النداء بين النحويين والبلاغيين

مبارك تريكي
المركز الجامعي بالمدية، الجزائر

الملخص:

تهدف هذه المقاربة التوصيفية التحليلية إلى كشف المنهج الذي اتبعه النحويون والبلاغيون في معالجتهم للبنية الندائية باعتبارها ظاهرة كانت محل عناية مركزة من قبل الفريقين، فكان النحاة مدفوعين بظاهرة شيوع اللحن في العربية، وشعورهم أنه من واجبهم التقنين لهذه اللغة بهدف حفظها، وكان البلاغيون مدفوعين بهاجس الكشف عن سر الإعجاز القرآني، ومن ثم كان النداء موضوعا نحويا وبلاغيا مهما للفريقين، والمقالة تتبعت البنية الندائية عند النحاة فوجدتها تحظى بموقع متميز عندهم إذ لا يخلو كتاب ذو أهمية في النحو منها، ثم هي تشغل حيزا كبيرا في مساحة الخلاف النحوي بين البصريين والكوفيين، كما أدركت طريقة معالجة البلاغيين للنداء والرؤية التي نظروا منها إليه، وخلصت المقالة إلى أن النداء عولج معالجة شاملة نحويا وبلاغيا، وكانت معالجة الفريقين متكاملة متداخلة، بل كانت في بعض الأحيان متداخلة على المستوى المؤلف الواحد كما هو الحال عند سيبويه وابن السراج وغيرهما من النحويين الذين عالجوا النداء نحويا وبلاغيا.

الكلمات الدالة:

النحاة، البلاغيون، البنية الندائية، الإعجاز، المدارس النحوية.

***
The call between grammarians and rhetoricians

Abstract:

This descriptive analytical approach aims to reveal the approach that the grammarians and rhetorics followed in their treatment of the nominative structure as a phenomenon that was the subject of focused attention by the two parties. The grammarians were driven by the phenomenon of the prevalence of melody in Arabic, and they felt that it was their duty to codify this language in order to memorize it. The rhetoricians were motivated by an obsession to reveal the secret of the Quranic miracles. Then the appeal was an important grammatical and rhetorical topic for the two groups, and the article followed the nominative structure of grammarians and found it to have a privileged position for them, as there is no significant book in its grammar, and then it occupies a large space in the area of grammatical disagreement between the Basaris and the Kufis. It also realized the way the rhetoricians dealt with the call and the vision from which they looked at it, and the article concluded that the appeal was dealt with comprehensively grammatically and rhetorically, and the treatment of the two groups was integrated and overlapping, and it was sometimes overlapping at the level of one author, as is the case with Sibawayh, Ibn al-Sarraj and other grammarians who process the call grammatically and rhetorically.

Key words:

grammarians, rhetoricians, structure, inimitability, grammar schools.

***

النص:

اعتنى علماؤنا القدماء نحويوهم وبلاغيوهم عناية كبرى بلغتهم، فكان النحويون مدفوعين بهاجس شيوع اللحن في القرآن الكريم، وكان البلاغيون مدفوعين بهاجس كشف سر الإعجاز القرآني، ومن ثم فكلاهما تعرضا للظاهرة اللغوية في مستواها التركيبي، ومن الظواهر التركيبية التي كانت محل عناية الفريقين التركيب الندائي، من حيث سلامته النحوية واستقامته الدلالية أو الإبلاغية، ومن هنا كانت معالجتهم للتركيب الندائي، حيث لاحظوا انه تركيب يبعد في مظهره عن التراكيب غير الإسنادية، ومن ثم قدروا له الإسناد المضمر، وحكموا عليه بأنه جملة محذوفة الفعل والفاعل معا، وعومل في دراسة الفريقين له على انه جملة.

بين العلمين، النحوي والبلاغي: ينص صاحب الكتاب في تصنيفه للكلام على وجوب مراعاة مستويين اثنين: هما المستوى النحوي، أو السلامة النحوية، وثانيهما المستوى البلاغي أو الصحة الإبلاغية(1)، وكثير من الدارسين اعتبروا جهود الرجل هنا أنموذجية، يجب أن يحتذى بها في دراسة الجملة العربية، واعتمادها في التحليل اللساني للكلام في اللسانيات العربية(2)، وتبين لنا من هذا أن لدراسة الجملة علمين اثنين: أحدهما يعنى بصحة التركيب، وهو علم النحو، وثانيهما يعنى بما وراء هذه الصحة التركيبية من مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وما تدل عليه القرائن من معان تفهم من السياق - وهي معان زائدة على المعنى النحوي - ويسمى علم المعاني، والعلمان متكاملان، فلا يشك أحد في أن الجملة الصحيحة نحويا تظل مفتقرة إلى أحد أهم خصائص الصحة، تلك هي مطابقتها للمقام، ولمقتضى الحال، وما يستفاد من القرائن حين خروج الكلام عن مقتضى الظاهر، وكتب العلماء القدماء خير شاهد على تكامل هذين العلمين، وتضافرهما، فجهود البلاغيين كانت مكملة لجهود النحويين، وقد وجدنا العالم الواحد في المؤلف الواحد ينظر إلى الجملة بهذين المنظورين معا، وهو ما رأيناه عند سيبويه الذي يمتلئ كتابه بالإشارات البلاغية، حتى أنها تسير جنبا إلى جنب مع القواعد النحوية، والصرفية والصوتية، وعبد القاهر الجرجاني أسس نظرية النظم وحصر هيكلها في احترام معاني النحو، وقوانينه، وقد أجهد نفسه للتدليل على صحة نظريته هذه التي ارجع فيها المزية إلى النظم الذي هو وضع الكلام حسب مقتضيات علمي النحو والبلاغة، وإذا كان النحو عنده هيكلا تفرغ فيه الأبنية اللغوية المؤلفة، فان البلاغة تقع في صلب هذا الهيكل إذ لا وجود لها خارج التركيب النحوي، كما أن هدف العلمين واحد هو خدمة السلامة اللغوية تحقيقا في النهاية للسلامة الإبلاغية، لأن الهدف النهائي لأي عمل لغوي هو الدلالة، ومنه يظهر أن هناك ارتباطا وثيقا بين النحو، والبلاغة.

وإذا كان عبد القاهر الجرجاني أول من عبر عن هذا الارتباط الوشيج بين العلمين بعد أن لاحظ انفصالهما في زمانه، فان دراسات اللغويين المحدثين نجدها هي الأخرى تعبر عن هذا الارتباط نفسه، وهو ما نجده مجسدا عند الدكتور تمام حسان حين يجاهر بالقول "ومن هنا نشأت هذه الفكرة التي تتردد على الخواطر منذ زمن طويل أن النحو العربي أحوج ما يكون إلى أن يدعي لنفسه هذا القسم من أقسام البلاغة الذي يسمى علم المعاني، حتى انه ليحسن في رأيي أن علم المعاني قمة الدراسة النحوية أو فلسفتها إن صح هذا التعبير"(3) وقبل أن ينفصلا ظل العلمان ملتحمين متكاملين يثمران في الدرس اللغوي (النحوي والبلاغي) إلى أن تم الفصل بينهما في العصور التي تلت عبد القاهر، فصار علم النحو علما جافا يفر منه الناس، وصار علم المعاني قواعد تجريدية تقدم للطلاب والراغبين دون جدوى، والنداء باعتباره - جملة إنشائية - حظي بجهود النحويين والبلاغيين معا، وقد التقت هذه الجهود في نقاط، واختلفت في نقاط أخر، ومن النقاط التي توافقت فيها جهود النحويين والبلاغيين في هذا الشأن تعريفهم للنداء.

لقد عرف النحاة النداء من منطلقين اثنين: من منطلق حكمي إعرابي، ومن منطلق وظيفي، وقد تبنى البلاغيون التعريف الوظيفي للنداء، فكانت أقوالهم فيه متطابقة مبنى ومعنى مع أقوال إخوانهم النحويين، ونظرة خاطفة في هذا التعريف تتركنا نكتشف أنهم متفقون في معنى النداء بأنه "تنبيه المدعو وطلب إصغائه وإقباله على الداعي"(4)، وان العامل فيه محذوف نابت عنه أداة، وان أدوات النداء محصورة عندهم عددا، واستعمالا، مع مرونة تسمح لها بتبادل الأدوار في الاستعمال تبعا لمنزلة المنادى في ذهن المنادي، تلك هي المعاني التي يجسدها تعريف النحاة والبلاغيين للنداء، أو على الأصح أحد قسمي تعريف النحاة للنداء مع اتفاقهم على كونه جملة إنشائية طلبية منقولة إلى الإنشاء، فهم قد اصطلحوا على أن الجملة الندائية جملة فعلية محذوفة الفعل والفاعل معا، لأن ظهور هذا الفعل يجعلها جملة خبرية، وقولهم هذا قد جر عليهم انتقادات شديدة قديما وحديثا، أما قديما فعلى لسان ابن مضاء القرطبي الأندلسي الذي ذهب إلى القول بان هذا التقدير المزعوم مفسد للمعنى لأنه يغير الجملة من جملة إنشائية طلبية إلى جملة خبرية، وهذا التقدير مناقض لمفهوم النداء(5).

وأما حديثا فهناك الكثير من الباحثين من درج مدرج ابن مضاء، فأنكر هذا التقدير من النحاة لنفس الحجة التي تحجج بها ابن مضاء، ومنهم الدكتور محمد عيد في كتابه الموسوم: (أصول النحو العربي في نظر النحاة ورأي ابن مضاء وضوء علم اللغة الحديث). والذي ساند فيه ابن مضاء فيما ذهب إليه مساندة مطلقة ورأى فيه المنهج الذي يساير علم اللغة الحديث، وثار فيه على منهج النحاة القدماء القائلين بالتأويل والتقدير، ورأى انه منهج يخالف المنهج العلمي الصحيح، وان أصحابه قد أجهدوا النص اللغوي بالتقدير والتأويل، كما ندد بلا بدية سيبويه في المسند والمسند إليه(6)، ومنهم كذلك عبده الراجحي الذي رأى في هذا التقدير تخيلا غير واقعي للغة على حد قوله، ورجح أن يكون حرف النداء هو العامل في المنادى(7)، وإذا كان الراجحي قد اعمل الحرف في المنادى - وهو رأي كان قد سبقه إليه ابن جني وأستاذه أبو علي الفارسي كما هو مذكور في مظانه - فان باحثا آخر، وهو مهدي المخزومي رأى في حروف النداء مجرد أدوات للتنبيه ليس إلا، فهي في نظره لا تعمل شيئا، وقد ذهب باحث ثالث إلى نفي صفة الجملة بنوعيها الاسمية والفعلية على التركيب الندائي كلية، فالنداء في نظر هذا الباحث يفتقر إلى العناصر المكونة للجملة والتي هي ركنا الإسناد، وحجته في ذلك أن النداء يخالف من حيث التركيب الجملتين مع استقلاله بتمام الفائدة(8).

1 - أهمية الجملة الندائية في العملية التواصلية التبليغية:

النداء باعتباره وحدة قاعدية في الخطابين الشفهي والكتابي له أهمية بالغة، وأهميته تكمن في كونه البنية الخطابية الأكثر دورانا على الألسنة والأقلام، لما تتمتع به هذه البنية من قدرة على التعبير عن مختلف الأغراض، والمشاعر الإنسانية، فالنداء هو الطريقة المثلى بصيغه الظاهرة والمحذوفة، وإشكاله المختلفة، وأساليبه المتنوعة للتعبير عن الغرض حين تقصر الوسائل الأخرى، من إشارة، وإيماءة، وحركة، وغمزة، وبسمة، فقد يلجأ إليه المنبه، والداعي، والمتضجر، والشاكي والمتوعد. لذلك وجدنا النداء أهم البنى الخطابية تداولا من قبل اللسانيين، فقد درس صوتيا، وصرفيا، ونحويا، وبلاغيا، ودلاليا. ولئن لم تظهر الدراسة بجلاء إلا على المستوى النحوي، والبلاغي، فإن ذلك يعود في نظري إلى التطور الدرسين النحوي والبلاغي مقارنة بغيرهما من الفروع اللسانية الأخرى.

2 - النداء أحد الأبواب النحوية المهمة:

ذكرت سابقا أن للنداء أهمية بالغة في المنظومة اللغوية العربية، وبينت أن أهميته تكمن في الدور الذي يؤديه في الحياة البشرية، ووظيفته في التواصل بينهم، وإذا كان معلوما أن التواصل لا يتم إلا استنادا إلى تخاطب، فان النداء أبرز أدوات هذا التخاطب، لأنه يجسد دورة التخاطب، حيث يتوافر على مخاطب بكسر الطاء (منادي) ومخاطب بفتح الطاء (منادى) ورسالة، ولما كان النداء خطابا، تنوعت أغراضه بحسب صدوره وتوجيهه، فهو قد يصدر من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، أو من مخاطبين متساويين، كما قد يكون المنادى حقيقيا وقد يكون مجازيا، وهو في كل هذا تتغير أشكاله، وأغراضه، الأمر الذي جعل النحاة يدرسونه دراسة تشريح، وتعليل لإبراز وظيفته داخل الخطاب، ومن هنا كان النداء موضوعا من الموضوعات النحوية المهمة، حيث إن من يتصفح المصادر النحوية يجدها تخصص له حيزا كبيرا في طياتها، فمن يرم المصادر النحوية يجدها تزخر بكم هائل من أقوال أوائل النحاة عن النداء بصرييهم، وكوفييهم، فنجد أقوالا لعيسى بن عمر الثقفي، ولأبى عمر وبن العلاء، والخليل بن احمد الفراهيدي الذي تكثر أقواله في الكتاب حتى كأنه يعتبر هو المشيد لقواعد النداء، ثم سيبويه الذي لا نجده يكتفي بذكر أقوال هؤلاء النحاة في كتابه، بل يدعمها بآرائه، وتحليلاته، ثم يونس بن حبيب الذي ينقل آراءه سيبويه في الكتاب، ثم الكسائي الكوفي الذي تتناثر أقوال له عن النداء، ثم قطرب الذي احتفظت الكتب المتأخرة ببعض أقواله في النداء، ثم الفراء الذي كانت له آراء منفردة في النداء موجودة في كتبه، ثم الأخفش البصري الذي تناثر أقواله وآراؤه أيضا في النداء، ثم الجرمي الذي حفظت له المصادر أقوالا في النداء منها اختياره النصب لتابع المنادى المعطوف المقرون بآل، ثم المازني الذي اشتهر بآراء له في النداء خالف فيها سيبويه، على أن معظم هذه الآراء خاصة البصرية منها وجدناها في الكتاب لسيبويه الذي نعتقد أن قواعد النداء قد اكتملت على يديه، فلم يترك للمتأخرين غير ترتيب العناوين والأبواب.

إذن فأسلوب النداء لم يكن غائبا عن أوائل النحاة بصرييهم وكوفييهم، وهذا دليل على مكانته وأهميته في العملية التخاطبية التواصلية. ولما كان النداء على هذه الأهمية، فانه حظي بمكانة متميزة عند علماء البصرة وعلماء الكوفة هذه الحظوة أهلته لأن يحتل موقعا متميزا في مدرستي البصرة والكوفة، وهو الموقع الذي نود الكشف عنه الآن.

3 - موقعه في مدرستي البصرة والكوفة:

كنت قد قلت سابقا أن النداء أعظم باب نحوي في المنظومة اللغوية العربية، واستدللت على هذا الأمر بحاجة المتكلمين إليه حين تقصر الوسائل الأخرى، وبكثرة الدراسات التي أقيمت حوله، حيث إننا لا نجد كتابا ذا أهمية في النحو والبلاغة، وعلوم اللسان إلا وكان للنداء فيه حضور، زيادة على سعة الدراسة وتشعبها، حيث تخصص له عشرات الصفحات، وهو أمر كاف في نظري للدلالة على أهميته في المنظومة اللغوية، ونزيد الأمر استدلالا حين وجدناه يستحوذ على نسبة معتبرة من مسائل الخلاف القائمة بين علماء البصرة وعلماء الكوفة، حيث وجدنا ألا نباري يخصص له ثمان مسائل من مجموع 121 مسألة أحصاها في كتابه الإنصاف في مسائل الخلاف(9)، فلو لم يكن النداء على أهمية بالغة لما انشغل به النحاة هذا الانشغال ولما تعمق الخلاف بينهم إلى هذه الدرجة ثم إن هذا الخلاف في النداء لا ينحصر في تلك المسائل الثمان، بل يتعداه إلى وجود الخلاف حتى يبين نحاة المدرسة الواحدة، حيث أن البحث في المصادر النحوية يؤدي بنا إلى تسجيل عدد من الآراء تضاربت فيما بينها، لنحاة بصريين، وكوفيين على إننا نكتفي هنا بالمسائل المحصورة في الإنصاف، ابتداء من المسألة الخامسة والأربعين إلى المسألة الثانية والخمسين حسب ترتيبها بهدف تحديد موقعه في المدرستين على أن يكون هذا باختصار.
وأولاها: القول في المنادى المفرد معرب أم مبني: وخلاصتها أن الكوفيين قالوا برفعه بغير تنوين إلا الفراء، فإنه ذهب إلى القول ببنائه، أما البصريون فقالوا ببنائه على الضم في محل نصب ولكل فريق حججه.
ثانيها: القول في نداء الاسم المحلى بأل: وخلاصتها أن الكوفيين قالوا بالجواز والبصريين قالوا بالمنع ولكل فريق حججه وشواهده.
ثالثها: القول في الميم في اللهم أعوض من حرف النداء أم لا: وخلاصتها أن البصريين يقولون بأنها عوض والكوفيين يمنعون ذلك ولكل منهما حججه أيضا.
رابعها: القول هل يجوز ترخيم المضاف إليه بحذف آخر المضاف إليه: وخلاصتها أن الكوفيين يقولون بالجواز والبصريين يقولون بالمنع ولكل حججه.
خامسها: القول هل يجوز ترخيم الاسم الثلاثي: وخلاصتها أن الكوفيين يقولون بالجواز والبصريين يقولون بالمنع ولكل تعليلاته.
سادسها: القول في ترخيم الرباعي الذي ثالثه ساكن: وخلاصتها أن الكوفيين يقولون أن الترخيم يكون بحذف الرابع الساكن وحذف الحرف الأخير والبصريين يقولون بحذف الأخير فقط.
سابعها: القول في ندبة النكرة والأسماء الموصولة: وخلاصتها أن الكوفيين يقولون بجواز ندبة النكرة والأسماء الموصولة والبصريين يقولون بالمنع.
ثامنها: القول هل يجوز إلقاء علامة الندبة على الصفة: وخلاصتها أن الكوفيين يقولون بالجواز وساندهم يونس بن حبيب البصري والبصريين يقولون بالمنع ولكل فريق حججه.

4 - النداء أحد الموضوعات البلاغية المهمة:

الكلام عند البلاغيين قسمان(10): خبروا نشاء، وهو القول المعتبر عندهم، ونحن إليه أميل، ولا عبرة بمن قال بالتقسيمات الأخرى التي تدخل هذا القسم في ذاك، وهما مختلفان كجعلهم النهي في حيز الأمر وهما مختلفان، والنداء في باب الأمر أيضا وهما مختلفان وغيرها من التقسيمات التي تذكرها المصادر البلاغية(11).

والإنشاء لغة الإيجاد والاختراع من عدم قال تعالى: "إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا"(12) يعني خلقناهن خلقا بعد الخلق الأول ولما اختص هذا النوع من الكلام بان إيجاد لفظه إيجاد لمعناه سمي إنشاء، وبه نكون قد وضعنا مبحثنا في إطاره البلاغي، ومنه يتبين لنا أن النداء أما اصطلاحا: فهو ما لا يصح أن يقال لقائله انه صادق فيه أو كاذب لأن المتكلم لا يخبر عن شيء بل يطلب إيجاد معدوم(13) وهو بهذا المعنى قسيم الخبر، وهو عندهم على قسمين: إنشاء طلبي، وإنشاء غير طلبي(14).

والإنشاء الطلبي: هو الذي يهمنا لأن موضوعنا يقع في دائرته ويعرف بلاغيا بأنه ما يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب ولو في اعتقاد المتكلم، أو هو ما يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه(15) ويشمل خمسة أقسام هي: الأمر والنهي والاستفهام والتمني والنداء وهذه الأقسام موضع اهتمام البلاغيين لاختصاصها بكثير من الدلالات البلاغية وعليه فقد قصر البلاغيون بحوثهم على هذا القسم، ومنه النداء الذي درجوه في قسم الإنشاء الطلبي وهذا الاندراج منهم يدل على أن النداء كلام أي جملة. إذن فالنداء يدرس بلاغيا ضمن علم المعاني، وفي قسم الإنشاء الطلبي وبه يكون النداء أحد الموضوعات البلاغية المهمة.

5 - منهج الفريقين في دراسة النداء:

منهج النحاة في المعالجة: كانت معالجتهم للنداء شاملة كاملة، شملت كل جوانبه.
التعريف اللغوي: اتفق جمهور النحويين بصرييهم وكوفييهم على أن النداء في اللغة هو مصدر الفعل نادى ينادى بمعنى الصوت والدعاء وتكسر نون النداء وتضم(16)، وقد نعدم التعريف اللغوي هدا عند سيبويه.
التعريف الاصطلاحي: لم نجد معشر النحويين متفقين في تعريفهم للنداء اصطلاحا فقد كانت تعاريفهم تابعة لمنطلقاتهم النظرية، فمن نظر إليه وظيفيا كان هذا منطلقه، فعرفه وظيفيا، فقال عنه.هو دعوة المخاطب الإقبال، ومن نظر إليه إعرابيا، أي إلى أحواله كان هدا منطلقه فعرفه انطلاقا من موقعه الأعرابي، ولعل هذا التعريف نجده عند سيبويه الذي يقول عنه اعلم "أن النداء كل اسم مضاف فيه فهو نصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره، والمفرد رفع وهو في موضع اسم منصوب"(17).
حروفه: الحروف التي ينبه بها المنادى والتي هي ركن مذكور أو ملحوظ ثمانية عند المتأخرين: الهمزة بنوعيها المقصورة والممدودة، أي، أي، يا، أيا، هيا، وا.
استعمالها: بعضها. يستعمل للقريب، وبعضها للبعيد وتتبادل المنازل حسب القرب والبعد وقد ينزل القريب منزلة البعيد والعكس.
حذفها: تتعرض للحذف وهدا يقصر على (يا) دون غيرها، وتقدر عند الحذف وحدها وهناك مواضع يمتنع فيها الحذف، مفصلة في كتبهم، ومواضع يقل فيها الحذف، ومواضع يجوز فيها الحذف(18).
أنواع المنادى وأحكامها: يقسم النحاة المنادى إلى أقسام بحسب النظر إليه، فهو من حيث البناء والإعراب قسمان(19): مبني ويضم العلم، والنكرة المقصودة، ومعرب، ويضم المضاف والشبيه به، والنكرة غير المقصودة.
ويقسم من حيث نوع المنادى إلى قسمين: حقيقي ومجازي.
حذف المنادى: أجاز أغلبية النحاة حذف المنادى وأنكره بعضهم ولكل حججه(20).
تابع المنادى: لم يقف النحاة في معالجتهم للنداء عند التركيب الندائي، بل تجاوزوه إلى دراسة ما يتبعه، لما لهذا التابع من علاقة وطيدة به، وفصلوا أحكامه، وهي موجودة في كتبهم.

كما تتبعوا الحالات التي يخرج إليها النداء، وهي المعروفة بالاستغاثة، والندبة والتعجب، وما يتعرض له المنادى من حذف وهو الترخيم، وخلاصة القول إنهم فحصوا التركيب الندائي فحصا دقيقا شاملا كاملا، وتمكنوا من تقديم دراسة وافية حوله، وقد سلكوا في كل ذلك منهجا وصفيا تفسيريا تعليليا.

6 - منهج البلاغيين في المعالجة:

إذا كان النحاة قد انقسموا في تعريفهم للنداء حسب نظرتهم إليه، فمن نظر إليه وظيفيا تواصليا ركز في تعريفه على الجانب اللغوي الوظيفي ومن نظر إليه حكميا إعرابيا ركز في تعريفه على الحكم الإعرابي للمنادى، قلت إذا كان هذا هو تعريف النحاة فان البلاغيين وبحكم تأخرهم زمنيا عن النحويين وتأخر علمهم من حيث النشأة عن علم النحو وبحكم أن المتأخر يستفيد حتما من التقدم - وهو ما نعتقده جازمين بوقوعه بينهما - وبحكم تكامل العلمين كان تعريف البلاغيين للنداء واحدا موحدا، ومن أراد أن يتأكد مما قلناه عليه أن يعود إلى المصادر البلاغية حيث يجد أقوالهم في تعريف النداء متطابقة قلبا وقالبا فهو عندهم: طلب المتكلم إقبال المخاطب عليه بحرف نائب مناب أنادي المنقول من الخبر إلى الإنشاء وهو أيضا: دعوة المخاطب بحرف نائب مناب فعل كأدعو ونحوه(21) كما قيل فيه أيضا هو التصويت بالمنادى لإقباله عليك(22).

فهذه التعاريف متفقة جميعها على معاني الدعوة، والطلب، والإقبال، والاستحضار مع إشارة هذه التعاريف إلى حذف الفعل، وإنابة حرف النداء منابه هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان هذا التعريف الموحد الذي استقر عليه البلاغيون نجده يتطابق تماما مع أحد تعريفي النحويين للنداء الأمر الذي يجعل استفادتهم مؤكدة، ذلك أن البلاغيين لما جاؤوا وجدوا إخوانهم النحاة قد سبقوهم إلى مدارسة النداء مدارسة شاملة، شملت كل جوانبه، ومنها تعريفهم هذا الذي تبناه البلاغيون لملاءمته مع درسهم البلاغي.
أدواته: كما اتفق البلاغيون على تعريف واحد للنداء اتفقوا أيضا على أدواته وكيفية استعمال هذه الأدوات في الخطاب الندائي وهي عندهم ثمان أدوات: الهمزة، وأي، وآي، ويا، وأيا، وهيا، ووا، مع الإشارة إلى أن الهمزة نوعان مقصورة وممدودة(23).
استعمالها: وهي في الاستعمال على صنفين أو على نوعين مع خلاف في يا.
اثنتان منها للمنادى القريب، قربا حسيا، أو معنويا، وهما الهمزة وأي، وباقي الأدوات للمنادى البعيد بعدا حسيا أو معنويا مع إجازتهم إمكانية تبادل الأدوار بين هذه الأدوات تبعا لمنزلة المنادى في ذهن المنادي، فقد ينزل البعيد منزلة القريب أو ينزل القريب منزلة البعيد لدواع بلاغية ولهم في ذلك أمثلة غزيرة.
أغراض النداء البلاغية: الغرض البلاغي للنداء يتحدد من خلال العلاقة التي تنشا بين المنادي والمنادى مباشرة بعد إحداث التركيب اللغوي الندائي والتصويت به، فان كان التعبير الندائي يحمل مقاصد واضحة صريحة تفهم من التركيب اللغوي نفسه من دون اللجوء إلى وسائل أخرى خارجية كان الغرض من النداء حينئذ أصليا وهو تنبيه المخاطب أي المنادى وتهيئته لاستقبال ما يطلب منه، فيبقى المنادى هنا مشدوها للمعاني التي تتبع النداء، لأنها هي المقصودة، أما الجملة الندائية هنا فدلالتها لا تتعدى التنبيه، والتحضير، فهي ذات وظيفة تنبيهية إشارية استحضارية.

وقد ينزل هنا كما ذكرنا سابقا البعيد منزلة القريب أو القريب منزلة البعيد، فيكون هذا التنزيل معنى زائدا على المعنى الأصلي الذي هو التنبيه والاستحضار، ولا يعتبر في نظرنا هذا التنزيل خروجا بالنداء عن معناه الأصلي. وإن كان هناك من البلاغيين من اعتبره خروجا عن الغرض الأصلي.

أما إن كان التركيب الندائي يتضمن معاني خفية زائدة على المعنى الأصلي ترتبط بالجوانب النفسية والشعورية والوجدانية لكل من المنادي والمنادى يعتمد في الكشف عنها على القرائن المقالية والمقامية كان النداء حينئذ خارجا عن معناه الأصلي إلى أغراض بلاغية أخرى تفهم من السياق وهذا هو المعبر عنه بلاغيا بخروج النداء عن معناه الأصلي.

7 - خروج النداء عن معناه الأصلي:

قد يستفاد من لفظ النداء بمعونة المقام ودلالة القرائن معان أخر غير طلب الإقبال الذي هو المعنى الأصلي لها(24)، ومن هذه المعاني الإغراء، التحسر، الزجر، وغيرها من المعاني التي نفضل قبل التطرق إليها الإشارة بالقول إلى أن من البلاغيين من يعتبر تنزيل القريب منزلة البعيد وتنزيل البعيد منزلة القريب خروجا عن المعنى الأصلي للنداء، ومنهم من يعتبرها غير ذلك.

لذلك فنحن نرى أن خروج النداء عن معناه الأصلي إلى معاني أخر يكون على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ويكون على مستوى أد وات النداء نفسها في الاستعمال، حيث تتبادل أماكنها توافقا مع منزلة المنادى في ذهن المنادي، كتنزيل البعيد منزلة القريب، أو العكس لغرض بلاغي ذكرته سابقا وهذا النوع من النداء كنا قد ذكرنا رأينا فيه منذ قليل فقلنا انه باق على أصله في الدلالة على الطلب والإقبال والتنبيه ولا نرى فيه خروجا إلى معان أخر غير هذه.
النوع الثاني: أما هذا النوع فيكون على مستوى الأساليب النحوية نفسها، سواء كان هذا الأمر واقعا بين الأسلوب الخبري والإنشائي، أو بين تراكيب الأسلوب الإنشائي نفسه، وقد قال البلاغيون بتبادل المواقع بين الأساليب، كان يوضع الخبر موضع الإنشاء أو العكس وكوضع الأمر موضع النهي ووضع النداء موضع الأمر داخل الأسلوب الإنشائي نفسه، وهو ما يمكن تسميته بتبادل المواقع الدلالية بين الأساليب (التراكيب) النحوية والبلاغية، ومنه هنا وضع النداء موضع التعجب كقول الشاعر(25):

يا لك من قبرة بمعمر خلا لك الجو فبيضي واصفري
وقول الأخر(26):
فيا لك من ليل كان نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبل
وقول الفرزدق يهجو جريرا(27):
فواعجبا حتى كليب تسبني كان أباها نهشل ومجاشع
ومنه كذلك وضعه موضع الاختصاص ومن أمثلته قول الشاعر:
نحن الحرائر إن مال الزمان بنا لم نشك إلا إلى الرحمان بلوانا
وقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "نحن معاشر الأنبياء لا نورث"(28).
ومنه أيضا وضع النداء موضع المدح والذم ومن أمثلتهم على هذا في المدح قول الشاعر:
أيا قمرا تبسم عن أقاح ويا غصنا يميل مع الرياح
وفي الذم قولهم: يا ابخل الناس، ويا مستحل الحرام. ومنه انتقال النداء وهو في صيغته للدلالة على الاستغاثة والندبة وقد أدرجتهما في هذا القسم لأنهما تركيبان لغويان ذوا مدلولين نحويين، بمعنى آخر أن دلالتهما على الاستغاثة أو الندبة مستنتجة من تركيبهما لا من المقام، إذن فالاستغاثة والندبة معنيان نحويان لا مقاميان ومن امثلتهم على الاستغاثة قول الشاعر:
يا للرجال ذوي الألباب من نفر لا يبرح السفه المردي لهم دينا
النوع الثالث: ويكون فيه فعلا خروج النداء عن معناه الأصلي إلى معان أخر تفهم بمساعدة المقام والقرائن، وهذه المعاني المنقول إليها النداء ليست معاني نحوية، اقصد ليس لها تركيب لغوي نحوي خاص تعرف به في الدرس النحوي كالتراكيب المذكورة سابقا في النوع الثاني وإنما هي معان سياقية مقامية تفهم بمعونة المقام وقرائن الأحوال، يمكن أن نستشفها من أي تركيب نحوي تضمن أداة نداء مذكورة، أو ملحوظة، ومع هذا جدير بنا أن نشير بالقول إلى أن النداء لا ينحصر فيما ذكرناه من وجوه بلاغية، وإنما الذي ذكرناه هو أهم الأغراض المتداولة عند البلاغيين، وإلا فيمكن الوقوف على أغراض أخرى لم نأت على ذكرها نحن ومنه يكون فعلا أن النداء أحد الموضوعات البلاغية المهمة.

لقد اختلفت طريقة معالجة النحويين والبلاغيين للنداء حسب نظرة كل فريق، إذ لكل فريق الزاوية التي ينظر منها للنداء، كما أن لكل علم موضوعاته واهتماماته وأهدافه.

فلقد عالج النحويون النداء معالجة شاملة، شملت كل جوانبه ابتداء من تعريفه، وذكر أدواته، ومواضع استعمالها، وحذفها، ثم تقسيمه تبعا لحكمه الإعرابي خمسة أقسام ذكرت في موضعها، ولاعتبارات أخرى أيضا مع تبيان الحكم الإعرابي لكل قسم من هذه الأقسام، ثم ذكر توابع المنادى، وحكم كل تابع منها حسب نوعية التابع، وحكم المتبوع (المنادى) ثم ذكر الأسماء التي لازمت النداء فلم تبرحه إلى غيره من الأساليب الأخرى، والأسماء التي لا تنادى، والتعليل على ذلك، ثم خروج النداء عن معناه الأصلي إلى معان أخر، كالتعجب، والاستغاثة، والندبة، والاختصاص، والترخيم، وفي كل قسم من هذه الأقسام أو العناوين تفصيلات وتدقيقات، وخلافات بين النحاة مدعومة بالشواهد، والشواهد المضادة، كما تدل هي على نفسها في موضعها، كما خرج النداء عن أصله ليدل على عدد من الأغراض الأخرى كالإغراء والزجر والتحسر والحزن المرفوق بالحسرة والتدله والتحير والتضجر، والدعاء، التحبب، والتحقير، والتلذذ، والعتاب، والتهديد والوعيد، والذم، والتنبيه، والخضوع والتضرع، والشكوى من الزمن، والتوجع، والتحذير، والتأكيد وغيرها من الأغراض وهي أغراض شتى احتملها النداء، وان كان في أصله وضع لتنبيه المدعو، ونحن نلحظ أن هذه الأغراض المذكورة ليس لها تركيب لغوي نحوي تستقل به كالذي ذكرنا في النوع الثاني، فليس للزجر، والتحسر، والحزن، والتدله، والدعاء، والتحبب، والتهديد والوعيد... وغيرها مما ذكر تراكيب لغوية نحوية تعرف بها عند علماء النحو، وإنما هي أغراض بلاغية مقامية ترتبط بخوالج النفس للمتواصلين، يمكن أن نستشفها من أي تركيب نحوي تضمن أداة نداء مذكورة أو ملحوظة.

أما البلاغيون فقد اختلفوا في طريقة المعالجة لموضوع النداء عن النحويين نظرا لطبيعة النظرة التي ينظرون منها إليه، وطبيعة درسهم البلاغي الذي يعنى بمقتضى الحال والمقام، وما تشير إليه القرائن، لذلك لم يعنوا في معالجتهم بتقسيمات النحويين وتفصيلاتهم. ووجدناهم بعد تعريف النداء، وذكر أدواته، ومواضع استعمالها، وحذفها ينتقلون إلى معالجة أغراضه البلاغية ضامين جهودهم إلى جهود النحويين، فأثمرت عن كشف العديد من الأغراض التي تنتشر وراء التركيب الندائي، لذلك وجدنا الفريقين يشيران في معالجتهم للجملة الندائية إلى هذه الأغراض التي خرج فيها النداء عن أصله ليدل عليها، كالتعجب والاستغاثة والندبة والاختصاص والترخيم، وهي أغراض مشتركة بين النحويين والبلاغيين إلا أننا فضلنا نحن أن ندرجها ضمن المعنى النحوي التركيبي كما ذكرنا سابقا، وقد بررنا موقفنا هناك بالقول إن النداء هنا منقول دلاليا بهيئته للدلالة على تركيب نحوي في الأصل، وعلى كل وكيفما كان الأمر فتبقى هذه الأغراض مشتركة بين الفريقين أما حين خروج التركيب الندائي دلاليا عن أصله للدلالة على أغراض أخرى ليست تركيبية بالأصالة، فهنا يكون دور البلاغيين أقوى فتظهر جهودهم وتتضافر مع جهود النحويين، إذ بعد أن تتوقف جهود النحويين عند دلالة التركيب تنطلق جهود البلاغيين للبحث فيما وراء التركيب من أحوال وهيئات ومقامات فكانت النتيجة أن اكتشف البلاغيون أغراضا عديدة للتركيب الندائي وجد فيها الكتاب والشعراء والمبدعون متنفسا للتعبير، وقد ذكرنا منها عددا غير قليل فيما سبق ولا بأس أن نعيد ذكر بعضها الآن، كالتذكر، والحزن، واللوم، والعتاب، والوعد، والوعيد، والتهديد، والذم، والمدح، والدعاء، والإغراء، والتحريض، وغيرها مما ذكرته في موقعه، ومما لم اذكره، وقد لاحظنا تداخل هذه الأغراض، وتعددها في الشاهد الواحد، مما يدل على أنها أغراض نفسية شعورية ترتبط بخوالج النفس البشرية، ومشاعرها الكامنة فيها، وعليه فهي معان مؤهلة بطبيعتها لأن تختلف حولها الأفهام.

وخلاصة القول في كل ما سبق بعد عرض جهود النحويين والبلاغيين في النداء اتضح لنا أن جهود العلماء العرب في دراسة الجملة كانت قيمة خاصة في نظرية العامل التي ينبني عليها النحو العربي كله، إذ بفضلها تمكن النحاة العرب، ومعهم البلاغيون من بناء الجملة العربية بناء محكما أساسه العلاقات الوشيجة بين الكلم المكونة للتركيب، وقد عبر سيبويه عن هذه الوشيجة في باب المسند والمسند إليه بقوله (وهما مما لا يستغني أحدهما عن الأخر) ومن ثم صار هذا البناء نظرية علمية قائمة بذاتها لم تفلح جهود المحدثين في هدمها.

الهوامش:
1 - سيبويه: الكتاب، تحقيق عبد السلام هارون، مطبعة الخانجي، ط2، مصر 1988، ج1، ص 23.
2 - د. محمد حماسة عبد اللطيف: النحو والدلالة مدخل لدراسة المعنى النحوي الدلالي، دار الشروق، 2000، ص 65 وما بعدها.
3 - انظر، د. تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، الهيئة المصرية للكتاب، ط2، 1979، ص 18.
4 - انظر، أحمد الهاشمي: جواهر البلاغة، دار الفكر، بيروت 1978، ص 105.
5 - ابن مضاء القرطبي: الرد على النحاة، تحقيق د. شوقي ضيف، دار الفكر العربي، القاهرة 1947، ص 88-93.
6 - د. محمد عيد: أصول النحو العربي في نظر النحاة ورأي ابن مضاء وضوء علم اللغة الحديث، عالم الكتب، ط6، القاهرة 1997، ص 188 و231.
7 - د. عبده الراجحي: دروس في المذاهب النحوية، ص 227.
8 - د. عبد الرحمان أيوب: دراسات نقدية في النحو العربي، القاهرة 1957، ص 129.
9 - الأنباري: الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين، دار الفكر، دمشق (د.ت)، ج1، ص 323 وما بعدها.
10 - عبد العزيز عتيق: علم المعاني، دار الأفاق العربية، القاهرة 1998، ص 33.
11 - انظر، الأمالي الشجرية، ج1، ص 388، والأساليب الإنشائية لعبد السلام محمد هارون، مكتبة الخانجي، ط5، القاهرة 2001، ص 24.
12 - سورة الواقعة، الآية 35.
13 - انظر، أحمد محمد نحلة: علم المعاني، دار العلوم العربية، بيروت 1990، ص 81.
14 - نفسه.
15 - انظر، الشيخ عبد الواحد وافي: دراسات في علم المعاني، مكتبة الإشعاع الفنية، (د.ت)، ص 76.
16 - أبو حيان الأندلسي: ارتشاف الضرب، تحقيق الدكتور رجب عثمان محمد، مكتبة الخانجي، القاهرة 1998، ج4، ص 71.
17 - سيبويه: الكتاب، ج2، ص 182.
18 - انظر، عباس حسن: النحو الوافي، دار المعارف، ط8، مصر، ج4، ص 9.
19 - نفسه.
20 - انظر، عبد السلام محمد هارون: الأساليب الإنشائية، ص 141.
21 - أحمد الهاشمي: جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، دار الفكر، ط12، بيروت 1978، ص 105، وانظر أيضا، د. أحمد محمد نحلة: المرجع السابق، ص 102.
22 - الشيخ المراغي مصطفى، ص 93.
23 - يحيى العلوي علي بن حمزة: الطراز، طبعة المقتطف، مصر 1914، ج3، ص 293.
24 - أحمد محمد فارس: النداء في اللغة والقرآن، دار الفكر العربي، 1989، ص 161.
25 - البيت لطرفة بن العبد، انظر، ديوانه، ص 46.
26 - البيت لامرئ القيس، انظر، ديوانه، دار صادر، بيروت 2000، ص 49.
27 - البيت للفرزدق.
28 - الحديث في البخاري باب المغازي وباب فضل الصحابة.
الإحالة إلى المقال:

* مبارك تريكي: النداء بين النحويين والبلاغيين، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السابع 2007. http://annales.univ-mosta.dz

***