لغة المسرح الجزائري بين الهوية والغيرية

بوعلام مباركي
المركز الجامعي سعيدة، الجزائر

الملخص:

يتمحور موضوع المداخلة حول المسرح الجزائري ومسألة الهوية التي تؤول إلى مسألة أكبر وهي الهوية الجزائرية ذاتها كما يقدمها المسرح الجزائري على صعيدي الممارسة والخطاب النقدي الذي ينتج حول هذه الممارسة، وسنتطرق إلى قضية الهوية هذه من خلال مناقشة ما قبل المسرح الجزائري. هذا المصطلح الشائع عند عدد لا يستهان به من الباحثين المغاربة والمشارقة على السواء، فيرد استعماله عموما في سياق الجواب عن السؤال: هل وجد نشاط مسرحي محلي قبل الاتصال بالغرب. وعليه سنحاول دراسة تجلي الغيرية في الخطاب المسرحي الجزائري من خلال مسألة الهوية لهذا المسرح.

الكلمات الدالة:

المسرح الجزائري، الهوية الوطنية، الخطاب النقدي، الغيرية، الأدب.

***
The language of the Algerian theater between identity and otherness

Abstract:

The topic of the intervention revolves around the Algerian theater and the issue of identity that devolves to a larger issue, which is the Algerian identity itself, as it is presented by the Algerian theater in terms of practice and the critical discourse that is produced around this practice. We will address this issue of identity through discussion of the pre-Algerian theater. This term, which is common to a significant number of Maghreb and Levantine researchers alike, is used in general in the context of the answer to the question: Was there a local theatrical activity before contacting the West? Therefore, we will try to study the manifestation of altruism in the Algerian theatrical discourse through the issue of identity for this theater.

Key words:

Algerian theater, identity, critical discourse, otherness, literature.

***

النص:

كثر الجدال والنقاش منذ القدم إلى يومنا هذا حول اللغة المستعملة في المسرح. ومن المعروف أن المسرح هو أحد الفنون الأدبية الأدائية الذي يعتمد أساسا على ترسيخ الأفكار وطرحها أمام الجمهور المتعطش لفن الخشبة في ظرف زمني محدد.

وتلعب اللغة دورا أساسيا في تجسيد هذه الأفكار إلا أننا قد لاحظنا أن كتاب المسرح العربي عامة والجزائري خاصة يلجأ إلى الترجمة والاقتباس من المسرح الغربي (الأوربي). حيث أنهم اختلفوا في استعمال اللغة لترجمة هذه النصوص المسرحية الأوربية.

وانطلاقا من هذه الفكرة نستطيع أن نحدد نوعيتها مع المراعاة الثقافة ومستوى غالبية الشعب، لأن الكتاب يعرفون جيدا المستوى الثقافي هذا الشعب، وذلك لتأسيس لغة مسرحية نابعة من ثقافة الشعب العربي ومعبرة عن هويته وتراثه لكي يتميز هذا المسرح عن الشكل المسرحي الأوربي الدخيل.

ومن هنا يظهر لنا جليا أن معظم المترجمين يستعملون اللغة الفصحى، التي تعتبر أداة تساعد المترجم على الإبداع. وهذا ما يعني تقيد المترجم بالفصحى مثلما فعل "محمد مسعود" في ترجمته لمسرحية "الجاهل المتطبب"، وكذلك ما فعله نجيب حداد في تعريبه لبعض النصوص المسرحية الأوربية. وهذا راجع إلى الطاقة الفنية التي يحتوى عليها هذا المترجم، لأنه يهدف إلى توضيح عمله المسرحي وتبسيطه لغويا وفكريا، ليتلاءم مع المستوى اللغوي والفكري للجمهور مع حفاظه على المضمون الذي يحتويه النص الأصلي، مثل ما حدث للمترجمين المسرحيين العرب الذين ترجموا للكاتب المسرحي الفرنسي موليير بعض أعماله المسرحية بحيث أن العديد منهم حافظ على النص الأصلي المولييري، فنرى جل هؤلاء المترجمين العرب يستعملون اللغة الفصحى في ترجمة الأعمال المسرحية، وذلك لأن المترجم مطالب بأن يستعمل هذه اللغة العربية الفصيحة السليمة حتى تتعدى حدود القومية، وتصبح لغة مشتركة بين جميع أقطار الوطن العربي.

1 - تحديد هوية لغة المسرح الجزائري من خلال الأشكال الماقبلية:

إن مسألة الهوية في لغة المسرح الجزائري تؤول إلى مسألة أكبر وهي الهوية الجزائرية ذاتها كما يقدمها المسرح الجزائري من خلال استعمال اللغة العامية الثالثة المستلهمة من التراث الشعبي والأشكال المسرحية الماقبلية كلغة "القوال، المداح، الحلقة". هذا المصطلح الشائع عند عدد لا يستهان به من الباحثين العرب المغاربة والمشارقة على السواء.

ولهذا حاول رواد المسرح الجزائري تأسيس هوية هذا المسرح المتميز عن الأخر الأوربي من خلال رجوعهم إلى توظيف التراث الشعبي واستعمال اللغة الثالثة لأنها لغة مسرحية شعبية نابعة من احتفالاتنا وفنوننا التقليدية، قريبة من الوجدان الشعبي المحلي. كما أن تراثنا الشعبي الشفاهي يحتوي على لغة شعبية عامية يستلزم استعمالها في الأعمال المسرحية الجزائرية من أجل التأسيس والتأصيل.

إن العودة إلى التراث الشعبي تكسب الكاتب المسرحي لغة أصلية، لغة ثرية بثراء الفكر الذي يعبر عنه فإذا ما استوعب هذا الكاتب معطيات اللغة، وفجر طاقاتها عند ذلك تفجرت لديه مكنونات الأفكار(1).

ولهذا نجد رواد المسرح الجزائري والمهتمين بشؤونه قد استعملوا اللغة التي يفهمها الجمهور وينفعل معها، ونلاحظ هذا في مسرحية (جحا) لعلا لو الذي استعمل اللغة الثالثة التي نادى بها معاصروه من رجال المسرح العربي في ذلك الوقت، وعلى رأسهم الكاتب توفيق الحكيم الذي يقول: "يجب الاقتراب قدر الإمكان من اللغة العامية التي تتطلبها حياة بعض الشخصيات العادية... إنها تجربة النزول باللغة العربية الفصحى، كما يقول إلى أدنى لتلاصق العامية دون أن تكون هي العامية، والارتفاع مستوى العامية دون أن تكون هي الفصحى، إنها اللغة الثالثة التي يمكن أن يتلاقى عندها الشعب كله"(2).

وهو نفس الكلام تقريبا الذي يقوله علالو فيما يلي: "كنت أكتب باللغة العامية المفهومة من طرف الجميع ولكن ليست باللغة السوقية الرديئة فهي لغة عربية ملحونة ومنتقاة..."(3)

وبهذا أراد "علالو" أن يطور المسرح الجزائري وذلك عن طريق مخاطبة الجمهور بلغته التي يتكلم بها في حياته اليومية والمعبرة عن هويته وثقافته التي ينتسب إليها بعيدة كل البعد عن الشكل المسرحي الأوربي الذي حاول أن ينمط الجمهور الجزائري، ويجعله متأثرا ومقلدا لهذا المسرح.

2 - توظيف لغة التراث الشعبي في مسرح ولد عبد الرحمان كاكي:

تعد تجربة ولد عبد الرحمان كاكي في عمله المخبري الذي يسمى "ما قبل المسرح" من بين التجارب الأكثر نجاحا في اكتشاف نموذج لمسرح جزائري أصيل شعبي الجوهر نابع من أصالة وتقاليد هذا الشعب، حيث تستعيد الأشكال المسرحية الماقبلية أغاني المآثر الشعبية حيويتها، وتكيف للعرض المسرحي إذ خلص كاكي إلى إبراز اللغة المسرحية تتخذ هويتها وميزتها من التراث الثقافي الشعبي الذي يستلهمه،وتهذيب الوسيط الفني الملائم والمدروس الذي يوحي به(4) في تأسيس وتأصيل خطاب مسرحي جزائري له شكله وقالبه الفني الخاص به، والمغاير للشكل المسرحي الأوروبي.

3 - مسرحة لغة المأثرة الشعبية:

لقد أصبحت السمة الغالبة على مسرحيات كاكي، هي إيجاد الوسيط الفني الذي يحول لغة المآثر المفتوحة على عدة دلالات إلى صور مجسدة بالحركة والصوت على خشبه المسرح، اقتناعا منه بأن المسرح هدفه العرض بالدرجة الأولى، لذا ينبغي تلخيص الكلام المطول واختزاله بحركات الممثل وإيحاءاته التي تترجم بصدق وبصيغة فنية موافقة للشخصيات وردود أفعالها، فعلى هذا الأساس تغير أسلوب المسرحية عند كاكي إلى أسلوب جديد، هو اعتمادها على الحركات والإيحاءات وإبراز مواقف الشخصيات بطريقة محكمة، فاختار بحثه المسرحي بمحاولته الدائمة لإعادة راهنية الطرق التبليغية المهددة اكثر فأكثر بالزوال، وبفعل عصرنة المجتمع الجزائري عن طريق استعماله للغة تعبيرية درامية تجمع بين الأصالة والمعاصرة يتجه بها إلى الأوساط الشعبية ليدرس عادتها وتقاليدها(5).

لقد وظف ولد عبد الرحمن كاكي لغة محكية خاضعة لمنطق السرد أنها لغة تراثية مشحونة بالإيحاءات والرموز تفيد في تطوير المعاني والأفكار أكثر مما تفيد في التفسير والشرح، لقد اختار كوسيط ألسني اللغة العربية، كما تتكلم وتستعمل في أغنية المأثرة الشعبية وهي وسيط لم يجمد نحويا، فهي أكثر حرية، وغنى من ناحية المعنى إنه واع بانتمائه إلى ثقافة نسخية (أو تدوينية) فهو ابن الحي الشعبي "تجديت" لحفظه ذخيرة من الأساطير والحكايات والأشعار الشعبية، ولم تكن له عقدة الشرق حيث كان يقول: "أنا أمي بالعربية ولا عقدة أوربية أيضا وهذا بفضل الضمانات التي منحه إياها تراث ثقافي نقلته التقاليد الشفهية التي نهل من ينابيعها"(6).

4 - لغة المداح في مسرحية القراب والصالحين:

وظف كاكي في أعماله المسرحية اللغة ذات الطابع التراثي القريبة من لغة المداح التي كان يستعملها في لغة الأسواق والحلقات الشعبية فهي لغة ملحونة مؤثرة لها وقع خاص في نفوس الجمهور تمتع المتلقي وتجعله يفكر في معانيها وإيحاءاتها لغة تكسب فيها الكلمة حيزا زمانيا على وجه الخصوص، بحيث تنتقل شفهيا في قالب شعري مقفى على شكل قصائد شعرية ملحونة ومطولة بأسلوب ملحمي، وهذا ما نلاحظه في رواية المداح لقصة الأولياء وتقديمهم للجمهور، وذلك بلغة شعرية مؤثرة تعبر عن الحدث الدرامي حيث يقول:

المداح: نهار من النهارات، ونهارات ربي كثيرة،
في جنة الرضوان وجنة ربي كبيرة،
تلاقاو ثلاثة من الصالحين الواصلين قدام وحد المريرة
الثلاثة من أهل التصريف وسيرتهم سيرة
اللي يذكرهم في ثلاثة ما تفوت فيه مديرة
وإلى يزورهم في ثلاثة ما تركبو غيرة...(7)

يتجلى لنا من خلال هذا التقديم الذي جاء على لسان المداح أن كاكي استعمل لغة شعبية في قالب شعري مقفى بأسلوب محكي، تجعل من المتلقي يتابع الأحداث، ويفهم معناها.

هذه اللغة الشعرية الملحونة التي جاءت على لسان المداح أرادها كاكي أن تكون لها دلالة تراثية كانت تستعمل من طرف المداح في الحلقة الشعبية، كما إن حفظه لذخيرة من الحكايات والأساطير والقصائد في أعماله المسرحية، وارتباط مسرحه بالتراث الشعبي جعل من مسرحياته عبارة عن لوحات تاريخية أو أسطورية تتسامى بالبعد الإنساني، لتصير نشيد تمجيد دائم لشعب، لماضي كفاحي ولتقاليد عظيمة لها قيمها وأبطالها.

وفي هذا المجال يقول كاكي: "أنا لا أكتب مسرحياتي للقراءة، إني أصور بكلمات مسرحياتي لتعرض على خشبه المسرح"(8).

إن الجزء الخالد في المسرحية هو الكلمات، والكلمات التي ترفع إلى أقصى طاقتها هي الشعر بعينه، وهذا ما ينطبق على قول "كولردج" للشعر بقوله "إنه أفضل الكلمات نسقا"(9).

5 - المرجعية اللغوية في مسرح الحلقة عند كاكي:

تعامل كاكي مع اللغة في مسرحياته كوسيلة للتراث الشعبي ومحاكاته للغة الحكايات والأساطير الشعبية التي كانت تروى على شكل خطاب في قالب شعري ملحون من طرف المداحين والقوالين في الحلقات الشعبية حتى كانت تقام في الأسواق والساحات العامة، فكانت هذه اللغة التراثية الشعبية بالنسبة له معينا لغويا ثرا، وتمكنه من صياغتها في إبداعه المسرحي، كما أنه تفاعل مع هذه اللغة مفاعلة حية وقف من خلالها على جوهر الأداء المسرحي عند شخصية المداح.

ومن هذا المنطلق يمكننا التوصل إلى إدراك رغبة المداح أو القوال في الحلقة (فضاء العرض التمثيلي الشعبي) ونقلها إلى العرض المسرحي الحديث "إنه يعني بكل بساطة نقله للعلاقة ممثلون - متفرجون الخاصة إلى المسرح وإعادة خلق الاستشعار والتعرف الذي يميز هذا النوع من التجمع"(10).

ومن المعلوم أن شخصية المداح (رجل هذه الحلقة) يتميز بالمواجهة وقوة الشخصية، وهذا ما يجعله يتحكم في إرسال لغته إلى المتفرجين ويتمتع بنفس طويل، انطلاقا من إتقانه للغة الخطاب الشعرية المؤثرة والموحية تساعده على شد انتباه المتفرج بالإضافة إلى أنه يمتلك معرفة عن الجمهور الموجود حوله، عن هويته وعن معتقداته، كما أنه يتمتع بخيال مرح لا يعتمد عند خلقه لأية وضعية إلا على بلغة الكلام القادر على الإقناع بمرامي ملاحظته، وعلى ديناميكية حركاته، فتصير الحلقة لحظة ساحة (ركحا) حرة تتعاقب فيها حسب صدقه أوضاعه الخلاقة والديكورات التي يحيط فيها شخصياته تسمح له هذه الوظيفة لكل من الكلمة والإيقاع والحركة، حتى لا يتوقف خيال المتفرج بديكور واقعي ساكن.

إن استرجاع كاكي للغة المداح وفضاء الحلقة هي صيغة إبداعية معالجة للفضاء كمكان للعرض (تمثيل)، وتصوير الواقع.

وهذا الفضل يعود ويروي أحداثها، ويمثل معنى الأحداث والخاتمة وللحضور. "وقد احتفظ كاكي بهذه العلاقة الحية ممثلون - متفرجون. بتأسيسه لوظيفة المداح المسرحية بوصفه عنصرا مثيرا للديناميكية بين الخشبة والجمهور..."(11)

لقد سعى كاكي جاهدا باحثا عن لغة تعبير مسرحي متقدمة متجذرة في عمق التقاليد الثقافية الشعبية الوطنية ومسايرة للعصر. كاستخدامه للشعر الملحون المنقول عن قصائد فطاحل الشعراء الشعبيين مثل لخضر بن خلوف، وعبد الرحمان المجدوب وغيرهم مجسدا هذه اللغة الشعرية الشعبية لتنطق على لسان شخوصه المسرحية فنجدها في حوار الأولياء مع سليمان القراب:

"يقول عبد الرحمان المجدوب:
ما تجري ما تزقزق واجري جرية موفقة.
ما تدي غير اللي كتب لك، لو كان تموت بالشقى..."(12)

ولقد عمل أيضا بطريقته على تحقيق مسرح تكون لغته أكثر تعبيرا على احتياجات الجماهير، ودافعا لهم لنظر في واقعهم اليومي والعمل على تجاوزه وتخطية.

إن تجاربه المسرحية التي قدمها، صاغها بلغة شعبية عامية تتوافق مع معادلته الموضعية في استلهام التراث الشعبي وتكييفه، وعصرنته حسب روح العصر وأذواق الجماهير الشعبية، وإن تجربته في استخدام لغة شعبية التي قدمها في شكل خطاب مسرحي جديد تناول فيه مواضيع من التراث الشعبي، فمسرحيات "كل واحد وحكمه" و"بني كلبون"، و"ديوان الملاح"، و"القراب والصالحين" وغيرها من أعماله المسرحية، وهي من أعماله المسرحية، هي من أهم التجارب المسرحية في الجزائر، حيث اعتمدت على لغة تراثية سهلة الفهم، توحي برموز ودلالات أكسبتها جمالية جديدة في الخطاب المسرحي وصياغة المسرحية، كما يعلق على ذلك ولد عبد الرحمان كاكي على لسان شخصية المداح الذي يستهل الشيوخ: "سيتقرر بين الدرويش والشيخين أن هذه المسرحية لن تحدث لا أمس لأنه مات، ولا اليوم لأنه محسوب على الغد، ولا غد لأنه أمل"(13).

هذا المبدأ الجمالي الذي يستعيد فيه كاكي لغة الخطاب الشعبي التقليدي ليدخل عليه تطعيمات من فضاء المأثرة الشعبية وطاقات المداح التبليغية، فهو يتعامل مع اللغة في خطابه المسرحي الجديد كأداة تراثية منقولة من فضاء الحلقة، وأغاني المأثرة الشعبية، وقصائد المداح الشعرية الملحونة لتجسيدها في العرض المسرحي.

ولقد كانت لغة كاكي هادفة، حيث اهتم بتقديم مشاكل حياة الإنسان وخلق منها نماذج درامية، عبر عنها بلغة عامية شعبية بسيطة، إيحائية ورمزية تكشف عن الغموض، وتدعو المشاهد إلى إدراك واقعه الاجتماعي والسياسي. وأهم ما يميز هذه اللغة الشعبية التي أستعملها كاكي في صياغة أعماله المسرحية، هي أنها تجعل المسرح وسيلة من وسائل تغير الواقع، وخلق الأفضل منه، فوجد في لغة وأداء المداح الجواب الأمثل عن رغبته في خلق التغريب المسرحي البريختي.

أراد كاكي من خلال استعماله اللغة العامية الشعبية، تقريب خطابه المسرحي من الجمهور الشعبي، وإدخاله لمجموعة من المقاطع الغنائية الشعبية المعروفة، التي يتفاعل معها الجمهور مثل المقاطع الغنائي، الذي يردده "القراب في مسرحية القراب والصالحين": "آ الماء، ها الماء، ماء سيدي ربي، جايبو، من عين سيدي العقبى"(14).

6 - لغة الاحتفال المسرحي:

لقد طورت لغة مسرحيات ولد عبد الرحمان كاكي العلاقة بين المسرح والجمهور. حتى أصبحت هذه اللغة احتفالية جماهيرية. "فاللغة في النصوص المسرحية الاحتفالية لن تعتمد على الكلمات، بل ستعتمد على جميع مفردات العرض المسرحي، بحيث تصبح الاحتفالية كلها لغة والاحتفال بالأساس لغة، لغة أوسع وأشمل وأعمق من لغة اللفظ (الشعر، القصة) ومن لغة اللحن (الغناء-الموسيقى) ولغة الإشارات والحركات (الإيماء). وهي لغة جماعية تراثية شعبية تقوم على المشاركة الوجدانية والفعلية"(15).

هكذا كانت لغة مسرحياته مرتبطة بالمشاركة في أداء الفعل الجماعي للممثلين، فوجد في شكل لغة "مداح" الجواب الأمثل عن رغبته في تحقيق التبعيد البريختي للمتفرج في علاقته بالأفعال المتكيفة. فتبعيد الواقع في علاقته بالخيالي ضرورة لكل وعي بالجوهر التربوي لكل حدث مسرحي. إن المفهوم التقليدي في الفضاء (الحلقة). في أغلبية المآثر الريفية وأيضا شكل الخطاب، وتقنيات التمثيل ما قبل المسرحية التي تحويها قد استعيدت، وكيفت مع الخشبة المسرحية المعاصرة.

وكان انفجار الفضاء المسرحي ذي تقليد أوروبي في خدمة الشكل تعبير أفرزته الحياة ريفية جزائرية لأن هذا الشعب كان دائما زراعي الطابع أعطى الولادة لمجتمع ثقافته الفلاحية، هذه هي الثقافة التي كشف عنها كاكي بواسطة كتابة لغة درامية ملائمة لمحتوى رسالته الفنية ومستهلكها. وهذا كان واجب عليه وضع معادلته الفنية على احتواء تقليد شعري عريق حسب وسائل اتصال حديثة دون إضاعة المشاهد المعاصر.

وجدوى هذه الكتابة اللغوية الشعبية تكون أولا في تأكيدها على مسرحية تقليدية جزائرية تراثية. ومن هنا أصالتها، ثم جعلها لغة درامية فعالة،يمكن لهذه الفعالية أن تقاس بالنظر إلى التجربة التأليف الجماعي.

وتكون هذه التجربة قد ساهمت في العمل على قبول والتصنيف الممكن للغة العامية الدارجة كلغة وطنية كلما اعتبر دورها "كمرب للحس الشعري الشعبي، والخيال السردي، ولتذوق حكم الأيام وأمثالها أولوية أساسية لكل مطالبة بالتراث الشعبي الثقافي الجزائري"(16).

إن عودة ولد عبد الرحمن كاكي إلى استلهام التراث الشعبي في صياغة أعماله المسرحية أكسبته لغة درامية أصيلة ثرية بثراء الفكر الذي تعبر عنه. فقدرته على استيعاب معطيات هذه اللغة التراثية وتفجير طاقتها، عند ذلك تفجرت لديه مكونات الأفكار وأساليب التعبير الدرامي المؤثر في الجمهور المسرحي وهذا ما حقق لكاكي "إنجاز كبير من خلال تجربته المسرحية، وهو عنصر أساسي من عناصر الإبداع المسرحي في تعامله مع اللغة كوسيلة تعبيرية، ومحاكاته للغة التراثية الشعبية"(17).

وبهذا استطاع هذا الفنان بفعل استرجاعه للغة المأثرة الشعبية، ولغة الشعر الملحون أن يكيفها حسب قالبه المسرحي الجديد، الذي يستعيد بواسطته فضاء الحلقة وأداء المداح، ولقد كان لهذه اللغة المستعملة في مسرحه تأثيرا وتجاوبا كبيرا من طرف الجمهور المسرحي، وذلك لإيحائها وتعبيرها عن أصالة هذا الشعب وإعادتها لإحياء التراث الشعبي، وعصر نته عن طريق العرض والأداء المسرحي،ضمن خطاب مسرحي موجه إلى الطبقات الشعبية معبرا عن واقعها السياسي والاجتماعي.

الهوامش:
1 - جواد عبد الستار: مهمات المسرح العربي، مجلة الأقلام، عدد 8، دار الجاحظ، بغداد 1979، ص 67.
2 - توفيق الحكيم: مسرحية الصفقة، مكتبة الآداب، مصر، ص 158.
3 - أحمد بيوض: المسرح الجزائري 1928-1989، الجاحظية، ص 23.
4 - سيدي محمد لخضر بركة: الشعر الملحون في المسرح الجزائري أو تجربة ولد عبد الرحمان كاكي، مجلة الثقافة العدد 1، مارس 1993، ص 127.
5 - المرجع نفسه، ص 128.
6 - نفسه.
7 - المرجع نفسه، ص 127.
8 - ولد عبد الرحمان كاكي: مسرحيات القراب والصالحين، منشورات المسرح الجهوي بوهران، ص 12.
9 - الطيب مناد: أثر المسرح الملحمي البريختي على أعمال ولد عبد الرحمان كاكي، رسالة ماجستير، جامعة وهران، ص 83.
10 - ينظر، جواد عبد الستار: لغة الدراما الشعرية، مجلة الأقلام، ص 25.
11 - ولد عبد الرحمان كاكي: كل واحد وحكمو، منشورات المسرح الجهوي بوهران.
12 - ينظر، سيدي محمد لخضر بركة: المرجع السابق، ص 128-129.
13 - المرجع نفسه، ص 129.
14 - ولد عبد الرحمان كاكي: القراب والصالحين، ص 26.
15 - المسرحية نفسها، ص 1.
16 - محمد السيد عيد: الاحتفالية في المسرح الاحتفالي، ملتقى القاهرة العلمي لعروض المسرح العربي، وزارة الثقافة، مصر 1994، ص 24-25.
17 - سيدي محمد لخضر بركة: المرجع السابق، ص 131.
الإحالة إلى المقال:

* بوعلام مباركي: لغة المسرح الجزائري بين الهوية والغيرية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس 2006. http://annales.univ-mosta.dz

***