مرقاة النص ولا تناهي التأويل

د. عبد القادر فيدوح
كلية الآداب، جامعة البحرين

الملخص:

يقوم جوهر إشكالية هذه الدراسة على إمكانية فهم معضلة تصور البنية الذهنية العربية منذ بداية منشئها الفكري من الأثر الملموس في النص الإبداعي. ولا أتصور أنني سأضيف شيئا ذا أهمية بالنسبة إلى ما قاله من سبقني بالدراسة والتمحيص، ولكن حسبي أن أجيب عن أسئلة كانت تراودني منذ مدة. وقد حاولت أن أتطرق إلى بعضها، وهي الآن مبثوثة في ثنايا بعض دراساتي غير أنها كانت نظرة اختزالية. ومن هنا أحاول في هذه الدراسة أن أعمق هذا الانطباع بقدر ما يتيسر لنا، وهو ما دفعني دفعا لتقريب بعض الظنون التي كانت تراودني مما ترسخ في ذهني منذ فترة، ومن هنا يشكل التأويل حجر الزاوية في إعادة قراءاتي لكشف سيولة دلالات النص، وإبراز ظلاله وإيحاءاته بخاصة اللامتناهية منها، وسواء ما يظهره النص مجسدا في إنتاجه مكتوبا، أو ما كان ضمنا ولم يكشف عن هويته إلا من قبيل الاستنتاج من النصوص.

الكلمات الدالة:

الفكر، الإبداع، التأويل، الدلالة، النص الإبداعي.

***
The degree of the text and not the end of the interpretation

Abstract:

The essence of the problematic of this study is the possibility of understanding the dilemma of perception of the Arab mental structure from the beginning of its intellectual origin from the tangible impact on the creative text. I do not imagine that I will add anything of significance to what was said by those who preceded me studying and scrutiny, but it is my pleasure to answer questions that have been haunting me for some time. I have tried to address some of them, and they are now included in some of my studies, except that they were a reductionist view. Hence, in this study, I try to deepen this impression as much as is possible for us, which pushed me to approximate some of the suspicions that I had with what was entrenched in my mind a while ago, and from here the interpretation constitutes the cornerstone of my re-readings to reveal the fluidity of the semantics of the text, highlighting its shades and its connotations in particular. The infinite ones, whether what the text appears embodied in its written production, or what was implicit and whose identity was not revealed except by inference from the texts.

Key words:

thought, creativity, interpretation, significance, text.

***

النص:

يظل تقدير الدراسات الحديثة لموروثنا الثقافي والمعرفي تقديرا نسبيا، في انتظار ما يجد من اكتشافات تكشف عمق اللاوعي فيه، واعتقادنا بأننا نعرف كل شيء عن ماضينا هو اعتقاد يقابله: "لا نعرف إلا بعض الشيء منه" امتثالا لمقولة النفري: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة" حيث يتسامى في العبارة ظاهر الوجود وباطنه. ولعل الأخطر من ذلك هو ترفعنا عن معرفة ماضينا بفعل هبوب رياح الحداثة، تكرسه دافعية مرض الوهم بالتقدم خطوة إلى الأمام، في حين يتم التراجع خطوات إلى الوراء، وفي المقابل أيضا أن القول بصفاء التراث، وأنه على مثال كامل، قول يفعل دوافع الريبة والتشكيك، ويدخله في مذبحة المتربصين بهذا التراث المسطر بمقدار ما جسده في بناء حضارة ثبت استحقاقها دهرا لا يستهان به.

يقوم جوهر إشكالية هذه الدراسة على إمكانية فهم معضلة تصور البنية الذهنية العربية منذ بداية منشئها الفكري من الأثر الملموس في النص الإبداعي. ولا أتصور أنني سأضيف شيئا ذا أهمية بالنسبة إلى ما قاله من سبقني بالدراسة والتمحيص، ولكن حسبي أن أجيب عن أسئلة كانت تراودني منذ مدة. وقد حاولت أن أتطرق إلى بعضها، وهي الآن مبثوثة في ثنايا بعض دراساتي غير أنها كانت نظرة اختزالية. ومن هنا أحاول في هذه الدراسة أن أعمق هذا الانطباع بقدر ما يتيسر لنا، وهو ما دفعني دفعا لتقريب بعض الظنون التي كانت تراودني مما ترسخ في ذهني منذ فترة، ومن هنا يشكل التأويل حجر الزاوية في إعادة قراءاتي لكشف سيولة دلالات النص، وإبراز ظلاله وإيحاءاته بخاصة اللامتناهية منها، وسواء ما يظهره النص مجسدا في إنتاجه مكتوبا، أو ما كان ضمنا ولم يكشف عن هويته إلا من قبيل الاستنتاج من النصوص.

وقد اخترنا ظاهرة متميزة في ثراثنا الفكري، بنظرة انتقائية تشمل كل أنماط التفكير، وتشكل في نظرنا عصب الآلية الفكرية، ولكونها تحيط بمكنونات البناء الذهني للمرجعية الثقافية وهي ظاهرة العلاقة التلازمية بين الشيء وضده ولزوم الاشتراك بين المتناهي وغير المتناهي، بين صورة الشيء في الذهن وصورته في مادته، بحسب تعبير الفلاسفة، أو بين المعنى الذهني والمعنى المقامي. ذلك ما يمكن أن نطلق عليه بحكمة التفكير المستمدة من حكمة الكون في ثنائية "الزوج" والتي جسدتها فكرة "عالم المادة وعالم الروح" وكأن ثنائية النسق الكوني لها ما يقابلها في تفكيرنا، مما يجعل التطرق إلى المسائل العلمية من هذا المنظور تماما كما لو كنا نبحث في ثنائية النسق الكوني. وقد اعتبر الفلاسفة أن العقل يدرك الحقيقة عن طريق الثنائية، وكأن الإنسان يعيش في صراع محوره بؤرة ثنائية حضور/غياب. في حين هي عند المتصوفة والعرفانيين ثنائية الأنا والوجود.

إن ما أطرحه من افتراضات لا يعطي حلولا حتمية، كما لا ينتج منها تصور قطعي الدلالة. أضف إلى ذلك أنني أستثني صفات ذاته تعالى بوصفه الواحد الأحد، والأول والآخر، والظاهر والباطن، وأن ما نرى من الموجودات كلها صفاته وأسماؤه أي أن هذه الموجودات موجودة - بحسب رأي الفلاسفة - بالعلة الأولى؛ أي السبب الأصلي لإيجاد جميع الموجودات.

ولعل هذا ما يسوغ ارتباط اللغة في مبناها ومعناها في علاقة تفاعلية مع توجهاتهم الفكرية؛ إذ كل نسق لغوي ينمو داخل منظومة الحاجة إلى ممارسة التفكير، ولن يكون ذلك إلا بحسب مقتضى حال ما يمكن لهذا النسق أن يوفره؛ ليصنع عالما خاصا، مستمدا من الواقع المتصور، المقتنع به افتراضا، وكل نسق لغوي من هذا النوع يحتوي في قصده تصوره لعالمه، بحسب النسق المحمول للواقع الممكن، انطلاقا من أن اللغة ليست إلا أداة لتحقيق معاني الحياة، "ولأن حقائق المعاني لا تثبت إلا بحقائق الألفاظ، فإذا انحرفت المعاني، فكذلك تتزيف الألفاظ، فالألفاظ والمعاني متلاحمة ومتواشجة ومتناسجة"(1).

وليس القصد من المعاني هو تلك المحمولات الدلالية لمعاني الكلمات بقدر ما هي معان لفعل الفكر في منظومتها الاجتماعية والتي تحتوي في مضامينها جهاز المعرفة كاملا، وهي الأداة الفعالة التي يتم بها الإنجاز، حيث لا شيء يكون إلا باللغة، ومتى ما كانت اللغة أداة طيعة في يد الذات العارفة استطاع "عقل الفعل" أن يخلق من واقعية الأشياء إنجازا من الصورة وما يشبهها، من إشارة المبنى التي تولد المعنى، ومعنى المعنى، والمعاني المتواليات.

وتتطلب المعاني المتواليات أن تتعامل مع الأشياء في دلالاتها العقلانية التي لديها قابلية الإمكان حتى يتمكن العقل المنتج من تفعيل تصور الأشياء في افتراضاتها، وهذا ما يقلق النموذج السائد الذي يحتوي الكلي في نسق يفرض نمطية جاهزة، ليصبح استعماله سمتا معياريا يحول الأشياء إلى طواعية وخضوع، من دون إخضاعها إلى إعمال الفكر فيها، ومن ثم كان المعيار هو السائد بتمثلاته المتوارثة في معرفيتها النموذجية القائمة على الأنطولوجية الحرفية التي تستند إلى تصور الشيء كما هو، مكتسبا، وتعتبر الأصل انزياحا، ولا تعيد المنحرف إلى أصله، وتفسر الأمور أفقيا، وتعيدها إلى ما هي عليه من دون إعمال العقل.

لقد سلك نقادنا أطروحتهم الفكرية على هذا النهج، وكرسوا مسار تفكيرهم على نشاط الفهم، ووظفوا معارفهم لاستجلاء نبع النص، واحتواء الدراسات والعلوم التي من شأنها أن توصلهم إلى الأحكام الشرعية باعتماد التفسير بالمأثور الذي عزز مقولة "لا اجتهاد في مورد النص" وهو الأمر الذي نتج منه تفعيل "العقل المكسوب"(2) في مقابل "العقل الموهوب" وهذا ما رجح مقولة إهمال العقل، وقد يكون النظر إلى "العقل الموهوب"، بوصفه مجرد غريزة لا تكتسب فعاليتها إلا من خلال "العقل المكسوب"، معناه القول بتبعية العقل لما يحصل عليه الإنسان من معارف: من "أدب ونظر"، ولما كان "الأدب والنظر" في الدائرة البيانية محكومين بإشكالية اللفظ والمعنى، فإن العقل البياني المتكون إنما يتكون داخل معطيات هذه الإشكالية"(3).

وهي صورة تعكس حقيقة الإيمان في مقابل الإنكار، والإنسان وفق هذه الثنائية بوصفه أحد ظهور الكون في ثنائيته، وبوصفه أيضا أحد صراعات طرفي هذه الثنائية، بين عالم الحق وعالم الخلق هو في حقيقة أمره شاهد على هذا الوجود بالزوال، لذلك غاب "الموضوع المتأمل فيه" في فكرته الفلسفية باستعمال العقل مقابل النقل الذي كرس البحث عن معنى الحقيقة في الإيمان بعالم الحق الذي مثلته صورة الخلق، من منظور أن ذات الحق تجلت في ذات الخلق، على اعتبار أن الذات الإلهية - بهذا المنظور - تعرض صفاتها في ذوات مدركة، تشكل مراتب الوجود متجليا في جميع أنواع المخلوقات، أشرفها صفات الإنسان بوصفه مخلوقا أسمى يمثل العالم الأصغر، ويحتوي على صورة المحاكاة، ويكون بمقدور هذا الإنسان التمكن من تأكيد صفات الله؛ بدءا من ذاته امتثالا للأثر القائل: "من عرف نفسه عرف ربه" وهي الصورة الأولى التي يقبض عليها الإنسان لمعرفة ذات الجلالة في ذاته، صورة يمكن اعتبارها بين التنزيه والتشبيه(4)، ولذلك كان التأمل في الثقافة العربية الإسلامية نابعا من تأمل في كل ما هو زوج.

والأمر لا يقتصر على معالم الثقافة الإسلامية فقط بل يشمل الثقافة العربية في عصر ما قبل الإسلام التي كان النتاج الإبداعي فيها قائما على الإسقاط في الصراع بين الإنسان ومظاهر الكون، فعبر الأعرابي عن ما يكتنه عالمه الداخلي بالوسائل التي يملكها وهي اللسان المبين بإخراج الدفقة الإبداعية في الكلمة التي اعتمدت السجع والازدواج على نحو:

إذا حان القضاء ضاق الفضاء

ولقد كانت طريقتا السجع أو الازدواج - في البدء - تعنى بقسيمين متوازيين سواء أكان ذلك من حيث التركيبة الخارجية في تساوي الكلمات، أم من حيث التركيبة الداخلية، أم من حيث التموجات الصوتية والموسيقية الخاضعة للتقطعات النفسية في مثل:

إذا قرح الجنان بكت العينان

وفي مرحلة متطورة نسبيا تجاوزت العملية الإبداعية مرحلة الموازنة في الأقسام إلى تكميل الوزن نفسه حتى يصير كل قسم مساويا للآخر من جهة العروض في مثل قولهم(5):

شهاد أندية
جواب أودية
حمال ألوية

وقد كانت هذه المرحلة - مرحلة الأسجاع والمزاوجة الموزونة - هي السبيل الأسلم للذوق العربي بحسب ما اهتدت إليه الذهنية العربية قبل أن تصل إلينا القصيدة العربية في نمطها المعهود - عفو الخاطر - دون وعي من الناظم.
إن ما يهمنا، هنا، هو اتفاق الذهنية المبدعة في تعاملها مع البنية الخارجية في بناء القصيدة، وتقبلها إياها بكل بساطة دون أن نعرف السبب، ولا أن نسأل إلى يومنا هذا: لماذا جاءت القصيدة العربية بهذه النمطية التركيبية؟ وذلك باعتمادها في بداية الأمر على الازدواج والثنائية في التعبير، سواء أكان ذلك في لفظين متساويين، أو ثلاثة ألفاظ متساوية في التموجات الصوتية والتموجات الإيقاعية، ويكون بذلك من حقنا أن نتعرف إلى السبب الذي من أجله اعتمدت الذهنية العربية على التركيبة الثنائية التي امتدت على هذا الشكل، إلى أن تطورت فيما بعد فوصلت إلى وحدة البيت وتجزئته إلى شطرين متساويين، ثم وحدة الغرض المستقل عن الغرض الذي يليه، فكان تعدد الأغراض التي تعمل مشتركة في خلق إطار معين هو ما يسمى بالقصيدة.

أما بخصوص بنية البيت على نظام شطرين من حيث كونه يشكل ثنائية في النمط التركيبي له، فلعل السبب في ذلك هو أن هذه الثنائية قد جاءت استجابة لطبيعة العصر، بل لطبيعة نظرة الإنسان القديم إلى الكون المتكون من ازدواجية لكل المخلوقات التي تتكون من عنصرين اثنين - وجد هذا الإنسان - حين ظهر للوجود أمام مفارقات الحياة الطبيعية في كل شيء يحيط به حتى إنه أصبح ينظر إلى الأشياء نظرة ثنائية بدءا من تكوينه العضوي الذي يمثل "الانسجام التام بين شطرين" (أ، ب) فهناك تساو بين الجزأين، وتواز، وتقابل بين جزئيات الوحدة (أ) والوحدة (ب)، والوحدتان معا بأجزائهما المختلفة تجمعهما وحدة عامة شاملة تنسجم فيها علاقة الأجزاء بعضها مع بعض، وعلاقة كل جزء بالكل ... فإدراكنا لأنفسنا - واعين أو غير واعين - يجعلنا نتقبل كل ما تتمثل في تكوينه القوانين التي تتمثل في بنيتنا، ويبقى الشعور بالجمال في توافق الإدراك المباشر لعلاقة الأجزاء كل جزء بالآخر، وعلاقة الجميع بالكل مثيرا نوعا من المتعة المباشرة والمطلقة(6)، وهكذا مع بقية العناصر الأخرى التي كان يراها في حياته والتي تتحكم فيها قوانين الطبيعة الثنائية المطلقة، سواء في عبادته كالشمس والقمر - مثلا - أو في نظرته إلى صورة الواقع من نور وظلام، أو ذكر وأنثى، أو لنظرته من خلال الطبيعة - مثلا - كالحر والبرد(7).

ويمكن توضيح علاقة المبدع في هذه الحقبة بمحيطه من خلال تأثر البيئة في عوامل تفكيره، سواء ما كان منها في شعره على نحو ما قاله فدماؤنا من أمثال أبي هلال العسكري: إنه لا يحسن منثور الكلام ولا يحلو حتى يكون مزدوجا، كما عرفه المصري حين قال: هو أن يأتي الشاعر في بيته من أوله إلى أخره، بجمل، كل جملة فيها كلمتان مزدوجتان، كل كلمة إما مفردة أو جملة، وأكثر ما يقع هذا النوع في أسماء مثناة مضافة". أو في تشبيهاته المبثوثة في ثنايا خطبه كما في خطبة قس بن ساعدة الإيادي: "أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة، أو في أمثاله ووصاياه كم في وصية أمامه بنت الحارث لبنتها عند زواجها، قولها: احملي عني عشر خصال تكن لك ذخرا وذكرا: الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة. والتعهد لموقع عينه. والتفقد لموضع أنفه: فلا تقع عينه منك على قبيح. ولا يشم منك إلا أطيب ريح. والكحل أحسن الحسن. والماء أطيب الطيب المفقود، أو حكمه إلى غير ذلك من تصوره الإبداعي(8).

لذلك اعتبر الرازي "إن العقل إنما يثبت الشيء إذا أحاط به"(9). وما أحاط بشأن الطلل هو الوجود الخفي الذي بحث عنه في كل ما هو مثال: في المكان (الطلل)، في المرأة النموذج، في الخمرة، في البطولة، في الكرم، (حاتم)، في البحث عن السلم (زهير) في التضحية (الخنساء). بينما أحاط بإنسان السماء بعد مجيء الإسلام بما يربطه بخالقه: "أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار"(10) و"والذين آمنوا وعملوا أو الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون"(11) و"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"(12).

فإذا كان العربي بعد مجيء الإسلام قد ربط علاقته الأنطولوجية بربه فإنه كان قبل الإسلام مرتبطا بالمطلق "في أن يرسم النماذج المطلقة المثلى، ولم يكن يصور هذه الحالة الواحدة المعينة أو تلك، من الحالات الجزئية التي يزخر بها تيار الحياة الواقعية، فإذا وصف الشاعر العربي جوادا، أو ناقة، أو ما شاء أن يصف، وصفه كما ينبغي له أن يكون لا كما هو كائن بالفعل"(13).

وقد لجأ الشاعر العربي في هذه المرحلة من عصر ما قبل الإسلام إلى هذا المستوى من التفكير - من دون وعي منه - لغياب الفكر الديني المخلص لمشاكله، أو بالأحرى لغياب موضوع يشغل فكره عقليا والذي من شأنه أن يعوض له هذا الصراع. وهذا لا يعني البتة إقصاء الفكر من الذهنية العربية، كما لا نستطيع أن نستبعد أن يكون هناك نوع من التفكير عند نخبة ممتازة من العرب في ثقافتها التي اكتسبتها على سبيل التجربة، لا عن طريق التعلم، أو نظرية مؤسسة خاصة فيما جاءت به العرب من "حكم مضارعة لحكم الفلاسفة" وذلك ما بينته في كتابين لي: الأول عن "القيم الفكرية والجمالية في شعر طرفة بن العبد"، والثاني عن "الجمالية في الفكر العربي"، ناهيك عن بعض الدراسات المتفرقة والتي نشرت في بعض المجلات والدوريات العربية، حينما اعتبرت أنه كان بإمكان الحكمة الماثلة في ثقافة العرب قبل الإسلام أن ترقى إلى مستوى الفلسفة لولا ظهور الحدث الجلل المتمثل في ظهور الإسلام الذي غير مجرى تفكير عقلية العربي، ورفع من شأن مستوى معرفة العقل الإنساني - عموما - وليس معنى هذا أن القرآن كان عائقا في نشوء الفلسفة العربية، ولكنه أعطى دفعا جديدا في تحريره للعقلية العربية، والعقلية الإنسانية عموما، عن طريق المعرفة المستبصرة(14). إلا أن هذه الرؤية الدينية للفكر لم تستغل بالقدر الكافي لينتج هذا الفكر موضوعا فلسفيا موازيا لما أنشأته الحضارة العربية الإسلامية بمجدها وهويتها المتمسكة بالإيمان.

لقد وجد العربي طريقه مع حلول الحدث الجلل في البعثة وتبليغ الرسالة السماوية، فانشغلت الأمة بالدعوة والرغبة في التوصل إلى الدلالات العميقة المقصودة من الحكم الشرعي مما أثر على العمل الإبداعي بالصرفة إلا فيما كان يخدم الإسلام، ليس بدافع المنع، وإنما بدافع السمت السائد المتكون من المناخ الجديد بالانتقال إلى حضارة جديدة بمعالم جديدة، واستمر الوضع على هذه الحال إلى أن استعاد النشاط الإبداعي حيويته مقتديا بالنموذج المثال الذي خطه ابن حذام، هذا الشاعر الذي لم ترو لنا أية دراسة خبره غير الذي ذكره ابن سلام(15) من أنه شاعر تقدم على من نعرف من شعراء هذه الفترة، وأنه وقف على الأطلال وبكى الديار لكنه لم يذكر شيئا عن نسبه، أو شعره بل اكتفى بذكر اسمه في شعر امرئ القيس حين قال:

عوجا على الطلل المحيل لعلنا نبكي الديار كما بكى ابن حذام

إن أصل الكون في ظهوره قائم على هندسة الأشياء المدركة وارتباطاتها الفلكية، الأمر الذي عكس بوعي، أو من دون وعي، صورة "الفنون السامية" على حد تعبير إخوان الصفا الذين يعتبرون، أن أصل التشكيلات الهندسية في النواميس الكونية نابعة من الاعتماد على فكرة التوحيد في "لا إله إلا الله" في مغزاها المشير إلى نفي الألوهية لغير ذات الحق، وإثبات بالوحدانية لله وحده.

ولأن الإبداع تعبير عن حقيقة الكون في كماله ونظامه المتناسق، فإن وجاهة ما نذهب إليه بحسب زعمنا أن هذا التناسق الماثل في الإبداع هو أحد أجزاء نظام الكون في سياق ما، ومتجليا عبر آلية اللاشعور الجمعي المشحون - من دون وعي - بالطابع الرمزي لهذا الموروث البدائي، وتبعا لذلك فإن الفنان بوجه عام - والشاعر على وجه الخصوص - يجمع بين ثنائية تكوينية تؤهله لاستكشاف ما ترسب في أعماق البشرية، من تراكمات نفسية، انطوت بفعل مرور الزمن في ذاكرة النسيان، قد تمتد إلى ما قبل الإنسان، حيث الوجود الحيواني، وأن ما يصدر في الحياة هو انعكاس لهذه المكبوتات بخاصة من الفنانين الذين يملكون القدرة على إظهار هذه الرواسب الموروثة من وجهة نظرهم كمظاهر رمزية يعبرون عنها دون وعي منهم بوصفهم أداة تحت ضغط قوة اللاشعور الجمعي(16). ومن ثم فإن الأعمال الفنية ذات المنشأ العظيم تنتج من مصدر ميتولوجي يأخذ مجراه في طابع البناء المنتظم. ولعل الشاعر أكثر الناس حرصا على الحفاظ على هذا التوازن، كون الإبداع انعكاسا طبيعيا لمكبوتات الكون، وهذا ما أطلق عليه علوي الهاشمي بالتناسب حين اعتبر "أن الإنسان العربي مجبول على حب النظام وتحقيق التوازن والتناسب في مجمل حياته الخاصة والعامة... وأن المقصود بالنظام والتناسب ليس وضعا جامدا أو إطارا ضيقا محدودا، بل يعني حيوية مطلقة وحركة لا متناهية قائمة على الانسجام والانتظام واستخلاص العام في الخاص، والحركة في السكون، والمتحرك في القار، والدائرة المتسعة في المركز المكثف، والمعنى في المبنى، وحركة الذات في بنية المحيط، والقافية في الوزن، والعاطفة في العقل، والتخييل في التركيب... وهكذا على أن يتم كل ذلك في إطار من التقاطع الثنائي؛ أي الثنائية الإشكالية التي نرتكز على قانونها"(17).

وليس الانتظام الثنائي الذي نتزعمه في إسقاطه على مجريات النص الإبداعي في بداية نشأته هو ذلك التناسق المحكم بوعي من المبدع، أو الإنسان أيا كانت مواهبه، ولا هو الانتظام الذي أخضعه المبدع في نشاطه قصدا، يكون قد استمده من تجريديات هندسية - تحت أي شكل من الأشكال - إنما نقصد بذلك أن كل شيء في الإبداع يميل إلى العفوية الكشفية حتى على مستوى الموضوع عبر مراحل الحركة الإبداعية في الثقافة العربية على نحو ما نجده في هذا النص، على سبيل المثال لا الحصر، بحيث يمكن أن نطبق ظاهرة الثنائية على أي نص من النصوص القديمة، يقول تميم بن مقبل في مقطع له متحدثا عن الدهر والموت:

وما الدهر إلا تارتان، فمنهم أموت، وأخرى أبتغي العيش أكدح
وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي فللعيش أشهى لي، وللموت أروح
إذا مت فانعيني بما أنا أهله وذمي الحياة، كل عيش مترح

ولعل أهم سمة مميزة هي سمة التصورات الثنائية على حد تعبير كمال أبو ديب من حيث "إن الكينونة الإنسانية في رؤيا الشاعر كينونة في سياق من التوتر الممزق الذي ينشد (إلى) قطبين يستقطبان الحس والانفعال والإدراك، وهما لذلك، يستقطبان اللغة نفسها. ويتقاطع هذان القطبان في نقاط مركزية تعمق مأساوية الرؤيا وشموليتها، هكذا تنمي القصيدة تصورا للزمن، يشقه إلى لحظتين، فالدهر تارتان أي أن الرؤيا تقسم الواحد إلى اثنين، وبعد هذا الانقسام تطغى صورة الازدواج على حركة القصيدة وتشكل بنية موازية لبنيتها الدلالية... ومن المدهش أن الشاعر لا ينمي رؤياه في إطار الثنائية الضدية المطلقة: الحياة/الموت معتبرا الدهر ذا وجهين أحدهما السعادة والآخر الشقاء، بل في إطار ثنائية مأساوية كلا وجهيها شقاء وموت"(18). ولعل المتتبع لهذا المقطع يجد هذه الثنائية موزعة على ثنائيات عديدة كلها تصب في إطار رؤيا الكينونة الإنسانية.

والشعر في ذلك شأنه شأن بقية الفنون الأخرى التي تعتمد الصورة التجريدية مظهرا لها، وليس بالضرورة أن يكون ذا معنى دلالي فقط، وإنما صفات الجمال فيه قائمة على عدة عناصر، منها الشكل، والإيقاع، والدلالة، والقافية... في مركب جمالي لاستجابة وجدانية.

وليس غريبا من هذا الإنسان أن يكون عارفا بحقيقة الكون بصفائه العقلي مما كون اتحادا بينهما حيث توافق الإنسان في بدائيته مع مبادئ الكون فتمثلت لديه كل الأشياء في زوج ثنائي، وهي الثنائيات التي تشكل وجود الإنسان في هذا الكون، وتخلق منه توازنا منسجما في ضوء استجابته الإرادية أو القسرية إلى طبيعة الخلق، سواء في تعامله مع: الفعل ورد الفعل / السالب والموجب / القدر والحرية / الحياة والموت / وكأن واقع الإنسان في إدراكه الأشياء من حوله يعكس صورة الوجود المجازي - العرضي - في هذه الحياة، في مقابل الوجود الحقيقي الذي هو في عالم الملكوت.

إن حكمة العقل تسعى - دوما - إلى تفعيل ثنائية (الفكر والموضوع) رغبة في الوصول إلى الحقيقة بأهم وسيلة وهي العقل المجرب أمام مختبر الطبيعة، وقد يكون الجاحظ - بحسب قول علوي الهاشمي - أول من التفت إلى هذا القانون في الثقافة العربية باعتباره قانون الحياة الجوهري حين قال: "أن العالم بما فيه من الأجسام على ثلاثة أنحاء متفق، ومختلف، ومتضاد" ثم يرد الجاحظ هذه الحدود، أو المستويات الثلاث التي تجسد حيوية القانون إلى الأصل الثنائي الإشكالي، ممحورا إياه حول الحركة والسكون، وذلك حين يستطرد قائلا عن "تلك الأنحاء الثلاثة، وكلها في جملة القول جماد ونام، وكأن حقيقة القول في الأجسام من هذه القسمة أن يقال: نام وغير نام"(19). ومن ثم لا فكاك من أن يفكر - الإنسان القديم - في قسمة الكون القائمة على نحو، هذه الثنائيات: الذكر والأنثى / المادة والروح / البرودة والحرارة / النور والظلام / الخير والشر / الفكر والموضوع / الأعلى والأدنى. وبقدر عال من التفكير كما عند العلماء والفنانين ورجال الدين نجد على سبيل المثال ثنائية: توقيف وتوفيق / محكم ومتشابه / ظاهر القرآن وتأويل القرآن / حقيقة ومجاز / المواضعة اللغوية والمقاصد اللغوية / الإدراك وإدراك الإدراك / اللفظ والمعنى / الحقيقة المطابقة والتصوف الحلولي.

هذا قليل من كثير من المفاهيم والنظريات التي جاءت مطابقة للبحث في معنى الكشف عن حقيقة تماثلها بهذا الشكل كونها سؤالا عن علم المعلوم، وتمثل غياب الخفي من خلال هذه العناصر الثنائية المتوافرة في كل المخلوقات، سواء ما كان منها من الكائنات الحية أم من الجماد، إلى غير ذلك من الموضوعات والظواهر بدءا من الذرة بوصفها كائنا قائما على ثنائية التوازن بين السالب والموجب. أضف إلى ذلك أن في عالم الناسوت - بحسب تعبيرات الفلاسفة - لا وجود لشيء إلا بنقيضه وفق قانون الطبيعة التي تتبلور موجوداتها تبعا لدلالات النواميس الكونية الكامنة في إبداعاته، والتي تعكس الاحتمالات اللامتناهية لمطلق مفردات الكونية.

وكل من يرغب في معرفة حقيقة المطلق المتضمنة في اللانهاية فإن لا نهائية التأويل سبيل إلى مكامن النص، نتيجة من بلورة هذا النص بوصفه موضوعا تواصليا ونسقا دلاليا يبين من زوايا مختلفة. ولكن كيف حول المبدع أو المثقف العربي هذه الرؤية إلى نظر؟ وهل راهن على تفاعله مع الكون، وتوازن شعوره معه؟ أم أن اللاوعي الجمعي، بوصفه تعبيرا عن المعنى الباطن هو الدافع للعملية الإبداعية، والنظرة الفكرية؟

1 - المرآة والعلامية:

إن التحايل على الفكر يقودنا إلى التساؤل عن: كيف طرحت الظواهر المعرفية في الثقافة العربية الإسلامية؟ ومن أي منبع كانت تستمد مفاهيمها؟ وهل كانت هناك إشكالات معرفية؟ وما دور العقل في ألوان القضايا المطروحة؟ وهل كانت النتائج المتوصل إليها من طريق القياس العقلي أو من قبيل الحدس الغيبي المتسلل من اللاوعي الجمعي؟

وإذا أدرك الإنسان أن اللانهاية الصغرى التي تعكس وجوده بوصفه جزءا من اللانهاية الكبرى الماثلة في الكون، أدرك أنه جزء فاعل في هذا العالم الكوني، وفي اتصال بعضهما ببعض ضمن ترابط كوني متماسك يحدد أعلاها مستوى أدناها، ويعرف أدناها قيمة أعلاها، يجمعهما تآلف الروح بالجسد، وهذا يعني أن كل ما هو إبداعي في طبيعته هو بالضرورة كوني في جوهره "فالقوانين الطبيعية هي قوانين كونية سعى الإنسان جاهدا إلى معرفة رموزها وتبنى قواعدها لتكون عونا له على معرفة نفسه وسر وجوده، والقوانين الإنسانية هي قوانين طبيعية وكونية تدعو الإنسان إلى تطبيقها لكي يتحد مع الوجود الكلي"(20) وما الظواهر المتناثرة في وجه العالم إلا عبارة عن تناسق محكم من ثنائية ضدية ضمن صور تضادية في الظاهر، في حين هي في الجوهر تمثل وحدة داخلية، يكون من الصعب علينا تتبع مدركاتها إلا من خلال آلية اللاوعي الجمعي بوصفه تعبيرا عن باطن النفس وقابليتها للانفتاح، ومتى ما وجدت الرغبة في استخراجها استطعنا أن نصل - نسبيا - إلى كشف خلايا نائمة متسللة من موروث التفكير الموجود في عمق كل إنسان.

ولقد تطرقنا في كتابنا الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي إلى أن كل مبدع هو "سياق إبداع" يمكن تحليل شخصيته انطلاقا من الأثر الذي أبدعه، من حيث كونه يمثل مضامين رمزية ضاربة في القدم، ورثناها من الحياة الأولى للإنسان المتكونة من غرائز بدائية، ترسبت في الذهنية جيلا بعد جيل، والتي تشكل عناصر نفسية أطلق عليها يونج بـ"النماذج الأولى الأصيلة"، بوصفها طرقا طبيعية للتفكير البدائي(21) وسواء أصحت هذه المقولة - بعد أن تجاوزتها المعرفة الحديثة - أم جانبها الصواب فإن حقيقة المعرفة وفق الأسئلة السابقة تبقى تشكل النواة الجوهرية للكشف عن: "كيف؟"، أي كيف نطمئن على صحة مصدر النتيجة التي وصلت إليها؟ وهل احتفظت هذه النتائج - على مر الأزمنة - بمواقفها؟

إن السمة الدلالية للتحول المعرفي من عصر إلى آخر هي ترجمة لتبدل مواقع الوجود من حالة إلى حالة أخرى، لا تتكرر صفات الواحدة في الأخرى، بل كل واحدة تستقل بماهيتها، وتكون سببا في خلق الثانية وفق التحولات الطارئة على الصورة الأولى بفعل وساطة معينة، حتى تصبح معدة للتحول إلى صورة أخرى ليست ثابتة على وجه اليقين.

ولعل هذا هو جوهر التفاعل الإنساني بالعلاقة العلية الرابطة بين الشيء وأعراضه، فالقرآن الذي شغل الناس بإعجازه تكمن خاصيته في اللاتناهي بـ"الفعل" على اعتبار أن مورد استعمال اللاتناهي بـ"القوة" هو إدراك الوجود المطلق في علاقته بالوجود السابق الرابط للوجود اللاحق إلى غير نهاية، في سبيل معرفة القوة بـ"الفعل" عند ذات الحق في إرادته جل شأنه لمعرفة تبليغ قوة تأثير دلالات الإعجاز القرآني بعد أن "علمه البيان"(22). وما كان ذلك ليكون لو لم يعلم الله جل شأنه في الإنسان إمكانية سيرورة الفكر البشري للوقوف على سبب الإعجاز من خليفة الله في الأرض "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة"(23) الثابتة بقوة؛ لفعل باستمرار إرادة الله.

لقد أخذ استثمار النص الشرعي من قدمائنا دهرا طال حتى القرن السابع في تقديرنا، ولم يشذ المتأخرون في تفكيرهم عن تفكير من سبقهم من الشعراء والكتاب والفقهاء والمفسرين والمتكلمين والفلاسفة الذين انصب اهتمامهم بالزوج الاثني: محكم، متشابه / لفظ، معنى / حقيقة مجاز. وما دخل - في سياق ذلك - تحت سقف هذا الزوج من فروع أظهرت النسق الثقافي في حدود معينة، وعندما أرادوا أن يتجاوزوا ذلك بعد القرن السابع اصطدموا بعقبتين أخرتا الخوض في علاقة اللغة بالفكر وهما:
1 - التطور الهائل الذي مثل في ثقافة الآخر، هذا الآخر الذي اعتنق نظريات عدة أغلبها مستمد من منهج اليقين بغرض الوصول إلى الحقائق في معارفها الفكرية، وقد كان ذلك - بخاصة - في أوائل عصر النهضة الغربية.
2 - مواجهة عصر الانحطاط قبيل سيطرة العثمانيين على البلاد العربية عام 923هـ، بعد سقوط ما تبقى من عصر الدولة العباسية التي وصلت إلى مرحلة الشيخوخة والتي تم فيها قطع الصلة حتى مع معرفة "الذات" الأولى، تأسيسا وتطورا.

ولعل هذه الصورة مشابهة، من حيث المبدأ الشكلي، بحياة العرب قبل الإسلام الذين تأخرت عندهم فكرة البحث في مسائل فلسفية، وإذا كنا قد اعتبرنا - كما بينا سلفا - أن الحكمة كانت الممهد للفلسفة، فلأن انشغال العرب بالقرآن حال دون ذلك. والأمر سيان مع الثقافة العربية في المرحلة الموالية عندما استنفدت طاقتها، وحينما بدأ التفكير يميل عن الاهتمام بنظام الخطاب على حساب نظام العقل؛ الأمر الذي نتج منه الانشغال والاهتمام بتجنب التنافر بين الكلمات على حساب الاهتمام بتجنب التناقض بين الأفكار.

إن التناقض على صعيد الفكر لا ينظر إليه في هذه الحالة من حيث هو تناقض "بل بوصفه طريقة من طرق" صياغات المعاني. ومن هنا كانت المحسنات البديعية بمختلف أنواعها؛ وهي محسنات تقوم بمهمة إبستمولوجية هي تعويض الفراغ وإخفاء التناقض على صعيد المعنى. إن النغمة الموسيقية المرافقة للخطاب المسجوع توجه السامع إلى نظام الكلمات وتصرفه - من ثم - عن نظام الأفكار على نحو يجعله في حالة إغفاء عقلي تسمح لـ"المعنى" - إذا كان ثمة معنى - بالانسياب إلى لا وعيه بدون رقابة عقلية بلا نقاش(24).

أضف إلى ذلك أن إغلاق باب الاجتهاد يعد تعطيلا للآلية الفكرية في مقاصدها التي تسعى إلى ربط النص بالعوالم الممكنة في مثلها العليا، وما كان ذلك ليحدث لو كان هناك اهتمام بربط اللغة بالفكر في تداولها اللساني المتواصل، ولأنه لا يعقل أن نحجم اللغة في قوالب جاهزة تحد من كل ما يجد في مسارها الحضاري. ولعل مرد ذلك كله إلى اهتمام القدامى - أكثر - بالتعليل لكل ما هو آت، وقياس الغائب على الشاهد(25)، أو قياس التمثيل كما عند علماء الأصول(26).

ولقد كان لهذا الاهتمام بأصالة نظام الخطاب على حساب نظام العقل مستمدا من تباين التشكيل في مراتب الحقيقة ظاهريا وتباين الموجودات في ظهورها العياني باعتبار دلالتها على ذات الحق وصفاته الكمالية؛ الأمر الذي كان له الأثر الكبير في مجرى تفكيرهم من دون وعي وهو ما يوضحه التداخل بين آراء كل من الفقهاء والمتكلمين واللغويين والفلاسفة حول ظاهرة ثنائية التفكير مثل ثنائية اللفظ والمعنى التي كانت حاضرة حضورا إشكاليا، ظاهريا وباطنيا، في الثقافة العربية الإسلامية.

إن بناء حضارة على النحو الذي كانت به الحضارة العربية الإسلامية في تناظرها للأشياء لم يكن له اعتبار لولا اعتقاد قدمائنا الراسخ بتكريس قوة الإيمان بإرادة الكشف التي تعطي الوجود معناه، فتحول كل انتصار في فتوحاتهم واكتشافاتهم - بما في ذلك المعرفة - إلى انتصار بثواب من الخالق، مكافأة لهم لإنجازهم الإنساني العظيم، وإيمانا منهم بأن رسالتهم في خلق هذه الحضارة كانت مستمدة من التوحيد. ولو كان ذلك متضمنا الاهتمام بـ"الموضوع الفلسفي" لخلق توازنا ما كان لهذه الحضارة أن تسقط - السقوط القسري - وتقطع جذور إمكانية الاستمرار على عكس ما كانت عليه الحضارات: اليونانية، والهندية، والصينية، وغيرها من الحضارات العريقة التي أبقت على قدر من التواصل الحضاري ما يسمح به البقاء للاستئناف من حيث انتهى الأولون. ولعل هذا ما يدعم فكرة غياب "الموضوع الفلسفي" في تراثنا الذي كان يستوجب منه استجلاء قدرات تلك الحضارة، واستخلاص تجارب الحضارات الأخرى للحفاظ على الاستمرارية، على الرغم من محاولات ابن رشد التي باءت بالفشل من مؤسسة "تهافت الفلاسفة" وما سبقها من أفكار عطلت المنظومة الفكرية؛ الأمر الذي انعكس سلبا على مستقبل الفكر الفلسفي، وما نزال ندفع ثمن تراجع هذا الفكر إلى يومنا هذا.

والممكن - دوما - بحاجة إلى تجديد في كل آن وزمان، ويتشكل بشكل ما يحاذيه من الخلق والابتكار، من الذات وليس من الآخر على النحو الذي بنى أسلافنا حضارتهم الماجدة، وعندما دخل الآخر - قسريا - لزم خروج هذا البناء والتشييد عن جادة الصواب لاستمداد حضارتنا بما دخلها من غيرها، فتحولت الحضارة العربية الإسلامية من صورتها بذاتها إلى صورة من دون ذاتها، وعلى هذا النحو يكون الخفاء والظهور في كل شيء.

2 - حياة الدلالة:

كل حياة تتجاذبها صفتا الصيرورة، مما كان، والسيرورة، مما يكون، وفق نظام أسرار الكون، ويجعلها قابلة لكل ما هو جديد بتجديد نفسها على الدوام. ولعل موقع الإنسان متحركا بين عرشي الصيرورة والسيرورة، بين التطور والتطوير، للقيام بدور ما، سلبا أو إيجابا، وفي هذا استجابة لقوى الطبيعة في توازنها الإرادي وغير الإرادي، سواء وفق قانون العلة والمعلول، أم وفق قانون الوعي واللاوعي. ومن هنا جاء البناء الذهني للواعية العربية على سبيل الامتثال لقوى الطبيعة في مظاهرها الكونية، فتفاعل معها المبدع بوجه عام، ضمن سياق هذه السنن الكونية، وبدافع إفرازات المعنى الباطن، وذلك لانعكاس التناظر الموجود في تعددية الأنماط والأشكال، والظواهر الطبيعية، والفكرية، والسلوكية. وهذا ما تؤكده الدراسات المعرفية من أن فصل الإنسان عن محيط الطبيعة محال، على اعتبار أن الإنسان على مر الأزمنة، وسيظل، صورة نموذجية للبيئة.

والحاصل أن استجابة الإنسان إلى النسق الطبيعي، للبيئة في محيطها الكوني، هو انعكاس للانفتاح على التجديد، وما دام الأمر كذلك فالنتائج غير نهائية، وعدم نهائيتها يعني الاستمرار في الكشف، والكشف أسمى عناصر البحث المنفتح على التجديد، وفي اعتقادي لن يكون ذلك كذلك إلا بما تستوجبه الذات لنفسها، وبإرادتها، وانكبابها على تطوير قدراتها على النحو الذي أثبته قدماؤنا بعد تحولهم من مرحلة تاريخية إلى أخرى، فأنتجوا حضارة قبل أن يدخلها الزيف.

ولقد نظر دارسونا ونقادنا القدامى إلى الآلية الإبداعية بما هو حاصل في المرجعية الثقافية في الصورة المتجلية، وبما هو ناتج من اللاوعي في الصورة الخفية، والإنسان العربي القديم في هذه الحال موزع ذهنيا بين صورتي الخفاء والتجلي، وبين واقع حال مشترك الوجود اللفظي المقنن، وسمت النظام الفكري الموروث، من كلام موزون مقفى في المنظور العقلي، وبين الوجود العياني المتكرر معه يوميا وما يفرضه نظام الطبيعة الكونية، لذلك ركز قدماؤنا كل اهتمامهم حول موضوع الدلالة والاستدلال لتوضيح فكرة المجاز؛ الأمر الذي شجع القدامى على تناول هذه الفكرة بعمق، ولعل هذا سبب تأليف أبي عبيدة "مجاز القرآن" من حيث إنه سعى إلى شرح النص القرآني باستدعاء الأنحاء التي انتحاها العرب في للتأكيد على أن القرآن إنما جرى على سمتهم، وللبرهنة على أن أصل منشأ النسق الثقافي العربي مجاز. وهذا مشهد آخر للتفاعل مع الثنائية في التعبير عند تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز الذي استنكره ابن تيمية فيما بعد.

لقد كان لقناعة قدمائنا الفكرية، ومنطلقاتهم المذهبية، دور كبير في شحذ قريحتهم بدافع الحاجة إلى محاولة تعزيز موقفهم والانتصار على خصومهم ومخالفيهم من هذا المذهب أو ذاك، خدمة لتوصيل ما يتناسب وطبيعة تصور كل مذهب، لفهم الشرع، ووحدة النص الإلهي في جميع مراميه، بما في ذلك النسق الدلالي.

لقد كرست البلاغة العربية جهدها لفهم النص القرآني، مما أدى إلى التسليم بإعجازه، بوصفه لامتناهيا بفعل مشيئته في كل زمان ومكان. لذا، كان حرص العرب على دراسة البلاغة في غاية الأهمية بغرض إمكانية توفير الإقناع، وبوصفها الأداة الإفهامية لمحاربة أهل البدعة والباطل في فهم النص الشرعي، واستخراج الاستنباطات السريعة الحكم، وفي هذا جاء قول أبي هلال العسكري: "إن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالتحفظ بعد معرفة الله - جل ثناؤه - علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، الناطق بالحق، الهادي إلى سبيل الرشد، والمدلول به على صدق الرسالة، وصحة النبوة"(27).

ولعل الاهتمام بالبلاغة لم يكن له الدور الفعال إلا عندما تبلورت إشكالاتها على مستوى تحديد الخطاب البياني، فانقسم المهتمون بذلك إلى فريقين: أحدهما عني بتفاصيل الخطاب وتفسيره، أما الثاني فاهتم بكيفية إنتاج الخطاب المبين، وكان أبرزهم المعتزلة الذين كان لهم فضل السبق في بلورة معالم المصطلح البلاغي بوصفه سياقا إجرائيا لصحة مزاعمهم التي كانت تتعارض مع صحة مزاعم خصومهم؛ الأمر الذي مكن كل فريق من ضبط استدلالاته تحت سقف البلاغة بكل تفاصيلها من ضوابط وأنواع.

إن كثرة التيارات والمذاهب، على أساس ما تحتويه من تعصب، وانغماس بعضها في حمأة الكذب والتزوير كانت تشجع على تفسير القرآن بما تراه يتلاءم مع أغراضها وتأييد مذهبها بتأويلات تعسفية، وقد ترك ذلك أثرا سيئا، جر على الأمة كثيرا من البلاء(28).

وهل كان باستطاعة البلاغيين - مثلا - أن ينظروا إلى المسائل الشرعية بمعزل عن النسق الثقافي الإسلامي آنذاك؟ وهل كان باستطاعتهم أن يتجنبوا ما كان يدور من جدل بين المتكلمين فيما بينهم، وبين المتكلمين والفلاسفة، وبين هؤلاء واللغويين؟ لا أحد يشك في أن لهذه الثقافة السائدة المصبوغة بالجدل الفكري الدور الأساس في تعزيز مكانة المعارف والعلوم، والمقاصد الشرعية بالتيارات الفكرية، وخير مثال على ذلك تأثر علماء اللغة بالعلل والقياس، وتأثر علماء الأصول بالمنطق الأرسطي - بخاصة مع إمام الحرمين الجويني وتلميذه الغزالي - رغبة في الوصول إلى اليقين والمصداقية.

ومن هنا، جاء مصدر التطرق إلى كل ما هو زوج، والذي انعكس بشكل أدق، في صورة اللفظ والمعنى، ثم أعقبتها نظرية معنى المعنى عند عبد القاهر الجرجاني والتي كانت في أساس مبدئها اللاتناهي بالقوة، في مدركات الإنسان، لمسايرة اللاتناهي بالفعل، في مشيئة الرحمان، وإلا حجبت عن هذا الزوج صورة إدراك معاني إعجاز القرآن الماثلة بالفعل في العبارة الدالة في الإبداع، والشعر منه على وجه الخصوص، بوصفه أسمى تعبير الثقافة العربية الإسلامية، حيث تكون "درجة المعنى الحقيقي (المعنى الأول) بالفعل ودرجة المعنى الذي لهذا المعنى الحاصل بالفعل (المعنى الثاني) إما بطريق الاستعارة والتمثيل، وأما بطريق الكناية لا تكونان إلا متناهيتين عندما يكون القول ليس شعرا: أما معنى المعنى الممكن بالكناية أو بالاستعارة والتمثيل فهما مما لا نهاية له بالقوة في الشعر، ومما لا نهاية له بالفعل في القرآن. فالكناية التي تستند إلى علاقة التبعية بين المعاني لامتناهية بالقوة لكون سلسلة الموجودات كلها مترابطة، فينعكس ترابطها بين أسمائها والمجاز بفرعيه (الاستعارة والتمثيل) لامتناه بالقوة، لكون كل موجود من جماعة الموجودات له مع جميعها وجه شبه، وهو ما ينعكس كذلك بين أسمائها"(29).

إن دراسة اللفظ والمعنى بهذا المنظور لا يعكس منهجا معينا اتبعه القدامى بفعل الإرادة في تعاطي شئونهم، وإنما بفعل آلية خفية في ذهن المجتمع، جسدت فعل الفكر من اللاتناهي بالقوة المستمد من اللاتناهي بالفعل في صفات ذاته تعالى في علاقة تفاعلية بين إرادة القوة وفعل الإيمان في صفات ذات الله الفعلية(30)، وهي علاقة متفاعلة، ذات طابع عقدي، ومرجعي، وذهني. تعاضدت، كلها، لتستدعي اللغة في نظامها التعبيري إلى تصور ثنائي يعكس التصور الدلالي الذي يحمل في مضامينه الخفية بين التوحيد والموحد الذي من شأنه أن يرجع كل شيء إلى حقيقة ذات الجلال. ومن هنا كانت "الحقيقة فقه السنة" الكونية كما يرى الغزالي لما تقوم به النفس البشرية من دور في سبيل الوصول إلى المعرفة الكاملة، والتي تليق بالإنسان بحكم خلقه على الصورة الإلهية، وليس هذا فحسب، وإنما الكمال الحقيقي في حصول المعرفة بحسب رأي الأمير عبد القادر الجزائري (أحد المتصوفة المتأخرين) هو الذي يتحقق باجتماع العقل والروح معا؛ لأن العقل على ما يقول إذا امتزج بالروح امتزاجا معنويا ظهرت العلوم حينئذ في النفس(31).

لقد سن قدماؤنا تفسير الشرع بما تقره الضوابط اللغوية والمعاني البيانية، أو بما تفصح عنه دلالة التأويل من دون أن "يخل ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه، أو لاحقه، أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء التي عددت في تعريف أصناف الكلام المجازي"(32)، لما في ذلك من أثر بليغ بين دلالة المعاني وروح الشرع، وهذا باعتراف القدماء، والمفسرين منهم على وجه الخصوص كما رآه الزمخشري الذي قال في حق المفسرين: "لا يتصدى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما: علم المعاني، وعلم البيان، وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة وبعثت على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة الله، وحرص على استيضاح معجزة رسول الله(33). ومن هذا المنظور كانت البلاغة عنصرا فاعلا في استقراء الحقائق من الشريعة بوجه عام واستكناه ما خفي من النص المقدس وتوضيح إعجازه.

وإذا كانت خصوصية فهم النص مطلبا شرعيا في طلب الحقيقة بالأدلة العقلية والنقلية فإن هذا الفهم قد تشعب بتشعب الشيع والملل، حتى صار المجتمع العربي الإسلامي، آنذاك، ذا مرجعية مشدودة بالنعرات الخلافية، كما صار محكوما بأفق المفاهيم الافتراضية المتعددة لدى الفقهاء والعلماء، فتعزز الجدل الكلامي... على أساس الاعتراضات، كل يتخذ سلمه لإثبات رأيه من النص فيما يتصوره، ومن الصعب أن نتوهم التلازم بين رأيين، فماذا لو كانت مجموعة آراء؟!(34)

ولقد جاءت وظيفة اللغة، المتعارف عليها بالمواضعة، بغرض وضع اللفظ للوجود الخارجي المتفق عليه، لذلك قال الرازي: "كل معنى كانت الحاجة إلى التعبير عنه أهم كان وضع اللفظ بإزائه أولى"(35)، وليس القصد من اللفظ والمعنى في تقديرنا التأويلي إلا تلك الصورة التي تعكس عالمين متناظرين هما عالم التجلي في صورة اللفظ، وعالم الخفاء في صورة المعنى، لأن دلالة المعنى في تأويلها يقتضي كل شيء فيه خاص بالمعنى الخفي من ظاهر الكلام الذي يعكس ظاهر الوجود، والذي هو بحاجة إلى دلالة من خارج ذات اللفظ، تستحضر بالتداعي عن طريق الحدس، أضف إلى ذلك أن كل لفظة لها مفهوم وهو ما يتصوره الذهن بالإدراك الاستدلالي في محموله الخفي من دلالات ذلك اللفظ، وله مصداق هو ما يستعمل في التداول بالمواضعة من سياق ذلك اللفظ المتفق عليه على حد تعبير ابن تيمية الذي اعتبر "أن للشيء وجودا في الأعيان، ووجودا في الأذهان"(36).

ولعل معترضا يذهب إلى أن ثنائية بهذا التصور هي - في ظاهرها - ألصق بالسياق الفني، وذات مدلول لغوي فكري، في حين هي أعمق من ذلك، فهي - في نظرنا - تنتمي إلى المرجعية الدينية في العلاقة بين الفرد ومفردات الكون، عاكسة بذلك صورة التوحيد بين الإنسان وربه في علاقة تواصل داخلية، وكلتا الحالتين تمثلان صورة التوحد، فالأولى توحد مع ظاهر الفكرة، الحاضر، والثانية توحد مع الخفي، المطلق في مركز عالم ذات الحق. ومن هذا التوحد تتشكل بنية العالم العلوي والعالم السفلي التي تعكس معاينة الصورة الفنية، كما في تقسيم البيت من الشعر إلى شطرين متوازيين، وكما في الصورة التشبيهية، والاستعارية، والمجازية، والتقابلية، والضدية، وصورة التكرار وما شابه ذلك بما يعكس تقسيما أفقيا يقابله التقسيم العمودي الذي يعكس الصورة الخفية - من دون وعي المبدع أو الدارس - في البحث عن عالمه الآخر الذي يرغب في التوحد معه، لتتكون بذلك صورة واحدة: الأنا/الآخر في علاقة تضمينية.

وهكذا تتجسد ثنائية الرؤيا في التصور اللغوي مع ثنائية الرؤيا في التصور الكوني في تجسيد سياق النص ومرجعيته الفكرية لخلق توازن بين الفكر والحس، والذي يمثل هنا سمو الحس العقدي.

والإنسان بهذا المنظور، بحسب رؤيتنا، موزع بين وجوده وخلوده، أو بين عالم الدنيا وعالم الآخرة، أو بين ما هو يقين وما هو في حكم الظن الذي ينتج منه الوجود الخارجي، وذلك من خلال تعامل الإنسان مع مجريات الحياة اليومية المعبر عنها بالتداول اللغوي الذي تعكسه مواضعة الألفاظ في جميع التعاملات التداولية، المصلحية، على عكس ما يقتضيه اليقين في التعامل مع الشرع. ولا سبيل للوصول إلى الحقيقة إلا عبر الكشف عن معاني الدلالات الخفية في هذه اللغة؛ لمعرفة الشرع وكنه مقصده، فكان لا بد أن تعكس هذه الدلالات التوحد مع دلالات مقاصد الشرع التي مصدرها الخفاء بغرض التجلي حتى تعم الفائدة الخفية بالاستدلال والتأويل، وهذا ما مرت به الأمة العربية الإسلامية في بداية مهدها رغبة في البحث عن الرؤية السليمة التي جاءت بها الرسالة السماوية بوصفها مصدرا للانبعاث، وذلك من منظور التأمل في مقاصد الشريعة، بعد أن كانت مسبوقة بالشك الذي نتج منه إزالة الشبهة بسبب التأمل بحسب منظور الرازي، من أن "المكلف يحتاج إلى يقين يميز الحق من الباطل، ليعتقد الحق، ويميز الخير من الشر ليفعل الخير"(37).

والثنائية التي نقصدها في النسق الثقافي العربي القديم هي انتقال التصور بالبديهة والفطرة عبر الصور المستحضرة ذهنيا بقرينة دالة من البحث في مسألة الإعجاز، ومن خلال التأمل والتفكير، في مقابل التصديقات الظاهرة في العلم الجلي الذي يعكس الاطمئنان النفسي لدى المرء بتوحده مع ذات الله؛ الأمر الذي يجعل من الإنسان أن يكون متعلقا بالجانب الروحي أكثر من ارتباطه بالجانب المادي الذي تجليه الصورة الظاهرة للوجود بالنظر الحدسي والتأمل الفكري بين ما هو ظاهر وما هو خفي.

ألا يمكن أن تكون هذه الصورة معبرة عن علاقة الشيء بالتفكير فيه، أو علاقة الذات بالوجود في المنظور الكوني الذي يعكس الذات الإلهية، ومن ثم تكون المعادلة هي علاقة ذات الخلق في ذات الحق - كما عبر عن ذلك الصوفية - في توحد روحي سواء أكان ذلك بالتدبر والتفكر، أو بالبديهة والفطرة، أو بالحس الشعوري، أو بالحدس. وهذا تصور ضمني يعكس حال الفكر في علاقته بعالم الوجود في كل ما يتصل بفعل اللغة مع نقل التصور الذهني اللاإرادي منه على وجه الخصوص بإحاطة الشيء بالانعكاس، كانعكاس المرآة إذا أحاط بها الشيء المنعكس فيها، وهو ما عبر عنه الرازي في أثناء حديثه عن إحاطة الشيء بالعقل في قوله: "فإن العقل إنما يعرف الشيء إذا أحاط به... بتقليب حدقة العقل إلى الجوانب طلبا لذلك الانكشاف والجلاء"(38).

إن تعيين الأشياء في دلالاتها بما تسلل إلى ذهن الناس من الموروث الجمعي بالفطرة، أو بما تواضع عليه الناس من لغة دالة تتضمن محمولات فكرية لمعارفهم التاريخية، والآنية، والافتراضية، هي نتاج لسيرورة دلالة الألفاظ المعقودة بدلالة المعاني والتي تعد في اصطلاحات اللغويين وضعا، وما دام الأمر كذلك فمن شأن هذا الوضع أن يتغير ويتبدل في قوالب دلالية جديدة يتكون منها فكر جديد ضمن سياق "بنية مبنى وبنية معنى" ووفق الحقول الدلالية المستجدة، أي بتجاوز البديهيات المتعارف عليها إلى العبارات والسياقات المتنامية مع وقائع الأحداث، من حيث إن "استعمال العبارة (ضمن نسقها الثقافي وسياقها التداولي) على وجه يفيد ويصلح، لا يكون إلا بعد العلم بما وضعت له"(39) ومن شأن ذلك أن يسهم في تناول الحقول الدلالية التي تبعث التجديد في البناء المعرفي لأي تصور فكري أو إبداعي رغبة في الاستجابة إلى طواعية التحديث المستمر المرتبط بتطوير المجتمعات، والمطابق لظاهرة الفعل ورد الفعل؛ أي بالتجربة والاستقراء لتحليل الفرضيات لمختلف التصورات في دلالاتها.

فإذا كانت الحضارة العربية الإسلامية قد أذابت معظم الأمم وصهرتها لما في هذه الحضارة من روح المعاني الإنسانية، ولما رسمته من معالم كونية جديدة، فإذا كان الأمر كذلك، فلأن قدماءنا صنعوا مجدا تاريخيا بإرادتهم وجاهدوا أنفسهم بنشر هذه الحضارة على مدى قرون، بنوع من التحدي حتى ملأوا الدنيا وشغلوا العالم بفتوحاتهم الإنسانية.

وبالمقابل فإن هذه الحضارة لم تحول ذلك الإنجاز العظيم من فعل النهوض والإقلاع إلى فعل الفكر الفلسفي في منظومة السيرورة؛ أي التحول من التفكير بالاكتساب إلى التفكير بالإنتاج، والانتقال من استعارة المعرفة، بوصفها أساس كل بناء في منشئه، إلى ترسيخ هذا البناء بما يؤهله إلى التأمل في مجريات الكون لبلوغ الحقيقة، فلم يحظ من قبل المنظومة الفلسفية الإسلامية إلا بما هو حقيقة مطلقة، مستمدة من الحقيقة الناجزة الماثلة في التصور الديني - من دون الاستفادة من دعوته إلى التأمل والتفكر - في حين يصل الإنسان في تفكيره الفلسفي إلى الحقيقة النسبية بفعل إنتاجه التأملي المعرفي من خلال عرضه مشروعا للفكر الإنساني رغبة في إمكانية بناء صرح فكري يسهم بدوره في خدمة الإنسانية حتى يكون بذلك متوازيا في فكره مع مضمون الرسالة السماوية في بناء الحضارة الإنسانية.

وإذا كانت الفلسفة العربية الإسلامية قد كرست معظم جهدها في البحث عن معرفة الدين، وأخذت طابعا مشروعا للتأمل في حقيقة الإيمان فإنها عجزت عن خلق مشروع لتصور موضوع فلسفي يبحث في قلق الإنسان وسؤاله في هذا الكون، بالحوار الدائم والتساؤل المستمر، وإذا كان هناك من رؤية فلسفية فهي في مجال الظواهر المتعارف عليها أو كما قال الشهرستاني "وكان المنطق (في هذه الحقبة) بالنسبة إلى المعقولات على مثال النحو بالنسبة إلى الكلام والعروض إلى الشعر، فوجب على المنطقي أن يتكلم في الألفاظ أيضا من حيث تدل على المعاني"(40). في حين كان على الفلسفة العربية الإسلامية أن تنهج الطابع العلمي الموازي لطابع مد الفتح الإسلامي في البناء والتشييد حتى تكون موضوعا متساوقا مع الفعل الحضاري لتصبح بذلك فلسفة تجريبية. وهكذا نجد العلاقة بين عالم التفكير - اللفظ والمعنى، أو في كل ما هو زوج على نحو ما مر بنا - والعالم الخارجي في تنام مستمر لتصل هذه العلاقة إلى حد التماهي والتطابق بين مستوى ما يفكر به، وما يفرض نفسه عليه في توحده مع العالم الخارجي، على اعتبار أن وحدة العقل المعرفي في نظر قدمائنا قائمة فقط على الصلة بالواقع الخارجي مهما كان مصدره، وأن العلاقة الخارجية في نظرهم هي مرجعية ثابتة ومتبادلة بين الفكر والعالم الوجودي المعاش.

وبتطور الفكر العربي ضمن هذا النسق وقع تطور في هذه الثنائية لتحل محلها الصنعة الفكرية بحثا عن حقيقة الأشياء في مظهرها وزينتها، وكان ذلك نتيجة تعقيد الحياة التي أوصلت الإنسان العربي إلى القلق والضياع في عالم كثر فيه التصنع والتصنيع حتى تشاكلت الحياة ودخلت في المتناقضات، فأصبح الإنسان بعد مرحلة الصفاء الذهني التي قادته إلى التفكير بالثنائية، أصبح أكثر تعقيدا وأكثر ميلا إلى الصنعة الفكرية؛ الأمر الذي نتج منه التفكير في الظواهر والموضوعات التي غابت عن فكر المرحلة الثنائية على نحو ما نجده في المحسنات البديعية المتكلفة، والتصنع في النثر، أو كما نجده في معظم الموشحات.

إن لا نهائية التأويل في موضوع ثنائية التصور في جميع مظاهر الفكر بما في ذلك الفكر الصوفي - ولعله الأهم - هي رحلة عبر الكشف، وإمكانية الولوج إلى سر مكامن النص الحاضنة حقيقة الإنسان في وجوده الكوني، وإمكانية ظهور القوى الخفية في ثنايا تضاعيف الدلالات، ومن ثم فإننا "نستطيع أن نعطي النص عددا لانهائيا من المراكز ونحلله تبعا لطبيعة المركز الذي نختاره، وبإعطاء النص أكثر من مركز نوفر لعملية التلقي وللنص شرطا أساسيا من شروط الكتابة المبدعة هو لانهائية احتمالاتها، وتصبح العملية النقدية في جوهرها عملية اكتناه للعلاقات المتشابكة والتفاعلات التي تنشأ من اختيار مركز معين للنص"(41).

نحن من الذين يعتقدون أن هناك جاذبية طبيعية تحرك البنية الذهنية لمجتمع ما - وعبر جميع الأزمنة - ولا أحد يعرف سبب ذلك في حينه إلا بعد استتباب الأمر وفق معايير سنن التاريخ، ونعتقد أن فترة ما بعد "أربعين سنة" - وهو العمر الافتراضي الذي يعتمده المؤرخون لإظهار ما خفي من الحقائق - كافية لاستكشاف ملامح أي شيء في هذه الحقبة أو تلك.

إن السيرورة التي تعتبر نقض الصيرورة شرط حاصل من تغيرات سنن الكون بالصورة الطبيعية التدريجية "إذ الأثر لا يتأبد لأنه أرسى معنى وحيدا" بل لأنه قابل للتغير بالضرورة الحتمية، والإبداع في هذه الحال "ليس إنشاء، وليس خبرا، بل هو خبر عن إنشاء دال عن إنشاء خبر مدلول"(42)، أي أن الشعر على وجه الخصوص والإبداع على العموم لا يحاكي الطبيعة، الواقع الحرفي، بل يحاكي كيفية إنتاج الطبيعة في تفاعلها مع سنن الوجود المستجدة، ولن يكون ذلك إلا بتناسق وحدتي السبب والمسبب، وأن كل ما هو موجود خاضع للتغير والتحول.

من هنا نجد أنفسنا مضطرين إلى العودة إلى المرحلة التاريخية نفسها التي أسهمت في إفراز أي مصطلح، أو ظاهرة فنية، كما هو الشأن بالنسبة إلى حركة الشعر الحديث، و"قصيدة التفعيلة" تحديدا. ولعل في العودة إلى هذه الحقبة بين الفينة والأخرى - ما يرشدنا إلى الكشف عن بعض الحقائق بما يوضح خصائص العصر الدالة على بلورة هذا المفهوم أو ذاك.

ومن هنا، أيضا، نكون مضطرين إلى العودة إلى مرحلة سنوات الأربعين من القرن العشرين، وهي مرحلة بين واقعها وقراءتها غبار أثارته سحب داكنة، ورؤيا داكمة، أفرزت جيلا لم يحقق شعور الانتصار على مر توالي الأزمنة، بخاصة أمام بعض محطات التاريخ المعاصر الرئيسة.

ومن هذا المنظور سوف نغامر بتقديم فرضية استنتاجيه من قصيدة التفعيلة، مفادها أن مبادرة نازك الملائكة لا تعد انتهاكا للمعرفة السلطوية فحسب، بل هي أيضا انتهاك للمجتمع السلطوي بغرض التحول من التوحد الثقافي، بتكريس الجانب الأحادي إلى أماكن هيمنة النزعة الفردانية، بحيث يكون الفرد أساس المجتمع، وهو ما عبرت عنه نازك بقولها: "يحب الشاعر الحديث أن يثبت فرديته باختطاط سبيل شعري معاصر يصب فيه شخصيته الحديثة التي تتميز من شخصية الشاعر القديم، إنه يرغب في أن يستغل ويبدع لنفسه شيئا يستوحيه من حاجات العصر... وهو في هذا أشبه بصبي يتحرق إلى أن يثبت استقلاله عن أبويه فيبدأ مقاومتهما"(43).

لذا، سادت لا عقلانية المنظومة الثقافية بعد أن كانت منضبطة الاتساق، بما في ذلك نظرية المعرفة التي لم تترك في يوم ما مجالا للاختيار الفردي أن يبادر في تحديد مساره، على اعتبار أن لوك الصيغ المكرورة هو السائد، لكون المجتمع العربي - كان، وما يزال - في هذه الحقبة سلطويا بدءا من سلطة الوصاية إلى سلطة احترام النموذج، وفي ظل هذه السلطة غابت روح المبادرة.

وبقدر ما بقيت الثقافة العربية ضمن منظومة "نموذج النسق" السائد بقيت القصيدة العربية معلقة، تكرس الحقل المعرفي للغة، وفي هذه الحال اقتضت الحاجة إلى إمكانية التعاطي مع متغيرات الشأن (الوضع) الاجتماعي بعد التغيرات التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية، هذا المجتمع الذي أصبح مضطربا، متسرعا في التكيف مع معايير حضارة القرن العشرين القائمة على دعائم: الاختصار / الاختزال / السرعة / القلق / الاختلاف / اللاتمحور / اللاتحديد / اللامبالاة / على جميع الأصعدة مما أدى إلى صعوبة تمثلها إلا ممن حاول التمكن من الانسجام والقدرة على تقبل الظاهرة من الجيل الجديد، وهؤلاء قلة حاولوا أن يجسدوا دواعي المؤثرات الثقافية ضمن ميادين اهتماماتها المتميزة بالتركيز على "مبدأ الذاتية".

وقد استبدلت "الذاتية" في نزعتها الفردانية - التي صاغتها نتائج الحرب العالمية الثانية - مبدأ العدمية بمبدأ القيم، والتحول من مقياس الحقيقة الناتجة من عقلانية الشيء إلى عالم الافتراض وتبني الاختلاف، ولعل أهم مظاهر هذا الاختلاف، تجسيدا، هو صوغ القالب الفني وفق منظور التشظي، استجابة للتواصل مع الأنساق الاجتماعية التي برهنت بقدرتها على إمكان التحول من الأحادية المستتبة في التعددية الحركية.

ويتضح الأمر جليا من خلال مسألة الانفصال بين القصيدة العمودية والعوامل الزمنية، بوصفها سلطة أسهمت في إبعاد الدور التقليدي من الحياة. والفكرة حول تلاشي القصيدة العمودية يعني أنها أكملت دورها في ذات متلقيها، واستنفدت طاقتها التعبيرية مع نهاية الذات المنسجمة، وقد عبرت نازك عن ذلك بقولها "وهكذا تستطيع النظرة الاجتماعية أن تتبين في حركة الشعر الحر جذور الرغبة في تحطيم الحلم والإطلال على الواقع العربي الجديد دونما ضباب، ولا أوهام"(44).

لذا، جاء دور التجديد، ليس حبا في التجديد، ولا انتفاضة على الموروث، أو السائد، وإنما بما أملته معايير روح العصر، واستوجبته الأطر الجديدة التي كانت تضخ حيوية في تقبل نظام اجتماعي آخر يحاول إعادة تصويب العلاقة بينه وبين اللغة المحورية التي يتكلم، ويبدع، بها. وهي لغة التداول اليومي بالصورة الفنية.

وجاء التحول الطبيعي نحو هيكلة جديدة لنظام القصيدة التي أصبحت شهادة لجيل عاش طرائق الاضطراب والفوضى. وقد أخبرتنا جميع تفاصيل البناء التركيبي لها أن نجاحها - وفق منظور ثورتها على الكلاسيكية - هو تأكيد لواقع استشرافي مضطرب، تلاشت فيه خيوط التماسك والوحدة "بعد أن تربعت على عرش النموذج العتيد الذي استمر آمادا".

وفي هذه الحال لا يمكن التعبير عن مجتمع "كان يتمخض لأن يفرز" ما بعد الحقبة الناصرية، أو بلغة أخرى ما قبل الحرب العالمية الثانية، أو - تحديدا - ما قبل عصر النهضة، إلا أن نقطع مع هذه المرحلة الأخيرة الاتصال، وهو ما أعلنته نازك، والسياب، وغيرهما، بما أملته مقتضيات تحولات المجتمع؛ لذلك جاءت قصيدة التفعيلة قفزة على الواقع الاجتراري بعد أن أدركت دور السابق المعطوب.

ومن سنن الكون أن فكرة التجاوز لا يمكن أن تتبلور إلا بعد مرحلة الاستيعاب، فلكي تكون هناك رؤية ثابتة لا بد من تصور، وتصور قصيدة التفعيلة، بكل ما تحمله من نزعات فردية جاءت على أنقاض ثبوتية الرؤية العريقة. ومن ثم فلا غرابة، هنا، أن تنفض القصيدة العربية عن كاهلها عبء الثقافة الموروثة، وأن تفسح المجال "لضرتها" قصيدة التفعيلة بترويض الأنساق المعهودة وفق الواقع العملي على هدى خلخلة البنية الاجتماعية التي بدأت تتفشى في المجتمع العربي، وكأن قصيدة التفعيلة في هذه الحال فرضت نفسها استجابة للصيرورة التاريخية ذات الطابع الحسي المركب، والسيرورة الاستشرافية ذات الطابع الانفصامي المعقد. ومن ثم "فنحن لا نجدد لأننا قررنا أن نجدد (كما يقول يوسف الخال) بل لأن الحياة تتجدد فينا، فالمستقبل لنا، ولا حاجة بنا إلى صراع مع القديم"(45).

وإذا سلمنا بذلك فإن خلخلة القصيدة العربية - بحسب مفهوم المجددين - وتعويضها بقصيدة التفعيلة هو استجابة لـ"اللاعقلانية" السائدة، التي بدأ يتخلق بها المجتمع بحسب انهيار القوة الإدراكية الراسخة والمرهونة بأسانيد الفكر الأرسطي.

إن تعرية "السائد" في هذه المرحلة مهد السبيل إلى الإسهام في خلق أنظمة ودلالات ورموز اجتماعية انعكست - سلبا أو إيجابا - على نمط الفكر، وقصيدة التفعيلة على وجه الخصوص.

ومن هنا، يكون خلق قصيدة التفعيلة استنادا إلى هذه الرؤية بمثابة تحديد جوهري للعمل الأنثروبولوجي، وذلك من خلال التحول المعرفي بالكيفية التي تعاملت بموجبها البنية الذهنية للنظم الاجتماعية - العربية تحديدا - في وظائفها الدالة. لذا، تعتبر أهمية المجتمع في تحولاته وضرورة انعكاس ذلك على المستوى المعرفي من الأمور التي تشكل جوهر التعدد الوظيفي للحقل الأنثربولوجي، تلك الوظائف التي كرست لها قصيدة التفعيلة.

صحيح أن نازك الملائكة - بخاصة - هي أول من طرحت القطيعة مع الإبداع المعياري - باتفاق معظم الدراسات - ولكن يجب ألا ننسى أن الفترة التاريخية المتبلورة عن حتمية التغير هي التي أنتجت هذه القطيعة، حيث يشكل زمن القطيعة مميزات التكثيف والضغط النفسي، والسرعة في التعامل مع الأحداث، وهي كلها خصائص نجدها في قصيدة التفعيلة التي برهنت على أن كل حاضر مشرئب إلى الآتي، بوصف هذا الحاضر محطة عبور، أو انتقال من حاضر مترهل إلى مستقبل بازغ، حيث القطيعة مع الماضي وإنشاء عالم جديد، وهي سنة الحياة في نظر المجددين، وهو ما جعل يوسف الخال يصور هذه المرحلة بأنها مرحلة إبداع، تماشي الحياة في تغيرها الدائم، ولا تكون وقفا على زمن دون آخر، فحيثما يطرأ تغيير على الحياة التي نحياها فتتبدل نظرتنا إلى الأشياء يسارع الشعر إلى التعبير عن ذلك بطرائق خارجة عن السلفي والمألوف"(46).

إن عصر قصيدة التفعيلة هو عصر مختل التوازن في جميع العقود السابقة، يأخذ مقوماته ومراميه من ذاته وليس من رصيده، باستئصال جذوره، من أجل ذلك كانت القطيعة مع التراث، وبمعنى آخر أن قصيدة التفعيلة بهذا المنظور هي تأكيد لنظام الذات الفردانية التي تفكر حول نفسها.

ومع كل ذلك، ما زالت قصيدة التفعيلة - وبنتها النثرية - تمارس البحث عن البعد اليوتوبي، وهو البعد الذي بدأت تتبلور فيه معاني روح التجديد "المدهوش" على جميع الأصعدة، قوامها استمداد الاختيار الذي يجب أن يظهر فيه "دافعية الذات" برهانها المتواصل ضمن فرضيات آلية الوجود وسيرورة الحياة. ومن هنا أصبحت الذات مركزا مرجعيا للهواجس الإبداعية، وهذا ما يكشف بجلاء تحولات الثقافة العربية التي أصبحت خاضعة لحتمية تحولات العالم من المثال النموذج إلى الواقع المتجلي بممارساته التي يغلب عليها طابع العدول والميل إلى التجربة، بخاصة في الساحة العربية بفعل التطورات التي بدأت تكتسح بنية المجتمع الجديد، وكأن من شأن القصيدة العربية الحديثة - التي ترفض المرساة والخلود إلى الاستقرار - أن تكون ضمن تحولات المجالات الثقافية التي تسعى إلى استبدال وعي المجتمع في الكشف عن حقيقة التجديد بالنموذج المثال المستمد من النظام المرجعي؛ الأمر الذي جعلها تكرس كل طاقاتها وإمكاناتها لتحرير نفسها من سلطة النظام والتمرد على المركز.

الهوامش:
1 - أبو حيان التوحيدي: البصائر والذخائر، مطبعة الإرشاد، دمشق 1964، ج3، ص 49.
2 - يقصد به "المكتسب".
3 - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظام المعرفة في الثقافة العربية، مركز دراسة الوحدة العربية، ط3، ص 90.
4 - ينظر كتابنا: نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية، دار الأوائل، سوريا 2004، الفصل الخاص بـ"المعراج الصوفي والتأويل الذوقي"، ص 181-208.
5 - ينسب إلى الخنساء.
6 - عز الدين إسماعيل: الجمالية في النقد العربي، ص 124.
7 - ينظر كتابنا، الجمالية في الفكر العربي الفصل الخاص بالبنية الذهنية للجمالية العربية.
8 - وقد لا نستغرب أن يأتي القرآن الكريم بمثل هذا التصور مجسدا سمت نظام كلام العرب على نحو ما نجده في سورة الشمس في قوله تعالى: "والشمس وضحاها"، "والقمر إذا تلاها"، "والنهار إذا جلاها"... إلخ الآيات.
9 - الفخر الرازي: التفسير الكبير، ج29، ص 211.
10 - البقرة، الآية 25.
11 - البقرة، الآية 82.
12 - البقرة، الآية 277.
13 - زكي نجيب محمود: تجديد الفكر العربي، دار الشروق، ص 279.
14 - ينظر كتابنا، الجمالية في الفكر العربي، ص 24 وما بعدها.
15 - ينظر كتابنا، القيم الفكرية والجمالية في شعر طرفة بن العبد.
16 - ينظر كتابنا، الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، ص 69 وما بعدها.
17 - علوي الهاشمي: السكون المتحرك، دراسة فقي البنية والأسلوب، منشورات اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، ط1، 1993، ج1، ص 56.
18 - كمال أبو ديب: جدلية الخفاء والتجليات، دار العلم للملايين، 1979، ص 65-66.
19 - ينظر الجاحظ: الحيوان، ج1، ص 26، وانظر أيضا، علوي الهاشمي: السكون المتحرك، ج1، ص 57.
20 - ندرة اليازجي: مفهوم الكونية (موقع أنترنت).
21 - ينظر الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، ص 70 وما بعدها.
22 - سورة الرحمن، الآية 4.
23 - سورة البقرة، من الآية 30.
24 - ينظر، محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، ص 107-108.
25 - بأنه إذا وجب "الحكم والوصف للشيء في الشاهد، لعلة ما، فيجب القضاء على أن من وصف بتلك الصفة في الغائب، فحكمه في أنه مستحق لتلك العلة، حكم مستحقها في الشاهد".
26 - عرفه الشيرازي بقوله: "اعلم أن القياس حمل فرع على أصل في بعض أحكامه بمعنى يجمع بينهما".
27 - ينظر كتابنا، نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية، ص 26.
28 - نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية، ص 42.
29 - أبو يعرب المرزوقي: في العلاقة بين الشعر المطلق والإعجاز القرآني، دار الطليعة، 2000، ص 30.
30 - الصفات الفعلية، وهي التي تتعلق بالمشيئة والاختيار كالرازق، والخالق، والباسط، والقابض، والمانع... أما الصفات الذاتية، فهي عين الذات بلا مغايرة، وهي التي لا تنفك عن الباري كالعالم، والسميع، والبصير، وما ضاهاها من الصفات التي تعبر عن كماله المطلق.
31 - ينظر كتابنا، نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية، ص 193 وما بعدها.
32 - ابن رشد: فصل المقال، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 1997، ص 12.
33 - مقدمة التفسير للعلامة الزمخشري.
34 - ينظر كتابنا، نظرية التأويل في الفلسفة العربية الإسلامية، ص 12 وما بعدها.
35 - التفسير، ج1، ص 31.
36 - ينظر، تلخيص التمهيد، ص 465.
37 - الفخر الرازي: مفاتيح الغيب، أو التفسير الكبير، ج28، ص 310.
38 - الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج29، ص 221.
39 - أبو الحسن القاضي عبد الجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل، القاهرة 1961، ج2، ص 36.
40 - الشهرستانى: الملل والنحل، ج2، ص 4.
41 - انظر، كمال أبو ديب: جدلية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، ط1، بيروت 1979، ص 299.
42 - أبو يعرب المرزوقي: في العلاقة بين الشعر المطلق والإعجاز القرآني، ص 17.
43 - قضايا الشعر العربي المعاصر، ص 42-43.
44 - المرجع نفسه، ص 42.
45 - يوسف الخال: الحداثة في الشعر، ص 93.
46 - المرجع نفسه، ص 17.
الإحالة إلى المقال:

* د. عبد القادر فيدوح: مرقاة النص ولا تناهي التأويل، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السابع 2007. http://annales.univ-mosta.dz

***