سنبلزاده وهبي أفندي ومعلقة امرئ القيس

د. سلامي باقيرجي
جامعة آتاترك أرضروم، تركيا

الملخص:

يتناول هذا البحث القصيدة التي قالها شاعر تركي تضمينا لشاعر عربي جاهلي. هذا الشاعر هو سنبلزاده وهبي أفندي، الذي عاش في العصر العثماني وعني الأدب العربي والفارسي، هو عالم مبدع متفنن أيضا، له قصائد عربية ضمن ديوانه باللغة التركية، منها قصيدة عربية نادرة في الأدب العربي فيما نعلم. وتكتسب هذه القصيدة أهميتها من أن الشاعر ضمن فيها معلقة امرئ القيس، أي بناها على منوال معلقته، إذ جعل فيها الشطر الأول لنفسه والشطر الثاني من معلقة امرئ القيس. عدد أبيات هذه القصيدة سبعة عشر بيتا، حققت هذه القصيدة عن نسخة ديوانه، التي تحتفظ بها المكتبة الجامعية بأرضروم. وقدمت له بدارسة موجزة حكيت فيها قصته، وترجمت لصاحبها، ثم ألمحت بالفن البديعي الذي تنتسب إليه القصيدة وهو فن التضمين.

الكلمات الدالة:

الشعر التركي، امرؤ القيس، التضمين، العصر الجاهلي، العصر العثماني.

***
Sonbol Zadeh Wahbi Effendi and the poem of Imru al Qays

Dr Selami Bakirci
Ataturk University of Erzurum, Turkey

Abstract:

This paper deals with the poem said by a Turkish poet, which included a Jahili Arab poet. This poet is Sonbol Zadeh Wahbi Effendi, who lived in the Ottoman era and meant Arabic and Persian literature, he is a creative and masterful scientist as well, who has Arabic poems in his poems in the Turkish language, including a rare Arabic poem in Arabic literature as far as we know. And this poem gains its importance from the fact that the poet included in it the hanging of Imru' al-Qays, that is, he built it in the manner of his comment, as he made in it the first part for himself and the second part of the commentator of Imru' al-Qays. The number of verses of this poem is seventeen verses. This poem is based on a copy of his office, which is kept by the University Library in Erzurum. I presented him with a brief study in which I told his story, and translated to its owner, then alluded to the rhetorical art to which the poem belongs, which is the art of inclusion.

Keywords:

Turkish poetry, Imru al Qays, inclusion, pre-Islamic era, Ottoman era.

***

النص:

منذ فجر التاريخ، أي مع اتصال الأتراك بالبلدان الإسلامية أخذت اللغة العربية تکتسب أهمية ورفعة بين الأتراك. ومن المعلوم أن الأتراك لما اعتنقوا الإسلام أخذوا يكتبون بالحروف العربية، وتعلموا اللغة العربية، كما تعلموا اللغة الفارسية في آسيا الوسطى(1)، وازدادت هذه الأهمية مع الاتصال منذ زمن السلاجقة حتى قد بلغ في العصر العثماني أوجها، ومن هنا انتشرت هاتان اللغتان خلال الممالك العثمانية بأسرها، فأصبحت صلة اللغة العثمانية بهما (العربية والفارسية) صلة وثيقة، حتى تدرس بين العلوم الشرعية والأدبية. مع مرور الزمن أضحی للغة العربية مكانة خاصة بين الأتراك عامة، ومع ذلك نشأت طبقة من الأدباء والشعراء الذين أتقنوا اللغة العربية والفارسية معا. فانتشرت اللغة العربية كلغة الدين والثقافة، واللغة الفارسية كلغة الأدب خلال الممالك العثمانية، ولذلك أصبح إتقان هاتين اللغتين ضروريا لكل من الأدباء والشعراء العثمانيين.

ولا بأس من الإشارة - قبل دخول قصيدة سنبلزاده وهبي أفندي - إلى خصوصيات الشاعر العثماني آنذاك. كانت للعلماء والأدباء العثمانيين صلة وثيقة باللغة العربية وبآدابها القديمة نثرا كان أو نظما. كانت هناك حلقات تدرس فيها اللغة العربية والعلوم الأدبية كما تدرس العلوم الدينية، وتدرس اللغة العربية أيضا في المدارس العثمانية كلغة. وازدادت هذه الصلة بازدياد اهتمام العلماء والأدباء باللغة العربية. وكثير منهم عني بالأدب العربي خاصة منذ أوائل العصور حتى السنوات الأخيرة. فأقبلوا عليها ودرسوا وأتقنوا واطلعوا على كتبه العلمية والأدبية القديمة، واشتغلوا بالبحوث والدراسات والتأليف بالعربية، حتى صارت اللغة العربية لغة ثانية والفارسية لغة ثالثة لهم. ويكاد ينعدم من الشعراء العثمانيين من لا يدرس العربية والفارسية ولا يملك القدرة علی الاطلاع علی الكتب بهاتين اللغتين. والسبب في ذلك أن الشاعر العثماني - أي شاعر - لا بد له من أن يدرس اللغة العربية والفارسية وأن يكون فيهما على درجة رفيعة، وأن يعرف بعلوم عصره من الشعر والأدب واللغة والعروض والقافية العربية حتى يجعله قادرا على نظم الشعر التركي الذي يحتوي كلمات وتركيبات عربية أو فارسية، أو يضمن اقتباسات من القرآن الكريم أو من أقوال النبي (صلى الله عليه وسلم) أو بيتا أو شطر بيت من الشعر العربي أو الفارسي. ولهذا كانوا مضطرين لتدريس هاتين اللغتين. ولهذه الأسباب أخذ الأدباء العثمانيون يلتفتون إلى هاتين اللغتين ويهتمون بأدبهما قديما كان أو حديثا، ويحرصون على اقتناء إصداراتهما، والتزموا بأدب الشعر العربي، والدراسات المتميزة منذ العصر الجاهلي، ولذلك كان الشاعر العثماني ذا ثقافة عالية في الأدب والثقافات العربية والفارسية معا، وكان أيضا على اطلاع منظم بالعلوم الإسلامية والعربية. وبذلك نرى أن ارتباط السلاطين والمجتمع العثماني بالدين الإسلامي أولا وباللغة العربية ثانيا من أهم الأسباب التي دفعت الشعراء والأدباء إلى نظم الشعر باللغة العربية. وقد أتاح ذلك لهم أن ينظموا الشعر العربي خلال أشعارهم التركية إسهاما يزيد حسنا في أعمالهم الأدبية التي نقرؤها فنعجب بها.

ويذكر التاريخ العثماني أن السلاطين العثمانيين كانوا يحرضون الأدباء والشعراء لتعلم اللغة العربية والفارسية كما يتعلمون أنفسهم ويداومون ويطالعون العربية حين درسوا العلوم الإسلامية. قال عمر موسى باشا: "لا بد لي من ذكره ها هنا. وهو دحض بعض مؤرخي الأدب، فهم يزعمون أن هؤلاء السلاطين لا يعرفون العربية إطلاقا، وليس لهم بها أي إلمام أو معرفة، وهذا الاعتقاد يخالف الحقيقة والتاريخ"(2). نعم، هذا الاعتقاد يخالف الحقيقة والتاريخ بلا شك. لأن التاريخ يوضح هذه الحقيقة كل الوضوح، من حيث أن السلاطين العثمانيين كانوا يشجعون الشعراء نظم الشعر باللغة التركية وباللغة العربية(3)، فضلا عن ذلك أن بعضا منهم كانوا يعرفون عدة لغات، ويجيدون اللغة العربية مثل السلطان محمد الثاني فاتح استانبول، والسلطان مراد الثاني. ومنهم من نظموا الشعر باللغة العربية كما نظموا باللغة التركية، مثل السلطان مراد الثالث ابن السلطان سليم الثاني (953هـ/1546م-1003هـ/1595م)(4) والسلطان عبد الحميد الأول ابن السلطان أحمد الثالث (1137هـ/1725م-1203هـ/1789م)(5) والسلطان أحمد (998هـ/1589م-1026هـ/1617م)(6)، ولهم قصائد عربية متقنة وجيدة.

وكذلك اهتم العلماء الأدباء والشعراء العثمانيون بالأدب العربي خاصة، وإذا أمعنا النظر أن كثيرا من الشعراء حفظوا كثيرا من القصائد العربية، كأنهم ينافسون فيما بينهم في حفظ القصائد العربية القديمة(7). ودرسوا اللغة العربية والفارسية كثيرا وترجموا من الكتب إلى اللغة التركية، أو ألف كثير منهم بإحدى اللغتين المذكورتين، أو نظموا أشعارهم بهما أو بإحداهما فأنتجوا أشعارا عربية وفارسية جيدة ملتزمين بقواعد اللغة والعروض والقوافي، فيها عناية باللغة والأدب والبلاغة والفصاحة. ومنهم من تأثر بأسلوب القرآن الكريم، وترتيب فواصله وجلال معانيه، ولذلك رصع أشعاره بالآيات القرآنية، وأطلق على هذا النوع من الشعر (الملمعات)، ويسمى هذا اللون من الفن (التلميع). ومنهم من تأثر بأشعار الشعراء العرب كأشعار المعلقات وأشعار حسان بن ثابت وقصيدة - بانت سعاد - لكعب بن زهير، وقصيدة - أمن تذكر جيران بذي سلم - للبوصيري وغير ذلك. وتخمسوا للأشعار هذه، ويسمى هذا النوع من الشعر (التخميس) الذي يحتاج إلى متانة لغوية في التركيب، وجزالة في المعاني. حتى إنهم نظموا شعرهم شطر البيت من اللغة التركية وشطره الآخر من اللغة العربية أو الفارسية.

لا شك في أن ما خلفه الشعراء العثمانيون من آثار في مجال الأدب العربي والفارسي كان نتيجة ممارستهم الأدب العربي والفارسي. وبعبارة أخرى كان الأمر مرتبطا بثقافة الشاعر العثماني ونبوغه في اللغتين المذكورتين وأدبهما. فموقف الشعر العربي في الأدب العثماني مرتبط بالدين الإسلامي من ناحية الأوضاع. ولذلك نجد في الشعر العربي الذي قاله الشاعر العثماني كثيرا من المعاني الدينية الإسلامية مثل المدائح النبوية أو الأخلاق الحميدة أو المعاني الصوفية. ومنهم من غلب عليه العلم كالتفسير والحديث والقراءة وغير ذلك، والتزم بالأدب أيضا، الأدب الديني والوعظ والنصيحة، ونظم الشعر العربي في الموضوع الديني والصوفي، والأمثلة من هؤلاء الشعراء كثيرة ومتعددة عند العثمانيين، مثل أبي السعود أفندي، شيخ الإسلام والمفسر المشهور، ومثل أسعد محمد أفندي، وهو شيخ الإسلام(8)، عالم مشارك في شتى العلوم، وهو أديب شاعر أيضا، ولهم أشعار عربية تستند إلى قوته العلمية. فتتبعنا وأثبتنا من أوائل عصر العثمانيين إلى انحطاطهم حوالي ثلاثمائة شاعر تركي نظم الشعر العربي. ولكن الأهم منه الذي نظم الشعر فقط، فشاعرنا من هؤلاء اللذين نظموا الشعر عاطفيا ووجدانيا. وهو محمد بن رشيد المعروف بـ"سنبلزاده"، الملقب بـ"وهبي". ولد شاعرنا سنبلزاده وهبي في مدينة مرعش التركية، وتلقى تعليمه على يد العلماء في مختلف العلوم والفنون بمدينته، ثم انتقل إلى استانبول. وكان أبوه شاعرا أيضا، وجده مفتيا في مدينة مرعش، وصار عالما في العلوم العربية والإسلامية جميعا، وكان من الموظفين الكبار للدولة العثمانية، حتى صار قاضيا ولذلك كان يعرف بالقاضي محمد رشيد سنبلزاده وهبي، ثم صار رئيس الكتاب في الديوان، وفي فترة قليلة صار سفيرا في إيران للدولة العثمانية. واشتهر بين العلماء والشعراء العثمانيين في زمانه، وله أشعار في الحكمة، توفي في إستانبول سنة (1224هـ-1809م). ترك سنبلزاده وهبي ميراثا خالدا للأدب التركي من الشعر والنثر باللغات التركية والعربية والفارسية في أثار قيمة مثل:
تحفة وهبي: وهي منظومة في اللغة المتعلقة باللغة الفارسية.
نخبة وهبي: وهي منظومة في اللغة المتعلقة باللغة العربية.
شوق أنكيز: وهي منظومة تركية في الأدب أيضا.
لطفية: وهي منظومة تركية كذا.
وديوان شعر باللغات التركية والعربية والفارسية، طبع في استانبول سنة (1253هـ). وله قصائد عربية مختلفة ضمن ديوانه(9).

سنبلزاده وهبي يعتبر من أبرز شعراء الشعر الكلاسيكي التركي (أدب الديوان)، بل يعتبر من أهم الشعراء العثمانيين في عهد السلطان عبد الحميد الأول والسلطان سليم الثالث ولذلك يقال له (سر لوحه شعراء) بالفارسية، أي أشعر الشعراء العثمانيين في عصره.

وكان عالما وشاعرا متقنا ومتفننا. ويبدو من ديوان شعره أنه قد قرأ شعرا كثيرا من شعراء العرب، وهذه القراءة قد أثرت في نضجه وغزارة علمه وثقافته واطلاعه على العربية. بينه وبين صديقه الشاعر السروري معارضات شعرية على غرار نقائض جرير والفرزدق. هذه القصة تشهد على معرفته بالشعر العربي، لقد زاره صديقه الشاعر السروري عند مرضه الذي توفي به، وعندئذ قال سنبلزاده وهبي لصديقه سروري: قل لي شعرا تشير إلى تاريخ وفاتي فأبكي قبل موتي. فأجاب السروري، نعم وقال بيتا بمعناه العربي هذا: "يا وهبي سوف تحشر مع امرئ القيس". فيقول سنبلزاده وهبي: "لا بأس، إنما امرؤ القيس كان رجلا عظيما"(10). ومن هذه المحاورة التي تجري بين الصديقين يظهر أن سنبلزاده وهبي كان منشغلا بأشعار امرئ القيس خاصة وبالشعر العربي عامة. ونرى ذلك من أشعاره العربية ومعرفته الثقافية التاريخية الواسعة، كما نلمس حسن فهمه للأدب العربي أيضا، ونلاحظ أنه كان مطلعا على الأدب التركي والعربي والفارسي معا اطلاعا واسعا وأن له قدرة ثقافية عالية في هذه اللغات الثلاث. وبالإضافة إلى ذلك، يظهر من قصائده معرفته بالعروض والوقوف على دقائق الفصاحة والبلاغة معرفة تامة. وشعره يعكس رقة إحساسه ومشاعره وجزالة الكلمة وبساطتها.

وحظي امرؤ القيس بعناية الشعراء، فكانوا يعارضون قصائده ليكتسبوا المران على نظم الشعر الأصيل، واتكأ بعضهم على قصائده، فشطروها صارفين معناها(11). ومنهم الشاعر العثماني سنبلزاده وهبي. من القصائد العربية التي قالها سنبلزاده وهبي، قصيدة ضمنها معلقة امرئ القيس. هذه القصيدة ضمن ديوانه التركي المطبوع في استانبول سنة 1253هـ. إن هذه القصيدة لسنبلزاده وهبي تكاد تصل إلى حالة من المعارضة لقصيدة امرئ القيس، إذ تلك القصيدة تماثلها ويتلو تلوها في الوزن والقافية. ولكن المعاني لم تتشابه بين القصيدتين كما تشابهت المفردات، إذ الشاعر يغير المعاني التي يطلقها امرؤ القيس على نفسه، ويصف خلال شعره طبيعيا حالة نفسه.

التضمين(12): وهو - في الشعر - أن يضمن الشاعر كلامه شيئا من مشهور شعر الغير(13). إذن فالمقصود بالتضمين هو ذكر نص قرآني أو حديث نبوي في الشعر، أو أن يضمن عجز البيت الشعري عجز بيت آخر أو صدره أو بيتا كاملا من شعر آخر. وأحسن التضمين أن يزيد الشاعر نكتة لا توجد في الأصل، وهذا نوع من التضمين أو الاقتباس الكامل والأفضل، لأن الشاعر يقوم بذكر البيت كاملا دون محاولة منه لتغيير أو تبديل مفردات النص الآخر، فيذكره كما هو، وهنا تظهر أفضلية الشاعر وقدرته على لسان غير لسانه، لأن الشاعر قام في قصيدته بتضمين أبيات الشاعر الآخر. فهذا فعله سنبلزاده وهبي في شعره، حيث أجاد في توظيف معلقة امرئ القيس داخل قصيدته، لدرجة أننا لا نستطيع أن نفرق بين أبياته وأبيات امرئ القيس. لقد ذوب أبيات امرئ القيس فبدت وكأنها متجانسة مع قصيدته لا فرق بينهما. وعلى الرغم مما بين القصيدتين من تشابه فإن كلا منهما تستقل بمعانيها، وانعكس ذلك على جمالية القصيدة، في ألفاظها وصورها وتناسب الأبيات بين شطريها وزخرفها وسياق الفكر وأنواعها.

وها هي القصيدة المذكورة(14) ننشرها لأول مرة:

زمان الجوى لما تمطى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكلكل
غدوت لفرط الهم أجلو تشفيا فهل عند رسم دارس من معول
وأبكي وأستبكي خليلي قائلا قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل
ويعذلني قوم وينصح معشر يقولون لا تهلك أسى وتجمل
كتابك مثل الروض يحكي شميمه نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
فجاء وليل الهجر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي
عباراته في السطر تزهو كأنها عذارى دوار في ملاء مذيل
فأحيى فؤادا كان كالرسم وارسا بسقط اللوى بين الدخول فحومل
ومضمونه في الحسن يحكي عنيزة إذا ما اسبكرت بين درع ومجول
وفي طيه بيت تعرض نظمه تعرض أثناء الوشاح المفصل
فلما قرأت البيت صرت كأنني صبحت سلافا من رحيق مغلغل
كان كلا شطريه كأسا مدامة غذاها نمير الماء غير المحلل
لقد جئتكم رجلان لا باستعانة بمنجرد قيد الأوابد هيكل
ولكن صروف الدهر شدت مفاصلي بأمراس كتان إلى صم جندل
أيا جيرتي والله لو لا مفاصلي بكل مغار الفتل شدت بيذبل
وإن لم أجد زادا ومسراي مهمه به الذئب يعوي كالخليع المعيل
هنيئا لكم حلو التعيش أنني لدى سمرات الحي ناقف حنظل

كما شاهدنا، الأبيات الأولى من هذه القصيدة لشاعرنا وهبي، وأما الثواني وهي محل الاستشهاد فهي من معلقة امرئ القيس كما هو معلوم. وأهم خصوصية في هذه القصيدة ارتباط الأبيات بالأبيات التي أوردها من معلقة امرئ القيس، وبين شطري الأبيات صلة حميمة من ناحية الأفكار والمعاني. كما يرى كثير من النقاد هذا نوع من التناص المشروع الذي يكسب النص الشعري قوة وجمالا، والذي يخرج بتلقائية مع النص وينبثق من اللاوعي الإبداعي وتتوحد مع النص الشعري، وتصبح جزاء منه وليست مقحمة عليه. ويتضح التضمين المستحسن كما أشار إليه الناقدون القدماء والمحدثون. فقد أحسن شاعرنا النظم بدقة بالغة حيث تناسب المعنى والمبنى والسياق والوزن في كل بيت من القصيدة، إنها سالمة من عيوب الوزن والقافية، ولم يغفل ربط معنى البيت بالذي يورده من المعلقة كما ربط من ناحية الوزن والقافية، وبذلك يزداد شعره حسنا. ذلك دليل إلى قدرة الشاعر العثماني على إدراك الشعر العربي القديم من كل الوجوه.

الهوامش:
1 - عمر موسى باشا: تاريخ الأدب العربي، العصر العثماني، بيروت 1989، ص 39-40.
2 - المصدر نفسه، ص 37.
3 - فؤاد فاطن: تذكرة خاتمة الأشعار، استانبول 1271هـ، ص 3.
4 - وله شعر عربي أوله "من ذنوبي أتوب يا تواب"، انظر، علي أميري: جواهر الملوك، عصر مطبعه سي، استانبول 1319هـ، ص 29؛ محمد المحبي: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، دار صادر، بيروت، ج4، ص 241؛ محمد نائل: تحفهء نائلي، أنقره 2001، ج2، ص 948، رقم الترجمة 3943؛ إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، استانبول 1951-1955، ج2، ص 424.
5 - وله قصيدة عربية مكتوبة حول الهجرة النبوية الشريفة قالها عام (1191هـ)، وهذه القصيدة مشهورة ب"القصيدة الحجرية": مخطوطتها موجودة في مكتبة سليمانية (إستانبول)، قسم الحاج محمود، رقم 3989؛ أيوب صبري: مرآة الحرمين (مرآت مدينة)، استانبول 1304هـ-1887م، ج1، ص 585؛ عمر موسى باشا: تاريخ الأدب العربي، ص 38.
6 - أحمد بن السلطان محمد بن السلطان مراد، السلطان الرابع عشر من ملوك آل عثمان، باني جامع سلطان أحمد في استانبول، الملقب بـ"بختي"، له شعر عربي في الغزل. انظر، المحبي: خلاصة الأثر، ج1، ص 284-292؛ جواهر الملوك، ص 30؛ تحفه نائلي، ج1، ص 91، رقم الترجمة 344.
7 - انظر، طاشكوبري زاده: الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، دار الكتاب العربي، بيروت 1395هـ-1975م، ص 121 و198 و202.
8 - هو أسعد محمد أفندي بن أبي إسحاق إسماعيل (1685م-1753م)، وله تخميسات للقصائد العربية المختلفة لم تنشر بعد.
9 - محمد ثريا: سجل عثماني، مطبعه عامره، 1308هـ، ج4، ص 618؛ شمس الدين سامي: قاموس الأعلام، مطبعه سي، استانبول 1306هـ-1319هـ، ج6، ص 4707؛ هدية العارفين، ج2، ص 356؛ محمد طاهر بروسه لي: عثمانلي مؤلفلري، مطبعه عامره، استانبول 1333هـ-1342هـ، ج2، ص 236؛ تذكرة خاتمة الأشعار، ص 444-445؛ تحفهء نائلي، ج2، ص 1181، رقم الترجمة 4668؛ فائق رشاد: أسلاف، استانبول، (د.ت)، ص 315.
10 - فائق رشاد: المصدر السابق، ص 317.
11 - انظر، محمود سالم محمد: المدائح النبوية حتى نهاية العصر المملوكي، بيروت 1996، ص 338.
12 - التضمين له ثلاثة أضراب: التضمين النحوي، وهو أن يتضمن الفعل معنى فعل آخر. وضرب منه ما يتعلق بعلم العروض، وهو أن يكون البيت مفتقرا لما بعده. وضرب آخر منه يقع أكثر ما يقع في الشعر وهو المسمى التضمين البياني. انظر، سعيد بن الأخوش: بردة البوصيري بالمغرب والأندلس، المغرب 1998، ص 474-475.
13 - أحمد الهاشمي: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، استانبول 1984، ص 416.
14 - ديوان سنبلزاده وهبي أفندي، استانبول 1253هـ، ص 15.
References:
1 - Al-Baghdādī, Ismaïl Bāshā: Hadiyyat al-‘ārifīn asmā’ al-mu’allifīn wa āthār al-muṣannifīn, Istanbul 1951.
2 - Al-Hāshimī, Aḥmad: Jawāhir al-balāgha fī al-ma‘ānī wa al-bayān wa al-badī‘, Istanbul 1984.
3 - Al-Muḥibbī: Khulāṣat al-athar fī a‘yān al-qarn al-ḥādī ‘ashar, Beirut.
4 - Amīrī, ‘Alī: Jawāhir al-mulūk, Istanbul 1319H.
5 - Bāshā, ‘Omar Mūsā: Tārīkh al-adab al-‘arabi, al-‘aṣr al-‘uthmānī, Beirut 1989.
6 - Bruseh Lī, Muḥammad Ṭahar: ‘Usmānlī Mu’aliflirī, Maṭba‘at Amireh, Istanbul 1333H-1342H.
7 - Faṭin, Fu’ād: Tadhkirat khātimat al-ash‘ār, Istanbul 1271H.
8 - Ibn al-Akhwash, Saïd: Burdat al-Būṣirī bi al-Maghrib wa al-Andalus, Morocco 1998.
9 - Muḥammad, Maḥmūd Sālim: Al-madā’iḥ an-nabawiyya ḥattā nihāyat al-‘aṣr al-mamlūkī, Beirut 1996.
10 - Nā’il, Muḥammad: Tuḥfeh na’ilī, Ankara 2001.
11 - Rashad, Fā’iq: Aslāf, Istanbul (n.d.).
12 - Ṣabrī, Ayyūb: Mar’āt al-ḥaramayn, Istanbul 1887.
13 - Sāmī, Shams al-Dīn: Qāmūs al-a‘lām, Istanbul, maṭba‘at Seh, Istanbul 1306H-1319H.
14 - Thurayya, Muḥammad: Sijjil ‘uthmānī, Matba‘at Amireh, 1308H.
15 - Wahbī Effendī, Sonbol Zadeh: Dīwān, Istanbul 1253H.
16 - Zādeh, Tashkubrī: Ash-shaqā’iq an-nu‘māniyya fī ‘ulamā’ ad-dawla al-‘uthmāniyya, Dār al-Kitāb al-‘Arabī, Beirut 1975.
الإحالة إلى المقال:

* د. سلامي باقيرجي: سنبلزاده وهبي أفندي ومعلقة امرئ القيس، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد الثامن، سبتمبر 2008. http://annales.univ-mosta.dz

***