتشبب بنفسك أردت أن تنسب بها، فنسبت بنفسك، والله لو وصفت بهذا هرة أهلك لكنت أسأت صفتها، أهكذا يقال للمرأة؟! إنما توصف بالخفر، وأنها مطلوبة ممنعة"(34).

إن نقد كثير هذا يؤكد كثيرا مما ذهبت إليه من أن غزل عمر كان مستهجنا في عصره، لأنه خالف فيه الموروث الشعري والأخلاقي، وقدسية العلاقة بين الرجل والمرأة كما أرادها الرجل حتى يومنا هذا رغم ما وصلت له المجتمعات الحديثة من تطور في العلاقات، وانفتاح كبير في علاقة الرجل والمرأة، فلا أدري بعد هذا كيف يمكن أن يقال أن قدرا محدودا من الحرية والانفتاح في العلاقات في القرن الأول الهجري قد سمح بكل هذا الانقلاب في الموروث الأخلاقي والاجتماعي والأدبي؟! خاصة مع كون الحجاز مصدر الإسلام الذي ثمن العفة، وفرض الحجاب بأشكاله المختلفة على المرأة في لباسها وعلاقتها بالرجل، ولما يفصل بين مجيء الإسلام، وعمر سوى سنوات قليلة كان ما زال يعيش فيها عدد كبير من الصحابة والتابعين.

أما عبد القادر القط فقد فسر غزل عمر بن أبي ربيعة ومغامراته الليلية مع صاحباته بأنها ذو غاية فنية يقصد بها أن يفلح في رواية تلك الحركة المادية والنفسية للزائر العاشق، والمزورة المشدودة بين الحب والوجل، وذلك الحوار الدرامي القريب أحيانا من لغة الحياة، أو لغة النساء المفصح أحيانا عن كثير من الخلجات النفسية الدقيقة، ولم يكن هم الشاعر أن يصف متعة، أو يتحدث عن شهواته، أو يصف محاسن صاحبته وصفا حسيا(35).

وقال في مكان آخر مفسرا لهو عمر وغزله بأن هذا الحديث عن مغامراته لم يكن حديث شاب مفتون بنفسه نقض تقاليد الغزل في الشعر العربي كما يرى أغلب الدارسين، وإنما كان مثالا لشباب كثيرين يحبون أحيانا حبا صادقا، ويلهون أحيانا ممثلين بذلك طبيعة الحياة في مجتمع حضري(36).

ولكن شكري فيصل ربما كان أقرب إلى الحقيقة في تفسير غزل عمر حيث قال: "إنه نوع من التعويض، وأنه كان صورة للسياسة التي أهملته، وأنه حين فاته أن يكون عبد الملك في الشام، وأن تكون له سيطرته، فلم يفته أن تكون له على هؤلاء النسوة مثل تلك السيطرة، التي يحلم بها"(37).

ومن الدارسين المحدثين أيضا من رأى "أن شعر عمر بن أبي ربيعة يعطينا فرصة كبيرة لنقرأه في المرأة بدلالات متعددة كلها تخدم المعنى السياسي في شعره"(38).

إن هذا الاختلاف في تفسير شعر عمر مرده إلى التغيير الذي أحدثه عمر في طريقة الغزل بالمرأة، ومخالفته لما ألفناه من شعر، وهي ظاهرة بحاجة إلى تفسير، ولعل بعض المحاولات السابقة ألمحت بوجود العامل السياسي، لكنها لم توله اهتماما كبيرا بحيث بقي هذا التفسير يطل على استحياء دون التوقف عنده توقفا كافيا.

3 - عمر والآخر:

لقد مثل الآخر في شعر عمر ثلاثة عناصر رئيسية هي: أولا: المرأة، وثانيا: من هم حولها من الأهل أو الصديقات، وثالثا: الأعداء، فأما المرأة فقد رأيناها في الأمثلة السابقة المحبة العاشقة لعمر تلاحقه، وتلهث خلفه، وقد تشق ثوبها لأجله... قال(39):

شاق قلبي منزل دثرا حالف الأرواح والمطرا
شمألا تذري إذا لعبت عاصفا أذيالها الشجرا
للتي قالت لجارتها ويح قلبي ما دهى عمرا
فيم أمسى لا يكلمنا وإذا ناطقته بسرا

لقد تعودنا أن نرى الشاعر العربي هو المحب والعاشق والمسهد، أما صاحبته، فهي العفيفة الرزينة الثقال التي لا تنيل صاحبها شيئا مهما قل. وهو يقصد إظهار عدم الاكتراث بها. قال(40):

ضربت دوني الحجاب وقالت في خفاء فما عييت جوابا
قد تنكرت للصديق وأظهر ت لنا اليوم هجرة واجتنابا

وهي تعرف ذلك. قال(41):

قالت لجارية لها قولي له مني مقالة عاتب لم يعتب
ولقد علمت لئن عددت ذنوبه أن سوف يزعم أنه لم يذنب
ألمخبري: أني أحب مصاقبا داني المحل ونازحا لم يصقب
لو كان بي كلفا كمأ قد قال لم يجمع بعادي عامدا وتجنبي

ولا أدري من أين جاء عمر كل هذه الثقة بالنفس التي تصل إلى درجة الغرور بحيث صور لنا هذا التهالك الكبير للمرأة عليه، واللهاث خلفه؟! صحيح أن عمر كان يملك كثيرا من الصفات التي يمكن أن تثير إعجاب بعض النساء به، فقد كان حسن الهيئة، من بيت كريم الأصل، وكان غنيا، لكن النساء اللواتي كان يتغزل بهن لم يكن في أغلبهن أقل منه حسبا ومالا وجمالا، بل تفوق بعضهن عليه، ومن ثم ما الذي يدعو هذه النسوة إلى مثل هذا التصرفات خاصة مع ما يعرفن عن عبثه، ولعوبيته، واستعلائه.

إن عمر ليستعلي في هذا الحب؛ لأنه فقد الاستعلاء في الحياة، وإنه ليتظاهر بالسيطرة والقوة، ويدعيهما، ويهز السيف ليثأر على حين ينتهي به الأمر في الواقع، أو في الواقع المتخيل إلى أن تكون عباءته مطرف امرأة، وقميصه درعها، ومجنه ثلاث شخوص كاعبان ومعصر كما حاله في قصيدته الرائية(42).

إن ملاحقة النساء لعمر ادعاها في شعره ربما لم تكن من باب التعويض عن الخلافة التي تراه الأحق بها، فهي تريده، وتلاحقه، وهو لا يكترث بها حسب، ولكن ربما كانت مزيدا من التبكيت والهجاء للأمويين بأن نساءهم هن اللواتي يلاحقنه، ويضربن له المواعيد، وهو يتمنع عليهن، وقد يتجاهلهن، وكأن عمر يعوض بتملكه المرأة، واستعلائه عليها عن ما يلاقيه من استلاب في الحياة العامة، "فقد كانت المرأة شراع عمر الذي أبحر بوساطته في محيط القمع والإزواء، ومن هنا فهم عمر أهمية أن يكون معشوقا لا عاشقا، وأهمية أن يكون أميرا مؤمرا"(43).

ومما يلفت النظر، وقد يؤكد ما ذهبت إليه من أن هذه المرأة ربما كانت من نساء الطبقة الحاكمة أنها تخرج غالبا في موكب ملكي، أو أقرب ما يكون إليه(44).

إن هذه الفتاة كمعظم نساء عمر متميزة في جمالها، وفي مكانتها الاجتماعية، ولكن لا أدري إلى من يعود ضمير(الواو) في قوله: (أبرزوها؟ ثم قالوا تحبها؟)، هل يمكن أن يكون عمر قصد أهل الفتاة وأقرباءها، فإذا كان هذا مراد الشاعر، فهو يؤكد أن الشاعر أراد إحراج خصومه، وتبكيتهم وهجائهم، خاصة مع تأكيد استجابتها له بتشبيهه هذه الاستجابة بتلبية الحجيج، إشارة إلى شدة حبها وخضوعها(45). وهي من نساء المواكب أيضا(46).

إن كلمة (موكب) تكررت كثيرا بين ثنايا ديوان عمر، نعم إن المواكب كانت منتشرة في الحجاز بين علية القوم، لكن يمكن لهذه الكلمة أن تشير أيضا إلى أن المرأة صاحبة الموكب كانت من نساء الأمويين خاصة مع إشاراته الكثيرة إلى معرفة الفتاة الأكيدة به، والتصريح بأمنيتها بلقائه، بل هذا التأكيد من جانب عمر على التهافت الكبير من قبل المرأة على لقائه مما يشير إلى أن عمر كان يريد فضح رغبات الفتاة، والكشف عن صفات لديها لم تكن مما يطيق الرجال؛ مما يؤكد أن الشاعر كان يريد إحراج خصومه أهل هذه الفتاة التي انتهت إليها فروع قريش كما قال(47):

يا أبنة الخير والسناء وفرع المجد والمنصب الرفيع أثيبي
فإليك انتهت فروع قريش بمساعي العلى وطيب النسيب

وهي من بيت ملك. قال(48):

علق القلب من قريش ثقالا ذات دل نقية الأثواب
ربة للنساء في بيت ملك جدها حل ذروة الأحساب

وهو مع كل هذا يستعلي عليها استعلاء كبيرا(49):

إن أهوى العباد شخصا إلينا وألذ العباد نغما ودلا
للتي بالبلاط أمست تشكى رمدا ليته بعيني حلا
أرسلت نحوي الرسول لألقا ها فأرسلت عند ذاك بأن لا
لست أسطيع للرسول وأيقنـ ت يقينا بلومها حين ولى
رجعته إلي لما أتاها وبأيمانها علي تألى

فهذه الفتاة إذا قرشية، بل انتهت إليها فروع قريش، وهي من بيت ملك، تسكن بيوت البلاط في الشام، فمن يمكن أن تكون إن لم تكن أموية؟

ومن النساء اللواتي تغزل بهن عمر (أم البنين) وهذا الاسم شائع عند الأمويين، ولعلها زوج الوليد بن عبد الملك، وقد تغزل بها ابن قيس الرقيات في قصيدته المشهورة التي دفعت عبد الملك بن مروان إلى هدر دمه كما سيأتي(50).

ومن النساء اللواتي تغزل بهن عمر فاطمة بنت عبد الملك، فقد ذكرت الأخبار أنه لما قدمت فاطمة بنت عبد الملك بنت مروان مكة جعل عمر بن أبي ربيعة يدور حولها ويقول الشعر، ولا يذكرها باسمها فرقا من الحجاج؛ لأنه كان كتب إليه يتوعده إن ذكرها أو عرض باسمها، فلما قضت حجها، وارتحلت قال قصيدته التي مطلعها(51):

كدت يوم الرحيل أقضي حياتي ليتني مت قبل يوم الرحيل

ولكن لماذا يتخوف رجال البلاط الأموي من عمر بالذات حتى يرسلوا بتهديداتهم إليه مسبقا؟! مع أن الحجاز كان فيها عدد كبير من الشعراء معظمهم من شعراء الغزل.
وإلى فاطمة هذه ينسب قول عمر(52):

أومت بعينها من الهودج لولاك في ذا العام لم أحجج
أنت إلى مكة أخرجتني ولو تركت الحج لم أخرج

وفيها أو في رملة بنت مروان بن الحكم، وكلتاهما من بني أمية قال(53):

لعمري لقد نلت الذي كنت أرتجي وأصبحت لا أخشى الذي كنت أحذر
فليس كمثلي اليوم كسرى وهرمز ولا الملك النعمان مثلي وقيصر

فهو في هذا الشعر يوحي بعقدة الملك التي تمكنت من نفسه بصورة كبيرة، فليس تعداد أسماء هؤلاء الملوك جميعا من العبث، ولعل مقارنة المتعة التي حصلها من علاقته بهذه الفتاة الأموية بما كان يمتلكه هؤلاء الملوك جميعا يكشف عن كثير من خبايا نفس عمر الناقمة على الأمويين، والمتطلعة إلى ما بين أيديهم من ملك.

وهناك قصيدة أخرى مهمة يقال أنه قالها في فاطمة بنت عبد الملك يحذو فيها حذو ابن قيس الرقيات سأرجئ الحديث عنها لحين عقد المقارنة بين الشاعرين.

ومن نساء بني أمية اللواتي تغزل عمر بهن بذكر الاسم صراحة أم الحكم وهي أخت لمروان بن الحكم التي يقول فيها(54):

صاح إني شفني طول السقم وصبا القلب إلى أم الحكم

فإذا صحت هذه الأخبار التي واكبت شعر عمر أو شيء منها، فلعلها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن عمر أراد الغزل السياسي الذي هو هجاء لخصومه الأمويين.

وقد تكون صاحبة عمر غنية جدا، والغنى ليس بالضرورة أن يجعلها من الأمويين؛ لأن الغنى كان منتشرا خارج بيوت الأمويين خاصة في الحجاز لكنه يمكن أن يكون مؤشرا مساعدا على أنها منهم.

أما بالنسبة للقصة التي ينسجها عمر في علاقاته مع صاحباته فهي متشابهة في كثير من خيوطها العريضة، وحتى تفاصيلها الدقيقة، فهو يقرر زيارة الفتاة في بيتها ليلا، فيخطط لذلك جيدا، ويمتشق سيفه، ويحتاط للأمر بكل وسائل الحيطة الممكنة، وكأنه داخل لمعركة، وبعد أن تتهيأ الظروف المناسبة، ويأمن على نفسه ممن هم حول الفتاة من أهل وأقارب يدخل على الفتاة خدرها، فتبدي خوفا واستغرابا، وتتكرر هنا عبارة (أردت فضيحتنا)، أو أحد مشتقاتها من قبل الفتاة مما يشير إلى الغرض الباطن الذي ربما قصده الشاعر من وراء هذه الزيارة، وبعد ذلك يوضح الشاعر أن خوفها واستغرابها مصطنعان، وذلك من خلال إبداء رضاها برد التحية، أو ما شابه ذلك كالابتسام، أو على الأقل وقتيان، فسرعان ما يفرخ روعها بعدما تطمئن إلى أن أحدا لم يره وهو داخل عليها - وهذا يؤكد ما ذهبت إليه من قبل من تشدد المجتمع تشددا كبيرا فيما يخص العلاقة بين الرجل والمرأة - وبعدما يقضي معها الليل أو جزءا منه يفاجآن ببزوغ الفجر، وقد بدأ الناس يتأهبون للحياة، فيشعران بالخوف والحرج، ولكن سرعان ما يجدان حلا، وغالبا ما يكون بمشورتها، فيخرج من ورطته سالما معافى، بل بطلا منتصرا، وقد أشفى غليل صدره، وإذا كان هذا اللقاء في الخلاء تحاول هي محو آثارهما بثيابها المرفهة التي تشير إلى أنها من أسرة عريقة(55).

وحسب اعترافات عمر نفسه في شعره لم تكن علاقاته بريئة أبدا، ولا أدري كيف لشوقي ضيف أن يقول: "وهي عنده مغامرات لا تتعدى اللقاء والمتعة بالحديث"(56). علما بأن مثل هذه المغامرات غير البريئة يعج به ديوانه. وقد تابع كثير من الدارسين قول شوقي ضيف في هذا القول، فأشار بعضهم إلى أن ما قيل عن عمر في هذا المجال هو نتيجة للخلط بين شعر عمر والأسمار الواردة في حياته(57). وهذا الكلام غير دقيق؛ لأن شعر عمر يوضح ذلك وليست أسماره فقط.

أما الطرف الثالث من الآخر في شعر عمر، فهم الأعداء، وهؤلاء جزء مهم تعامل معه الشاعر في شعره بصورة مهمة وملحوظة، بحيث كرر هذه الكلمة كثيرا، وهم غالبا ما كانوا من أهل الفتاة. قال(58):

قالت لجارتها عشاء إذ رأت نزه المكان وغيبة الأعداء

وقد كان بينه وبين أهلها ثأر، وقد حان وقت الأخذ به، والانتقام منهم. كما قال(59):

فلما رأت من قد تنبه منهم وأيقاظهم قالت أشر كيف تأمر
فقلت: أباديهم فإما أفوتهم وإما ينال السيف ثأرا فيثأر

الثأر من ماذا؟ ولماذا؟ إن عمر لم يفصح عن سر هذا العداء بينه وبين أهل الفتاة لكن يمكن لي أن أفهمه في ظل ما سبق بأنه العداء بين أهل الحجاز والأمويين خاصة وأننا لا نعرف للشاعر أعداء غيرهم.

وقد يأتي الاعتراف على لسان المرأة بأن أهلها أعداء الشاعر. قال(60):

ألم تر أنك مستشهد وأن عدوك حولي كثير
فإن جئت فأت على بغلة فليس يؤاتي الخفاء البعير

إن مثل هذا الأسلوب كان لدى ابن قيس الرقيات، فقد كان يجعل الفتاة الأموية التي يتغزل بها هي التي تعترف بأخطاء أهلها من بني أمية بحق الشاعر وأهله، وأنها ترغب بمساعدته(61).

وقد ترسل المرأة له رسولا تحذره من أهلها. قال(62):

دست إلي رسولا لا تكن فرقا واحذر وقيت وأمر الحازم الحذر
إني سمعت رجالا من ذوي رحمي هم العدو بظهر الغيب قد نذروا
أن يقتلوك وقاك القتل قادره والله جارك مما أجمع النفر

فالمرأة في شعره غالبا ما كانت بنت عدوه أو زوجته خاصة في قصصه الغرامية، ولكن لماذا يكون أهلها أعداء له، وقد رأينا معاصريه يمدحون أهل صاحباتهم، ويفتخرون بهم بأنهم من أصل عريق؛ لأن هذا مدح لصاحباتهم(63)، أو على الأقل لا يأتون على ذكرهم.

وصاحبة عمر لا تكتفي بالتعاطف معه، والرغبة بمساعدته حسب، ولكنها تكثر من الدعاء له، والحرص على إرضائه، وتفديه بكل ما هو عزيز وغال، ولعل هذا كله يصب في الهدف من وراء غزله، ويؤكد فكرة الاستعلاء عنده التي دعت هي وغيرها من الظواهر المشابهة في غزله عددا من الدارسين إلى وصفه بالنرجسية إذ رآه جبرائيل جبور نوعا من الفتنة بالنفس، معللا ذلك بما يكاد يشبه النرجسية وعقدة أوديب. وهو على أية حال تفسير معقول يتناسب مع طبيعة علاقة عمر بالمرأة، واستعلائه الكبير في هذه العلاقة، لكن التفسير السياسي يبقى أقرب إلى طبيعة العصر، وحال الشعر فيه؛ لأن عمر إن أردنا الدقة ليس ببعيد عن السياسة، ولكنه أشد الاتصال بها؛ لأنه كان أثرا لها في هذه الصورة السلبية كما كان شعراء الشام أثرا لها في الصورة الايجابية... إن غزل عمر في كثير منه هو انعكاس آخر للحياة السياسة، فليس عمر إذا من الذين انقطعوا عن السياسة بمعنى أنهم لم يفكروا فيها، ولكنه متصل بها أشد الاتصال من حيث أراد أن ينقطع عنها، ومتأثر بها من حيث أنه أراد أن ينجو من أثرها، وخاضع لها، ولكنه لم يكن خضوع الانقياد، وإنما هو خضوع الذي أفلت منها من نحو، واستجاب لإيحائها من نحو آخر(64).

وبعد فإن قارئ غزل عمر بن أبي ربيعة يمكن أن يفهمه بالطريقة التي تناقلها عدد من الدارسين في إطار ما شاع عنه من حب اللهو، وانفتاح العلاقة بين الرجل والمرأة في الحجاز، وانتشار فن الغناء، فكان خياره هذا النوع من الغزل الذي يتناسب مع شخصيته، ومع المرحلة الجديدة في العصر الأموي مع التحفظ على قدر كبير من المبالغات التي قيلت عن حرية المرأة الحجازية، وحرية العلاقات، ويمكن قراءته في باب النرجسية بسبب ما يملك من صفات جسدية واجتماعية، مما أوجد عنده غرورا كبيرا، وإعجابا بالنفس مبالغا فيه كما أشار عدد آخر من الدارسين، كما يمكن قراءته قراءة سياسية، ولعلها أنسب القراءات لطبيعة العصر، فقد كان عمر بن أبي ربيعة كارها للأمويين وسياستهم، فأراد النيل منهم بوساطة التغزل بنسائهم بما يسمى بالغزل السياسي الذي يقصد به هجاء الخصوم السياسيين وغيظهم، وذلك بالتشبيب بنسائهم، وقد شاع هذا الغزل وانتشر في الحجاز في هذا الزمن، إلا أنه لم يكن واضحا مثل وضوح ابن قيس الرقيات، ربما تقية من عقاب الأمويين، أو لأن العداوة لم تصل إلى ما وصلت بين الأمويين وبين ابن قيس حيث قتل عدد من أفراد أسرته في وقعة الحرة التي حدثت في زمن يزيد بن معاوية.

ومما يؤكد هذا الرأي شواهد كثيرة من شعر عمر نفسه كالجمع بين الفخر بالأهل والجدود والغزل، وبيان ما حل بهم من قتل على أيدي الأمويين، والإشارة إلى تفرق قريش محملا الأمويين ذلك من خلال تركهم لديارهم، وعدائهم لأهل الحجاز، ثم مظاهر كثيرة في غزله تشي بهذا التفسير، منها: القصة الغرامية التي تكررت في شعره، بما فيها من عناصر مثل طريقة دخوله إلى بيت صاحبته، وكأنه داخل لمعركة، واتخاذه كل وسائل الحيطة والحذر، وامتشاق السيف، ومساعدة الصديق المخلص، ورضى الفتاة بهذه الزيارة رغم عنصر المفاجأة، وخوف الفضيحة، وانتهاء القصة بخروجه منتصرا وكأنه قد حقق غايته ومراده.

إن هذا التفسير لا يمنع من القول بأن عمر كان لاهيا، وأن المرأة الحجازية قد نالت قسطا من الحرية لم تتوافر لغيرها من النساء في بيئات الشعر الأموي الأخرى مما دفعها للهو أحيانا، ولعل الظروف السياسية السائدة آنذاك هي التي دفعت نساء الحجاز ورجالها إلى هذا اللهو في إطار الهروب ونسيان ما أصاب الحجاز وأسرها من قتل واضطهاد، لكن هذا كله لم يصل إلى الحد الذي قال به دارسو شعر عمر من ما يمكن أن يسمح بهذه المغامرات العاطفية سواء كانت من باب الحقيقة أم الخيال، ومن ثم، فلعل تفسير غزل عمر في إطار الغزل السياسي هو الأقرب لطبيعة العصر.

الهوامش:
1 - عمر بن أبي ربيعة: شرح ديوانه، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الأندلس للطباعة والنشر، بيروت، (د.ت)، ص 328.
2 - أبو جعفر بن جرير الطبري: تاريخ الأمم والملوك، دار الفكر، دمشق 1979، انظر أحداث سنة 63هـ، ج7، ص 10 وما بعدها.
3 - ابن سلام الجمحي: طبقات فحول الشعراء، شرح محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة 1974، ج1، ص 89. وانظر، حسان بن ثابت: ديوانه، تحقيق وليد عرفات، طباعة أمناء سلسلة جب التذكارية، لندن 1971، ج1، ص 239. وكذلك، ابن قيس الخطيم: ديوانه، تحقيق ناصر الدين الأسد، دار صادر، بيروت 1978، ص 66.
4 - أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، دار الكتب، القاهرة 1963، ج15، ص 106.
5 - إبراهيم عبد الرحمن: عبيد الله بن قيس الرقيات، حياته وشعره، 1970، ص 172 وما بعدها.
6 - انظر، ابن قيس الرقيات: ديوانه، تحقيق محمد يوسف نجم، دار صادر، بيروت 1970، ص 128-129.
7 - العرجي: ديوانه، شرح وتحقيق خضر الطائي ورشيد العبيدي، الشركة الإسلامية للطباعة والنشر، بغداد 1956، ص 17.
8 - ابن عبد ربه: العقد، المطبعة الأميرية، القاهرة 1293هـ، ج2 ، ص 25.
9 - أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، ج1، ص 64.
10 - انظر تاريخ الطبري: ج5، أحداث سنة 46، ص 128.
11 - يوليوس فلهوزن: تاريخ الدولة العربية، ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريدة، لجنة التأليف والنشر، القاهرة 1958، ص 39.
12 - أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، ج3، ص 33.
13 - جبرائيل جبور: عمر بن أبي ربيعة، دار العلم للملايين، بيروت 1971، ج2، ص 21.
14 - أبو الفرج الأصفهاني: الأغاني، ج1، ص 409.
15 - المصدر نفسه، ج1، ص 409، وانظر كذلك، وليم نقولا شقير: العرجي وشعر الغزل في العصر الأموي، دار الآفاق الجديدة، بيروت 1986، ص 416 وما بعدها.
16 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 394-395.
17 - انظر، شكري فيصل: تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام، دار العلم للملايين، بيروت 1986، ص 356.
18 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 433.
19 - عمر بن أبي ربيعة: الديوان، دار صعب، بيروت 1980، ج1، ص 122.
20 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 94.
21 - انظر، عبد القادر القط: في الشعر الإسلامي والأموي، دار النهضة العربية، بيروت 1987، ص 227.
22 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 101-102.
23 - عبد القادر القط: في الشعر الإسلامي والأموي، ص 228.
24 - انظر ديوانه، ص 491.
25 - انظر، عبد المجيد زراقط: الشعر الأموي بين الفن والسلطان، دار الباحث، بيروت 1983، ص 202.
26 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 319.
27 - المصدر نفسه، ص 119-120.
28 - المصدر نفسه، ص 426.
29 - وليم نقولا شقير: العرجي وشعر الغزل في العصر الأموي، ص 734.
30 - طه حسين: حديث الأربعاء، دار المعارف، القاهرة 1976، ج1، ص 296.
31 - المصدر نفسه، ص 184.
32 - انظر، شوقي ضيف: التطور والتجديد في الشعر الأموي، دار المعارف، القاهرة 1959، ص 234.
33 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 93.
34 - عمر بن أبي ربيعة: الديوان، ج3، ص 361.
35 - عبد القادر القط: في الشعر الإسلامي والأموي، ص 173 وما بعدها.
36 - المصدر نفسه، ص 159.
37 - شكري فيصل: تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام، ص 404.
38 - انظر، محمد بن حسن الزير: الحياة والموت في الشعر الأموي، دار أمية، الرياض 1989، ص 526.
39 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 161.
40 - المصدر نفسه، ص 412.
41 - المصدر نفسه، ص 441-442.
42 - انظر ديوانه، ص 100.
43 - عبد المجيد زراقط: الشعر الأموي بين الفن والسلطان، ص 226.
44 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 430-431.
45 - المصدر نفسه، ص 319.
46 - المصدر نفسه، ص 468.
47 - المصدر نفسه، ص 429.
48 - المصدر نفسه، ص 416.
49 - المصدر نفسه، ص 364.
50 - انظر ديوان ابن قيس الرقيات، ص 122.
51 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 337.
52 - المصدر نفسه، ص 487.
53 - المصدر نفسه، ص 494.
54 - المصدر نفسه، ص 205.
55 - المصدر نفسه، ص 114-116.
56 - شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، العصر الإسلامي، ص 354.
57 - عبد القادر القط: في الشعر الإسلامي والأموي، ص 174-192.
58 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 467.
59 - المصدر نفسه، ص 99.
60 - المصدر نفسه، ص 131.
61 - انظر ديوان ابن قيس الرقيات، ص 129.
62 - عمر بن أبي ربيعة: ديوانه، ص 113.
63 - انظر، ديوان معن بن أوس، تحقيق نوري حمودي القيسي وحاتم الضامن، وزارة الثقافة، بغداد 1977، ص 28 و40. انظر، كذلك، ديوان العرجي، ص 51 - 52. وديوان المتوكل الليثي، ص 174.
64 - شكري فيصل: تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام، ص 357-358.
الإحالة إلى المقال:

* د. أمل طاهر نصير: التفسير السياسي لشعر عمر بن أبي ربيعة، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن 2008. http://annales.univ-mosta.dz

***