لغة الطفل والهوية الوطنية

فضيلة صديق
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

الإشكال المطروح هو المصادر التي يكتسب منها الطفل لغته ابتداء من البيت والكتاب والمدرسة ووصولا إلى وسائل الإعلام بأنواعها، وما مدى التزام هذه الوسائل بتعليم الطفل اللغة العربية الفصيحة (الرسمية أو المعيارية) وما مدى مساهمة البيت وعلى الأخص الأم بمستوياتها التعليمية المختلفة، وأيضا وسائل الإعلام، وعلى الأخص من خلال المواد الإشارية، في إدخال الكثير من الكلمات الدارجة والفرنسية إلى قاموس الطفل. ولما كانت اللغة ليست بريئة فإنها بالضرورة حاملة للهوية بحد ذاتها، فإن التربويين يصرون دوما على أن تكون لغة الطفل سليمة في مبناها، وحاملة لقيم تعبر عن الهوية الوطنية، وبذلك يكون الطفل قد تشرب عن طريق تعلمه لغته، قيم لسانية، ودينية، وثقافية ووطنية واجتماعية وغيرها.

الكلمات الدالة:

الطفولة، اللغة العربية، الكتاب، التربية والتعليم، المدرسة.

***
Child language and national identity

Abstract:

The problem at hand is the sources from which the child acquires his language, starting from the home, the book, the school, and reaching the media of all kinds, and what is the commitment of these means to teach the child the formal Arabic language (official or standard) and the extent of the contribution of the home, especially the mother, at her various educational levels, as well as the media, especially through the indicative materials, in the introduction of a lot of colloquial and French words into the child's dictionary. And since the language is not innocent, it is necessarily a carrier of the identity in itself. Educators always insist that the child's language be sound in its building and carry values that express the national identity, and thus the child may imbibe, through learning his language, linguistic, religious, cultural, national and social values, and others.

Key words:

childhood, language, book, education, school.

***

النص:

قد تعوزنا الحيلة عندما نقف اليوم أمام الطفل العربي، هل نتحدث عن شقائه المادي أو عن اغترابه الفكري؟ أما عن الصورة الأولى فقال مالك بن نبي عن طفل العالم الثالث أنه "يحمل في المجتمع صورة القبح والتعاسة معا، بينما هو من ملايين السواعد والعقول التي تحرك التاريخ، ولكنه لا يحرك شيئا، لأن نفسه قد دفنت في أوساخه، ولن تكفينا عشرات من الخطب السياسية لتغيير ما به من القبح وما يسوده من الضعة النفسية والبؤس الشنيع"(1).

إذا كان الإنسان العربي هو مشروع حضاري لم يكتمل بعد، فإن الطفل العربي هو مشروع ذلك المشروع، والمشاريع الحضارية هي مشاريع مستقبلية، وبالتالي فإنها لن تقوم إلا على سواعد أطفال اليوم.

لقد كان الطفل في الماضي ينظر إليه على أنه رجل صغير، ومستودع لصب المعلومات، لا يسمح له بأي مناقشة، ولقد أضحت النظرة السليمة للطفل هي التي تتعامل معه على أنه له حاجات ذاتية تختلف عن حاجات الكبار، وأن لكل مرحلة من مراحل نموه حاجاتها الأساسية.

ونحن نعرف أن مكانته في الماضي وبخاصة في العالم الغربي لم تكن مكانة مرموقة حتى منتصف القرن الثامن عشر حيث قام الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو بجذب الاهتمام إلى وضعية الطفل الذي جعله مركز فلسفته وآرائه التربوية. كما وصدر ميثاق لحقوق الطفل 1959 من قبل الأمم المتحدة، كما اعتبر عام 1985 هو عام الطفل تقديرا لأهميته في هذا العصر.

ونحن نعلم أيضا أن مكانة الطفل في تراثنا العربي الإسلامي كانت مرموقة، فقد كتب الكثيرون من الفلاسفة والتربويون أمثال: الفارابي وابن سينا والغزالي وإخوان الصفا... لقد كتبوا عن أهمية الطفل ومكانته في المجتمع ونادوا بضرورة رعايته منذ الولادة، بل قبل أن يولد عندما يكون جنينا في بطن أمه، لا بل قبل أن يصبح مشروع حياة وذلك باختيار شريكة الحياة أو أم المستقبل، وذلك امتثالا لقول النبي الكريم (ص): "تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس"(2). ولقد جاءت لفظة (طفل) في القرآن الكريم في قوله تعالى: "ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم"(3).

وتجمع كتب علم النفس على أن الطفولة هي مرحلة التي يقضيها الكائن الحي في رعاية وتربية الآخرين حتى ينضج ويكتمل ويستقل بنفسه، ويعتمد عليها في تدبير شؤونه وتأمين حاجاته البيولوجية والنفسية والاجتماعية(4).

وتعتبر مرحلة الطفولة من أهم مراحل النمو وأكثرها أثرا في حياة الإنسان، كما يعتبر الاهتمام بدراسة الطفولة اهتماما بالمجتمع ذاته وبتقدمه، فأطفال اليوم هم شباب ورجال الغد، وبالقدر إعدادهم الإعداد السليم للحياة يتوفر للأمة المستقبل والتقدم والحضارة، ذلك أن الحكم على المجتمع ليس بما يتوفر لديه من إمكانيات مادية وإنما بقدر ما يتوفر لديه من ثروة بشرية.

ولقد حظيت مرحلة الطفولة بالعديد من الدراسات والبحوث في شتى المجالات الحياتية، حتى أن البعض يطلق على هذا العصر عصر الطفل، حيث أصبح قطب الرحى في الدراسات التربوية والاجتماعية والنفسية(5). وتدل دراسات كثيرة أجريت في مجالات علم النفس والتربية على أن نسبة كبيرة من مقومات شخصية الفرد المعرفية والوجدانية والسلوكية تتشكل في السنوات الخمس أو الست الأولى من عمره(6).

1 - اللغة:

إن اللغة هي الهواء الذي نتنفسه (جاك دريدا)، وهي حولنا، تحيطنا من كل حدب وصوب، فهي وسيلتنا لإدراك العالم، وأداة تعاملنا مع هذا الواقع. فهي التي تترجم ما في ضمائرنا من معان - كما يقول ابن خلدون في مقدمته - لتستحيل إلى أدوات تشكل الحياة. واللغة هي قدر الإنسان الاجتماعي، فكما تكشف عن طبقته وجذور نشأته، تكشف أيضا عن عقليته وقدراته وميوله الفكرية، وأبعد من ذلك، فاللغة وعاء لحفظ التراث الإنساني وإنماء الثقافة ونقلها إلى الأجيال.

وعن أهمية اللغة يقول أهل النسبية اللغوية (لغتي هي عالمي، وحدود لغتي هي حدود عالمي)، وهو نفسه ذاك العالم الذي انتزعه محمود درويش ممن أرادوا أن يسلبوه إياه، فارضين عليه أن يفارقه، حاملا معه لغته تحمل معها عالمه. لقد قرر شاعر الأرض السليبة أن يكون وطنه هو حقيبة سفره، وليس هناك خير من اللغة زادا لسفره هذا، فاللغة هي الذات وهي الهوية، وهي أداتنا لكي نصنع من المجتمع واقعا كما يقول بتر برجر.

وثقافة كل أمة كامنة في لغتها، كامنة في معجمها ونحوها ونصوصها. واللغة - بلا منازع - أبرز السمات الثقافية. وما من حضارة إنسانية إلا وصاحبتها نهضة لغوية، وما من صراع بشري، إلا ويبطن في جوفه صراعا لغويا، حتى قيل إنه يمكن صياغة تاريخ البشرية على أساس من صراعاتها اللغوية(7).

2 - مفهوم الهوية:

في كتابه (تلخيص ما بعد الطبيعة) يقول فيلسوفنا الكبير ابن رشد (إن الهوية تقال بالترادف للمعنى الذي يطلق على اسم الموجود، وهي مشتقة من الهو، كما تشتق الإنسانية من الإنسان)، وهو بهذا يعود بنا إلى مفهوم الهوية أو الذاتية في منطق أرسطو باعتبارها تماثل الشيء مع ذاته، فألف هي ألف وليست لا ألف - ولهذا نرى في (التعريفات) للجرجاني (أن الهوية هو الأمر المتعقّل من حيث امتيازه عن الأغيار)، والامتياز هنا بمعنى الخصوصية والاختلاف، لا بمعنى التفاضل. ولعل ابن خلدون قد استطاع أن يبرز هذا المعنى أكثر وضوحا بقوله في المقدمة (لكل شيء طبيعة تخصه). وعلى هذا فانتفاء خصوصية الشيء هو انتفاء لوجوده ونفيه(8).

3 - الطفل واللغة:

يؤكد الموجهون التربويون على أن "التربية اللغوية لها مكانة بارزة لأن لغة الكلام تسود وتساند جميع نشاطات الطفل الأخرى"(9). ولهذا السبب يرى مالينوفسكي أن المفردات اللغوية في أي مجتمع من المجتمعات تعتبر المرآة الصادقة التي تعكس صورة واضحة لما عليه أفراد هذا المجتمع من ثقافة ونظم وعادات وتقاليد واتجاهات(10).

وكما هو معلوم، فإن نمو الذكاء يتم على قدر المساواة مع النضج اللغوي، فبدون اللغة اللفظية التي تصبغ التفكير بالصبغة الاجتماعية، من المستحيل نضج ذكاء الطفل بصورة كاملة، وهذا ما أكده جان بياجيه(11).

ونظرا لأهمية مرحلة الطفولة في مجال البحث السيكولوجي والتربوي، لما لهذه الفترة من تأثير مباشر على حياة الفرد فيما بعد، فإننا نجد مدرسة التحليل النفسي بزعامة فرويد تؤكد على أن الخمس سنوات الأولى من عمر الطفل هي التي تكون نواة شخصيته، وتؤكد أيضا على أهمية معاملة الطفل في هذه المرحلة بكثير من الحب العطف، بمعنى أن سلوك الفرد الراشد ما هو إلا امتداد لخبرات الطفولة المبكرة. وإذا نظرنا إلى اللغة نجد أنها أحد جوانب هذا السلوك، حيث تتأثر بعوامل تكوينية وبيئية(12).

4 - مصادر التربية اللغوية عند الطفل:

المنزل: أثبتت الأبحاث العلمية أن الأسرة هي المكان الأمثل لتربية الطفل ولتكوينه عاطفيا ولغويا، حيث تلعب الرعاية والعواطف الأبوية دورا بارزا في اكتساب الطفل للغة، ولذلك يقول اللغوي الفرنسي مارسيل كوهين: "يتمتع الأطفال بأفضل ظروف للنمو، واكتساب اللغة خاصة عندما يتم رعايتهم بدأب وتفان منقطع النظير وبهدوء تام، من جانب الوالدين أو من يقوم مقامهما"(13).

وللوالدين في تربية الطفل دور ذو خطر وبال، فهما اللذان (يهودانه أو ينصرانه). وللأم بالذات الدور الأكبر والأعمق والأكثر تأثيرا. إنها تداعب صغيرها، وتراقصه وتغني له، وترضعه من لسانها كما ترضعه من صدرها، فإن كان المنطوق عربيا صحيحا فصيحا، أو عاميا مخلوطا أو مغلوطا جاء استخلاص الطفل على وفاقه. عن سر الرضاعة الطبيعية تقول زكية عزيز، الأخصائية في تربية الأطفال: (الرضاعة الطبيعية هي الأداة التي توفر للطفل أولى الحاجات النفسية أي الشعور بالطمأنينة...). ولذلك كانت الأمومة الطبيعية ضرورة حيوية لصحة الطفل الجسمية والنفسية والعقلية معا، وإن حرمان الطفل من الرضاعة الطبيعية يؤدي إلى تحصيل مدرسي ضعيف(14).

دور التعليم: ينتقل الصغير بعد إلى دور التعليم، وقد يكون لديه محصول لغوي صحيح أو مغلوط أو مخلوط بلهجات والمفروض أن تعي المدرسة (بدءا بالحضانة والكتاب) احتمال وقوع هذا الوضع اللغوي المحروم من التكامل والتناسق، فتعمل على مواجهة هذا الاحتمال وذلك بإشاعة جو لغوي سليم، من شأنه تقريب ألسن الصغار بعضها من بعض، وصولا إلى لسان مشترك. ومن أجل هذا كانت الأنظمة التربوية الوطنية، فهي باستعمالها اللغات الوطنية كوسيلة للتربية تصنع في الميدان أقوى وسيلة لبناء تفكير الأجيال القادمة(15).

وسائل الإعلام: إن الإعلام هو تزويد الناس بالأخبار الصحيحة التي تساعدهم على تكوين رأي صائب في مشكلة من المشكلات(16). ولا شك أن البرامج التلفزية والإذاعية تمتاز بتنوع كبير بحيث توفر للطفل غداء عقليا ووجدانيا متكاملا إلى جانب كونها مصدرا من مصادر المعرفة والثقافة. ومعلوم أن كل تنوع في المعرفة يعكس تنوعا في اللغة.

وإننا اليوم إن ولينا وجوهنا شطر لغة الإعلام بأنواعه نلحظ أن استعمال اللغة فيه أصبح عشوائيا بحيث أضر بها ضررا بليغا، حيث أصبح استعمال اللهجات العامية فيها من الشائع المعروف. يقول مسعود بوبو: "ينبغي لنا ألا يغيب عن بالنا أن الظاهرة اللهجية لا تقف عند النطق كما كان الحال قديما، بل تتعداه إلى الكتابة المرئية واضحة على شاشات التلفزيون... والكتابة اللهجية تنطوي على الخطأ الإملائي والخطأ النحوي، ورؤيتها على هذه الصورة المتكررة يرسخها في أذهان أجيالنا قبل معرفتهم السلامة اللغوية، وهذا يجعل من العسير محوها من أذهانهم"(17).

ويرى بعض الباحثين أن تغليب العامية في بعض وسائل الإعلام كان سببا من أسباب أزمة اللغة العربية المعاصرة... وحجة بعض وسائل الإعلام في ذلك أنها تحاول إرضاء كل الأذواق(18).

5 - اللغة والشخصية:

يرى فيخته صاحب فلسفة الإنية أو الذاتية (وكلمة الإنية هذه لابن سينا) أن وجود أمة من الأمم بوجود إنيتها التي هي شخصيتها، وأن هذه الشخصية تتكون من عناصر ثلاثة: الدين واللغة وحب الوطن.

ويقول عن العنصر الديني: "إن تربية الشعب على التماسك بالدين والأخلاق هي أساس كل الحكومة، وعلى الحكومة أن تأسس معهدا دائما لهذه التربية الدينية"(19). وأثر عن الرسول (ص): "أحبوا العرب لثلاث، لأني عربي والقرآن عربي والكلام عن الجنة عربي"(20).

أما اللغة الأصيلة في نظر فيخته فهي "رمز وجود الأمة، وبقدر أصالة اللغة والمحافظة على اللغة الأصيلة أو فقدانها تكون المجموعة البشرية أمة وشعبا أصيلا أو مجرد أشتات فحسب"(21). والرسول الكريم (ص) يقول: "ليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي باللسان فمن تكلم العربية فهو عربي"(22) فالعروبة تعني الإسلام، كما أن الإسلام يعني اللغة العربية.

وعن العنصر الثالث للشخصية وحياة الأمة، وهو حب الوطن، يقول فيخته: "فكما أن الدين هو العنصر الدائم لحياتنا الروحية... فإن حب الوطن هو العنصر الدائم والأساسي لحياتنا المدنية كمواطنين"(23). وقد عرف جوزيا رويس الولاء بأنه قيمة إخلاص شخص لقضيته إخلاصا طوعيا وعمليا غير مشروط، فالولاء الوطني مثلا يحمل الإنسان على أن يحيا، وأن يموت عند الاقتضاء من أجل بلده(24). وجاء في الأثر (حب الوطن من الإيمان).

ومن هنا كانت اللغة الوطنية هي تلك اللغة التي تقبل من طرف الجميع كوسيلة للتبادل والاتصال الاجتماعي وكشعار خارجي لجنسيتهم... إن الأنظمة التربوية الوطنية باستعمالها اللغات الوطنية كوسيلة للتربية تصنع في الميدان أقوى وسيلة لبناء تفكير الأجيال القادمة...(25)، ولهذا كان من أهداف المدرسة الأساسية الجزائرية: "دراسة اللغة العربية وإتقان التعبير بها مشافهة وتحريرا، واعتبار مثل هذه الدراسة عاملا أساسيا في تكوين الشخصية القومية والتجاوب مع المحيط وتعلم مختلف مواد المنهاج الدراسي"(26).

6 - أطفالنا والفصحى:

إن مأساة الطفل العربي المعاصر، كونه في سني حياته الأولى يتعرض للعامية، ويتعرف على مفرداتها ويتقن تراكيبها وقواعدها، حتى إذا ذهب غلى المدرسة وجد أن عليه أن يطلب المعرفة بغير اللغة التي يتقنها.

أما الاختلاف بين الفصحى والعامية في الألفاظ فأشهر من أن يمثل له، وأما الاختلاف في القواعد والتراكيب فإن الفارق أكبر مما يظنه الإنسان للوهلة الأولى. ففي العامية يستخدم الطفل (اللي) كاسم موصول للمفرد والمثنى والجمع مذكرا كان أو مؤنثا، بينما تقابله في الفصحى ثمانية صيغ: الذي - التي - اللذان - اللذيْن - اللتيْن - اللذين - اللاتي أو اللواتي. ونتج عن هذه المأساة أمران: عزوف الطفل عن القراءة، لأنه لا يفهم ولا يستمتع بما يقرأ. وصعوبة التحصيل المعرفي والعلمي، لأن الطفل غير متمكن من أداته، ولتعويض هذا النقص وضع التربويون حصصا لقواعد اللغة العربية في جميع المراحل الدراسية، ولكن ذلك لم يوصل خريج المدرسة ولا الجامعة إلى مرتبة الإتقان. مع العلم أننا كلما علمنا الطفل الفصحى بشكل مبكر، قلصنا من عدد ساعات القواعد والنحو والإعراب، واستغلال تلك الساعات في تحليل النصوص وأساليب التعبير.

والحل يكمن في أن يتقن أطفالنا الفصحى قبل دخول المدرسة - بالإضافة إلى العامية - وهذا بأن نعرض الطفل في سني عمره الأولى لساعات طويلة من ممارسة الفصحى سماعا وتحدثا، وهذا دور الأبوين. وإذا كان الأبوان لا يحسنان الفصحى، عوض عن ذلك بروضات الفصحى، التي تتلقف الطفل من سن الثالثة، ويكون الحديث داخل الروضة بالفصحى تماما. "وهذا الحل مجرب، وقد اثبت نجاحا باهرا"(27).

7 - ثقافة الطفل:

أصبح الاهتمام بالطفل في الدول المتقدمة يحتل مركز الأولوية من الخطط والبرامج والاهتمامات على كل المستويات الوطنية والقومية، وأخذت "تعنى عناية فائقة بتعليم الأطفال وتثقيفهم وتربيتهم من النواحي الصحية والنفسية والثقافية والاجتماعية والعقلية... وخطط الإنماء المبرمجة اقتصاديا واجتماعيا، تعتبر برامج تنمية الأطفال جزءا لا يتجزأ منها"(28).

وقد جاء هذا الاهتمام من قبل المجتمعات المتقدمة نتيجة إيمانهم بأن العناية بطفل هي عناية بالإنسان والمستقبل، ويلعب الجانب الثقافي الدور الطبيعي في تحقيق الطموح نحو الغد المشرق. وإذا كانت الثقافة هي الحصيلة المشتركة من الدين واللغة والمعرفة والعمل والفن والأدب والتراث والقيم والتقاليد والأخلاق والتاريخ والوجدان ومعايير العقل والسلوك وغيرها من مقومات، فإن اللغة هي أخص خصائص الثقافة، فهي من جهة تعتبر حاملا للثقافة، ومن جهة أخرى وسيلة للتفاهم بين الأفراد والجماعات، وهذا ما دفع إدوارد سابير (E. Sapir) إلى اعتبار اللغة ظاهرة ثقافية بل إن الثقافة نفسها هي في النهاية لغة(29).

وفي السنوات الأخيرة غمر المجتمع العربي إنتاج الحضارة العلمية الحديثة - الغربية - وأدى هذا إلى "تغيير الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الطفل العربي تغييرا ملحوظا، من أهم مظاهره غزو ثقافي غربي أدهى وأمر من الغزو الترابي الذي كنا نعانيه إلى زمن غير بعيد وهو... غزو يصعب رده إذا لم نواجهه بحزم وجد"(30).

ومن المقولات الاستشرافية في هذا التوجه ما أشار إليه الكاتب صامويل هانتينغتون من أن العالم يتوجه نحو حرب حضارية تكون فيها القيم الثقافية والرمزية هي الحدود القتالية(31). ويقول السياسي الفرنسي بينو (Pinot)(32): (لقد خسرت فرنسا إمبراطورية استعمارية، وعليها أن تعوضها بإمبراطورية ثقافية). وهذا يعني أن المدخل الحقيقي للاستعمار الجديد هو الهيمنة اللغوية والثقافية، وهذا ما اصطلح عليه بالعولمة، وتعني تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل، وجعله على مستوى التسخير العالمي(33).

ومن هذا المنطلق سيكون للعولمة دور في طمس التراث الثقافي الأصيل للأمة ومحاولة تشويهه، ولكي نواجه ذلك بفاعلية وجدوى، فلابد أن نبتدئ على مستوى الطفل العربي "بتنشئته تنشئة عربية أصيلة تنمي فيه الاعتداد بالنفس والمقدرة على الإبداع والخلق والإشعاع حتى يستطيع أن يقف من ذلك الغزو الثقافي المكثف بعد اجتيازه مرحلة الطفولة، موقف المغربل الواعي، لا موقف المستهلك السلبي لما يرد عليه باستمرار من الخارج"(34).

ويشكل الاهتمام بأدب الأطفال (شعرا، قصة...) اهتماما بالجانب الثقافي للطفل، وأول اتصال للطفل بالأدب يكون عن طريق الرواية الشفوية من لدن الأم والجدة، لأغنيات المهد والقصص الشعبية، وصولا إلى القراءة الذاتية في الكتاب. ويقول الشرابي عن أثر الكتاب في الطفل: "والواقع أنه يمكن أن يكون لحب الكتب أثر جدري في نمو الطفل العقلي، بحيث تصبح عادة القراءة مكسبا يدوم مدى الحياة إذا عرفنا كيف نقدم التشجيع اللازم بصورة مستمرة ومنظمة. وتبرير ذلك هو أن عزوف الكبار عن القراءة في مجتمعنا العربي مرده بالدرجة الأولى إلى أن عملية تنمية الميول القرائية لم تتم أثناء الطفولة"(35).

8 - مقترحات لإنقاذ اللغة العربية:

لا أحد من بني العربية ينكر مسؤوليته في إنقاذ لغته من الضياع والاندثار، حاكما كان أو محكوما، معلما أو متعلما، كاتبا أو قارئا... ولهذا وجب النظر - دون تريث - في خطة لإنقاذ اللغة العربية، من خلال هذه المحاور:
- غرس حب العربية وتذوقها في نفوس الناشئة والطلاب، ويعطينا ابن خلدون وصفة من أجل ذلك بقوله في مقدمته: "ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة، ويروم تحصيلها، أن يأخذ نفسه بحفظ كلامهم القديم، الجاري على أساليبهم، من القرآن والحديث، وكلام السلف، ومخاطبات فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم... حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور، منزلة من عاش بينها، ولقن العبارة منهم"(36).
- الإعداد الجيد لمعلمي اللغة العربية بحيث يكونون على وعي بتاريخها وتطورها وآدابها، إلى جانب التمكن من قواعدها وكيفية تطبيقها.
- التحفيز على النشاط اللغوي مثل الشعر، والقصة والإلقاء، والمناظرات، وإعطاء درجات على ذلك. وضرورة اهتمام الإعلام بالأداء اللغوي الصحيح، والحد من التلوث اللغوي الهابط(37).

الهوامش:
1 - مالك بن نبي: شروط النهضة ومشكلة الحضارة، تر، عبد الصبور شاهين وآخر، ط3، دار الفكر، بيروت 1969، ص 140.
2 - د. محمود أحمد موسى: دور التعليم في تنشئة الطفل العربي، مجلة المستقبل العربي، العدد 100، 1987، ص 137.
3 - سورة الحج، الآية 5.
4 - حفيظة تازروتي: اكتساب اللغة العربية عند الطفل الجزائري، دار القصبة، الجزائر 2003، ص 7.
5 - د. عبد الله بوجلال: دور التلفزيون في تربية وثتقيف الأطفال، مجلة الاتصال، العدد 8، 1992، ص 73.
6 - محمد حسن بريغش: أدب الأطفال أهدافه وسماته، مؤسسة الرسالة، ط3، بيروت 1997، ص 14.
7 - د. نيبل علي: ثقافة اللغة، عالم المعرفة، العدد 265، 2001، ص 227-228.
8 - د. محمود أمين العالم: حول مفهوم الهوية، مجلة العربي، العدد 437، 1995، ص 26.
9 - سرجيو سيبيني: التربية اللغوية للطفل، تر. فزي عيسى، دار الفكر العربي، القاهرة 1991، ص 7.
10 - انظر، د. نوال محمد عطية: علم النفس اللغوي، المكتبة الأكاديمية، ط3، القاهرة 1995، ص 49.
11 - سرجيو سبيني: المرجع السابق، ص 38.
12 - نادية بعيبع: اثر تربية الملجأ وتربية الأسرة على النمو اللغوي، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 3، 1995، ص 109.
13 - حفيظة تازروتي: المرجع السابق، ص 9.
14 - فضيلة صديق: القيم التربوية في شعر الطفولة بالجزائر، رسالة ماجستير، جامعة تلمسان 2001، ص 20.
15 - امحمد زردومي: التربية والطابع الوطني، حوليات جامعة الجزائر، عدد خاص، 1996، ص 88.
16 - د. صالح ذياب هندي: أثر وسائل الإعلام على الطفل، جمعية المطابع، عمان، الأردن 1990، ص 17.
17 - نور دين بليبل: الارتقاء بالعربية في وسائل الإعلام، كتاب الأمة، العدد 84، 1422هـ، ص 110.
18 - المرجع نفسه، ص 113.
19 - مولود قاسم: اللغة والشخصية في حياة الأمم، مجلة الأصالة، العدد 17-18، الجزائر 1974، ص 50-54.
20 - فضيلة صديق: المرجع السابق، ص 66.
21 - المرجع نفسه، ص 51.
22 - المرجع نفسه، ص 69.
23 - المرجع نفسه، ص 54.
24 - المرجع نفسه، ص 66.
25 - امحمد زردومي: المرجع السابق، ص 88.
26 - محمد العربي ولد خليفة: المهام الحضارية للمدرسة والجامعة الجزائرية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1989، ص 15.
27 - عن (الشبكة الإسلامية)، www.islamweb.net، بتاريخ 04-12-2001.
28 - فضيلة صديق: المرجع السابق، ص 71.
29 - د. محمد العربي ولد خليفة: المسالة الثقافية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 2003، ص 128.
30 - فضيلة صديق: المرجع السابق، ص 72.
31 - أعمال الموسم الثقافي، المجلس الأعلى للغة العربية، الجزائر 2001، ص 163.
32 - نفسه.
33 - المصدر نفسه، ص 164.
34 - فضيلة صديق: المرجع السابق، ص 71.
35 - المصدر نفسه، ص 42.
36 - ابن خلدون: المقدمة، القاهرة 1327هـ، ص 654.
37 - انظر، د. حامد طاهر: كيف ننهض باللغة العربية، مجلة العربي، العدد 540، الكويت 2003، ص 92.
الإحالة إلى المقال:

* فضيلة صديق: لغة الطفل والهوية الوطنية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس 2006.
http://annales.univ-mosta.dz


***