المتشاكل والمختلف في جدلية التراث والتحديث

د. حبيب بوهرور
جامعة قسنطينة، الجزائر

الملخص:

برز الموقف النقدي عند الشاعر العربي المعاصر من التراث في قراءاته وفق جدلية الحضور والغياب؛ الحضور في الراهن من خلال توظيف مجموعات منتظمة من التناص مع الذاكرة التاريخية، ضمن سياقات الحاضر في شتى تفاعلاته، والغياب جراء قدرة بعض الشعراء على خلق نوع من الحواجز الوهمية، التي تحول دون قراءاتهم الإرادية لبنية التراث كفاعل سياقي. لهذا أعتقد أن مقاربة إشكالية الموقف من التراث، يجب أن تنطلق أولا من ضبط علاقة القارئ (الشاعر) ذاته بالتراث أولا، ثم قراءته لهذا التراث بناء على القراءة المادية للتراث على أساس أنه أثر؛ والقراءة المفتوحة للتراث المرتبطة بسياقه الزمني والتاريخي والاجتماعي.

الكلمات الدالة:

الشاعر، القراءة، التراث والحداثة، النقد الأدبي، التناص.

***
The homologous and the different in the dialectical heritage
and the modernization

Abstract:

The contemporary Arab poet’s critical position on heritage emerged in his readings according to the dialectic of presence and absence, presence in the present day through the employment of regular groups of intertextuality with historical memory, within the contexts of the present in its various interactions, and absence due to the ability of some poets to create some kind of illusory barriers that prevent their voluntary readings of the heritage structure as a contextual actor. That is why I believe that the approach to the problem of the position on the heritage must be based first on controlling the relationship of the reader (the poet) himself with the heritage first, then his reading of this heritage based on the physical reading of the heritage on the basis that it is an effect. And an open reading of heritage linked to its chronological, historical and social context.

Key words:

poet, reading, heritage, criticism, intertextuality.

***

النص:

إن مقاربة إشكالية الموقف من التراث، يجب أن تنطلق أولا من ضبط علاقة القارئ (الشاعر) ذاته بالتراث أولا، ثم قراءته لهذا التراث بناء على ما يأتي: القراءة المادية للتراث على أساس أنه أثر. والقراءة المفتوحة للتراث المرتبطة بسياقه الزمني والتاريخي والاجتماعي.

وقد فصل الدكتور محمود أمين العالم - فيما سبق حين راجع التراث ضمن آلية الحضور التفاعلي في الراهن، لا ضمن الأثر الملموس ماديا لهذا التراث - وتساءل قائلا: "ما هو التراث؟ ولعلي أصدم الكثير من القراء عندما أجيب: بأنه لا يوجد تراث في ذاته، فالتراث هو قراءتنا له، فهو موقفنا منه، وهو توظيفنا له! لست أقصد من هذا أنني أنفي أو ألغي الحقيقة الذاتية للتراث - بغير شك - موجود، قائم متحقق بالفعل موضوعيا وماديا، في نص في فكر، في معرفة علمية، في ممارسة، في سلوك، في عمارة، في بناء، في نظام حكم، في أشكال تعبير قولية وحركية أو مادية... في خبرة إلى غير ذلك. والتراث موجود قائم يتحقق كذلك بالفعل زمنيا في لحظة تاريخية اجتماعية معينة، وتتراكم هذه اللحظة الزمنية لتشكل تاريخنا القومي التراثي العام. على أن هذا الوجود التراثي المتحقق ماديا وزمنيا وتاريخيا ينتسب إلى الماضي، ولهذا فهو تراث أي أنه أثر، حتى وإن بقيت معالمه ماثلة قائمة أمامنا على نحو مادي أو معنوي، على أنه ليس فعلا أقوم به، بممارسته، بتحقيقه ابتداء، وإنما هو تحقيق سابق على وجودي، ولهذا فحقيقته في ذاتها مشروطة بمدى معرفتي بها، وطبيعة موقفي منها، وتوظيفي لها"(1).

من خلال النظرة السابقة لفلسفة التراث نظر الشعراء الرواد إليه، وشكلوا مواقفهم ضمن فضاءات اجتماعية وسياقية وأيديولوجية عديدة ومتناقضة في الكثير من الأحيان، لأن الموقف من التراث، في تقديري، هو موقف من الحاضر لا موقف من الماضي، "فحسب موقفي من الحاضر يكون موقفي من الماضي وليس العكس كما يقال أو يظن"(2). فللشعراء الرواد مشارب أيديولوجية رسمتها الحركية الاجتماعية لما بعد الحرب العالمية الثانية خلال مراحل الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، فكان منهم الملزَم والملتزم، واليميني السلفي، واليساري الاشتراكي، والواقعي الانتقادي، والبورجوازي المتحرر، فلا غرابة إذا كان يتشكل الموقف من التراث ضمن فضاءات متنوعة تشترك كلها في عملية مراجعة عامة وشاملة للتراث، خاصة إذا تقمص الشاعر الناقد دور المتلقي أو القارئ (في عصر القارئ) في أثناء مراجعة المادة التراثية ليوظفها توظيفا عصريا يسكن حاضر القارئ ويصبح بعض أقنعته وأرديته.

وقد حدد الدكتور جابر عصفور قراءتين أساسيتين للتراث، يتشكل الموقف انطلاقا منهما، القراءة الأولى هي القراءة الوصفية للتراث حيث يُعزل التراث عن القارئ تماما لكي يراجع الأثر مراجعة محايدة تماما. أما القراءة الثانية فهي قراءته ضمن فاعلية تثاقفية مع القارئ ذاته، الأمر الذي يضفي عليها صبغة أيديولوجية بحيث يُسقط حضور العصر والقارئ معا على المقروء (التراث) وتاريخه(3). وهذا ما ظل يؤكد عليه الدكتور محمود أمين العالم في قوله "التراث لا يوجد في ذاته وإنما هو قراءتنا له، وموقفنا منه وتوظيفنا له"(4).

وأفهم من هذا أن تشكيل الموقف من التراث يجب أن يؤسس على وفق منظور العصر وعلى أساس آلية الشعور بالعصر ذاته، وهذا ما نادى به حسن حنفي في مشروعه الحضاري وقراءته للتراث حين طالب بضرورة إعلاء آلية الشعور، لأنه "أهم من العقل وأدق من القلب وأكبر من الوعي"(5). فالتجديد، في تقديري، يجب أن ينطلق من إعلاء الواقع الثقافي وإعطاء الأولوية للمعاملات، والتجارب الأيديولوجية، وطرح البدائل وتشكيل الأنموذج المتغير ضمن سياق قراءة الأثر (الثابت) ورسم الموقف (المتغير).

وانطلاقا من فلسفة قراءة وتشكيل الموقف من التراث، دخل الشعراء الرواد المعاصرون مجال التنظير، فقدموا مواقفهم وأطلقوا العنان لمشاعرهم في صياغتها، فقد كانوا في مراحل تجريبية أولى، سُمح لهم فيها بقراءة الموروث الثقافي والإبداعي العربي قراءة ذاتية وأيديولوجية تارة، وقراءة استشرافية تأسيسية تارة أخرى. خاصة حين ترتبط هذه القراءة ارتباطا جدليا بقضية الحداثة، فلا تطرح قضية التراث إلا وقضية الحداثة حاضرة ضمن نص الحديث، ويرجع ذلك، في تقديري، إلى العلاقة التكاملية التي تجعل من الحداثة خلال هذا الطرح (تراث وحداثة) "محاولة تركيب بين التراث والتجديد، والأصالة والمعاصرة"(6) في نظر بعضهم، وعند بعض آخر هي "التغاير، وهي الخروج من النمطية والرغبة الدائمة في خلق المغاير"(7).

يتضح هذا أكثر فأكثر كلما أراد الشاعر الناقد التنظير للعملية الإبداعية وإعلاء الموقف، لأن "في موقف الشاعر من التراث تتضح معالم الثورة، ومن ثم تتضح الحداثة... فلما أخذ الشاعر يتساءل عن مدى ارتباطه بالتراث - ومن ثم بالماضي وبالتاريخ - أصبح على أبواب ثورة جديدة"(8). لاعتقادي أن تحديد مفهومي التراث في ضوء علاقته بالحداثة هو جوهر العملية الإبداعية والتنظيرية معا عند الشاعر المعاصر، فكل آليات تشكيل القصيدة المعاصرة من ثورة على الوزن والقافية ولغة نمطية وأساليب الخطابة والوصف الجاهز، لا يمكنها أن تتحقق إبداعيا إلا بعد أن يحدد الشاعر موقفه من الموروث أولا وعلاقة هذا الأخير بها حسب الحداثة والتحديث لديه، "وما الخروج عن البحر إلى التفعيلة ونبذ مقولة القاموس الشعري والثورة على القافية الموحدة والبحث عن مقاييس جديدة للشعر الحديث إلا ترجمة لمفهوم جديد للشعر من خلال فهم معين للتراث والحداثة أولا، وفهم معين للعلاقة بينهما ثانيا"(9).

فما هو مفهوم التراث عند الشعراء الرواد؟ وما هو موقفهم منه؟ وما هي علاقة التراث بالحداثة؟ وكيف تجسد هذا في إبداعهم الشعري؟

لم يستطع الشعراء الرواد - في حدود إطلاعي وبحثي - أن يصلوا إلى مفهوم واحد ودقيق للتراث، وإنما استطاعوا أن يحصلوا شبه إجماع على ضرورة ربط الموروث بالعملية الإبداعية عامة، والشعرية على وجه الخصوص، لاعتقادي أن مراجعتنا للتراث هي مراجعة للحاضر، وأن فهمنا للحاضر يجب أن ينطلق نحو إعادة قراءة التراث في ضوء الحاضر لا العكس."فالماضي عند معظم رواد الشعر العربي الحر ليس شيئا منفصلا عن الحاضر والمستقبل، إنه يحي الحياة الجديدة والإنسان المعاصر، ينمو بنموه ويتطور بتطوره فهو ليس كتلة جامدة أو مجرد كتاب أو مخطوط أو أثر محدد، بل هو جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان ومن واقعه المعيش. والقديم لا يبقى جامدا بل يتطور عبر التاريخ والبيئات"(10).

وقد جسد هذا الموقف الشاعر صلاح عبد الصبور في أعماله النثرية التي ضمت معظم تنظيراته للعملية الإبداعية من جهة، ولعلاقة هذه العملية بالموروث الشعري والفكري والحضاري، والعربي والإنساني من جهة أخرى.

يبدأ بناء الموقف عند عبد الصبور من ضرورة قراءة التراث الشعري قراءة منهجية وموضوعية متأنية، حتى نتمكن من غربلة الإيجابي من التراث، "فالشعر العربي القديم تراث هائل متناثر في بطون المجموعات والدواوين وكتب الأخبار والسير، وليس هناك من شك في أن ذلك الذي يجرؤ على الخوض في هذه المجموعات والدواوين من عامة القراء سيصطدم بمتلاطم الموج وغريب الأنواء. ومن هنا كانت الحاجة الماسة إلى إعادة عرض ذلك التراث وانتقاء ما يجد فيه القارئ المعاصر ما يألفه ويحبه، لأنه يخاطب الإنسان على اختلاف زمانه ومكانه..."(11)، وذلك شرط أن يقرأ هذا التراث قراءة موضوعية تعود إلى الماضي لفهم الحاضر في ضوء الماضي وليس العكس، كما فعل بعض الشعراء المعارضين لأنماط وأشكال وصيغ تراثية كثيرة، جعلتهم يعيدون إحياء التراث وبعثه في غير مبعثه ويلبسونه حلة لم تعد تليق بمقامه، وهذا ما فعله شوقي مثلا حين راح يعارض الكثير من قصائد البحتري وابن زيدون وغيرهما، متناسيا أن واقعه غير واقعهم ومتطلبات الصياغة الشعرية لم تعد مثل متطلباتهم في زمنهم الماضي.

من هنا عمل صلاح عبد الصبور على مقاربة ماهية التراث ضمن حركية الإبداع وعلاقة هذه الحركية بالشاعر المبدع ذاته حين اعتبر أن "التراث هو جذور الفنان الممتدة في الأرض، والفنان الذي لا يعرف تراثه يقف معلقا بين الأرض والسماء. وقد تكون كلمة التراث سهلة المفهوم عند معلمي اللغة والأدب، فالتراث عندهم هو كل ما خطه الأقدمون وحفظته الصفحات المسودة، أما الشاعر فالتراث عنده هو ما يحبه من هذا الذي خطه الأقدمون وحفظته الصفحات، التراث عنده هو ما يجد فيه غذاء روحه ونبع إلهامه وما يتأثره، أو يتأثر به من النماذج. فهو مطالب بالاختيار دائما، مطالب بأن يجد له سلسلة من الأدباء والأجداد من أسرة الشعر"(12).

ولا يجب أن يفهم مما سبق أن صلاحا يدعو إلى تماهي الشاعر مع تراث أسلافه بعدما يكون قد نهل من جيد الشعر، وقرأ أروع النثر، وحفظ منهما الكثير، فهذا من شأنه أن يقوي الملكة اللغوية للشاعر ويربطه بوقائع وتجارب شعرية تخلق أمامه مسارات جديدة لا تحاكي ولا تعارض بالضرورة مسارات الأقدمين، لهذا يؤكد عبد الصبور على إجبارية قراءة التراث قراءة راشدة من جهة، ومتبصرة وواعية من جهة أخرى، لكثرة ما في التراث من تناقضات فكرية وحضارية من شأنها أن تأثر على بناء الموقف النقدي عند الشاعر المعاصر من التراث. من هنا"ينبغي إذن أن تتم العودة إلى تراثنا عودة متبصرة مستيقظة، وأن يلقي هذا التراث في نفوسنا من الحضارة المعاصرة ويدمجا معا، وتتم باندماجهما مزاوجة ذوقية فنية يخرج من ثوبها الشاعر المعاصر، كما خرجت حياتنا المعاصرة في مظاهرها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من هذا الزواج التاريخي بين وراثاتنا وتقاليدنا وبين حضارة العالم المعاصر"(13).

ويحدد صلاح عبد الصبور آليات مراجعة التراث على النحو الآتي:

ضرورة اعتبار التراث العربي الفني والإبداعي بنية تاريخية منفتحة على حقب وعصور تاريخية أخرى متلاحقة. لأن "تراث الأمة الفني حياة متصلة يُأخذ غدها من حاضرها، ويمتد أمسها إلى يومها وهو المكون لوجدانها، والملون لنظرتها للحياة والكون والكائنات"(14)، أثناء لحظة المخاض الإبداعي عند الشاعر المعاصر، خاصة عندما يحاول (الشاعر) أن يوفق بين قراءاته وتنظيراته وبين اللحظة الإبداعية الهاربة، لحظة صياغة الموقف والفكرة والنظرية فنيا.

القراءة اللغوية التعاقبية للموروث الشعري، ضمن ثنائية الثابت والمتحول في المادة والمدونة اللغوية العربية، لأن "عمر اللغة العربية كلغة تعبير أدبي عمر طويل يتجاوز أعمار كثير من اللغات الحية، فإن أوائل ما روى لنا من شعر عربي تمتد إلى مائة وخمسين سنة قبل الإسلام، وها هي ذي اللغة قد سلخت بعد الإسلام ألفا وأربعمائة سنة وما زالت لغة نامية حية متطورة معبرة"(15). ولا يجب أن يفهم من هذا أن عبد الصبور يدعو إلى محاكاة اللغة القديمة أو تمجيدها، وإنما موقفه السابق هو الدلالة على عمق الموروث اللغوي العربي، بما احتوى من مؤهلات ومحمولات فكرية وحضارية وإنسانية خالدة، يمكننا أن نستغلها في صياغة المتن الشعري والإبداعي الحديث دون أن نقع في التنميط أن المحاكاة اللغوية، لأن "قاموس الشاعر الجاهلي يختلف عن قاموس خلفه الأموي أو العباسي أو المعاصر. وذلك مظهر صحي للتطور اللغوي"(16).

تحسين المهارة اللغوية، وإتقان أساليب الكلام في قواميس الماضي العربي، وذلك حتى لا يحيد العائد إلى قراءة التراث عن هدفه الأسمى وهو فهم هذا التراث في ضوء الحاضر، أمام صعوبة لغته "ولاختفاء دلالاته وراء غموض لفظه أو وعورة بعض تراكيبه... نخطئ لو أردنا لقارئنا المعاصر، أو طالبناه، أن يعود إلى مجموعات الشعر القديم كالمفضليات والأصمعيات أو إلى موسوعات الأدب وسير الشعراء كالأغاني والأمالي واليتيمة دون أن ننير له دربه ونلقي له في الطريق بعلامات الآمان"(17).

حسن الانتقاء أثناء العودة لقراءة التراث، وذلك بالنسبة للقارئ المتلقي لهذا التراث في مراحله الأولى، ويفهم من هذا الموقف عند عبد الصبور ضرورة وضع المختارات العامة والخاصة أمام المتلقي العائد، أو الراغب في العودة إلى قراءة الموروث كبعد فني أو إبداعي خالد، وذلك حتى لا نصدمه كمتلق لا نعلم مستويات القبول والرفض لديه بناء على أسسه الجمالية والذوقية والفنية الخاصة. "فتراثنا الشعري - ككل تراث إنساني - فيه الباذخ والوسط والداني إلى الأرض، وفيه الخالد الباقي على كل عصر وفيه ابن عصره الذي لا تسعفه أنفاسه على الحياة إلى أبعد من يومه القريب. وقد فطن سوانا من الأمم إلى الأمر فأعدوا المجموعات المختارة التي يلتقطون فيها الجواهر من القول وينضدونه ويبدعون في عرضه، مختارين لكل شاعر رائعته أو روائعه، وفي كل عصر مبدعه أو مبدعيه، فتكون تلك المجموعات هي سبيل الناشئ في لغة أمته"(18).

ويعلن عبد الصبور خلاصة موقفه من التراث في موقف صريح واضح قائلا: "أنتم تعلمون أن الشعر العربي قديم العمر، وقديما قال الجاحظ إن عمر الشعر العربي يسبق الإسلام بحوالي قرنين من الزمان، فمعنى هذا أن الشعر الآن يجاوز ستة عشر قرنا، أو ألفا وستمائة سنة، ومعنى هذا أيضا أن تراثنا الشعري هو الذي يجعل شاعرنا المعاصر صاحب نظرة ومنهج في تذوق الشعر وفهمه. فالشاعر ينمو أساسا من التراث، و الشاعر يحمل تراثه الشعري في باطنه، ومن هذا التراث الشعري يكون انطلاقه ويكون فهمه وتقديره لدور الشعر..."(19) ولا يفهم من هذا عند صلاح ضرورة تماهي الشاعر المعاصر في التراث، وإنما يفهم منه العكس تماما، أي وجوب قراءة التراث قراءة تفاعلية وتزامنية معا، من شأنها أن تخلق آفاقا أمام القارئ، لا تقطع صلته مع ماضيه ولكنها في الوقت نفسه لا تجعله حبيس أطر وأنماط إبداعية لم تعد تصلح لعصره، "فهذا الموروث لم يكن لينتزع الشاعر العربي من عروقه أومن جذوره، ولكنه كان جديرا بأن يثير حوارا بينه وبين الموروث الشعري القديم"(20).

ويذهب الشاعر عبد الله حمادي بعيدا في قراءة التراث وربطه بالراهن الشعري، خاصة في كتابه"الشعرية العربية بين الإتباع والابتداع "وفي مجموع الحوارات المتناثرة في الصحف والجرائد والمجلات. إنه الشاعر، في تقديري الذي، قرأ التراث قراءة موضوعية بعدما غاص في كنوز التراث، وبعدما جرب الكتابة انطلاقا من آليات التراث ولكنه سرعان ما تجاوز هذا المنظور دون أن يغدر بالعهد الذي قطعه للتراث يقول: "الذي لا يتحول هو الجماد هو الموات هو الانكسار إنني مازلت على العهد مع كل قناعاتي، أنا أديب مسكون بهاجس التراث حتى النخاع"(21).

وقد بنى حمادي موقفه هذا من التراث انطلاقا من علاقات مثاقفة مع الآخر خاصة إذا علمنا أن الشاعر قد عاش ودرس فترة طويلة في إسبانيا، بما تحمله هذه الأخيرة من إرث حضاري وثقافي عربي، خلد الموروث العربي والإسلامي لأزيد من ثمانية قرون. لقد راجع التراث مراجعة بنى خلالها علاقة مع الآخر، ولم يقتصر على العودة المعارضة فحسب، وإنما عاد وهو يحمل معه أسئلة من الحاضر يقرأها ويحاول فهمها في ضوء الماضي، والعكس صحيح أيضا، يقول: "بدأت أدرك قيمة هذا التراث يوم وقفت وجها لوجه مع آداب أخرى ومكنتني اللحظة الهاربة من معانقتها في لغتها الأصلية، فحصل لي ما يشبه المكاشفة بلغة المتصوفة. آنذاك أدركت ما يخبئه تراثنا العربي الإسلامي من كنوز لم يقدرها أدعياء الثقافة حق قدرها، بل راح بعضهم يطالب بإعدامها حتى يتسنى له ولوج الحداثة"(22). ويتضح مما سبق أن حمادي الشاعر لا ينظر إلى التراث نظرة المنبهر المقلد، وإنما يبحث في التراث عن أسباب التجاوز إلى مراتب التحديث، وصولا إلى صياغة آنية لمفهوم الحداثة. وهذا عكس الدعوات القائلة بضرورة الإلغاء التام للعلاقة مع الموروث كشرط أساس لبلوغ مراتب الحداثة عند الشاعر. من هنا فشرط الحداثة عند حمادي، هو البحث الموضوعي في التراث على أساس أنه لا يمكننا أن نطفئ جمرته فهي دائما تنتظر من ينفخ فيها، يقول: "لا حداثة حقيقية دون الخروج من رماد التراث، ففي التراث هناك خلل وميض جم كما يقول الشاعر قديما، يوشك أن يكون له ضرام إذا وجد من ينفخ فيه بروح تجمع بين طرفي نقيض، وتحسن سبر أغوار النور الكامن في كيان الثابت المسكون بالمتحول"(23).

وينادي حمادي بضرورة الانتماء عن قناعة وإرادة للشعرية العربية، وتجنب الانسياق وراء الأفكار والنظريات المستوردة والحلول فيها، لأن الشاعر العربي المعاصر لا يمكن أن يجد ذاته الشعرية إلا انطلاقا من قراءة متأنية وواعية لمكونات شعريته العربية بما فيها الموروث في شتى تمظهراته، ويسرد الشاعر الحادثة التي عجلت بعودته إلى الشعرية العربية قائلا: "حضرت يوما في أول احتفال يقام بغرناطة للشاعر المقتول (لوركا) بعد ذهاب فرانكو، وكان لي الحظ في ذلك اليوم أنني كنت ضمن الشعراء الذين توالوا على منصة التأبين، وقد كنت آنئذ أنشد الشعر بغير لغة الغزالة، وكان ذلك بعد أن تمكنت من اللغة الإسبانية، فلما خلصت من قراءة قصيدتي اقترب مني الشاعر الكبير الصديق الباسكي (Blass de stero) ليقول لي أنت مثلنا!... كانت تلك اللحظة حاسمة في حياتي جعلتني أعيد النظر في كثير من قناعاتي الأدبية وجعلتني أتوقف عند القناعة الراسخة أن لا شعرية لنا إلا شعريتنا، وأن الانسياق وراء الانفعالات المستوردة والجماليات المحمولة بأنفاس الآخرين ليست من شعريتنا في شيء إذا أردنا لها (شعريتنا) أن تكون ذات صفاء وتميز وإضافة..."(24)

إن عودة حمادي الشاعر والناقد إلى التراث هي عودة فيها من معالم الحداثة الكثير، لأنه في تقديري أراد بعودته تلك إلى قراءة ما كان يقال عنه ثابتا قراءة مغايرة تماما ينشد فيها التحول، وهذا ما جعله يقترح لوازم حداثة ومعاصرة للقصيدة العمودية، التي ظل ينادي ببعثها من جديد، وفق آليات بنيوية وفكرية أو جزها فيما يأتي:

تفعيل اللاعقلانية اللغوية، فقد لاحظ حمادي الباحث والناقد والمنظر انعدام مستويات العدول اللغوي أو الانزياح في القسم الأكبر من المدونة الشعرية العربية لأن "اللغة في معظم نتاج العهد القديم الغربي والعربي على حد سواء، كانت تخضع من طرف المتلقي لميزان عقلاني منطقي لا يقبل الغموض أو الغلو بالمفهوم القديم، والعدول والانزياح أو اللاعقلانية بالمفهوم المعاصر"(25).

إعلاء عامل الذاتية أو الفردية في الإبداع الشعري كظاهرة صحية عند الشاعر، لأن كل حركات التجديد عبر الزمن انطلقت شرارتها الأولى من إعلاء الذات المبدعة وخروجها عن ثقافة الاحتذاء، لأن "العامل الفعال الذي له دور الريادة والأهمية القصوى لقياس مدى تطور الانفجارات الإبداعية يخضع إلى مدى تطور الذاتية، والتي مفادها مقدار الثقة التي أجدها في نفسي كإنسان"(26). ويربط عبد الله حمادي تفاعل الذاتية تفاعلا إيجابيا مع محيط الشاعر المبدع، لكون هذا الأخير لا يمكنه أن يكون أكثر ذاتية في الخلق والإبداع إلا وفق حركية اجتماعية تقوده نحو ذلك، يقول: "وهذا العامل الذي هو الذاتية يرتكز على دعائم اجتماعية وتاريخية ونفسانية، وبالإجمال فهو يتحرك بخلفية أو بظرف حضاري متكامل البناء على جميع الأصعدة، فاكتساب درجة أو مقدار ما من الذاتية مرده أساسا إلى تظافر العوامل المذكورة آنفا ولا يمكن فصله عنها أو فحصه خارج نطاقها... فالتعبير الفني في كل زمان ومكان يقاس بمقدار الأبعاد المتشعبة التي استطاعت العبارة الشعرية في صياغتها الفنية والجمالية وبكثافتها اللفظية والمعنوية من حيث المتانة والبنية، مع دقة اللاوعي الواعي، وثبات الرؤية والتجانس أو عدم التجانس في النوع والكم"(27).

انعكاس عامل الذاتية على التعبير الشعري اللاعقلاني (Irrational): تعد هذه الآلية في تقديري من أهم آليات تحديث الخطاب الشعري من منظور النقد المعاصر. وقد نادى بها شعراء الحداثة ونقادها عند الغرب ابتداء من شارل بودلير وأرثور رامبو، وملا رميه وغيرهم، وظلوا يعملون على تعطيل الحواس كانعكاس شرطي مباشر لتفاعل عامل الذاتية لديهم، وهو الأمر الذي مكنهم من الثورة على النموذج ورفض الأطر التقليدية الكلاسيكية. من هنا كانت قراءة الشاعر عبد الله حمادي لهذه النقطة قراءة دقيقة وجادة وهادفة في الوقت نفسه لبلوغ مراتب التشكيل والإبداع وتحقيق الفرادة المنشودة، "فقد عودتنا العصور الشعرية الكلاسيكية على الترابط المنطقي في الصورة الشعرية بحيث لا نجد تناقضا بين المعادلة البلاغية المتمثلة في المشبه والمشبه به، وهي ما نصطلح عليه بمعادلة (أ = ب) وحتى لو اقتضى الأمر وتطورت هذه العلاقات الفرعية فإننا نجد الصورة الشعرية تظل محافظة بحيث لا ينكسر فيها حاجز المنطقية"(28).

وخلاصة موقف حمادي من التراث أن القراءة الدقيقة له وفق الأطر والطروحات المذكورة سابقا من شأنها أن تقربه أكثر فأكثر من سياقات الحداثة الشعرية المنشودة، لأن هذه الأخيرة "ليست معادية للتراث كما يخطئ بعض، فمن خصوصياتها َتمثُل التراث وليس اجتراره؛ إنها لا تلغي التراث لأنها تساؤل مستمر الوهج عن الواقع ودحض لهذا الواقع"(29) من هنا فقدت الحداثة عند حمادي المعيار الزمني لأنها ظلت تتخطى ذاتها مع كل ولادة، فالنص الشعري القديم عند حمادي يمكن أن يكون نصا حداثيا بامتياز، شريطة أن تتوفر فيه القدرة على خلق الانزياحات اللغوية كمطلب من مطالب تحديث النص الشعري، لأن النص "الحداثي - سواء أكان قديما أو معاصرا - هو بمثابة تجليات الكلام دون ارتباطه بمعيارية الأشياء أو مواضعة اللغة، فالنص الحداثي تحول إلى رفض قاطع للمحاكاة".

أما نازك الملائكة، فهي الشاعرة التي جمعت بين نوعين من النقد، نقد النقاد ونقد الشعراء، فهي تمارس النقد بصفة ناقدة متخصصة كأستاذة جامعية يعرفها الدرس الأكاديمي، وتمارسه أيضا من موقع إبداعي لأنها شاعرة ترى الشعر بعدا فنيا حرا لا يعرف الحدود ولا القيود. لذلك فنازك الناقدة ومن خلال أعمالها النقدية وتنظيراتها له تستبطن النص الشعري وتستنطقه وتعيش في أجوائه ناقدة وشاعرة على حد سواء، بحثا عن أصول فنية أو تجسيدا لمقولة نقدية، أو تحديدا لخصائص شعرية مشتركة.

من هنا كانت مقاربة نازك الناقدة لقضية التراث مقاربة ضمن الإطار التشكيلي والتنظيري للشعر الجديد (الحر)، الذي عدت لاحقا رائدة له بامتياز.فقد ظهر موقفها من التراث موقفا ضمنيا في إطار المقارنة الموضوعية بين أسس الشعرية القديمة ومعالم الشعرية الحديثة، وظهر ذلك جليا في مقدمة ديوانه "شظايا ورماد" وكتابها "قضايا الشعر المعاصر". لقد رفضت نازك الملائكة الخضوع الإرادي للموروث الأدبي عموما والشعري على وجه التخصيص، فنادت بإحداث القطيعة مع الأساليب التشكيلية والتعبيرية القديمة التي أضحت حسب رأيها قيودا تعيق حركية الإبداع كاملة. من هنا يمكن تحديد معالم الموقف النقدي حول التراث عند نازك في النقاط الآتية:

مفارقة الواقع العيني في الوصف، واللجوء إلى اعتماد آلية الرمز بما تحمله هذه الأخيرة من قدرة على صياغة تفاعلية للعملية الشعرية بعيدا عن التنميط أو تقديس الموروث، لأن الواقع حسب رأيها يظهر "أن اللغة العربية لم تكتسب بعد قوة الإيحاء لأن كتابها وشعرائها لم يعتادوا استغلال القوى الكامنة وراء الألفاظ استغلالا تاما إلا حديثا، فقد بقيت الألفاظ طيلة قرون الفترة الراكدة (المظلمة) تستعمل بمعانيها الشائعة وحدها، وربما كان ذلك هو السبب في جنوح الجمهور العربي جنوحا شديدا إلى استنكار المدارس الشعرية التي تعتمد على القوة الإيحائية للألفاظ... على اعتبار أن هذه المدارس تحمل اللغة أثقالا من الرموز والأحلام الباطنية، والخلجات الغامضة واتجاهات اللاشعور، ومثل ذلك مما لا تنهض به إلا لغة بلغت قمة نضجها"(30). وتتفق هذه الدعوى مع دعوة الشاعر الناقد عبد الله حمادي سابقا حين نادى بإعلاء الذاتية واعتماد ما سماه باللاعقلانية اللغوية. والواضح أن هذا الموقف من اللغة كوسيلة تشكيل للإبداع الشعري، يرجع حسب رأي إلى قصور اللغة العربية في مراحل كثيرة من الشعرية العربية على تحقيق غاية الشاعر المبدع في نقل أحاسيسه وتخليد رؤاه بعيدا عن الاحتذاء بالسلف شكلا ومضمونا. لهذا كان الشاعر الناقد هو أقرب إلى إدراك هذه المعضلة من زميله الناقد المحترف والأكاديمي، كون هذا الأخير لا يمارس العملية الإبداعية وإنما يراجعها فقط.

خلق توازن موضوعي بين ثنائية المضمون والشكل: وقد ظهر هذا الموقف جليا في كتابها "قضايا الشعر المعاصر "حين نادت نازك الملائكة بضرورة إيثار المضمون وفق آلية شكلية تتفق بالضرورة مع روح المضمون ولا تكون معيقا أمامه، لأن متطلبات الشعرية الحديث تتجه حتما نحو مقاربة المضمون في الشكل "فالشكل والمضمون يعتبران في أبحاث الفلسفة الحديثة وجهين لجوهر واحد لا يمكن فصل جزئيه إلا بتهديمه أولا. والنقد العربي المعاصر جدير بأن يلتفت إلى هذه الوحدة الوثيقة، وينبه إلى ما في الفصل بين وجهيها من خطر"(31).

أما موقف الشاعر عبد الوهاب البياتي من التراث فهو موقف مرتبط كثيرا بالحس الأيديولوجي عند هذا الشاعر، الذي كثيرا ما صاغ مواقفه انطلاقا من ارتباطات فكرية وسياسية معينة، لهذا نجده في البداية لا يتنكر للتراث، ولا يرفضه بل إن التراث عنده هو الرابطة الضرورية لبلوغ مراتب الحداثة. فهو يعلن قائلا "إن التراث هو ما كان ويكون وسيكون"(32). إنه التجدد المستمر ضمن واقع اجتماعي يستطيع أن يشكل التراث ويتعامل معه، وفق المنظور الاجتماعي للتراث من جهة، ووفق متطلبات حركة المجتمع من جهة أخرى. لأنه "عجينة لدنة قابلة للتشكل والتعيين ولكن ليس بشكل نهائي"(33). لأن التراث لا يمكن أن يحصر في ثقافة معينة أو حضارة ما، وإنما تشكل التراث ينبع فينا ويتعدانا لملامسة آفاق تراثية إنسانية أسمى". والتراث بهذا المعنى غير محدد في ثقافة أو عادات معينة أو منجزات حضارية بعينها، إنما هو عام وكل متكامل لا ينفصل بعضه عن بعض إنه كل ما يتركه الأول للآخر ماديا ومعنويا. وهذه نظرة شاملة للتراث باعتباره الماضي المؤثر في الحاضر والمستقبل"(34).

والواضح أن عبد الوهاب البياتي ينظر إلى التراث كبنية إنسانية مغلقة على ذاتها لا يمكن تجزئتها، بل يجب أخذها والتعامل معها ككتلة واحدة، وأعتقد أن الأيديولوجية الاشتراكية والماركسية للبياتي في فترة شبابه هي التي جعلته يتخذ هذا الموقف الذي بدا جليا في أشعاره خلال مراحله الأولى، "لأن الواقع عنده أوسع من حيث أنه يشمل القديم والجديد معا. فهو ينتظم التراث والمعاصرة معا في تفاعلهما المستمر، وهو يرى أن في التراث جوانب سلبية تعرقل حركة الواقع من جهة، ويقبل من الآخر الأجنبي ما يمكن أن يوجه الحاضر إلى آفاق أرحب وأعمق من جهة ثانية"(35). وترجع هذه الرغبة في الانفتاح على الآخر، في تقديري إلى الفلسفة الأيديولوجية التي ظل يؤمن بها الشاعر منذ الخمسينيات حتى بداية التسعينيات إنها النظرة الاشتراكية التي تلزم المبدع باحتضان قضايا الآخر والتفاعل معها ضمن نظرية الالتزام التي آمن بها الكثير من الشعراء الرواد. فقد جسد هؤلاء مقولة "إن الواجب أعظم مغريات الشاعر وأسوأها " عندما تقمصوا في أشعارهم وخطاباتهم دور الشاعر المنظر والقائد والسياسي، على غرار أسلافهم من الاشتراكيين الأوائل في أوروبا(36).

لهذا فإن الواقع المادي عند البياتي هو معيار التعامل مع التراث، وفهم التراث لا يكون إلا ضمن هذه الجدلية أي جدلية الواقع والتراث، وإن الأول هو الذي يختار بإرادة واقعية مؤدلجة نماذج التراث الصالحة للتفاعل ضمن حركية المجتمع الاشتراكي، وبناء على هذا يمكن للشاعر أن يؤسس رؤيا ويعبر عن موقف صريح وواضح من التراث، "ومن هذه الرؤية الجديدة يبدع شعره الجديد، فالإبداع تواصل مع التراث وانقطاع عنه معا، ارتباط به وثورة على الفاسد منه، حتى لا يكون نسخة عنه وتقليدا له، والجديد ليس هدما للقديم بل إنه إعادة قراءة لهذا القديم في ضوء التجربة الحديثة"(37).

ويتضح مما سبق أن البياتي قد سار مع شعراء الحداثة الذين لم يقطعوا صلتهم بالتراث معنويا وإنما أحدثوا القطيعة الشكلية والرؤيوية فقط، وحتى إحداث القطيعة بهذا الشكل فهي في الحقيقة إعادة انتشار وضبط للمواقع أمام موجة الهجوم الكبيرة التي واجهها هؤلاء الشعراء بعد الحرب العالمية الثانية، ومنهم حتى من آمن بضرورة قراءة التراث من منظور متحرر بحيث يكون الواقع هو الرابط الوحيد الذي يربطه بالتراث.

ويلخص نبيل فرج في كتابه "مملكة الشعر" هذه القراءة للتراث نقلا عن البياتي في النقاط الآتية: "- ضرورة تقدير التراث في إطاره الخاص، من حيث هو كيان مستقل تربطنا به وشائح تاريخية. - إعادة النظر إلي التراث في ضوء المعرفة العصرية لتقدير ما فيه من قيم ذاتية باقية وروحية إنسانية. - توطيد الرابطة بين الحاضر والتراث عن طريق استلهام مواقفه الروحية والإنسانية في إبداعنا العصري. - خلق نوع من التوازن التاريخي بين الجذور الضاربة في أعماق الماضي والفروع الناهضة على سطح الحاضر..."(38)

أما الشاعر الناقد محمد بنيس فقد قرأ التراث قراءة أكاديمية أقرب إلى الموضوعية، فابتعد عن التنظير الذاتي وذهب إلى مساءلة الشعرية العربية في أجزاء من كتابه "الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها"، خاصة في الجزء الرابع منه المخصص لمساءلة الحداثة. وهنا وجد بنيس نفسه أمام الجدلية الكلاسيكية الأساسية التي يقف عندها كل ناقد أو باحث أو أكاديمي، وهي جدلية التراث والحداثة، فقد "اقتحم الشعر العربي مشروع حداثته في هذا العصر منذ ما يقارب القرن، وصاحب الاقتحام متاع معرفي منشبك برؤيات وممارسات تنظيرية ونصية لها أمكنتُها المتعددة، كما لها إستراتيجيتها وبرامجها، متفاعلة مع الخارج النصي ومنفعلة به في آن"(39).

إن قراءة بنيس للتراث هي قراءة للتقليدية، ومساءلته للتراث هي مساءلة للتقليدية أيضا، وهذا معناه أن بنيس ينأى في قراءاته عن التنظير المحض المعتمد على الذاتية، ويغوُص في مراجعة شاملة ودقيقة للتراث وفق مصطلح التقليدية الذي يختلف إجرائيا عن المفهوم التراكمي للتراث؛ لأن التقليدية، في تقديري، لا تنفي التراث وإنما تُحاكي أجزاء من التراث ضمن الراهن الإبداعي الذي أضحى يرفض الكثير من قيود هذا التراث. إننا "لا نأسف على شيء إذا نحن قلنا إن سؤال الشعر هو سؤال الثقافة العربية الحديثة بامتياز، ولا نتهيبُ إذا نحن أقصينا هذا الحقل أو ذاك في المعرفة أو خارجها"(40).

ويركز بنيس في قراءته للتقليدية على جهة المساءلة، التي قصد بها مجموع التقاليد والمفاهيم النقدية التي رسخت عبر الزمن في الشعرية العربية وظلت تلازم الشعرية المعاصرة في الكثير من تمظهراتها، "وهي جميعها تتشخص في المعرفة التي توجه القراءة وتضبطها. هذا المفهوم مازال فاعلا في راهن النقد العربي وهو لم يعد يقبل به حتى بعض نقادنا التقليديين"(41).

وهنا يعرض أمامنا الشاعر مصطلح "الإبدال" الذي قصد به في الكثير من المراجعات النقدية للتراث، سلطة التغيير ورفض الثبات في مقاربة آليات النص الشعري بحيث جعل هذا المصطلح أولوية من أولويات المساءلة، خاصة عندما تصاحب عملية الإبدال - التجاوز عملية إبداع ميزتها الفرادة والعتمة النابعة من ذاتية المبدع الذي تجاوز قيود التقليدية يقول: "تعرض النص وتنظيراته المتعاقبة في الشعر العربي الحديث لإبدالات منذ التقليدية إلى الشعر المعاصر، بين كل إبدال وآخر عتمة لا نستطيع إضاءتها، وتنكتب هذه الإبدالات في تقاطع مع تأويلات مفاهيم الحداثة في شعرنا العربي، وهي التقدم والحقيقة والنبوة والخيال من خلال انفصالات في الممارستين النصية والتنظيرية، عبر جميع نماذج الممارسة الشعرية"(42).

ويحدد بنيس بداية الانفصال عن التقليدية إجرائيا وتشكل الموقف النقدي عند الشاعر العربي الحديث والمعاصر، انطلاقا من جملة الإبدالات المضمونية ثم الشكلية في القرن العشرين، حيث ظهر مستويان أساسيان من مستويات التخطيط للموقف عند الشاعر هما: مستوى الهدم، ومستوى البناء. بدون بلوغ الشاعر هاذين المستويين لا يمكنه أن يحقق غاية الإبدال، لأن "إعادة بناء سلسلة الانفصالات يُبرز خطين متعارضين هما البداية والهدم، يلازمان إبدالات البنايات الشعرية وتنظيراتها في الوقت الذي يتجاوبان فيه مع الأوضاع الاجتماعية - التاريخية للعالم العربي الحديث، وهو ينتقل بين قطبي الهزيمة وإعادة بناء الذات كما يتجاوبان مع الإبدالات المعرفية - الشعرية خارج العالم العربي، وخاصة في أوروبا حيث يكون البحث عن السؤال وجوابه"(43).

ويضبط بنيس آلية الإبدال الأساسية في ضرورة إعلاء الذاتية أيضا - شأنه في هذا شأن من سبقه من الشعراء المنظرين - ولكنه لم يستعمل مصطلح الذاتية، ولا مصطلح اللاعقلانية أو حتى مصطلح تعطيل الحواس، وإنما نادى بوجوب الانتقال من مستوى الاحتذاء المتجسد في الكلام داخل بنية التقليدية، إلى مستوى الكتابة بناء على مستوى الفردية أو الذاتية لأن "أول ما نقصده هو إبدال بنية الشعر العربي بالانتقال من الكلام إلى الكتابة، ومن التشبيه إلى الاستعارة. هذه القطيعة المعتمدة هي الأخرى على البداية والهدم، تعثر على مرجعيتها في الإبداع المعرفي العلمي الذي كان يسود العصر العباسي الأول"(44).

إن بنيس لا يرفض في التقليدية إلا مستويات الاحتذاء الساذجة التي تعلي الكلام في النظم وفق أطره اللغوية المتداولة. والدليل على ذلك أنه ظل منبهرا بأنماط الصياغة والتعبير والكتابة عند العديد من التقليديين، بالمفهوم الزمني للكلمة.خاصة أثناء مرحلة تفاعل الروافد الأجنبية الوافدة علي الثقافة والفكر والإبداع في مرحلة العصر العباسي الأول. ويتطرق بنيس في هذه القضية إلى سلطة الفكر التثاقفي في أوروبا على مجموع الروابط التقليدية، وقدرة هذا الفكر على إحداث شرخ كبير فيها مكنه من بلوغ مراتب التحديث وإبداع أطر رؤيوية احتوت مجهود هذا الفكر الإبدالي يقول: "في أوروبا الحديثة تمكننا الانفصالات النصية وإبدالات ممارساتها من رؤية أسبقية المعرفي وتفاعله مع الاجتماعي-التاريخي"(45).

ويعلل بنيس هذا الموقف ويدعمه من خلال التجربة الفكرية والأدبية لليابان، "فتحديث الشعر الياباني ببذخه القديم يتجاوب مع ما يعرف في التاريخ الياباني بإصلاحات "ميجي" الذي أدخل اليابان إلى العصر الحديث، عبر الانفتاح على المعارف الأوروبية المعاصرة له، ويتبنى نموذجها في الحقول العديدة، العلمية والفلسفية والفنية والأدبية، وهكذا كانت بداية الإبدال... وتجلت التداخلات النصية مع الشعر الرمزي الفرنسي على الخصوص، ولكن نتائج الحرب العالمية الأولى وزلزال طوكيو عام 1923، كانا مؤثرين على موقف الشعر الياباني من التحديث بنموذجيه الغربي حيث فعلت هذه الكوارث الاتصال والتفاعل مع الحركات الشعرية التدميرية في الغرب، خاصة السريالية والواقعية الاشتراكية، وأفضت الحرب العالمية الثانية بعد ذلك، وكوارثها على اليابان، إلى مساءلة العلاقة بالنموذج الشعري الغربي، ثم التخلي عنه في بناء نص شعري ياباني حديث"(46).

ويحدد محمد بنيس في معرض ضبط أولويات المساءلة، قوانين الارتقاء من التقليدية إلى التحديث (الحداثة)، ومن اللاموقف إلى الموقف فيما يأتي:

تفعيل القراءة للحدث السياسي، وهذا من شأنه أن يشرك الشاعر في مقاربة الواقع بعيدا عن سلطة النموذج من جهة ومخلفات التقليدية من جهة أخرى لأن المشاركة في تفعيل الرؤيا تجاه الحدث السياسي هو وحده القادر على نقل الشاعر من مستوى الملاحظة والتدوين والتأثر، إلى مستوى المشاركة والتنظير والإبدال(47).
- الارتباط المباشر والضروري بالتجربة النقدية والإبداعية الغربية، ويرجع ذلك حسب بنيس إلى "أهمية العودة باسمرار في العصر الحديث إلى الغرب لاستلام الجواب عن السؤال الشعري للحداثة، وقد كانت هذه العودة تبحث عن النموذج في نجاح الغرب من ناحية، والممارسة النصية الهادمة في الغرب أيضا. وعن طريق العودة إلى الغرب تتحدد البرامج والاستراتيجيات الشعرية للحداثة العربية"(48).
- الابتعاد أثناء عملية الإبدال عن التقيد بالمبدل على أساس أنه نمط، وإلا كان ذلك احتذاء من نوع جديد، فكل تنظيم لابد أن يتجاوز ذاته ضمن آلية تحديثية مستمرة لا تؤمن بالثابت، ولا تقف عند الأنموذج إلا لتتجاوزه وتبدله. حيث "يترافق خطا البداية والهدم مع وضع التنظيرات والممارسات النصية موضع الإلغاء، وبه يتم رج شجرة النسب وإعادة بناء السلالات الشعرية، بحثا عن أصول أخرى لحقيقة أخرى تقود إلى التقدم بواسطة لغة نبوية حديثة لا تفارق الخيال أو التخييل"(49).

كانت هذه مواقف وتنظيرات بعض الشعراء الرواد المعاصرين من قضية التراث والتحديث، حيث نظر إليها كل حسب مستويات القدرة على التنظير لديه، فكان من رسم الأفق والرؤى والقوانين مثل عبد الله حمادي، ومحمد بنيس، ونازك الملائكة، واكتفى آخرون بإعلاء الموقف ضمن فضاء من التشكيل، اختلف من شاعر إلى آخر. فقد انتقل مثلا الشاعر عبد الله حمادي والشاعرة نازك الملائكة، والشاعر صلاح عبد الصبور (هؤلاء الشعراء على سبيل المثال لا الحصر) إلى العمل على تحويل الموقف التنظيري إلى موقف شعري في الكثير من قصائدهم، من خلال توظيف التراث (التقليدية) بطرق وتقانات وأساليب متعددة ومبتكرة توسع خلالها التراث العربي وأضحى عند الشاعر الناقد والمنظر تراثا إنسانيا على مستوى التشكيل الشعري بامتياز.

الهوامش:
1 - محمود أمين العالم: مواقف نقدية من التراث، دار الفرابي، لبنان 2004، ص 10.
2 - المرجع نفسه، ص 11.
3 - ينظر، جابر عصفور: قراءة التراث النقدي، دار سعاد الصباح، الكويت 1992، ص 84.
4 - محمود أمين العالم: المرجع السابق، ص 12.
5 - حسن حنفي: التراث والتجديد، المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة 1980، ص 14.
6 - محمد عزام: الحداثة الشعرية، منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق 1996، ص 38.
7 - المرجع نفسه، ص 39.
8 - إحسان عباس: اتجاهات الشعر العربي الحديث، ص 109.
9 - فاتح علاق: مفهوم الشعر عند الشعراء الرواد، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2005، ص 13.
10 - نفسه.
11 - صلاح عبد الصبور: الأعمال الكاملة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1992، ج9، ص 150.
12 - المصدر نفسه، ص 152.
13 - المصدر نفسه، ص 153-154.
14 - المصدر نفسه، ص 181.
15 - نفسه.
16 - نفسه.
17 - المصدر نفسه، ص 182.
18 - نفسه.
19 - المصدر نفسه، ص 422.
20 - المصدر نفسه، ص 427.
21 - انظر، عبد الله حمادي: حوار مع الشاعر أجراه معه نور الدين درويش، ضمن كتاب سلطة النص في ديوان البرزخ والسكين، منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين، الجزائر 2002، ص 38.
22 - المرجع نفسه، ص 38-39.
23 - نفسه.
24 - نفسه.
25 - المصدر نفسه، ص 111.
26 - المصدر نفسه، ص 120.
27 - المصدر نفسه، ص 121.
28 - المصدر نفسه، ص 129.
29 - عبد الله حمادي: ديوان البرزخ والسكين، دار هومة، ط3، الجزائر 2002، ص 9.
30 - نازك الملائكة: الديوان، ج2، ص 20-21.
31 - نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، ص 62-63.
32 - عبد الوهاب البياتي: الشعر العربي والتراث، مجلة فصول، ع4، جويلية 1981، مج 1، ص 19.
33 - نفسه.
34 - فاتح علاق: مفهوم الشعر عند الشعراء الرواد، ص 14.
35 - نفسه.
36 - ينظر، حبيب بوهرور: الواقع والمتخيل في شعر نزار قباني، ص 37.
37 - ينظر، فاتح علاق: مفهوم الشعر عند الشعراء الرواد، ص 18.
38 - نبيل فرج: مملكة الشعر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1988، ص 21.
39 - انظر، محمد بنيس: الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها، مساءلة الحداثة، ج4، ص 135-139.
40 - نفسه.
41 - نفسه.
42 - نفسه.
43 - نفسه.
44 - نفسه.
45 - نفسه.
46 - محمد بنيس: مساءلة الحداثة، مجلة الكرمل، ع12، نيقوسيا، قبرص 1984، ص 18.
47 - محمد بنيس: الشعر العربي الحديث، ج4، ص 139.
48 - المصدر نفسه، ص 140.
49 - نفسه.
الإحالة إلى المقال:

* د. حبيب بوهرور: المتشاكل والمختلف في جدلية التراث والتحديث، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السابع 2007. http://annales.univ-mosta.dz

***