جواب يعقوب والعذراء المزيفة نظريتان في المنشأ

أحمد محمد أمين هزايمة
إربد، المملكة الأردنية

الملخص:

يسعى البحث إلى بيان أن الشعر العذري وشعر التروبادور ضربان مختلفا الغاية، إذ بينما كانت غاية الشعر العذري هي بث الشكوى والحزن كما فعل يعقوب عليه السلام عند فقده ليوسف عليه السلام. فإن شعر التروبادور كان شعرا استغل الأمير به زوجته، إذ قام باستئجار الشعراء المتكسبين من أجل أن يصوروا تلك الزوجة بالطهارة والعفة تشبيها لها بالسيدة العذراء التي لها قبول ديني كبير عند العامة، وصل إلى درجة العبادة الحقيقية، وذلك من أجل أن ترتبط العامة ارتباطا عاطفيا دينيا بهذه العذراء المزيفة، التي هي زوجة الأمير، فيخضعون لسلطتها. ولما كانت زوجة (الفارس) خاضعة خضوعا تاما لزوجها، فإن هذه السلطة الظاهرية التي تملكها الزوجة على العامة ستؤول لزوجها، وبذا سيصير الناس في طاعة عمياء له، ولكن عبر عذرائه المزيفة، فمصطلح "موالاة البلاط" ليس إلا تعبيرا تجميليا لمصطلح الطاعة العمياء للسيد.

الكلمات الدالة:

الشعر العذري، التروبادور، الحب العفيف، السيدة العذراء، الأدب الفرنسي.

***
Answer of Jacob and the false virgin two theories of origin

Abstract:

The research seeks to show that the Udri poetry and the poetry of the troubadours are different strikes, as the goal of virgin poetry was to sow complaint and sadness, as Jacob, peace be upon him, did upon losing Joseph, peace be upon him. The poetry of the troubadours was poetry by which the prince exploited his wife, as he hired the acquired poets in order to portray that wife with purity and chastity, likening her to the Virgin who had great religious acceptance among the public, and reached the level of true worship, this is in order for the public to have a religious affiliation with this fake Virgin, who is the wife of the Prince, and submit to her authority. And since the wife of (the knight) is completely submissive to her husband, this apparent authority that the wife possesses over the public will revert to her husband, and thus people will become blindly obedient to him. But through his false virginity, the term "court loyalty" is nothing but a cosmetic expression of the term blind obedience to the master.

Key words:

Udri poetry, Troubadours, chaste love, Virgin Mary, French literature.

***

النص:

يتردد في الأدب ثلاثة مصطلحات تكاد تستخدم استخدام المتردافات هي: الغزل، والتشبيب، والنسيب. جاء في لسان العرب:(1) "شبب بالمرأة، قال فيها الغزل والنسيب"، وجاء فيه أيضا(2): "نسب بالنساء... شبب بهن في الشعر وتغزل"، وأما الغزل فعرفه لسان العرب بقوله(3): "الغزل: حديث الفتيان واللهو مع النساء".

ولكن، هل هذه المصطلحات من المترادفات حقا؟ وإذا كانت من المترادفات فلم لجأ الشاعر أو الناقد العربي إلى ابتكار هذه المصطلحات الثلاثة التي كان يستطيع أن يكتفي بواحد منها؟.

الحق إن هذه المصطلحات ليست من المترادفات عند الشاعر العربي بل إن كلا منها يدل على معنى مختلف، وإن كان الجامع بينها هو ذكر النساء، فمصطلح الغزل في أصله اللغوي مشتق من الغزال الذي يقرن قوائمه عند العدو، وأما في حقيقته الاصطلاحية فهو: "ذكر النساء بحديث يتغزلن منه أي يتفتلن منه تفتل أقدام الغزال من أجل تنشيط نفس المتغزل بها حتى يتمكن الشاعر من قضاء حاجته منها ولذلك قيل في المثل: "هو أغزل من امرئ القيس"، وحسبك معلقة امرئ القيس دليلا على تمكنه من إتقان ذلك الضرب من الحديث الذي يجعل المرأة تتغزل أي تتفتل تفتل أقدام الغزال"(4).

أما مصطلح التشبيب فمستعار من (تشبيب النار) وهو إيقادها، وفي الاصطلاح: "هو ذكر النساء بحديث الشوق تشبيبا لصدور المحارم (أي إشعالا لها) كما تشب النار، وذلك من أجل تنشيط نفس المشبب لأجله بالغيظ، والمشبب لأجله هم المحارم، أما المرأة فهي المشبب بها"(5).

إذا، فالغاية "من التشبيب... إغاظة محارم المرأة التي تذكر في أول الشعر، كما كان يفعل وضاح اليمن مع أم البنين إغاظة للوليد بن عبد الملك"(6).

وأما مصطلح النسيب، فمشتق من النسب، وهو القرابة، وفي الاصطلاح: "هو ذكر بعض أخبار أنسباء الشاعر من النساء (أي أقاربه) من غير مطمع في قضاء حاجته منهن وذلك من أجل التنفيس عن تحزن النفس، والتحزن: "هو انقباض النفس كما تنقبض الأرض الحزن أي الغليظة"(7)، إذا فالنسيب "ضد الغزل"(8)، ومثال ذلك مقدمة النسيب في معلقة زهير بن أبي سلمى.

فإذا جئنا إلى شعر العذريين ثم أردنا أن ندرجه في أحد الأصناف الثلاثة السابقة استحال علينا ذلك، فمجنون ليلى لم يكن يذكر ليلى حتى يشبب (يشعل) صدور محارم ليلى، وإن كان قد غاظهم أن يذكر قيس ليلى، لكن قيسا لم يكن يقصد إلى ذلك كما كان يقصد وضاح اليمن عند ذكره لأم البنين إغاظة لزوجها الوليد بن عبد الملك.

ولم يكن المجنون أيضا يقصد ذكر ليلى لكونها إحدى أنسبائه (أي أقاربه) من أجل أن ينفس عن تحزن نفسه كما فعل زهير عند ذكر زوجه أم أوفى.

ولم يكن المجنون كذلك يذكر ليلى حتى تتغزل (أي تتفتل تفتل أقدام الغزال عند عدوه) فتنشط نفسها فيتمكن من قضاء حاجته منها، ولذا نجد عند التحقيق أن تسمية شعر العذريين بالغزل العذري تسمية فيها تجاوز، وأدق من ذلك أن يسمى بالشعر العذري، وكذلك نجد أن تقسيم الغزل إلى قسمين حسي وعذري قسمة غير دقيقة، فالغزل مصطلح دال بنفسه على الوصف الحسي الذي يدفع المتغزل بها إلى أن تتفتل في جلستها وحركاتها.

إذا، فالغرض من ذكر المرأة في الشعر متعدد فهو: إما للغزل وإما للتشبيب وإما للنسيب، وإما لغرض آخر، وهو ما قصد إليه الشعراء العذريون، فما الغرض الذي قصد إليه هؤلاء الشعراء؟

إنهم كانوا يشكون بثهم وحزنهم بصوت مسموع، وهي شكاة لم ينج بسبها من عذل الناس، وما أشبه حالهم في شكواهم المسموعة مع العاذلين بحال يعقوب عليه السلام الذي لامه أهله لكثرة ذكره يوسف عليه السلام فأجابهم: "إنما أشكو بثي وحزني إلى الله"(9).

وكذلك كانت غاية الشعر العذري لقد كان أصحابه يشكون بثهم وحزنهم، وما أجمل ذلك النظم إذا ما رتل بصوت ندي، ذلك النظم الذي قصه علينا رب العالمين لذلك المشهد المؤثر بين يعقوب عليه السلام مع أهله في شأن بكائه على يوسف عليه السلام، قال تعالى: "وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما تعلمون"(10).

لقد كان الوصول إلى المحبوبة هو الغاية الكبرى التي سعى إليها الشعراء العذريون تلك الغاية التي إذا ما أدركوها فقد تحققت أمنياتهم، وهذا أمر جلي في سير هؤلاء العشاق، فما كانت معاناة قيس بن الملوح إلا أنه منع الزواج من ليلى، ولو تزوجها لكانت تلك هي غايته الكبرى. وما كان جميل وكثير ليمتنعا أيضا عن الزواج بمن أحبا لو تمكنا من ذلك، وما كانت معاناة قيس بن ذريح إلا أنه طلق لبنى على إلحاح من أمه عليه.

إذا فالشعر عند العذريين لم يكن هو المقصد الأول بل كان وسيلة لبث مشاعر الشوق والولع بتلك المحبوبة التي كانت هي نفسها الهدف المقصود، ولم يكن احتراقهم بنار الشوق من أجل أن يمتعوا الآخرين بالشعر بل كانوا رجالا مثل الرجال غير أنهم أحبوا، لقد كان القوم عشاقا صادقين، وغاية العاشق أن يصل إلى معشوقه.

1 - نظرية العذراء المزيفة:

ظهر في جنوب فرنسا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين شعر وصف بأنه يمجد المرأة تمجيدا عفيفا، وقد كان ظهوره في ذلك الحين حدثا غريبا إذ إن الرقة التي ظهرت في ذلك الشعر تخالف واقع الحال الذي كانت الغلظة والقسوة هما شعاره. وقد عرف هذا الشعر بشعر "التروبادور" (Les Troubadours)، وأطلق عليه بالفرنسية (Amour courtois) وترجم إلى الإنجليزية بـ (Courtly love).

ومكمن فهم حقيقة هذا الشعر هو في فهم المصطلحين، فكلمة "تروبادور" مشتقة من الكلمة العربية "طرب" مع بعض التحريف وأضيف إليها المقطع اللاتيني "دور" الدال على اسم الفاعل"(11)، إذا فمصطلح "شعر التروبادور" معناه في العربية هو "شعر المطربين"، وإنما سمي بذلك لأن منشديه كانوا يغنون هذا الشعر مصاحبا للموسيقى والحركات الراقصة، ومثل هذه الاستعارة اللغوية ما استعاره الأوروبيون من أسماء عدد من الآلات الموسيقية مثل "العود" الذي صار يلفظ "لوت"، و"القيثارة" التي صارت تلفظ "جيتار"(12).

أما المصطلح الآخر، وهو بالفرنسية "أمور كورتوا" وبالإنجليزية "كورتلي لف" فقد تعددت ترجماته إلى العربية فهو "عند يوسف خليف "أدب الفرسان" وعند سهير القلماوي ومحمود مكي "الحب الفروسي" وعند محمد غنيمي هلال "فن الحب العف" وعند عبد الواحد لؤلؤة "الحب البلاطي" أو "حب القصور"، وعند مريم البغدادي "أدب المجاملة"(13)، وأما عمر شخاشيرو مترجم كتاب "الحب والغرب"، فآثر استخدام اللفظ الفرنسي الدال على الصفة فسماه "الحب الكورتوازي"(14).

إن الترجمة اللفظية لكلمة (كورتلي) هي (البلاطي) والمقصود بلاط القصر، وهو استخدام مجازي علاقته المحلية حيث ذكر المحل وأراد الحال وهو الحاكم الذي يكون في القصر، أما الترجمة اللفظية لكلمة (لف) فهي (حب) فتصير الترجمة اللفظية للمصطلح هي (الحب البلاطي) وهذا المصطلح بهذه الصياغة وإن كان صحيحا في الترجمة اللفظية إلا أنه غير صحيح في الترجمة السياقية، وهذا هو السبب في كون المصطلح غير مفهوم فهما دقيقا عند القارئ العربي، لكن هذا الفهم سيزداد وضوحا عند القارئ العربي عندما يترجم المصطلح ترجمة تراعي السياق اللغوي الحضاري العربي، ذلك أن اللغة العربية استخدمت كلمة (الحب) للدلالة على تلك المودة التي تكون بين رجل وامرأة، أو بين رجلين من غير ريبة أو امرأتين كذلك، لكن العرب عندما أرادوا أن يعبروا عن التبعية السياسية من رجل لآخر استخدموا كلمة أخرى بعيدة عن كلمة (الحب) لقد استخدموا كلمة (الموالاة) فقالوا "فلان مولى فلان"، أي تابع له سياسيا أو قبليا أو خدميا (أي أن يكون خادما له)، ومن ثم نجد أننا عندما نترجم مصطلح (كورتلي لف) ترجمة تراعي السياق اللغوي الحضاري العربي فإننا سنترجمه بمصطلح (موالاة البلاط).

ومن ثم يأتي السؤال المهم، وهو ماذا يقابل شعر (موالاة البلاط) من أغراض الشعر العربي؟ هل يقابل الغزل العذري؟ يقينا لا، فالغزل العذري لا يحمل أي دلالة من دلالات الموالاة السياسية، إذا، فما هو الغرض الشعري الذي يحمل دلالة الموالاة السياسية؟ إنه شعر المديح، وهو ما يتجلى بصورة واضحة في العصر الأموي حيث ظهرت الأحزاب السياسية، وظهر معها شعر الموالاة السياسية لهذه الأحزاب.

وبعد، فإننا نأتي إلى السؤال الأهم، وهو لماذا لجأ الشعراء العرب إلى الثناء على شخص الأمير نفسه في شعر المديح ، بينما لجأ الشعراء المطربون (التروبادور) في جنوب فرنسا إلى الثناء على زوجات الأمراء بدلا من الثناء على الأمراء أنفسهم؟ هل كان هذا تغنيا بالعفة، أم هل كان الأمير الزوج ديوثا لا يغار على زوجته؟

الحق إن الأمر لم يكن تغنيا بالعفة؟ ولا قلة غيرة من الزوج، وإنما كان مكيدة صاغها الأمير الزوج ليخدع بها الناس مستغلا في ذلك زوجته (العفيفة)، ومستأجرا في سبيل ذلك شعراء متكسبين، فإذا تجاوز الشاعر حده، وأتى بما يستجلب الريبة عوقب إذ "تؤكد بعض الدلائل أن مبالغة الشاعر في تصوير عواطفه تجاه السيدة قد تدفع بالفارس (الزوج) إلى الريبة، ومن ثم إلى الانتقام فالتروبادوري برنارد الذي أحب زوجة كونت فانتادورن نفي إلى نورمانديا من جراء الريبة بأن الحب يقتصر على الشعر فحسب، وقطع لسان أحد الشعراء التروبادور من جراء الريبة في عفة العلاقة بين الزوجة والشاعر أيضا"(15).

ونرجع إلى سؤالنا، لم كان ثناء الشعراء المطربين (التروبادور) على زوجات الأمراء، لا على الأمراء أنفسهم؟ الجواب على ذلك يكمن في الوعي الفكري للشعوب، إذ كلما زاد الوعي الفكري للشعوب توجه الشعر وهو أحد أدوات الإعلام بل هو أقوى أدوات الإعلام القديمة توجه إلى التركيز على شخص الأمير من أجل إعلاء صورته عند الناس حتى يرونه أنه هو الأمير المثالي الذي يستحق أن يوالى سياسيا، فهذا هو هدف المديح السياسي الحقيقي، ولم يكن قط لإرضاء نرجسية الحاكم، بل كان الأمر دعاية سياسية له.

أما إذا قل الوعي الفكري عند الشعوب فعندئذ يلجأ إلى التزوير على الشعوب بأن يثنى على متعلق بهذا الأمير بدلا من الثناء على الأمير نفسه، وهذا ما حدث في بروفنس (جنوب فرنسا)، فقد أخذ التزوير على الشعوب منحنى غريبا من نوعه، إذ لجأ الشعراء المطربون إلى الثناء على زوجات الأمراء من أجل إعلاء صورة الأمير حتى يراه الناس أنه هو الأمير المثالي الذي يستحق أن يوالى سياسيا، ولكن لماذا الثناء على الزوجات؟ هذا هو السؤال المهم.

لقد استغل الأمراء سلطة الإعجاب التي كانت تحظى بها مريم العذراء عليها السلام عند الناس، ذلك الإعجاب الذي وصل حد العبادة، فعمد الأمراء إلى خدعة ماكرة، إذ قاموا فقربوا إليهم الشعراء وهو أدوات الإعلام القوي في ذلك العصر، من أجل أن يثنوا في أشعارهم على زوجات الأمراء، ثم يخرجون إلى الأسواق فيغنون ذلك الشعر للعامة ليجلب إعجابهم إلى هذه السيدة المثنى عليها بصفات تشبه صفات مريم العذراء عليها السلام.

إن الشعراء في الحقيقة كانوا ينسجون عذراء مزيفة للعامة لجلب انتباههم وحبهم لها، ومن ثم الولاء لزوجها، لأن امرأة تحظى بصفات العذراء المثالية لا شك أن زوجها يحظى بصفات مثالية أيضا، فهو لذلك أحق من غيره بأن يوالى سياسيا، ولما كانت الكنسية تحرم الطلاق فقد كانت الزوجة بذلك في قبضة زوجها المحكمة.

يذكر إبراهيم ملحم أن "تبعية السيدة لزوجها الفارس، (كانت) تضفي عليها قدرا من الإجلال، فقد كان رعايا الزوج يدينون للسيدة بالخضوع، ويسعون إلى نيل رضاها، مما مكن المرأة/السيدة من الإفادة في تحسين أوضاعها في المجتمع"(16).

ويقول أيضا: "لقد فتح الالتزام الذي يتعهد به الفارس أمام الكنسية بابا لأخلاق الفروسية التي تضمن حماية المرأة واحترامها، هكذا ساهمت الكنسية - دون أن تروم ذلك - في فرض احترام المرأة، هذا الجانب المشوق استغلته زوجات الفرسان والنبلاء، فقربن إلى البلاط الشعراء التروبادور... الذين كانوا يطوفون من مكان لآخر... من أجل الموسيقى والغناء، أو عرض الألعاب المضحكة ويحظون بانجذاب شعبي كبير"(17).

إننا عند تحليل النصين السابقين نجد أن هنالك عددا من الأطراف فهنالك الفارس الزوج والزوجة، والشعراء، والعامة، ونجد أن العلاقة بين هذه الأطراف الأربعة تسير على النحو الآتي: (العامة توالي الفارس الزوج؛ ومن ثم فالعامة تجل الزوجة احتراما لزوجها؛ ثم استغلت الزوجة هذا الإجلال فقربت الشعراء إليها).

ولكن من أجل أي شيء؟ هل من أجل تحسين صورة المرأة في المجتمع كما تعمد إلى ذلك جمعيات النساء في زماننا؟ إن هذه النظرة المثالية لعصر الظلام ذلك أكثر مثالية من المدينة الفاضلة.

إن الحقيقة الواضحة - عند التحقيق - أن ما عرف بشعر "موالاة البلاط" لم يكن لتحسين صورة المرأة، ولم تكن المرأة وهي زوج الأمير هي المستغلة (بصيغة اسم الفاعل) بل كانت هي المستغلة (بصيغة اسم المفعول)، وكان زوجها هو المستغل، ومن ثم نستطيع أن نعيد ترتيب العلاقة بين الأطراف السابقة على النحو الآتي: (العامة تحترم مريم العذراء؛ الزوج الفارس يقرب الشعراء من أجل نسج عذراء مزيف؛ زوجة الفارس هي المرأة النموذج لتمثيل هذا الدور؛ يتوقع أن توالي العامة هذه العذراء المزيفة؛ العذراء المزيفة (أي الزوجة) في قبضة زوجها الفارس؛ إذا ولاء العامة سيؤول إلى الزوج).

والحق إن اختيار الزوج (الفارس) زوجته لتكون هي العذراء المزيفة - مع رفضنا الأدبي لهذا - كان اختيارا ذكيا، فالزوجة لا تستطيع أن تفلت من قبضة زوجها لأن الزواج في النصرانية قائم على التأبيد، فلا مجال للهرب من سيطرة الزوج، بينما لو اختار الزوج الفارس امرأة أخرى لتقوم بهذا الدور، لم يضمن الفارس أن تغري تلك السلطة التي اكتسبتها عذراؤه المزيفة على الناس بعد أن عمد الشعراء إلى تربيط العلاقة بينها وبينهم تربيطا عاطفيا دينيا، لم يضمن أن تغري تلك السلطة العذراء المزيفة فتدفعها إلى التمرد كما حدث مع (جان دارك)(18) مثلا.

فالدراسة المتأنية لسيرة "جان دارك" وهي التي لقبت بعذراء أورليانز (اسم المدينة التي حررتها)، والتي لم يزد عمرها عن ثلاثة عشر عاما عندما بدأت تنشر أوهامها الدينية على الناس، وهو العمر الذي يوافق عمر مريم العذراء عندما حملت بالمسيح عليه السلام تؤكد أنها لم تكن إلا إحدى العذراوات المزيفة، بل كانت أشهرهن على الإطلاق حتى لقد انطلت هذه الخدعة على الكنسية الكاثوليكية، فمنحت جان دارك بعد أكثر من 450 عاما لقب "قديسة"، ثم إن الزعم بأن شارل السابع قد صدقها وأرسل اثنا عشر ألف جندي بقيادة هذه الفتاة الصغيرة أشبه بالحمق ولكن الحق أن شارل السابع لم يكن أحمق، بل كان ذكيا عندما نسج عذراء مزيفة ليسيطر بها على الناس وليوجههم كما يريد، غير أنها - أي جان دارك - لما أغراها الانتصار الأول حاولت التمرد على سيدها فتخلى عنها لتقتل بيد أعدائه.

إن خدعة "العذراء المزيفة" ليست بعيدة عن التصديق، فنحن نعرف خدعا أخرى ارتكبها الأمراء والبابا فمن ذلك خدعة "صكوك الغفران"، التي شكلت فضيحة كبرى في تاريخ الكنسية البابوية، حتى كانت من أكبر المنكرات التي أنكرها البروتستانت على الكاثوليك، ونعرف كذلك خدعة "صورة القبر المقدس"، إذ قامت الكنسية برسم صورة للقبر المقدس (قبر المسيح) وقد دنسه المسلمون وذلك لتحريض العوام على القتال، والطريف في الأمر أنه بحسب العقيدة النصرانية فإن المصلوب قد قام من مغارته التي دفن فيها بعد ثلاثة أيام ودخل الجحيم ليعذب عن خطايا الناس ثم قعد إلى يمين أبيه في السماء منتظرا الناس حتى يحاسبهم يوم الدينونة، وبقيت المغارة التي دفن فيها المصلوب فارغة، أي إنه لا وجود لما سمي بالقبر المقدس في الأرض، ولا أعني أرض فلسطين بل كوكب الأرض، ومع ذلك فقد انطلت هذه الخدعة على العوام، وذلك لقلة الوعي الفكري القادر على مناقشة هذه المسألة.

وبعد، فإن تسمية هذا الشعر بشعر (الحب البلاطي) كما في ترجمته اللفظية لدليل واضح على النزعة السياسية فيه فهو شعر صدر بقرار من بلاط الأمير يحث العامة على الموالاة.

وعليه فإننا إذا أردنا تسمية هذا الشعر من جهة علاقة الزوج مع زوجته لسميناه شعر استغلال الزوجة، وإذا أردنا تسميته من جهة علاقة الشاعر مع الأمير لسميناه شعر التكسب فالولاء السياسي الذي كان يسعى إليه الأمراء كان يقابله رفاه معيشي يحظى به الشعراء في قصور من يعملون لأجلهم، ولو أردنا تسمية هذا الشعر من جهة علاقة العامة بالأمير لسميناه شعر الموالين للبلاط، أما إذا أردنا تسميته من جهة علاقة الزوجة بالعامة لسميناه شعر العذراء المزيفة.

إن الخاسر الكبير في هذه الخدعة هم الناس ذلك أن الأمير ربح ولاء الناس السياسي، والشاعر كسب المال والحظوة في القصر، والسيدة وإن كانت هي الطرف الضعيف إلا إنها كسبت الشهرة، أما الناس فقد خدعوا فهم الخاسر الكبير.

2 - كتاب فن الحب:

يرجع كتاب "فن الحب" إلى القرن الرابع عشر... يحتوي بين (صفحاته) بعض "محاكمات حب" صادرة من سيدات عظيمات في نهاية القرن الثاني عشر"(19)، ويعد هذا المصدر "المصدر الوحيد لأخبار العصر المتعلقة"(20)، بهذه المسألة أعني مسألة محاكمات الحب أو مجالس الحب.

أما "محاكمات الحب" فهي محاكمات نسائية حيث كانت السيدة الرئيسة تدعو عددا كبيرا من النساء، قد يصل إلى ستين سيدة للاجتماع للنظر في مسائل الخلاف بين المحبين، وذلك في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين"(21).

غير أن هذه المحاكمات كانت موضع رفض عند كثير من النقاد، فقد أكد فردريك دييز وهو أديب ألماني ومؤسس علم اللغات الروماني منذ عام 1825 في كتابه "محاولة عن مجالس الحب"، أنه "لا شيء يثبت أنه كانت هناك محاكم نسائية حقيقية"(22)، وذهب فاليه دي فيريفل الذي كان قيما للمحفوظات في الأوب، ثم أستاذا في مدرسة دي شارت سنة 1853 في باريس إلى أنه "ليس هنالك نص تاريخي يدعم النتائج التي تقدمت على هذه المحاكمات المزعومة"(23) أما لويس باسي وهو سياسي كان قد درس هذه المسألة سنة 1858 فقد "نفى الأنظمة المزعومة للمحاكمات العاطفية في العصور الوسطى، شأنها شأن الأساطير"(24).

وبعد، فما منشأ "مجالس الحب" هذه؟ وما حقيقتها؟ الحق إن منشأها كان سياسيا لا غراميا، إذ نجد أن " تعبير (مجلس الحب) نفسه لا يوجد - في الحقيقة - في أي نص من نصوص العصر الوسيط،… بمفهوم العدالة أو القضاء الذي كانت النساء تجعله أحكاما حقيقية على الخصومات التي تحدث بين المحبين، وعندما يصادف المرء اصطلاح "مجلس الحب" في معرض الكلام على الملك آرثر (في القرن السادس الميلادي) على سبيل المثال يجد أنه يشير فقط إلى مجالس السيدات اللامعات والفرسان الذين كانوا يعيشون في قصر "ملك الحب"، وفي كل مركز مشابه (كتلك المجالس التي كانت) في بلاط الملك لويس الرابع عشر في قصر فرساي"(25).

إن مصطلح "ملك الحب" لا يختلف عند التحقيق عن قولنا "ملك القلوب" وهو من الألقاب التي يطلقها المتزلفون للملوك طمعا في المال والمكانة، وكذلك لا يختلف مصطلح "مجلس الحب" عن قولنا "مجلس الولاء"، وهو مجلس لا يحظى (بشرف) الدخول إليه إلا من ثبت ولاؤه لملك الحب (ملك القلوب) وهو مجلس كانت تجتمع فيه السيدات والفرسان. وأقدم مجلس حب أي ولاء وصلنا يرجع إلى القرن السادس الميلادي حيث كان يعقد في بلاط الملك آرثر، ثم بقيت هذه المجالس تعقد في أوروبا إلى زمن متأخر يصل إلى القرن الثامن عشر، وفي مجالس الحب هذه التي تعني مجالس الولاء للملك كانت تعقد محاكمات حب للفرسان أي محاكمات إثبات الولاء للملك أو نفي ذلك الولاء، فهي محاكمات ذات صبغة سياسية صرفة.

ثم جاء أندريه لوشابلان (الكاهن) في القرن الرابع عشر فاستعار مصطلح (مجالس الحب) من مصطلح سياسي إلى مصطلح وعظي مستفيدا من الدلالة الصريحة لكلمة الحب التي هي جزء من المصطلح والتي كانت تستخدم استخداما مجازيا للدلالة على الولاء السياسي فنسج على ألسنة نساء ترجع إلى القرن الثاني عشر أحكاما خلقية فيما ينبغي أن يتصف به المحبون من أخلاق وهي أحكام كن يصدرنها في صورة محاكمات تجمع بين السيدة القاضية والمدعي والمدعى عليه سواء أكانوا رجالا أو نساء. وكانت الغاية من جعل هذه المحاكمات على ألسنة النساء هي إضفاء الظرافة على هذه الأحكام لجذب الناس.

وأندريه لوشابلان مؤلف "لا نعرف عنه الشيء الكثير"(26)، إلا أن الجزء الثاني من الاسم وهو "لوشابلان" اسم يحمل إحدى دلالتين فهو إما "كاهن"، وإما "أمير"(27)، وهذا اللقب يشبه في العربية لقب "الشيخ" الذي يحمل دلالة دينية بمعنى "عالم الدين" ويحمل دلالة سياسية بمعنى "رئيس دولة، أو رئيس قبيلة"، وهو لقب يدل في أصل معناه على معنى "الرجل كبير السن" وأعتقد أن اللقب "لوشابلان" لا يختلف في دلالته اللغوية والمجازية عن الكلمة العربية التي هي "الشيخ".

وقد أهدى المؤلف الكتاب إلى شخصية تدعى "جوتييه" وهي شخصية غير معروفة أيضا، إذ يمكن أن يكون هذا المرسل إليه "نبيلا شابا"(28). ويمكن "ألا يكون سوى مرسل إليه وهمي"(29)، وهذا هو الراجح لأن الكتاب في حقيقته كتاب تعليمي وعظي، ذلك أن من يطالع فصل "قانون الحب" يشعر أن أندريه لوشابيلان لم يكن سوى كاهن أراد أن يصنع كتابا تعليميا للناس يعظهم فيه، يقول لوشابلان أي (الكاهن): "عليه ألا يكفر في كلامه بالله أو القديسين، كما عليه أن يبدو متواضعا مع الجميع، ومستعدا لخدمة كل الناس، وعليه ألا يحتقر إنسانا في كلامه... وعليه ألا يطري الأشرار الخبثاء... وعليه ألا يتفوه ضد رجال الاكليرك أو رهبان الله أو ضد أي شخص ذي بيت ديني..." (30).

أما أحكام الحب وقواعده فهي لا تخرج في حقيقتها عن قواعد تعليمية وعظية تشتهر على ألسنة كثير من الوعاظ، لم يزد عمل لوشابلان (الكاهن) فيها عن جمعها فهو يقول في هذه القواعد: "تجنب البخل ومارس الكرم، تحاشى الكذب دائما، لا تكن نماما، لا تفش أسرار الأصدقاء، لا تبحث عن الحب عند امرأة ستشعر بالعار إن تزوجتها... الخ"(31).

وبعد فإننا نستطيع أن نرى بوضوح أنه لا علاقة بين شعر المطربين (التروبادور) الذي قام على أساس نظرية العذراء المزيفة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وبين مجالس الحب التي نسجها لوشابلان (الكاهن) في القرن الرابع عشر لغرض وعظي بعد أن كان قد استعار المصطلح من دلالته السياسية التي كانت تعني مجلس المحبين للملك، أي الموالين له.

الهوامش:
1 - ابن منظور: لسان العرب، مادة (شبب).
2 - المرجع نفسه، مادة (نسب).
3 - المرجع نفسه، مادة (غزل).
4 - أصيل الصيف الأصولي: علم أصول معاني الألفاظ ومجازها: سبيل متعة المعرفة الموصل إلى إدراك المجازات المنسية، دار الراتب، عمان 1427هـ-2006م، ص 137.
5 - المرجع نفسه، ص 138.
6 - نفسه.
7 - المرجع نفسه، ص 139.
8 - نفسه.
9 - سورة يوسف، الآية 86.
10 - سورة يوسف، الآيات 84-86.
11 - مريم البغدادي: شعراء التروبادور، الطبعة الأولى، 1401هـ-1981م، ص 18.
12 - المرجع نفسه، ص 18.
13 - إبراهيم احمد ملحم: نظرية الحب عند الشعراء التروبادور، وأثرها في دراسة شعر الغزل الأموي، مجلة عالم الفكر، مج 29، العدد 1، يوليو - سبتمبر 2000، ص 212. وانظر، د. إبراهيم احمد ملحم: شعرنا القديم والنقد الأجنبي...، دار الكندي، ط1، 2003.
14 - المرجع نفسه، ص 212.
15 - المرجع نفسه، ص 216.
16 - المرجع نفسه، ص 215.
17 - نفسه.
18 - جان دارك: (كما في السيرة الشعبية) ولدت عام (1412م) شمال شرق فرنسا، وتوفيت في التاسعة عشرة من عمرها، بعد أن أحرقت قوات الاحتلال الإنجليزي جسدها حية، واتهموها بالإلحاد، ترجع شهرتها إلى نجاحها في رفع حصار الإنجليز عن مدينة "أورليانز" الفرنسية عام (1429م)، حيث كان رجال الدين قد اختبروها مدة ثلاثة أسابيع حتى تيقنوا من صدقها، فوهبها الملك اثنا عشر ألف جندي قادتهم إلى "أورليانز" وتمكنت من الانتصار، وطرد الإنجليز وعرفت منذ ذلك الحين باسم "عذراء أورليانز" ثم قامت بتتويج الابن البكر للملك على العرش ومنحته لقب شارل السابع لكن "دارك" أخفقت في معركتها التالية قبل أن تصل إلى باريس، وسقطت عام (1430م) في أيدي جنود دوق "بورجوني" الخائن ثم باعها إلى الإنجليز بعد أن ألصقوا بها تهمة السحر، وقدمت إلى محكمة كنسية وحكم عليها بالإلحاد، وعليه فقد أحرقت عام (1431م)، وفي عام (1909م) أي بعد أكثر من (450) عاما أعيدت لها نصرانيتها، ثم لقبت بالقديسة عام (1920م).
19 - مريم البغدادي: شعراء التروبادور، ص 64.
20 - المرجع نفسه، ص 66.
21 - المرجع نفسه، ص 64-66.
22 - المرجع نفسه، ص 92.
23 - نفسه.
24 - نفسه.
25 - المرجع نفسه، ص 59.
26 - المرجع نفسه، ص 68.
27 - نفسه، هامش (1).
28 - المرجع نفسه، ص 69.
29 - نفسه.
30 - المرجع نفسه، ص 73-74.
31 - المرجع نفسه، ص 75-76.
الإحالة إلى المقال:

* أحمد محمد أمين هزايمة: جواب يعقوب والعذراء المزيفة نظريتان في المنشأ، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن 2008. http://annales.univ-mosta.dz

***