التجربة الدينية عند أبي حيان التوحيدي

محمد خطاب
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

التجربة الدينية تجربة فردية ومعاناة روحية خصبة يحياها الكائن ضمن فضاء معين. إنها من التجارب التي لا تقع تحت جملة من التفسيرات القارة اليقينية، مثلها مثل التجربة الفنية التي أقصى ما يقال عنها إنها انفعال يخضع لآليات باطنية لا يمكن الوقوف على معرفة جميع الأسباب الداعية إليها. إن الفن والدين يلتقيان في قضية أساسية وجوهرية وهي شبهة اليقين. ولو كان هناك يقين محتوم في مثل هذه التجارب التي يقف فيها الإنسان على سر النفس والوجود للحقها الموت وثمة تصبح فارغة من السر أي من المعنى الحقيقي الذي يستدعي وجودها. أين تكمن الحياة في مثل هذه التجارب؟ هل في طبيعتها وخصوصياتها أم في رمزيتها اللغوية التي تحيا مع كل قراءة غنية وخصبة؟ إن حياة مثل هذه التجارب تكمن في الطبيعة واللغة معا.

الكلمات الدالة:

الدين، التصوف، اللغة، الطبيعة، أبو حيان التوحيدي.

***
Religious experience of Abu Hayyan al Tawhidi

Mohamed Khettab
University of Mostaganem, Algeria

Abstract:

The religious experience is an individual experience and fertile spiritual suffering experienced by a being in a certain space. It is one of the experiences that do not fall under a set of certain continent interpretations, like the technical experience, which most of what is said about it is emotion that is subject to mystical mechanisms that cannot stand knowing all the reasons for it. Art and religion meet on a fundamental issue, which is the suspicion of certainty. And if there is an inevitable certainty in such experiences in which a person stands on the mystery of the soul and the existence of its right to death, then it becomes empty of the mystery, that is, of the true meaning that calls for its existence. Where does life lie in such experiences? Is it in its nature and peculiarities, or in its linguistic symbolism that lives on with every rich and fertile reading? The life of such experiences lies in both nature and language.

Key words:

religion, Sufism, language, nature, Abu Hayyan al Tawhidi.

***

النص:

ما مصدر هذا الخصب والغنى في التجربة الدينية؟ إن الإجابة التي لا تنكرها الأديان جميعا هي أن المصدر الوحيد الذي يخصب التجربة الدينية هو الإنسان. ومن هنا تتوخى الدراسة الولوج إلى العوالم الجميلة التي يتيحها الدين من طريق الإنسان وحده وقد استدل أبو حيان التوحيدي حكاية عن بعض العلماء على هذه الخاصية في المقابسات حيث يقول: "قيل: فما الإنسان؟ قال: شخص بالطينة ذات بالروح جوهر بالنفس إله بالعقل كل بالوحدة واحد بالكثرة فان بالحس ميت بالانتقال حي بالاستكمال ناقص بالحاجة تام بالطلب حقير في المنظر خطير في المخبر لب العالم فيه من كل شيء وله بكل شيء تعلق صحيح النسب إلى من نقله من العدم قوي السبب بمن سيعيده عن أمم... من عرفه فقد عرف سلالة العالم ومصاصته قد حوى جوهره شبها من كل ما يعرف ويرى فهو مثال لكل غائب وبيان لكل شاهد عجيب الشأن شريف البرهان غريب الخبر والعيان"(1). وفي هذا دليل على أن الغنى كله فيما يسعى إليه الإنسان المتعالي عن حكم الضرورات الفانية والساعي إلى العناق بالخالد. إن الشاعر الهندي طاغور يقول في كلمة موجزة يختصر فيها عظمة الإنسان: "كل مولود يحمل هذه الرسالة: إن الله لمّا ييأس من الإنسان"(2). الإنسان الذي يتخطى النظريات والمفاهيم والمزاعم الاجتماعية والنفسية. نجد في الثقافة العرفانية الإسلامية تصورا خاصا وفريدا حول مكانة هذا الإنسان في هذا الكون، ميزة ميثولوجية ولكنها دالة على ما نود التدليل عليه، هناك حديث قدسي يورده ابن عربي رحمه الله في الفتوحات المكية نصه: "كنت كنزا لم أعرف فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فعرفوني"(3). في النص دلالات كثيرة تخدم موضوعنا حول طبيعة التجربة الدينية، منها مثلا أن العلاقة التي تربط مخلوقا بالخالق هي علاقة عشق خالصة، مما يغني الذات الإنسانية بطعم المعنى الحقيقي للوجود. كذلك علاقة العشق لا تنحصر في هذه الثنائية: الله - الإنسان بل تتعداها إلى سائر المخلوقات: النبات، المعدن، الحيوان والجماد. وضمن هذه العلاقة اشتغل جميع المتصوفة في ترسيخ المعرفة من خلال التأمل الباطني في جميع أشكال الوجود بما فيه الوجود الإنساني.

إن صورة العشق التي تطبع الكون بطابع التميز والفرادة استلزمت سلسلة من الانفعالات الباطنية التي تمتلئ بها كتب العرفان الصوفي، أول هذه الانفعالات هو "الجمال"، الصفة الجوهرية في الخالق والتي صارت منطبعة في الإنسان. إن السر الوحيد الذي يطبع ظاهرة الجمال هو الانجذاب إلى الحقيقة المتخفية، والانجذاب خيط رابط بين ذات عاشقة وجواهر معشوقة.

إن الإنسان في افتتانه بالجمال كحقيقة مطلقة وغائية ينتهي إلى "الدين"، أي إلى حقيقة الألوهية، وهنا تصير التجربة الدينية قائمة على الجمال. والدراسة تتوخى هذا المطلب الغائب في الذهنية العلمية التي تعمل وفق الحدود والفوارق والتي تسعى لإقامة الحواجز بين المتناقضات دون أن تسمح بهامش التواصل والمؤانسة. يصير الجمال بهذا المستوى صفة مشتركة بين الفن والدين ضمن أفق أعلى من التصورات الدوغمائية البليدة. لم نسأل سؤال المعرفة الأصيل: ما الدافع الذي يدفع بعض المدعين الكبار في جميع العصور ولدى كل الملل إلى الخلق والإبداع؟ فالجواب هنا لا يختزل في نظريات الإبداع المعروفة، بل يتعداها إلى البحث في العمق، عمق الذات التي تنطوي على عالم أكبر منها بتعبير ابن عربي رحمه الله تعالى. يقول ابن الدباغ في حديثه عن أصناف المتعلقين بالجمال: "وأما المتعلقون بالجمال فهم ينقسمون إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول هم الذين بلغ بهم السلوك إلى محبة الجمال المجرد وكملوا بعشقه ذواتهم، فلما كملت توجهوا بها لوجه الحق تعالى وهؤلاء هم الخصوص"(4)، إن الحس الصوفي يتملى الجمال بشعرية عالية وكله توفز للتعبير عن أقصى ما تستطيعه الذات في هذا العالم، عالم الكون والفساد. إن هذا الحس يملك طبيعة التغير والاختلاف والاحتمال، لا اليقين والحتم والثبات لأن حقيقة الجمال لا نهائية تأبى على التشكل.

رمزية الإشارات الإلهية: الإشارات الإلهية نص في التصوف. التصوف من حيث هو تجربة باطنية ومعاناة روحية فردية، وقد أداها صاحبها بأسمى صور الفن العالية، وفرادتها تكمن في درجة الإحساس بصور الجمال الكامنة وراء الحقيقة التي تتلف الحس والقلب جميعا، وهذا الإحساس بقدر ما يؤدي إلى التحقق والكينونة بقدر ما يرمي بصاحبه إلى فضاء التلف والمحق. الفيلسوف الألماني نيتشه يختصر المسألة في كلمة دالة بقوله: "إننا نتملك الفن خشية أن نهلك من رؤية الحقيقة"(5). وهذا هو حكم البشرية الناقصة مقابل ما في الألوهية من كمال. هناك نص مفتاح لتجربة الإشارات يقول فيه التوحيدي: "حدثوني عن معنى يزعجني ومع إزعاجه يعجبني وأعشقه ويعشقني ومع عشقه يتعبني. أمر خارج عن العادة وغريب في التعارف ومنكر عند الجمهور"(6).

إن تجربة التوحيدي مع المعنى ونقصد الحقيقة المتعالية التي تسكن الغيب تجربة متوترة قلقة، وهذا حال كل تجربة دينية، لأن الذي يسكن هذه التجربة هو دوام الشوق إلى الحقيقة المطلقة التي لا تعبر فقط عن ظاهرة وجود الإنسان في الكون بقدر ما تعبر عن الهاجس الحقيقي الذي يحكم علاقة أحدهما بالآخر؛ إن التوحيدي يعبر عن تجربته من طريق مختلفة، فهو لا يجد السبيل إلى المعنى متاحا بل يلزم التوتر والقلق، فهناك سمات لكل أنواع القلق التي تقود صاحب الخبرة الدينية إلى المعرفة، ففي نص التوحيدي حول المعنى أعلاه نجد بعض مفردات التجربة: الانزعاج - الإعجاب - العشق - التعب.

ما طبيعة هذا المعنى الذي يسكن كل تجربة دينية عظيمة؟ وكيف هو نظر الإنسان وموقفه من هذا المعنى؟ يقول التوحيدي في نص جديد: "يا هذا! إن الذي صمدك إليه وولهك فيه وإيماؤك نحوه وإعجابك منه، حاضره غائب وغائبه حاضر وحاصله مفقود ومفقوده حاصل والاسم فيه مسمى والمسمى فيه اسم والتصريح به تعريض والإشارة نحوه حجاب والحجاب نحوه إشارة... فلهذا وشبهه فقدت الأشباه والأضداد في تلك الساحة لعلوه منها وغناه عنها(7). الله معنى ويقين يحصلان للذات في بحثها عن شيء يسكنها أساسا، ولكنه لا يشتبه أساسا باليقينيات التي تحصل للذات من وراء العد والحساب والتحليل، إنه يقين يحصل بالشبهة والاحتمال. ألا ترى أن التوحيدي يشير رمزا إلى مثل هذا المعنى ويقول إن فضاء الألوهية خال من الشبيه والضد في الوقت نفسه. وهنا يلزم الوقوف على طبيعة التصوف ذاته في علاقته بالكون والطبيعة وفي تصوره للألوهية. لأهل العرفان في أدبيات التصوف الإسلامي رؤيا خالصة حول طبيعة الأشياء في هذا العالم، إنها رؤيا تقوم أساسا على مبدأ "الوحدة بين الأضداد" نص عليها التوحيدي سلفا ويؤكدها غيره في أكثر من موقف، يقول النفري في كتابه المواقف والمخاطبات: "وقال لي: إن لم ترني من وراء الضدين رؤية واحدة لم تعرفني"(8). ونص أبو نصر السراج الذي يقول: "ورؤية الأضداد تمنع الذوق"(9). إن مصير الفكر الذي يقتات من هذه الوحدة - حتى لو كان يحيا في الهامش - مصير الانكشاف والتعدد والصيرورة والخلود.

إن مبدأ الوحدة هذا الذي يسري في باطن العرفان الصوفي هو نفسه الذي يعطي للشعر خصوصية الخلق، والشعر فن يقتات من الباطن الذي انفلت من رقابة العقل الرتيب ومن يبوسة الحدود المنطقية. الشعر كما هو معلوم في المنظومة البلاغية ينبني على التخييل، أي على جنس التصوير، الاستعارة مثلا فضاء تجتمع فيه الأضداد وتتآلف تلك الألفة التي لا يرضاها العقل على الإطلاق. لأبي حيان التوحيدي عبارة موجزة تختصر لنا المسافات، يقول: "لا سر إلا وهو متهم ولا قائل إلا وهو متوهم"(10).

نتحدث عن الشعر في هذا المقام لأن فيه تتجسد مثل هذه الوحدة التي تلغي العلاقات المنطقية بين الأشياء، وتؤالف بين الشيء وضده لأن مدار الشعر على التخييل الصرف والكذب الذي عبر عنه النقاد في القديم. إن الاستعارة مثلا كانت ولا تزال الميدان الخصب لامتحان الشعر، ففيها تتجلى العبقرية كما عبر عن ذلك أرسطو، والذي يعنينا في هذا المقام هو مظهر العالم المتنوع من الأفكار والمشاعر داخل النص الشعري مما يدعم نظرتنا إلى التصوف أو العرفان الصوفي بأن نصيب الفن فيه يتعدى ويتجاوز كلاسيكيات التفكير النقدي الذي ساد الذهنية العربية - وليس الإسلامية - ولا يزال. فما هي تجليات الفن في التصوف كتجربة روحية ووجودية تجسدت في لون من الكتابة اختلف تماما عما هو سائد؟ قد نعود إلى أبي حيان التوحيدي في نصه السابق لنوحد بين المسائل التي تبدو متنافرة، فالتوهم عند القائل هو مظهر من مظاهر بشريته التي لا تستطيع بلوغ "كمال" التعبير عن معنى "الألوهية"، والذي يجسد هذا الوهم هو اللغة ذاتها والتي وصفها التوحيدي بالعجماء. وله استبصارات في هذا المظهر الإنساني حينما يتأمل فضاء الألوهية الذي يغير من طبيعة الأشياء، يقول: "هيهات! ضاق اللفظ واتسع المعنى وانخرق المراد وتاه الوهم وحار العقل وغاب الشاهد في الغائب وحضر الغائب في الشاهد"(11). ولكن للغة مظهرا جديدا يتجلى في كونها الأداة الوحيدة التي يتبين فيها ظل من المراد أو المطلوب لذلك نجد بعض الصوفية يلهج بالثناء على النعمة التي أعطاها الله الإنسان وهي اللغة، هناك نص لابن عطاء الله السكندري في كتابه "لطائف المنن" يقول فيه: "إن من أجل مواهب الله لأوليائه وجود العبارة"(12). وعن طريق هذا المظهر اللغوي المنتهي تأخذ المعاني العصية بعد التجسد وتخرج من فضاء النكرة إلى فضاء المعرفة. أما حال التوحيدي الذي اختبر ذاته في المعنى البعيد فيختلف قليلا، لأنه يقيس اللامتناهي بالمتناهي اللامحدود بالمحدود والقياس الأكبر هو درجة الإحساس بالتجربة، فهي عنده حال ولكنها حال لا تقاس بغيرها ولها حكمها الخاص وعبقرية التوحيدي تتجلى في طريقة التعبير عن المراد يقول في نص جديد: "وتناغيني حال أكثفها يلطف عن الفهم وأخفاها يعلو عن الوهم، حال كلما سلطت عليها العبارة وأرسلت إليها الإشارة حلّت عن هذه"(13).

إن المعنى يبقى دائما غير متناه في طبيعته والمعنى المتصل بالألوهية أبلغ في اللاتناهي لذلك يكون حكم الذات في مقابل هذه التجربة هو الشعور بالغربة عن مقاصدها والبعد عن مراميها، وهذا الأمر يدفع الكائن إلى امتحان الذات، امتحان تصير فيه يقينيات العقل شكا وظنا وتهمة، وهذه صفة أخرى تطبع التجربة الدينية لأنها تبقى دائما في حدود المعاناة الفردية، فضلا عن ذلك فالتجربة تقتضي من الإنسان عدم الركون إلى لوازم العقل النظري والتوحيدي يعطي لنا وصفا للكائن المتعالي كيف هو داخل التجربة الدينية يقول: "يا هذا! السعيد من استطب لسقمه وسعى في طلب عاقبته وقام بالحق للحق على خطرات باله وهواجس نفسه وتلذذ بالفقر وتنعم بالاستكانة ووجد بالعدم وأدرك بالفوت وصح بالمرض وحي بالموت وروي بالعطش وانتبه في الدهش وجاد بالموجود واستقل بالمفقود وأنس بالوحشة واستوحش من الأنس وقال وهو ساكت وسكت وهو قائل وإنما كان السعيد من هذا بعض حديثه لأنه لبس الأعيان بحقائقها وعري من الأكوان وعلائقها"(14).

الجملة الأخيرة في النص تسلمنا إلى الحقيقة أو الظاهرة الأخيرة التي نحب الإشارة إليها تخص الإنسان من حيث هو ذات تستوعب الكون وتتقصد الأقاصي الممكنة، والتوحيدي لا يختلف عن سائر أهل الباطن إلا في طريقة التعبير الجمالية فقط. إن الظاهرة التي تغري بالبحث هي السؤال عن الحدود الممكنة للمعرفة الإنسانية، هل لها من نهاية؟ هل تحد؟ هل الإنسان يملك القدرة على المعرفة التي لا تنتهي أبدا؟ فالأمر يشبه الدورة حيث تشتبه البداية بالنهاية. من خلال نصوص التوحيدي نحدس بطريقة هي أقرب إلى الاستبصار بصورة الإنسان صاحب الخبرة الدينية التي تتعدد في الواحد. التوحيدي يستدل بنص عظيم نقلا عن أحد الحكماء ممن كان يستمع إليهم في حواضر بغداد هو: "العروس واحدة والنقاب كثير"(15). والنقاب هنا رمز لكل أشكال التجارب والخبرات الإنسانية في علاقتها بالله. أما العروس واحدة فيعني بها الحقيقة الواحدة التي تتلبس أشكالا متعددة من خلال التأمل الإنساني.

إن الصفة التي سأنهي بها حديثي حول طبيعة التجربة الدينية فتتمثل في تحلل الإنسان من بشريته وتعاليه عن حكم الطين ليصير عدما محضا. فالأمر أشبه بما سماه رامبو الشاعر الفرنسي "تعطل الحواس"، ولا غرابة في أن تستلزم التجربة مع الله غياب الطينة البشرية فحكمها مع النور الإلهي حكم الخفاش مع نور الشمس كما يقول الصوفية الكرام. قد يساعدنا النص الأول المستدل به في بداية الحديث حول المعنى، الذي من صفته الإزعاج، وهذا المعنى مصدره الغيب غير المحصور والإنسان محصور، فآفته بشريته ولكي يصل إلى منتهى الإدراك للحقائق وهذا شبيه بالمستحيل فطريقه في ذلك هو "الفناء" بمعني الشيء الكثير، يقول الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات: "سقوط الأوصاف المذمومة"(16). ثم يعدد درجاته عند الناس ليصل إلى الفناء الأكبر حيث يضيف قائلا: "والدرجة الثالثة الفناء عن شهود الفناء وهم الفناء حقا، شائما برق العين راكبا بحر الجمع سالكا سبيل البقاء"(17). فالمقصود من وراء هذا الكلام هو التحلي بالصفات الإلهية والتخلي عن الصفات المذمومة المانعة من الوصول إلى منتهى الحقيقة.

ويرمز التوحيدي إلى فكرة القصد إلى الاكتمال في الذات حتى تكون أهلا للحقيقة. المغامرة مع الحقيقة تتطلب نوعا من التلف المحض والاستعداد للفقد، الفقد من أجل الوجود، وهذه المغامرة تأخذ عند التوحيدي صفة الكينونة الخالصة، فحقيقة الإنسان تكمن فيما ينبغي أن يكونه، لا في صورته كما هي. وما ينبغي للإنسان لكي يكون يتعدى شخصه أو ذاته التي تأخذ حيزا صغيرا ليتصل الأمر فيما بعد بالزمان والمكان وليس هينا أمر الزمان والمكان! يقول التوحيدي في نص مثخن بالرمز والإشارة: "ولن يفتح لك هذا الباب - أي باب الغيب - ولا يبسط لك هذا البساط حتى تصحب كونك بفراق كونك وتبيد في عينك عن عينك وتنآى عن شاهد زينك وشينك وتمحو أثر المكان في أينك وحتى يبقى أنت منسلخا عنك ونعتك منفسخا عليك، وحتى ترى أن مطاربك بالتمني معاطبك بالتمادي ومآلفك بالعيان متالفك بالخبر. فإذا بلغت هذا الحد لم يبق بينك وبينك ضد ولا ند"(18).

وهذا النص يعبر عن حقيقة التصوف الباطني الذي ساد أوساط الشعراء والكتاب أي الفنانين الذين امتزجت عندهم الرؤى الشعرية بالاستبصارات العرفانية ونذكر منهم النفري وابن عربي وابن الفارض وجلال الدين الرومي وفريد الدين العطار وغيرهم كثير، وقلنا التصوف الباطني لأن هناك ما يسمى بعلم السلوك وهو أمر يتصل بالأخلاق التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن أو المتصوف في علاقته بالله، والعرفان الذي نقصده في هذا المقام هو باطن التجربة الدينية التي تتعدى حكم الظاهر، وضمن هذه التجربة هناك حالة ترق من منزلة إلى منزلة حتى يصل الأمر إلى أعلى المنازل قدرا وفيها تظهر لنا الحقيقة التي يستطيعها الإنسان ومدى ما تكتنزه ذاته من أسرار وألطاف، وخلال الوصف الذي قدمه التوحيدي في نصه الأخير نجد بأن الخبرة الدينية تعاش على مستوى الفرد ولن تكون جماعية على الإطلاق.

لا يسعنا في مقام الحديث عن طبيعة التجربة الدينية من خلال نص التوحيدي في "الإشارات الإلهية" إلا الإشارة إلى خصوصية الموضوع الذي يخضع لكل ضروب التأويلات لأن المسألة متعلقة بنص فني فيه تتجلى اللغة الشعرية خارج إطار الأجناس الأدبية المتعارفة. والدين كتجربة روحية يأخذ بعده الميتافيزيقي من خلال رؤية الإنسان ذاته لله وللكون وللأشياء جميعا، والإنسان كله عالم مليء بالأسرار ولن يتوضح أبدا ما دام قوته الوحيد شيء نسميه "المجهول والغامض والسري".

الهوامش:
1 - أبو حيان التوحيدي: المقابسات، تحقيق محمد توفيق حسين، دار الآداب، ط2، بيروت 1989، ص 376.
2 - طاغور: مسرح وشعر، تعريب يوحنا قمير، دار المشرق، بيروت 1967، ص 149.
3 - محي الدين بن عربي: الفتوحات المكية، دار صادر، بيروت، مج 2، ص 399.
4 - ابن الدباغ: مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب، تحقيق هـ. ريتر، دار صادر، بيروت، (د.ت)، ص 119.
5 - مايكل تانر: نيتشه والعبقرية في "العبقرية، تاريخ الفكرة"، ترجمة، محمد عبد الواحد محمد، سلسلة عالم المعرفة، رقم 208، أبريل 1996، ص 184.
6 - أبو حيان التوحيدي: الإشارات الإلهية، تحقيق عبد الرحمن بدوي، وكالة المطبوعات الكويت، دار القلم بيروت 1981، ص 346.
7 - المصدر نفسه، ص 278-279.
8 - عبد الجبار النفري: المواقف والمخاطبات، تحقيق أرثر يوحنا أربري، دار الكتب العلمية، بيروت 1997، ص 39.
9 - أبو نصر السراج الطوسي: اللمع في تاريخ التصوف الإسلامي، ضبطه وصححه كامل مصطفى الهنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت 2001، ص 184.
10 - أبو حيان التوحيدي: الإشارات الإلهية، ص 65.
11 - المصدر نفسه، ص 178.
12 - المصدر نفسه، ص 40.
13 - المصدر نفسه، ص 331.
14 - المصدر نفسه، ص 208.
15 - أبو حيان التوحيدي: المقابسات، ص 142.
16 - الشريف الجرجاني: كتاب التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت 1995، ص 169.
17 - انظر، عبد الله الأنصاري الهروي: منازل السائرين، دار الكتب العلمية، بيروت 1988، ص 128.
18 - أبو حيان التوحيدي: الإشارات الإلهية، ص 141.
References:
1 - Al-Jurjānī, al-Sharīf: Kitāb at-ta‘rifāt, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut 1995.
2 - Al-Nafrī, ‘Abd al-Jabbār: Al-mawāqif wa al-mukhāṭabāt, edited by Arthur J. Arbery, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut 1997.
3 - Al-Tawḥīdī, Abū Ḥayyān: Al-ishārāt al-ilāhiyya, edited by ‘Abd al-Raḥmān Badawī, Wikālat al-Maṭbū‘āt and Dār al-Kalām, Kuwait-Beirut 1981.
4 - Al-Tawḥīdī, Abū Ḥayyān: Almuqābasāt, edited by Muḥammad Tawfīq Ḥussein, Dār al-Ādāb, 2nd ed., Beirut 1989.
5 - Al-Ṭūsī, Al-Sarrāj: Al-luma‘ fī tārīkh at-taṣawwuf al-islāmī, edited by Kāmil Muṣṭafā al-Hindāwī, Dār al-Kutub al-‘Ilmiyya, Beirut 2001.
6 - Ibn al-Dabbāgh: Mashāriq anwār al-qulūb wa mafātiḥ asrār al-ghuyūb, edited by Hellmut Ritter, Dār Ṣādir, Beirut (n.d.).
7 - Ibn Arabī, Muḥyī al-Dīn: Al-futūḥāt al-makkiyya, Dār Ṣādir, Beirut.
8 - Tagore: Masraḥ wa shi‘r, (Poems and plays), translated by Yuḥannū Qumayr, Dār al-Mashriq, Beirut 1967.
9 - Tanner, Michael: Nietzsche wa al-‘abqariyya, in (Genius: History of an idea), translated by M. A. Muḥammad, ‘Ālim al-Ma‘rifa, N° 208, Kuwait 1996. 
الإحالة إلى المقال:

* محمد خطاب: التجربة الدينية عند أبي حيان التوحيدي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن، سبتمبر 2008. http://annales.univ-mosta.dz

مقالات أخرى للكاتب:

اللغة في العرفان الصوفي
حوليات التراث، العدد 6، 2006.

***