اللغة العربية وعلاقتها بالهوية

الشريف كرمة
جامعة تلمسان، الجزائر

الملخص:

اللغة مؤسسة اجتماعية تختلف باختلاف الشعوب وتحمل وظيفة أساسية هي وظيفة الاتصال، إذ إن هدفها الأساسي هو التعبير عن الأفكار والرغبات والعواطف ضمن المجموعة البشرية التي تتكلمها. ولا يمكن الكلام عن اللغة دون الكلام عن الهوية، فكلاهما يقع في أساس فهم التحولات التي نشهدها في الزمن الحاضر. فالهوية كما يحددها بعض المفكرين، إذ يرون أنها ترتكز على الشعور الواعي للفردية الذاتية وعلى الشعور اللاواعي في تضامن الفرد مع الجماعة وتطلعاتها. فالهوية صفة يتصف بها الشخص، إنها بناء يقوم به الإنسان في مراحل متعددة من حياته، من خلال علاقته بذاته وبالآخرين وهذا ما يعرف بالأنا الاجتماعي الذي هو حاصل احتكاك الفرد بالجماعة. ولا يتم هذا الاحتكاك والاتصال إلا بفضل اللغة، ذلك أنها تحتل الصدارة الأولى في عمل التواصل والاندماج والتفاعل داخل المجتمع.

الكلمات الدالة:

الهوية الوطنية، اللغة العربية، الأنا الاجتماعي، الاتصال، المجتمع.

***
The Arabic language and its relation with identity

Abstract:

Language is a social institution that differs in different peoples and carries a basic function which is the function of communication, as its primary goal is to express ideas, desires and emotions within the human group that speaks it. It is not possible to speak about language without talking about identity, as both lie at the basis of understanding the transformations that we are witnessing in the present age. Identity, as defined by some thinkers, is based on the conscious feeling of self-individualism and the unconscious feeling of the individual's solidarity with the group and its aspirations. Identity is an attribute that characterizes a person, it is a construct that a person carries out in various stages of his life, through his relationship with himself and others, and this is what is known as the social ego, which is the result of the individual's contact with the group. This contact and communication is only achieved thanks to language, as it occupies the first place in the work of communication, integration and interaction within society.

Key words:

national identity, Arabic language, social ego, communication, society.

***

النص:

اللغة أداة التفاهم واكتساب المعرفة وإنماء الفكر، وهي الحبل المتين الذي بواسطته أمتن رابطة يشد الأفراد ويكون من مجموعهم أمة مميزة قادرة على البقاء والنمو والإيداع. فاللغة خاصية إنسانية أصيلة يتميز بها الإنسان دون سائر المخلوقات وإذ يوصف الإنسان بالحيوان الناطق فذلك بدلالتين: دلالة العقل ودلال الكلام أو هما متكاملتان لا تكاد تنشأ واحدة منهما بصورتها السليمة الوافية من دون الأخرى. وفي الآية الكريمة "وعلم آدم السماء كلها"(1) تعبير عن هذه الحقيقة فتعلم اللغة فاتحة العلم وأساسها لا يتم بدونها، وقد أشار بعض علماء الآثار أن وجود بقايا مخلفات من الأدوات البدائية إلى جانب رسم الإنسان القديم، لا يمكن تطوره من دون نمط من اللغة سهل التعاون على صبغها واستخدامها.

إن اللغة فكر ووجدان وإرادة، تتجلى في المهارات وتؤدي وظائف التفكير والتعبير والتواصل. واللغة العربية من بين اللغات العريقة التي كانت ولا تزال موضع عناية واهتمام العلماء على مر الدراسات لأنها لغة القرآن الكريم. قال تعالى: "إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون"(2) وقال عز وجل "وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا"(3).

لقد نزل القرآن بلغة قريش التي كانت لغة الأدب والكتابة عند جميع القبائل العربية، قبل نزول القرآن الكريم، ومع نزول الوحي اتسعت أغراضها وارتقت أساليبها، فظلت فصيحة حتى يومنا هذا فافتخر العرب منذ القديم بلسانها وبيانها، وأصبح الاعتزاز بها منوطا يتلك الكرامة الإلهية كونها لغة القرآن الفصيح المبين.

واللغة العربية من اللغات الراقية، فقد بلغت من الثراء في المفردات وصيغ التعبير، ما أثار إعجاب كبار علماء اللغات، من المستشرقين الذين عنوا بدراستها، فقد أعرب "نولدكه" عن إعجابه من وفرة مفرداتها فقال: "إنه لا بد من أن يزداد تعجب المرء من وفرة مفردات العربية، عندما يعرف أن علاقات المعيشة لدى العرب بسيطة جدا. وبلدهم ذو شكل واحد، ولكنهم داخل هذه الدائرة يرمزون للفرق الدقيق في المعنى بكلمة خاصة"(4).

وهوية المرء تقوم على قاعدتين أساسيتين فكل واحدة تكمل الأخرى وتعمل على بنائها وهما الذات (الفرد) والجماعة. فالهوية الفردية صفة يتصف بها الشخص، إنها بناء يقوم به الإنسان في مراحل متعددة من حياته من خلال علاقته بذاته وبالآخرين وهذا ما يعرف بالأنا الاجتماعي الذي هو حاصل احتكاك الفرد بالجماعة ولا يتم هذا الاحتكاك والاتصال إلا بفضل اللغة حيث تحتل الصدارة الأولى في عملية التواصل والاندماج والتفاعل داخل المجتمع.

1 - علاقة اللغة بالهوية:

إن للغة مؤسسة اجتماعية تختلف باختلاف الشعوب وتحمل وظيفة أساسية هي وظيفة الاتصال، هدفها الأساسي التعبير عن الرغبات والأفكار والعواطف ضمن المجموعة البشرية التي تتكلمها.

واللغة رمز التعايش المشترك، وبها يتم توثيق روابط الوحدة الجماعية وتدوين سجل الأمة وحماية تاريخها، وحفظ ذاكرتها ما يضمن التفاعل الحضاري بين الخلف والسلف وتبقى اللغة أهم وسيلة تواصل نظرا لكونها "تحقيقا صوتيا لميل الإنسان إلى رؤية الواقع بطريقة رمزية واللغة كما يقول علماء اللغة نظام المنظمة الرمزية في الحياة البشرية وذلك باستعمال الحركات كالابتسامة والنظرة وحركة اليدين للتعبير عن العلاقة مع الشخص الآخر"(5).

ولا يمكن الحديث عن اللغة دون الحديث عن الهوية لأن اللغة تحمل هموم متكلميها وتنظم سلوكهم وتفاعلهم وتوحد انتمائهم. فقيمة اللغة إذن ليست في طبيعتها ولا تقع في أساس مكوناتها الداخلية إنما هي فكرة أو مفهوم أو صفة ميزها الناس بها وتفاهموا على الاعتراف بها واعتبارها فيها دون سواها. وهي بالتالي تحليل رؤية هؤلاء الناس للواقع الذي يعيشونه وتعكس انطباعاتهم وتلقيهم للأحداث التي يمرون بها"(6).

إن اللغة ملتحمة أشد الالتحام بالعقيدة. فكثيرا ممن يثيرون مشكل اللغة في وقت من الأوقات إنما يخافون عقائدية لم يكادوا يصرحون بها علانية وعلماء اللسان يعرفون اليوم بتداخل موضوع اللغة والإيديولوجية إلى حد أن بعضهم ذهب إلى أن تعلم أية لغة من اللغات حتى اللغات العلمية، ما هو في نهاية الأمر إلا تعلم لعقائدية الناطقين بتلك اللغة، "لأن اللغة كما جاء في تعريف بعضهم، هي أداة للتخاطب يمكن بفضلها تحليل التجارب البشرية التي تختلف من مجوعة إلى أخرى"(7).

فلغة كل واحد منا هي عبارة عن خلاصة تجربته في الحياة، ونظرته العقلية والعاطفية فيها. وقد لاحظ علما النفس تلاحم مفهوم اللغة بمفهوم الشخصية فمزجوا بين الكلام والمنطق وخلصوا إلى العلاقة الجدلية التي تجمع بن القول والعمل وصياغة ذلك في العبارات الشهيرة: "لم يضع امرؤ صواب القول حتى يضع صواب العمل". وقد لاحظوا أيضا أن أصغر شيء يعبر به الإنسان عن ذاته هو الحرف، لأن مجرد النطق بهذا الجزء الصغير من الكلمة يكشف عن سريرة الإنسان ويبرز ذاته. فالنطق بحرف واحد يمكن السامع من المتكلم، فيعرف شخصه ويميز حاله ويدرك أنه صغير أو كبير، ذكرا أو أنثى... وكلما استرسل المتكلم في الكلام ازداد انكشافا للسامع فيعرف لونه أو دينه أو موطنه وحتى قسمات وجهه، وقده إن كان من أهل الفراسة.

إن اللغة سبيل المرء إلى معرفته لذاته ولمحيطه، فإنها في الوقت نفسه تفرض على المرء قيودا تمنعه من تخطيها. فإذا أراد شخص ما أن يعبر عن مكنوناته، أو أن يتواصل مع إخوانه، أو أن يعي ما يجيش في نفسه، فإنه يستعمل في دلك ما تقدم اللغة إليه من مفردات وتراكيب، وهو يبقى في ذلك أسير هذه المفردات والتراكيب. وليس الأدب عموما، والشعر خصوصا، في هدا المجال سوى ثورة على سلطان اللغة وجبروتها، إنها ثورة تهدف إلى القفز فوق ما تقدمه اللغة من استعمالات مطروقة أو مفردات عادية أو تراكيب فقدت من قوة التعبير فيها لكثرة استعمالها.

ولا بد من أن يقودنا الاعتراف بأهمية اللغة في تكوين المفاهيم العقلية والتصورات الذهنية عند الإنسان إلى التأكيد على أن معرفة اللغة كبنية فكرية هي السبيل الوحيد لمعرفة القوالب لفكرية الأخرى عند البشر، مثل الفكر الأسطوري والفكر الديني والفكر العلمي والفكر الفني.

فإدوار سابير أول فيلسوف استطاع أن يدرج اللسانيات وفلسفة اللغة والحياة الاجتماعية في دراسة شاملة للبنية الاجتماعية عند الفرد كما عند الجماعة، وهو وضع بذلك الأسس التي تربط علم الأنثروبولوجيا بدراسة اللغة. إنه يحدد اللغة وعلاقاتها بالمجتمع بما يلي: إن اللغة التي تنتمي إلى مجتمع بشري معين والتي يتكلمها أبناؤه ويفكرون بواسطتها هي التي تنظم تجربة هذا المجتمع، وهي التي تصوغ بالتالي "عالمه" و"واقعه الحقيقي". فكل لغة تنطوي على رؤية خاصة للعالم(8).

أما لغة العرب وما أعطته من حمولة دلالية للفظ "عرب" وهندست فيه من دلالات ومعاني، فهو الذي قد يدلنا على ذلك النسق الدلالي الذي يفسر تصور العرب لذاتهم وهويتهم أو يكشف لنا من خلال توليد المعاني التي يحملها لفظ "عرب" في لغة العرب قبل تشكل أمة العرب نفسها(9)، ويشير محمد الطيبي أيضا أن اللغة ومن منظور أنثروبولوجيا اللغة، تمثل وعاء الجماعة، بها تدرك ذاتها الجماعية التي تتطور من خلال أشكال التعبير إلى هوية ثقافية متميزة. وهذه تقريبا فكرة مورغان في تعريفه للقبيلة من وجهة نظره هي وإن تربطها أواصر الدم فإنها نظام سياسي لأهله، له حدود ترابية ومنطوقات وقيادات(10).

وقد كان لرسالة الإسلام وتعاليمها الوقع الواضح على تبلور هوية العرب كاملة مدمجة في قالب تنظيم جعل منهم أمة واحدة متماسكة.

من ناحية أخرى، فإن اللغة التي تتشكل لحاجة اجتماعية وضمن إطار المجتمع الواحد تؤثر - وبشكل مباشر - على إدراك هذا المجتمع لمحيطه وواقعه، وهي تتمتع بدور رئيسي وفعال في عملية المعرفة، أي أنها تقود الإنسان الفرد والجماعة في المعرفة، أي أنها تقود الإنسان الفرد والجماعة في عملية "استكشاف" العالم الخارجي. فهي تؤثر تأثيرا مباشرا في التجربة الفردية والاجتماعية على حد سواء.

يقول سابير إن اللغة تتحكم كثيرا بأفكارنا المتعلقة بالمسائل الاجتماعية، ومن الخطأ تصور أن الإنسان يتكيف مع واقعه دون استخدام اللغة، أو أن اللغة مجرد وسيلة لحل مشاكل الاتصال والتفكير. إن العالم الواقع مبني بطريقة لا واعية على أساس عادات الناس اللغوية وعلى أساس استعمالاتهم للغتهم الأم(11).

وليس العالم سوى فيض من الصور المختلفة في أشكالها وألوانها، يلتقطها دماغ الإنسان وينظمها بفضل بنية النظام اللغوي الذي يتكلمه. يقول لي وورف: "إننا نجزئ الطبيعة تبعًا للخطوط التي ترسمها لنا لغتنا الأم. ونحن نقوم بتقسيم الطبيعة تقسيما منهجيا، وننظمها ضمن مفاهيم متمايزة، ونعطيها دلائل بموجب اتفاقية تحدد رؤيتنا للعالم، وهذه الاتفاقية معترف بها من قبل الجماعة اللسانية التي ننتمي إليها، وهي منظمة تبعا لنماذج لغتنا".

ولا تعني كلمة "الطبيعة" في هذا المجال الطبيعة الخارجية فقط، بل تضم كل ظواهر الحياة الفكرية والوعي البشري، من إدراك العالم الخارجي إلى عملية التفكير المجرد. ذلك لأن الفكر ذاته يعني في هذه النظرية التفكير بلغة معينة. فكل لغة عبارة عن نظام شامل من "القوالب" الثابتة.

وإذا كان الماء والهواء، هما قوام الأحياء، كلها سواء كانت إنسانية أو حيوانية أو نباتية فاليد واللغة كالماء والهواء. فاليد الإنسانية أداة، لا تباريها أداة أخرى، في تمكن الإنسان مما تمكن ويتمكن منه(12)، ولهذا سخر الله هذه الأداة العجيبة في خدمة الإنسان فقال تعالى: "قادرينَ على أَنْ نسَويَ". وفسرت هذه التسوية، بتغير خلقها إلى ما يشبه حق البعير استواء، فلا ينتفع الإنسان بها، أكثر من انتفاع البعير بحقه(13) فلا حضارة ولا مدنية ولا رقي، ولا تمكن له من الحياة، ولا سيطرة له عليها. وإذا كانت اليد الأداة العملية فاللغة أداته الفكرية والقولية(14). ولهذا امتن الخالق على الإنسان بها، امتنانا عليه باليد.

فالإنسان حيوان غير أنه حيوان ناطق مبين، فاليد واللغة كما ذهب "هنري" تنحصر فيهما البشرية. فهي اللتان تفصلان بين نهاية التاريخ الحيواني وبداية التاريخ البشري أو إذا عجب المرء مما ابتكره الإنسان فاللغة ما أعجب المبتكرات التي أظهرها التطور الإنساني(15).

فاللغة ليست عجيبة بذاتها، ولا بالجهاز الذي يصدرها والذي يتمثل في تنوع الأصوات فحسب، بل هي عجيبة كذلك في الوظيفة التي تؤديها، فهي لكونها أداة التفكير تمكن الإنسان من الشعور بالذات، ومن الاتصال والاحتكاك بغيره، فبفصلها تكونت الجماعات الإنسانية، فتاريخ البشرية منذ بدايته يفترض وجود اللغة.

ومن أهم أسس وحدة الأمة ومظهر هويتها عبر التاريخ الثقافة، وأن اللغة العربية وأساليب الكتابة المنسجمة مع مفرداتها وطبيعة تركيبها تكون العنصر الأساسي الجامع لهذه الثقافة.

وما من شك أن الحديث الشريف الذي يحثنا أن نتعلم "من المهد إلى اللحد" يصدق أول ما يصدق على تعلم اللغات، وذلك أن الإنسان قد يقضي العمر كله من غير أن يحيط بلغة قوية، ناهيك عن اللغات الحية الأخرى التي أصبح لزاما عليه أن يتعلمها، إذا كان حريصا على مواكب العصر، والإطلاع على ما يحدث من أفكار والانفتاح على العالم الخارجي، وحماية نفسه من كل خطر قد يهدد هويته، لأن من تعلم لغة قوم، فقد آمن شرهم(16) كما جاد فيه الأثر.

إن القضايا اللغوية أشبه ما تكون بالقضايا المصرفية ولذلك أصبح اللسانيون يتحدثون اليوم عن رصيد الإنسان من المفردات، كما لو أن هذا الرصيد شبيه برصيد الإنسان في البنك. وكما أن الرصيد المصرفي يتعرض للتضخم المالي، حيث يفقد جزءا من قدرته الشرائية عندما تفقد الأوراق والقطع النقدية التعامل بها بين الناس قيمها فكذلك المفردات المتداولة بين الناس تتحول في تحصر الانحطاط إلى مجرد ألفاظ هشة ترددها الألسنة عندما تفقد خصوصياتها الفكرية، أي دعامتها من الأفكار التي هي للثقافة بمثابة الاحتياط من الذهب للاقتصاد، وكما أن التضخم المالي يفقد العملة قيمتها ويجعلها زهيدة رخيصة، فكذلك السلوك اللغوي ينتهي به المطاف إلى نوع من الثرثرة في الكلام، واللفظية الجوفاء في الكتابة أو النشر. والواقع أن اللغة العربية منطلق للفكر ونظام للقيم الجماعية.

فالحديث عن اللغة لا ينفصل عن الحديث عن دالة الفكر العربي، لأن اللغة تمثل السبيل لاستكشاف حوافل الأمة، فمن خلال ألفاظها تعبر عن كوامن الإحساس بالمواطنة والشعور بالصلة، والتوافق بالمشاعر وهي من أقوى عوامل الوحدة والتضامن بين أبناء الأمة الواحدة.

فهي التي تحول الإنسان إلى كائن اجتماعي يتحسس الواقع، ويستشرف الخصائص المميزة التي تترسب في كل إشاراتها ودلالاتها. وقد وجد فيها العرب منذ أقدم العصور، كغيرهم من الأمم، صفة الملازمة للفرد في حياته وتسربها إلى أعماقه حسا ووجدانا، وتوغلها في نفسه للتعبير عن كيانه وخطراته ورغباته، وهي بالتالي تجعل من الأمة الناطقة بها كلا متكاملا متماسكا، تحكم قواعدها وأصولها. ومن هنا أصبحت اللغة تمثل الحبل المتين الذي وحد بين رغباتهم ومطامحهم وتجعل قوميتهم وهويتهم متماسكة.

فما هي القوى التي تحرك التطور السياسي والقومي؟ والهوية الوطنية وما هو العنصر الديناميكي الذي يدفع بالحركة، فيفرض التنقل من وضع للآخر، إنه ليس الدولة كما زعم هيغل، وهو ليس الأمة كما رد عليه هردز، إنها حقيقة معنوية أعظم وأبقى وأكثر خلودا من كل ذلك، إنه روح الشعب: أو كما يقول موس (Mosse) "إن روح الشعب هي القوة الخفية المعنوية التي تسيطر على الجماعة فتفرض الترابط وتتحدى الأحداث وتنتظر اللحظة المناسبة لتتفجر حقيقة واقعة، فإذا بها أمة ودولة، بل وظيفة حضارية وقيادة إنسانية. إن روح الشعب هي وحدها محور التطور إذا الزعيم هو الذي يملك الحساسية والعلاقة المباشرة الخفية مع روح الشعب. وما روح الشعب وما الذي يسمح باستمراريتها رغم الأحداث؟ إنها اللغة أقدس الأقداس"(17).

- اللغة هي التي تمكن روح الشعب في طقوسها وأساطيرها ورموزها وتقاليدها بل ومعانيها. اللغة المتداولة المتنقلة من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر أو عبر مسالك خفية غير واضحة، ولكنها ثابتة، هي وحدها التي تحمي كنوز المعرفة وصلابة الإيمان وقوة الانتماء.

- فلا يوجد شعب أو أمة لا تملك لغة. إن اللغة هي الشرط الأساسي الذي يعني انتقاؤه انتقاء الأمة أو كما يقول فلاسفة الرومان (Sine qua non)، إنها بهذا المعنى أحد المقومات الأساسية التي بدونها لا مجال للحديث عن مفهوم المجتمع القومي والهوية الوطنية.

إن الهوية كوحدة كلية حين يتعرض جزء منها إلى التهديد فإنها تسعى للدفاع عن نفسها ومكوناتها وذلك عن طريق الأسلوب والإستراتيجية المناسب لطبيعة الخطر. فهي بذلك تنتعش وتتقلص أو تهادن أو تدافع وتهاجم كأي كائن حي له ميكانيزمات البقاء.

إن اللغة هي التعبير الحقيقي عن ذكاء الشعب، حيث أن الطابع الفكري لكل شعب، إنما يتجسد عبر الألفاظ والعبارات التي تتكون منها اللغة. اللغة وحدها هي التي تسمح بالاحتفاظ بالتقاليد ونقلها من جيل إلى جيل. وفي هذه التقاليد تجد الأساطير تعبيراتها الرمزية والأغاني المتداولة مصادرها الحقيقية. يقول هردز في هذا المعنى: "اللغة هي تعبير عن تلقائية روح الشعب، إنها عصير الحياة للأمة. الضمير القومي للأمة لا يمكن أن يتبلور إلا من خلال الأدب الذي تخلقه قريحة لكل الأمة"(18).

إن اللغة العربية لا تعرف الحدود السياسية والجغرافية بل تتعدى ذلك لأنها تراكم وانصهار للمقومات الموحدة كونها تصدر عن منابع متعددة المرجعيات، ففي العراق أشورية وفي مصر مرجعية قبطية، فرعونية، إسلامية ومعاصرة، وفي لبنان وسوريا وفلسطين فينيقية، وفي المغرب فينيقية وبربرية، وفي الصومال والسودان تراث إفريقيا السوداء ومن ثم فإنها تسهم في بناء مذهب إنساني جديد وتاريخي في الوقت نفسه. واللغة في الحقيقة تكشف عن ذات الإنسان وعن أسراره كينونته حتى ولو أراد أن يخفي ذلك عن الناس.

إننا درك أهمية اللغة من خلال ارتباطها الوثيق بالأمة، فغالبا ما تقترن اللغة باسم الأمة وهويتها القومية، فتصبح أساسا مميزا لها عن بقية الأمم في حالة التعرف عليها وعلى الأفراد المنتمين لها، فنقول على سبيل المثال، إن للعرب لغتهم وهي اللغة العربية وللفرنسيين لغتهم وهي اللغة الفرنسية وللألماني لغتهم وهي اللغة الألمانية وهكذا...

يقول ساطع الحصري: "إن اللغة سواء قلنا أنها خل دفعة واحدة من قبل الله، أم ذهبنا إلى أنها تكونت تدريجيا بعمل العقل، فلا يمكن أن نشك في أنها - في الحالة الراهنة - هي التي تخلق العقل أو على الأقل تؤثر في التفكير تأثيرا عميقا، وتسدده، وتوجهه توجيها خاصا... من ثمة فاللغة القومية تعتبر بمثابة الوعاء الذي تتشكل به وتحفظ فيه، وتنتقل بواسطته أفكار الشعب. إن لغة الآباء والأجداد مخزن لكل ما للشعب من ذخائر الفكر والتقاليد والتاريخ والفلسفة والدين، فقلب الشعب ينبض في لغته وروحه وتكمن في بقاء هذه اللغة"(19).

ولما كانت اللغة بمنزلة القلب والروح للأمة، فإن يتعين عل كل أمة أن تتمسك بلغتها الخاصة تمسكها بحياته وتعتبر هذا التمسك بمثابة الواجب المقدس والحق المشروع الذي تهون في سبيله أرواح الأفراد.

إن الشعوب التي تتكلم لغة (أم) واحدة، تكون ذات قلب واحد، وروح مشتركة، ولذلك تكون أمة مشتركة يتوق أفرادها إلى العيش تحت لواء دولة واحدة،، يبقى دائما متأججا في أعماق الأفراد، كالنار تحت الرماد، لا تلبث أن تشتعل بمجرد أن تذرو الرياح القومية ذلك الرماد(20).

ذلك أن أي شعب من الشعوب لا يفقد حياته وكيانه تحت أي تأثير خارجي إلا عندما يفقد لغته ويصبح من الناطقين بلغة حكامه... فعندئذ فقط يموت الشعب ويذوب في بوتقة الغير ليصبح جزءا من أمة أخرى.

ففي هذا المعنى يقول جرجي زيدان: "اللغة المختلفة في مملكة واحدة إنما هي حواجز منيعة ضد الاحتكار الفعلي، وتدفع الأفكار، والعادات من عنصر إلى عنصر، فهي مانعة من الالتئام في وحدة قومية واحدة، يمكنك أن تجمع جماعات تحت راية حكم واحد، ولكنك لا تقدر أن تجمعها في قومية واحدة، إذا كانت متعددة اللغات ما لم تعمم فيها لغة واحدة"(21).

وعن اللغة العربية والشخصية القومية لا نجد ما نستشهد به خيرا مما قاله أحد أئمة اللغة القومية العربية وهو الأستاذ محمود تيمور: "فإذا كانت الإمبراطورية العربية قد أسدل ستارها على مسرح السياسة فهي قائمة في مظهر لغوي يربط بين من ضمت من الشعوب، ونحن نعمل بواعيتنا الظاهرة والخافية على استبقاء رباطنا الإمبراطوري في صورة اللغة العربية، كأننا بهذا الرباط نعمل على أحياء إمبراطوريتنا الزائلة، على نحو يلائم ملابساتنا الحضرة، فإيماننا بالفصحى مستمد من إيماننا بتلك الإمبراطورية التي تتجمع فيها أمجادنا التليدة، وإننا بذلك الإيمان نستمسك بمقومات شخصيتنا العزيزة علينا وعلى تاريخ الإنسانية جميعا، وفي هذا الاستمساك تلتق مشاعرنا الطبيعية، لحماية أنفسنا في معترك تنازع البقاء"(22).

2 - التحديات التي تواجه الهوية واللغة:

تتعدد مصادر التحديات التي تواجه الهوية، بقدر ما تضعف المناعة لدى الفرد والمجتمع، ولكن المصدر الأساسي الذي يأتي منه التحدي الأكبر لهوية الأمم والشعوب كافة، يكمن في السياسة الاستعمارية الجديدة التي تسود العالم اليوم، والتي ترمى إلى تنميط البشر والقيم والمفاهيم وفق معاييرها الجديدة، والتي تسعى إلى صياغة هوية شمولية تفرضها في الواقع الإنساني، في إطار مزيف من التوافق القسري والإجماع المفروض بالقوة. والخطورة في هذا الأمر، أن قوة الأبهاء التي تُطرح بها هذه الهوية الشمولية ذات المرجع الغربي، والأمريكي تحديداً، تعمى الأبصار عن رؤية الحقائق على الأرض كما هي، مما يؤدى إلى توهم أن هذه الهوية المغشوشة، هي الهوية العصرية، الهوية الكونية، هوية التحديث والمدنية، الهوية التي ينبغي أن تسود وتقود، ولا هوية الجمود والهمود(23).

أما كونها هوية عصرية، فهذا صحيح من بعض الوجوه، لأنها مفروضة على هذا العصر بقوة الهيمنة والسيطرة والغلبة، وأما كونها هوية كونية، فهذا أبعد ما يكون عن حقائق الأشياء لأن في العالم هويات متعددة، بقدر ما فيه من ثقافات وحضارات، أما أنها هوية التحديث والمدنية، فينبغي أن نفهم جيداً أن للحداثة دلالات ومفاهيم ومستويات، فمنها حداثة مادية، وضعية، مقطوعة الصلة بالدين، ومنها حداثة أخلاقية، إنسانية بانية للإنسان بعناصره المتكاملة وللحضارة في أبعادها المادية والروحية واللغة جزء من الإرث الحضاري والتي تواجه شتى أنواع التحديات باعتبارها أداة التعبير والتواصل بين أفراد المجتمع، وترجمانا ينقل الأفكار للآخرين ليتم التفاهم والإقناع أو التأثير.

لقد ترسخ عند معظم أبنائنا بعجز اللغة العربية عن مواكبة حركة العلم والتكنولوجيا، وتأكدت أمامهم عظمة اللغات الأجنبية الأخرى التي تحتضن الفكر العربي المعاصر وتنقله مما نتج ذلك الشعور بالدونية والنقص أمام اللغات الأخرى. ولقد صار النطق باللغات الأجنبية دليل تفوق فكري وحضاري.

والسؤال المطروح، هل تغيرت اللغة العربية من حيث الفاعلية التواصلية؟ ولماذا استطاعت هذه اللغة أن تحتضن ثقافات عديدة طوال فترة من الزمن؟ إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في اللغة ذاتها بل في الإنسان العربي الذي يعيش مرحلة انبهارا وشعور بالنقص والضعة من انتمائه، فيمارس هذا النقص هروبا من أصالته وهويته، لأن الهوية ترتبط باللغة لذلك كان الاعتزاز باللغة اعتزازا بالانتماء القومي ومن يتخلى عن انتمائه القومي وعرقه وأصله فكأنه الجسد بلا روح.

إن نقص الثقافة اللغوية لدى الإنسان العربي أثر سلبا على المردود الفكري والثقافي ويتمثل ذلك النقص في القراءة والمطالعة لأن جيل الأمس كان يقرأ في شبابه كثيرا من أجل أن يبني ويكون نفسه، فيجد في القراءة متعة وثقافة وتعلما، وهنا تظهر الفجوة الواسعة التي تفصل بين اهتمامات كل من الجيلين وثقافتهما ومعلوماتهما، وأسلوبهما في التفكير. إن جيل اليوم لا يقرأ كثيرا بل يتصفح قليلا وهو مشغول البال، مشتت الأفكار، لا يتمتع بالجرأة العلمية فهو لا يدري من الثقافة إلا مصطلحاتها، وتسيطر عليه العامية، لذا نلاحظ الكثير من المثقفين اليوم وقد أصابهم العجز الكبير في ثقافتهم اللغوية.

وما من حاجة للقول بأننا نملك لغة فصحى هي مكون موحد قوي للهوية العربية والثقافة العربية معا. ذلك أنه من وجهة نظر معينة فإن اللغة العربية بحد التعريف لغة مقدسة، مطلقة بل تجري التقاليد لأنها لغة إلهية، ومع ذلك فإنها واسطة من وسائط الثقافة المعاصرة ومن بديل إلا بأن تكون مرنة، تعددية، نسبية ودينامية.

الهوامش:
1 - دوجلاس براون: أسس تعلم اللغة العربية وتعليمها، ترجمة د. عبده الراجحي ود. علي أحمد شعبان، دار النهضة العربية، بيروت، 1994، ص 23.
2 - سورة يوسف، الآية 2.
3 - سورة طه، الآية 113.
4 - سمدون حمادي وآخرون: اللغة العربية والوعي القومي، مركز دراسات الوحدة العربية، أبريل 1984، ص 291.
5 - انظر، بسام بركة: اللغة العربية القيمة والهوية، مجلة العربي، العدد 528، نوفمبر 2002، ص 82.
6 - المرجع نفسه، ص 86.
7 - المصدر السابق، ص 76.
8 - د. بسام بركة: المصدر السابق، ص 84.
9 - د. محمد الطيبي: العرب الأصول والهوية، دار الغرب 2002، ص 139.
10 - المرجع نفسه، ص 81.
11 - د. بسام بركة: المصدر السابق، ص 84.
12 - ج. فندريس: اللغة، ترجمة عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة 1951، ص 1.
13 - سورة القيامة، الآية 4، تفسير الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، المطبعة الآمرية، القاهرة 1323، ص 110.
14 - فندريس: اللغة، ص 5.
15 - المصدر نفسه، ص 1.
16 - د. حنفي بن عيسى: الطفل ومعضلة القصور اللغوي في العالم العربي، مجلة الثقافة، العدد 98، مارس-أبريل 1987، ص 120-121.
17 - سمدون حمادي وآخرون: اللغة العربية والوعي القومي، بيروت 1984، ص 259.
18 - المرجع نفسه، ص 265.
19 - ساطع الحصري: ما هي القومية، دار العلم للملايين، بيروت، (د.ت)، ص 56.
20 - مجلة تربوية ثقافية تصدرها وزارة التربية والتعليم الأساسي، العدد 3، 1982، ص 8.
21 - المرجع نفسه، ص 11.
22 - المرجع نفسه، ص 12.
23 - د. سيار الجميل: مجلة الدوحة، فبراير 1986، ص 11.
الإحالة إلى المقال:

* الشريف كرمة: اللغة العربية وعلاقتها بالهوية، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس 2006. http://annales.univ-mosta.dz

***