اللغة العربية بين النص التراثي والنص الحداثي

طانية حطاب
جامعة مستغانم، الجزائر

الملخص:

إن الكثير من الباحثين والدارسين يتهمون اللغة العربية بالقصور والعجز، وبأنها لم تستطع استيعاب ما يحدث اليوم من تطور في مجال العلوم والتكنولوجيا، يقولون إنها لغة أدب وشعر لا لغة علم وتطور. فهل هذا النقص كما يدعون موجود في طبيعة لغتنا العربية أم هو راجع إلى طريقتنا في التفكير والتعامل مع الآخرين وإلى قدرتنا على التكيف والتأقلم معهم في ظل هذا الوضع الجديد، زمن العولمة. من هذا المنظور، ستكون مداخلتي التي ستحاول رصد ما حل بالعرب ولغتهم في زمن لا يرضى إلا بالقوي المهيمن.

الكلمات الدالة:

التراث، الحداثة، اللغة العربية، التطور، العولمة.

***
Arabic language between heritage text and modernist text

Abstract:

Many researchers and scholars accuse the Arabic language of shortcomings and impotence, and that it has not been able to comprehend what is happening today in the field of science and technology. They say it is a language of literature and poetry, not a language of science and development. Is this deficiency, as they claim, present in the nature of our Arabic language, or is it due to our way of thinking and dealing with others and our ability to adapt with them in light of this new situation, a time of globalization. From this perspective, it will be my intervention, which will try to monitor what happened to the Arabs and their language at a time that only satisfies the dominant force.

Key words:

heritage, modernity, Arabic language, evolution, globalization.

***

النص:

إن القول بأن اللغة أساس عمليات التواصل التي تجري بين أفراد المجتمع، قول لا يشوبه خطأ. فهي ترجمان لما يخالجهم من أفكار وعواطف مختلفة. ولا يمكن الزعم بأن كل ما تقوم به اللغة هو الربط بين أعضاء المجتمع، إنما يعزى لها الفضل كذلك في كونها أساس الفعل الثقافي، "ففي كل مجتمع، مهما كانت طبيعته وسعته، تلعب اللغة دورا ذا أهمية أساسية، إذ هي أقوى الروابط بين أعضاء هذا المجتمع وهي في الوقت نفسه رمز إلى حياتهم المشتركة وضمان لها"(1).

والواقع، أن العلاقة بين اللغة والثقافة "علاقة متبادلة ومتفاعلة، ذلك أن اللغة تتأثر بتطور المجتمع من جهة، ومن جهة ثانية تفعل في الواقع المجتمعي. فهي بمثابة دليل لهذا الواقع"(2). من هنا كانت اللغة ظاهرة اجتماعية - ثقافية تتأرجح بين الأخذ والعطاء، أي بين التأثير والتأثر.

وعلى غرار بعض اللغات السامية القديمة التي ما زالت حية موجودة إلى يومنا هذا، نجد اللغة العربية قد حافظت على جوهرها على الرغم من كل ما تعرضت له من تغيرات، بيد أنها تغيرات أفادتها دون أن تمس كيانها. "ويرى الباحثون - ومنهم بروكلمان - أن اللغة العربية كانت أكثر قدرة من اللغات الأخرى على الاحتفاظ بأصالتها، ولكن هذا لا يعني أبدا أنها لم تستفد من أخواتها الساميات، أو أنها لم تتأثر بهن ولو في بعض لهجاتها التي تتكلم بها بعض القبائل العربية"(3).

ومما هو صادق في ذهني تمام الصدق، أنه ما من لغة تضاهي اللغة العربية نماء وثراء، خاصة أنها أثبتت في الماضي قدرتها على مواكبة الحضارة العربية الإسلامية، "حيث كانت خير وعاء يعكس ويتضمن هذا الركب الحضاري الهائل وما جد فيه من معارف عديدة، كما أنه لم يصبها عجز ولا عقم على استيعاب كل ذلك، فقد استطاعت أن تحوي حضارة اليونان والفرس وأن تكون الأداة الطيعة لتقبل كل ما جد على الساحة اللغوية آنذاك"(4).

يقول أحد الباحثين: "قد يظن البعض أن تأثر اللغة العربية بغيرها من اللغات الأخرى، أو ضم ألفاظ من هذه اللغات إليها كان في وقت متأخر، ولكن الحقيقة غير ذلك، إذ أن العربية أخذت تحقق ذاتها بالأخذ والعطاء منذ فجرها الأول، وإنها لو لم تفعل ذلك لكانت مخالفة لسنة الحياة في التطور والبقاء"(5). وهذا صحيح من الوجهة التاريخية. ولكن الإشكالية المطروحة اليوم، هي في مدى قدرة هذه اللغة التي اصطفاها الله دون غيرها من اللغات واللهجات لتكون لغة القرآن، على مواكبة شمس الحضارة الساطعة من الغرب. فالكثير من الباحثين والدارسين يتهمون اللغة العربية بالقصور والعجز، وبأنها لم تستطع استيعاب جميع ما يحدث اليوم من تطور في مجال العلوم والتكنولوجيا. بمعنى أنها أصبحت لغة متحجرة عاجزة عن القيام بدورها في فعل المثاقفة، وبالتالي ستصبح مقصاة من الساحة الثقافية لا يُرجَع إليها إلا لقراءة النص التراثي ونقصد هنا النص الديني من جهة، والنص الشعري الجاهلي من جهة ثانية.

ولكن الحقيقة، أن المشكلة ليست مشكلة لغة، إنما هي مشكلة مرض ثقافي أصاب العرب المسلمين. "إن العالم الإسلامي يعاني في ثقافته من مشكلات كثيرة، منها، مثلا، أن رجال الفكر والعلماء يلجؤون إلى حث الناس على تقليدهم، ولا يسمحون لهم بالتفكير المستقل الحر، وهي مشكلة تمس موضوع إلغاء العلم والعقل بحجة القلب والعرفان، ففي بداية التعليم لا بد من التقليد لاستيعاب مفاهيم البيئة والثقافة وتعلم اللغة، ولكن الاستمرار في التقليد يعد كارثة، (...) لأن العلم الذي يكتسب بالتقليد يذهب بالتقليد"(6).

فإذا ما جئنا إلى قضية تعامل العلماء واللغويين مع النص الديني، وجدناهم يوظفون اللغة من أجل تفهم هذا النص واستبيان حقيقته، بمعنى أنهم لم يعنوا بالدراسات اللغوية إلا لعنايتهم بالدراسات القرآنية. حتى دراستهم للشعر الجاهلي الذي اعتبر النموذج الأمثل والأقوم والأصلح للدراسة، إنما كان خدمة للنص القرآني. فإذا ما استصعبت عليهم لفظة لغوية في القرآن، لجأوا إلى الشعر الجاهلي ليتفهموا معناها ومبناها. فالقصور إذاً لا يكون "في طبيعة اللغة وإنما يكون في النظرة المعرفية وفي طريقة التفكير والفهم. ولو كان في طبيعة اللغة، لكان الفكر واحدا، ولما أمكن التفكير إلا في اتجاه واحد، ولتساوى المفكرون والشعراء جميعا في نتاجهم نوعا وقيمة"(7).

فمحاولة العلماء استكناف النص الديني واستبيان حقيقته، وحصر مجمل جهودهم في هذا الجانب، أبعدهم عن الواقع، وبالتالي أبعد اللغة العربية عن هذا الواقع. بمعنى أنها ركزت على الروح وأهملت المادة ضمن إطار هذه العقلية وهذه الطريقة من التفكير. وظلت على هذه الحال قرونا طويلة إلى يومنا هذا، فلما جاءت لتواكب تطورات زمن العولمة لم تجد لها مكانا ولا إحداثيات على خريطة عالم اليوم المتغير باستمرار، لأنها لم تستطع التكيف مع هذا الكم الهائل من التطورات، ولم تجد مخرجا من هذا المأزق الثقافي سوى البقاء على ما هي عليه والمحافظة على ما وصلت إليه كأقل تقدير. من هنا جاء الزعم أن اللغة العربية لغة تراث لا لغة حداثة، لغة شعر وأدب لا لغة علم وتكنولوجيا، لغة انغلاق حدث بعد انفتاح لا لغة استمرار ودوام انفتاح.

يجب أن نعترف اليوم أن الحضارة تأتينا من الغرب، وأننا نحسن فعل الاستهلاك والتقليد، فنحن لم نسهم كما أسهم أسلافنا صانعو الحضارة العربية الإسلامية في صناعة المجتمع وصناعة الثقافة، وبالتالي نجد أنفسنا عاجزين أمام هذا التطور الهائل الحاصل في الجهة الأخرى من الأرض.

إن ممارسي اللغة العربية شعراء وأدباء مطالبون اليوم بالبحث عن لغة عربية تحقق الطموح الحداثي الذي نسمو إليه، أي عن لغة بديلة هي الابنة البارة للعصر، وليس استعادة لغة التراث وفرضها كمقياس للكتابة. فالنص الحداثي بكل علاقاته التناصية يجمع الماضي والحاضر، ويقرن التراث بالحداثة. لذا فعلى الأدباء جعل لغتهم العربية مناسبة لطموح النص الحداثي المنفتح على الآخر، المستوعب لمختلف التغيرات، فالكتاب مطالبون اليوم بجعل لغتهم العربية لغة انفتاح لا انغلاق، لغة فاعلة حيوية لا لغة توسم بالعقم والتحجر.

إن الذي يكتب اللغة، مبدع، استطاع أن يتجاوز لغة النموذج الأول، ويخلق لنفسه لغة خاصة تميزه عن غيره، أما الذي تكتبه اللغة، فهو لا يتعدى أن يكون أداة طيعة في يد اللغة بدل أن تكون اللغة أداة طيعة في يده، لأنه لم يتمكن من تجاوز حدود لغة النص الأول وقيوده، فيجد نفسه كأنما يكرر ما قيل من قبل. "وهذا يعني أن الكاتب المتميز، ولا سيما الشاعر الناجي من التزوير، هو من يجعل اللغة شديدة القدرة على التألق، أو حتى على التوهج، ويحث الأنثى الراخمة في داخلها على الإنجاب بكل ما هو منعش للروح، بل بكل ما هو قادر على إعادة خلقها، إذ لا ريب في أن الروح يولد على الدوام في قلب الكلمات. وبذلك، فإن الكتابة الأصيلة من شأنها أن تخلص اللغة من كل ضمور(8). فالأديب شاعرا كان أو ناثرا من شأنه توسيع مساحة اللغة، فبانتعاش الحركة الأدبية تنتعش اللغة وتتطور. وهذا ما يؤكده السامرائي حين يقول: "وتكون الحركة الأدبية عاملا مهما في تطور اللغة، فإن ما ينتجه الشعراء والأدباء واحتذائهم أساليب معينة واستعمالهم مفردات بذاتها للدلالة على بعض المعاني وتأثرها بأساليب أجنبية، وقيامهم بترجمة مفردات أو مصطلحات أجنبية، كل ذلك يؤثر في اللغة"(9). وهذا التأثير تأثير إيجابي لا ريب في ذلك.

لقد بات من الواضح أن هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها اللغة العربية إنما هي مرحلة طبيعية في مسار حياة أية لغة، ولكن هذا لا يمنع كتاب اللغة العربية وممارسيها الطامحين إلى الارتقاء بنصوصهم وجعلها مناسبة لتغيرات زمن العولمة، مواكبة لتطوراته، لا يمنعهم من أن يرجعوا للغتهم مجدها ودورها في الفعل الثقافي المؤدي إلى التلاقح الحضاري واتصال الشرق بالغرب، شرق بروحياته وغرب بمادياته. عليهم تجاوز النص الأول لأن النص الحداثي في جوهره نص اختراق وتجاوز، يستلهم القديم والحديث ليخلق شيئا جديدا بلغة جديدة. ولا يعني هذا أبدا أن نقصي النص الأول أو النص التراثي، لأن الجديد لا يقوم إلا على أساس القديم، فالنص: "كائن لغوي يشهد على حضور التراث فيه"(10).

الهوامش:
1 - إبراهيم السامرائي: فقه اللغة المقارن، دار العلم للملايين، ط3، بيروت 1983، ص 159.
2 - ميشال زكريا: الألسنية المبادئ والأعلام، المؤسسة الجامعية للدراسات والتوزيع، ط2، بيروت 1983، ص 221.
3 - محمد رواس قلعجي: لغة القرآن، دار النفائس، بيروت 1988، ص 11.
4 - عبد الحميد بوفاتيت: اللغة مستويات، مجلة آمال، العدد 55، 1982، ص 66.
5 - محمد رواس قلعجي: لغة القرآن، ص 11.
6 - هيام الملقي: التجارب الروحية بين التأصيل الإسلامي والاغتراب الثقافي، دار الفكر، بيروت - دمشق 2001، ص 240-241.
7 - أدونيس: كلام البدايات، دار الآداب، بيروت 1989، ص 120.
8 - انظر، يوسف سامي اليوسف: الخيال والحرية مساهمة في نظرية الأدب، دار كنعان، دمشق 2001، ص 171.
9 - عبد الحميد بوفاتيت: اللغة مستويات، مجلة آمال، ص 67.
10 - رولان بارت: لذة النص، ترجمة منذر عياشي، ط2، سوريا 2002، ص 14.
الإحالة إلى المقال:

* طانية حطاب: اللغة العربية بين النص التراثي والنص الحداثي، مجلة حوليات التراث، جامعة مستغانم، العدد السادس 2006. http://annales.univ-mosta.dz

***